القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

رواية جلـباب الدـ,ـم كامله وحصريه





جلـباب الدـ,ـم

الفصل الاول

لم تكن تلك الليلة ليلة زفاف بقدر ما كانت ليلة حكم نهائي صدر قبل ان تُستدعى داليدا للدفاع عن نفسها.

في بيوت الصعيد لا تُسأل الفتاة عما تريد بل يُسأل عنها اين ستوضع وكيف ستُحفظ ومن سيكون صاحب الحق في كتمان صوتها اذا بكت.

كانت داليدا في الثامنة عشرة حين وقفت امام المرآة ترتدي فستانا ابيض واسعا كأنه لا يخصها وكأن الجسد الذي بداخله ليس جسدها بل وديعة سُلّمت خطأ.

لم تكن تبكي لم تكن تصرخ كانت فقط تشعر بان شيئا ما يُسحب منها ببطء دون ان يُسمى.

سمعت الاصوات من خلف الجدران ضحكات نسوة وزغاريد متقطعة وكلمات مبهمة عن الشرف والحفظ والستر لكنها لم تكن تسمع اسمها كإنسانة بل كحالة يجب السيطرة عليها.

ثم سمعت الجملة التي غيرت كل شيء صوت ام عمران حاسما لا يحمل شفقة يا تدخل عليها بيدك يا دكتور يا تسيبنا احنا النسوان نتصرف البنت لازم نطمن.

تجمدت قدماها للحظة لم تفهم المعنى الكامل لكنها فهمت الخطر فبعض الكلمات لا تحتاج شرحا يكفي ان تُقال في بيت مغلق لتتحول الى سكين.

لم يكن الخوف جديدا عليها لكنها في تلك اللحظة فهمت ان الخوف لم يعد فكرة بل صار فعلا قادما.

عمران ابن عمها الرجل الذي لم تره الا من بعيد في مناسبات قليلة الرجل الذي كان اسمه يُذكر دائما مقرونا بالقوة والصمت والهيبة لم يكن في مخيلتها زوجا بل جدارا.

كبرت وهي تعتقد انه لا يراها وان المسافة بين المدينة التي عاشت فيها والقرية التي وُلدت منها كافية لحمايتها لكنها اكتشفت متأخرة ان العين لا تحتاج قربا حين يكون الحكم جاهزا.

خلعت الطرحة بيد مرتعشة ونظرت الى نفسها للمرة الاخيرة لم تر عروسا بل فتاة محاصرة بجمال لم تطلبه وبقدر لم تفاوض عليه.

خرجت من الغرفة بهدوء لم تصدر صوتا لانها تعلم ان الصوت في تلك البيوت جريمة.

تسللت عبر الممر الطويل وذكريات الطفولة تلاحقها خطوات جدتها وصوت امها ونظرات الرجال التي كانت تشعر بها حتى وهي طفلة.

حين خرجت الى الليل شعرت ان الهواء بارد لكنه حرر صدرها قليلا فبدأت تركض لا لانها تعرف اين تذهب بل لان البقاء صار مستحيلا.

كان الفستان يعيقها والارض غير ممهدة والظلام كثيفا لكنها لم تتوقف لان التوقف يعني العودة والعودة تعني ان تصبح رقما في حكاية قديمة.

وفي تلك اللحظة لم تكن تعرف ان الرجل الذي تخشاه كان يعرفها اكثر مما تتخيل وان الصمت الذي حسبته قسوة كان حربا مؤجلة.


جلـباب الدم

الفصل الثاني

لم يكن عمران مفاجأة تلك الليلة بقدر ما كان انكشافا متأخرا لحقيقة ظلت مؤجلة سنوات.

حين رآها واقفة امامه بثوبها الابيض وعينيها المذعورتين لم ير العروس التي يتحدث عنها الجميع بل رأى الطفلة التي كان يراها تختبئ خلف امها كلما ارتفعت الاصوات في البيت الكبير.

عرف داليدا قبل ان تعرفه لم يجلس معها يوما ولم يتبادل معها كلمة لكنه كان يراها في صمت يراقب انكسارها الصغير كلما ذُكر اسمها في المجالس مقرونا بالحفظ والستر وكأنها شيء هش لا روح له.

لم يقترب لان الاقتراب في تلك البيوت لا يكون بريئا ولان قلبه كان يعرف ان ما يشعر به ليس امتلاكا بل خوفا عليها من الامتلاك.

حين قال لها اركبي لم يكن امرا ولا نجدة زائفة كان اختيارا تركه لها كاملا لذلك ركبت.

سارت السيارة ببطء لم يكن يهرب بها بل يمنحها وقتا لالتقاط انفاسها ولرؤية الطريق خارج ضيق القرية.

توقفت عند البيت القديم الذي بناه الجد ثم هجره حين لم يعد يناسب هيبته بيت يعرف عمران كل شقوقه وكل صمته.

جلسا متقابلين لم يقترب ولم يمد يده ولم يحاول ان يطمئنها بكلمات سهلة لان الطمأنة السهلة كذب.

قالت له بعد صمت طويل انا كنت فاكرة انك عارف وكنت ساكت.

رد بهدوء كنت عارف انك محكومة بس كنت مستني اللحظة اللي تختاري فيها انك تقولي لا.

رفعت عينيها اليه للمرة الاولى دون خوف كامل وقالت وانا لو ما هربتش.

قال دون تردد كنت هدخل واقف قدامهم واقول لا بدل منك بس الهروب كان صوتك وانا احترمته.

تحدثا طويلا لم يكن حديث عاشقين بل حديث انسانين يحاولان ان يفهما انفسهما وسط عالم لا يعترف بالفهم.

حكى لها عن وحدته وعن غيابه عن الاب وعن صراعه الدائم مع صورة الرجل التي يريدها الصعيد منه وعن رفضه ان يكون اداة في كسر امرأة مهما كان الاسم الذي تُعطى له.

وحكت له عن المدينة التي احبتها وعن حلمها بالدراسة وعن خوفها الدائم من العودة وعن احساسها انها جميلة اكثر مما يجب في مكان لا يغفر الجمال.

قالت له بصوت ثابت هذه المرة انا مش عايزة اهرب انا عايزة اعيش.

نظر اليها طويلا ثم قال الجملة التي استقرت في قلبها كالعهد لو كنتي استنيتي كنتي عرفتي ردي واني مقبلش مراتي حد يقبلها.

في تلك اللحظة لم تحبه كمنقذ بل كشريك ادركت ان روحه تشبه روحها في الرفض وفي الرغبة في النجاة دون كسر احد.

اتفقا دون ورق ودون شهود على العودة لا للانصياع بل للمواجهة وعلى الزواج لا كحكم بل كاختيار وعلى الوقوف معا لا امام بعض.

الفصل الثالث

عادا مع شروق الشمس لم يكن الليل ستارا بل كان الشجاعة في الضوء.

دخل عمران البيت الكبير وداليدا الى جواره لا خلفه ولا متأخرة خطوة واحدة.

توقفت الاصوات والهمسات والعيون اتجهت اليهما في صدمة لم يعرفها البيت من قبل.

وقف عمران في منتصف الدار وقال بصوت واضح لا يحمل انفعالا ولا تهديدا دي مراتي على كتاب الله وسنة رسوله واللي يفكر يقرب لها يبقى بيقرب مني انا.

تعالت الاصوات عن العرف وعن كلام الناس وعن الدم لكنه لم يرفع صوته بل رفع قامته فقط.

قال اللي يحافظ على شرفه بالقهر ما حافظش عليه واللي شايف مراته ملك يبقى عمره ما شاف ست.

اقتربت امه محاولة السيطرة فقال لها بهدوء حاسم انا اخترت اكون راجل بطريقتي مش بطريقتكم.

وقفت داليدا بجانبه شعرت لاول مرة ان الارض ثابتة تحت قدميها وانها ليست عبئا ولا فتنة بل امرأة اختارت ان تُحب وتُحترم.

سكت البيت لا اقتناعا بل ادراكا ان عمران لم يعد الحلقة الاضعف التي يمكن الضغط عليها.

مرت ايام ثقيلة لم تكن سهلة لكن لم يكن فيها خوف.

تعلمت داليدا ان ترفع عينيها وان تقول رأيها وتعلم عمران ان الحب ليس تحديا فقط بل رعاية.

في الصعيد لا تُكسر الاحكام دفعة واحدة لكنها حين تُكسر مرة لا تعود كما كانت.

لم يسفك دم ولم تُطلق رصاصة لكن شيئا اقدم من ذلك تغير.

صار الجلباب الذي لبسه عمران يوم المواجهة جلباب دم بالمعنى القديم دم الموقف لا دم السكين.

وهكذا اكتملت روحهما لا بالهروب بل بالوقوف ولا بالصمت بل بالكلمة.

وفي قرية اعتادت ان تُورث الخوف وُلد زواج جديد من اختيار لا من حكم.

جلـباب الدم الجزء الثاني

الفصل الاول

مر اسبوعان بعد العقد ولم يتغير البيت الكبير في شكله لكنه تغير في ميزانه.

لم تعد داليدا تمشي فيه كضيف ثقيل ولا كفريسة نجت مصادفة بل كزوجة لها اسم ومكان وحدود لا يسمح عمران لاحد ان يتجاوزها.

كان عمران يخرج صباحا الى وحدته الصحية في المركز ثم يعود مع غروب الشمس لا يرفع صوته ولا يبرر ولا يعتذر لانه لا يرى الحب تهمة تحتاج دفاعا.

في الليلة الاولى بعد الزفاف لم يطلب منها شيئا سوى ان تجلس وان تتنفس وان تتذكر انها في بيتها لا في قفصها.

قال لها وهو يضع كوبا من الشاي امامها انتي مش مطالبة تثبتي لحد حاجة.

نظرت اليه وهي لا تزال تتوقع فخا جديدا ثم قالت بصوت خافت انا كل ما اهدى بخاف يطلع ده هدوء قبل العاصفة.

هز رأسه ببطء وقال انا العاصفة اللي هتتعب كل اللي عايزك تنكسري.

كانت تلك الجملة اول مرة تشعر فيها داليدا ان رجلا يقول لها انا معك لا انا فوقك.

في اليوم التالي استيقظت على صوت طرق خفيف على الباب لم تعتده في ذلك البيت.

دخل عمران وهو يحمل صينية عليها فطور بسيط خبز وجبن وعسل.

قال مبتسما من غير مبالغة عارف ان امي كانت بتعتبر ان الاكل للستات خدمة وانا شايف ان الخدمة دي حب.

ابتسمت رغم عنها ثم قالت انت بتعمل كده عشان تغيظهم.

قال بهدوء عشان اغيظ خوفك الاول.

جلس امامها ولم يأكل حتى بدأت هي تلمس الطعام وكأنه يريد ان يطمئن الى انها تعود للحياة بالتدريج لا دفعة واحدة.

بعدها بأيام حين حاولت بعض النسوة فتح موضوع تلك الليلة القديمة في الخفاء وقف عمران بينهن وبينها دون صراخ وقال داليدا ما تتسألش عن حاجة غير اللي عايزة تحكيه بنفسها.

خرجت داليدا خلفه الى فناء البيت والهواء بارد.

كانت ترتجف لا من البرد بل من اثر الكلمات.

تقدم عمران خطوة واحدة ثم توقف حتى لا يقترب اكثر مما تحتمل.

قال عارف انك بتتوجعي من غير ما تتكلمي.

ردت وهي تنظر الى الارض انا بس تعبت من اني طول الوقت مستعدة للهجوم.

قال وهو يرفع يده ببطء ثم يتركها في الهواء كاستئذان لو اذنتيلي امسك ايدك.

رفعت عينيها اليه ثم مدت يدها نحوه بنفسها.

امسكها برفق كأنه يمسك وعدا لا جسدا.

قال بصوت ثابت من هنا ورايح الهجوم ده هيمر عليا قبل ما يوصل لك.

الفصل الثاني

بدأت داليدا تستعيد نفسها في تفاصيل صغيرة كانت غائبة عنها مثل ان تختار ثوبها بيدها وان تفتح النافذة متى شاءت وان تمشي في الدار دون ان تضع رأسها في الارض.

كان عمران يراقب ذلك في صمت لا يصفق لها ولا يعاملها كطفلة تتعلم من جديد بل كزوجة تعود الى حقها الطبيعي.

في مساء يوم خميس عاد عمران مبكرا على غير عادته.

وجدها في المطبخ تحاول صنع خبز بسيط لكنها كانت مرتبكة لان احدى النسوة دخلت قبل ساعة وقالت لها بلهجة تحمل السم داليدا ست بيت كبير لازم تعرف اصوله.

توقفت يداها حين رأته.

قال لها وهو يخلع عباءته سيبي اللي في ايدك.

قالت بتوتر لازم اثبت لهم اني اقدر.

اقترب خطوة واحدة ثم قال انتي مش في اختبار.

ثم وضع يده على سطح الطاولة بجانب يدها دون ان يمسها وقال اثبتي لنفسك بس انك مرتاحة.

تنفست بعمق ثم قالت وانا مش مرتاحة غير لما اسمع صوتك وانت واقف جنبي.

لم يبتسم عمران ابتسامة كبيرة لكنه نظر اليها نظرة طويلة فيها حنان واضح ثم قال يبقى اسمعيني كويس انا جنبك حتى وانت ساكتة.

خرج بها الى فناء البيت حيث شجرة سدر قديمة.

جلسا تحتها والليل هادئ.

قالت له فجأة انت كنت بتحبني امتى.

قال بهدوء من اول مرة شفتك واقفة في العيد جنب امك وكنت بتضحكي ووشك كله نور.

قالت وانا ما كنتش شايفاك.

رد وهو ينظر الى السماء انا كنت شايفك كفاية ليكي وليا.

صمتت لحظة ثم قالت انا كنت فاكرة ان الحب في الصعيد لازم يكون قاسي او متخفي.

قال لا الحب في الصعيد لو صدق بيبقى جبل.

ثم التفت اليها وقال انتي مش بس زوجتي.

انتي راحتي اللي عمري ما كنت لاقيها.

هنا شعرت داليدا ان قلبها يلين دون خوف وان الكلمة حين تخرج من رجل صادق تصبح بيتا.

في تلك الليلة حين عادوا الى الداخل ترك لها عمران مساحة لتسبق خطواته.

قال لها قبل ان تغلق الباب لو في يوم حسيت انك مخنوقة قوليلي من غير ما تبرري.

قالت له وانا لو خفت تسيبني.

قال انا ما سيبتكيش وانتي كنتي بتجري.

هسيبك وانتي معايا ازاي.

الفصل الثالث

لم يتركهم الصعيد في سلام طويل.

جاءت ليلة اجتماع رجال العائلة في الدار الكبيرة بحجة الصلح لكنها كانت في حقيقتها محاولة اخيرة لكسر عمران او كسر داليدا او كسرهما معا.

جلست داليدا في غرفتها تسمع الاصوات في الخارج.

كانت تضع يدها على صدرها كأنها تمنع قلبها من الهرب.

دخل عمران اليها قبل الاجتماع بدقائق.

قال لها انا نازل اقفل الباب اللي كانوا عايزين يدخلوه من زمان.

نظرت اليه وقالت خايفة.

اقترب هذه المرة ولم يتوقف عند المسافة القديمة لانها كانت هي التي اقتربت اولا.

وضع كفه على رأسها لحظة قصيرة ثم قال الخوف ده حقك بس ما تخليش حد يستعمله سلاح ضدك.

قالت وانا عايزة انزل معاك.

تردد لحظة ثم قال انتي حرة بس اللي هيطلع مني النهارده ممكن يوجعك في السمع.

قالت بثبات انا لازم اسمع عشان اعرف اني مش لوحدي.

نزلا معا.

وقف عمران في صدر المجلس وقال بصوت واضح اللي عايز يقول كلمة يقولها قدامي.

تكلموا عن السمعة وعن كلام الناس وعن ان داليدا كانت هربت.

رد عمران دون ان يهين احدا ودون ان يلين انا اللي رجعتها.

وانا اللي وقفت جنبها.


وانا اللي اخترتها.

واللي شايف ان مراته تهمة يبقى مش راجل.

ثم التفت الى داليدا امامهم جميعا وقال انا قلتها من قبل وبقولها تاني لو كنتي استنيتي كنتي عرفتي ردي واني مقبلش مراتي حد يقبلها.

في تلك اللحظة سقط كثير من الكلام في الارض.

خرج الرجال واحدا تلو الاخر وخرجت معهم نظرات العيون التي كانت تبحث عن شرخ.

حين خلا المكان التفت عمران اليها.

كانت ترتجف لكن عينيها ثابتتان.

قالت له بصوت مبحوح انا عمري ما تخيلت ان حد يختارني قدامهم بالشكل ده.

قال وهو يرفع يدها الى صدره هنا مكانك.

انتي مش ضيفة ولا حمل.

انتي نصي.

في الصباح التالي قرر عمران ان يأخذها الى النهر خارج القرية حيث لا توجد عيون قريبة.

جلسا على حافة الترعة القديمة والهواء يحمل رائحة الطين والماء.

قالت له فجأة انا نفسي اكمل دراستي.

نظر اليها دون دهشة وقال وانا نفسي اشوفك وانتي بتحققي اللي نفسك فيه.

قالت بارتباك بس هيقولوا.

قال هيقولوا لحد ما يتعبوا.

واحنا لازم نعيش.

ثم اخرج من جيبه دفترا صغيرا وقلمًا وقال اكتبي كل اللي نفسك فيه.

كل حلم.

كل خوف.

كل حاجة نفسك تقوليها.

انا هكون اول واحد يقراها واحميها.

ابتسمت داليدا ابتسامة صافية للمرة الاولى منذ زمن ثم قالت انت كده بتكمل روحي.

قال وهو ينظر اليها بعينين هادئتين وانتي اللي رجعتيني لنفسي.

ومشى بها عائدا الى البيت لا كمن يجر امرأة خلفه بل كمن يعود مع شريكته الى معركة ربحا فيها اهم شيء كرامتهما.



جلـباب الدم

الجزء الثالث

الفصل الاول

لم يأت الهدوء الذي عاشاه بعدها بلا ثمن كما لم يأت الحب في تلك الارض دون مقاومة.

بدأت الهمسات تعود ببطء لا صاخبة كما كانت بل خبيثة تعرف طريقها جيدا بين البيوت وتحت الابواب.

قالوا ان عمران تغيّر وان داليدا قلبت دماغه وان الرجالة ما بقتش زي زمان وان اللي حصل سابقة لازم تتقفل.

كانت داليدا تشعر بتلك الهمسات حتى وهي صامتة لكنها لم تعد تنحني.

كانت تعرف الان ان الوجع لا يختفي لكنه لا يعود قاتلا حين يكون معك من يحميك لا من يملكك.

في ليلة هادئة جلسا معا في الغرفة الصغيرة التي اختاراها بعيدا عن صخب الدار الكبيرة.

قالت له فجأة وهي تنظر الى يديها عمران هو انا لو مشيت في سكة حلمي فعلا هأذيك.

رفع رأسه اليها ببطء وقال انتي لو وقفتي هتأذيني اكتر.

قالت الناس هنا مش بتحب الست اللي ترفع راسها.

قال الناس هنا اتعودت على اللي بيطاطيها.

ثم اقترب منها وقال بصوت منخفض انا ما اخترتكيش عشان تبقي ساكتة اخترتك عشان تبقي حقيقية.

في تلك الليلة قررا ان الخطوة الجاية لن تكون دفاعا بل فعلا وان البقاء وحده لا يكفي.

الفصل الثاني

كان القرار صعبا لكنه واضح عمران طلب نقل عمله الى الوحدة الصحية الكبيرة خارج القرية.

لم يكن هروبا بل خروجا محسوبا يثبت ان الرجل قادر على اختيار طريقه دون ان يقطع جذوره.

ثار البيت ثارت الام وارتفعت الاصوات وقيل ان داليدا تجره بعيدا عن دمه.

وقف عمران في المواجهة الاخيرة وقال انا ما بسيبش دمي انا بسيبه يعيش.

قال لهم اللي فاكر الرجولة سجن يبقى عمره ما عرفها.

داليدا لم تبك هذه المرة لم تختبئ خلفه بل وقفت وقالت بهدوء انا مش جاية اخد ابنكم انا جاية اكمل معاه حياة.

ساد صمت ثقيل لان صوتها لم يكن متحديا بل صادقا.

لم يخرج القرار بلا خسارة قطيعة باردة مع بعض الاسماء ونظرات لن تُشفى سريعا.

لكن عمران خرج مرفوع الرأس وداليدا خرجت مرفوعة الروح.

في الطريق الى البيت الجديد خارج القرية نظرت اليه وقالت احنا خسرنا كتير.

قال وهو يقود خسرنا اللي ما كانش شايفنا.

وكسبنا نفسنا.

الفصل الثالث

مرت الشهور وتغيرت اشياء كثيرة.

البيت الجديد كان بسيطا لكنه امتلأ بالضحك والهدوء.

عادت داليدا الى دراستها واصبح اسمها يُقال في الوحدة الصحية لا كحكاية بل كزوجة الطبيب التي تكمل تعليمها.

لم يعد عمران فقط الرجل الذي كسر عرفا بل الرجل الذي لم ينكسر بعده.

في زيارة نادرة عادوا الى القرية لحضور مناسبة عائلية.

دخلت داليدا بثبات لم تكن خائفة ولم تكن متعالية فقط واثقة.

نظرت اليها النسوة بنظرات مختلفة ليست كلها قبولا لكن ليس فيها احتقار.

همست واحدة للاخرى وقالت دي اللي وقفت قدامهم وما اتكسرتش.

امسك عمران يدها كما يفعل دائما دون استعراض ودون اعتذار.

في طريق العودة قالت له انا فاكرة نفسي زمان وانا بستخبى في الاوضة.

قال وانا فاكر نفسي وانا ساكت.

ثم قال بهدوء يمكن احنا اتخلقنا عشان نكسر الحلقة دي.

نظرت اليه وابتسمت وقالت الحب في الصعيد طلع مش دم بس.

قال الحب في اي مكان قرار.

وفي الليلة التي عاد فيها الهدوء كاملا وضعت داليدا يدها على صدره وقالت انا بقيت مش بخاف.

قال وانا بقيت مش لوحدي.

وهكذا انتهت الحكاية لا بزغروطة ولا بدم بل برجولة اختارت الحب وامرأة اختارت نفسها.

وفي الصعيد كان ذلك انتصارا كافيا.

تمت الرواية


تعليقات

التنقل السريع
    close