سخر منها لأنها عاملة نظافة… وبعد دقائق انهار أمام الجميع!
سخر منها لأنها عاملة نظافة… وبعد دقائق انهار أمام الجميع!
بعد سبع سنوات من الطلاق صادف طليقته تعمل ضمن طاقم النظافة واقفة في صمت تتأمل فستانا تقدر قيمته بمليون دولار خلف واجهة زجاجية
ضحك باحتقار وقال
لن تمتلكي في حياتك المستوى الذي يسمح لك بلمس شيء كهذا فضلا عن ارتدائه.
لكن بعد خمس دقائق فقط تجمد في مكانه وشعر بقلبه يهبط إلى قاع صدره وهو يشهد مشهدا جعل أنفاس المركز التجاري بأكمله تحبس
كان البهو الرئيسي لمركز أورورا التجاري أحد أفخم معالم مدينة مكسيكو يتلألأ كقصر أسطوري.
ترجل أليخاندرو من سيارته المرسيدس السوداء اللامعة واضعا ذراعه حول خصر فاليريا عشيقته الشابة الجميلة التي اعتاد التفاخر بالسير إلى جوارها.
لم يكن قد جاء للتسوق ذلك اليوم.
بل حضر للمشاركة في فعالية إطلاق شراكة استراتيجية آملا في الاقتراب من كبار رجال الأعمال وخطوة أخرى نحو قمة كان يطمح إليها منذ زمن.
وأثناء مروره في ردهة المتاجر الفاخرة توقف فجأة.
أمام أحد المعارض الراقية وقفت امرأة بلا حراك.
زي رمادي بسيط قطعة قماش للتنظيف في يدها جسد نحيل شعر مرفوع على عجل
لكن وقفتها
سكونها
وحضورها الهادئ
كانت مألوفة على نحو أربكه.
ضيق أليخاندرو عينيه.
وتعثر نبض قلبه.
ماريانا
التفتت المرأة.
وجه طبيعي بلا مساحيق. خطوط خفيفة عند أطراف العينين.
لكن نظرتها بقيت عميقة ثابتة هادئة على نحو غير متوقع.
كانت هي.
زوجته السابقة.
قبل سبع سنوات حين بدأت مسيرته
المهنية في الصعود وقع أوراق الطلاق دون تردد.
وكان مبرره حينها قاسيا
أنت بسيطة أكثر من اللازم بطيئة لا تليقين بمدير تنفيذي.
تركها بمنزل متواضع ومن دون أي دعم.
وها هو اليوم يراها عاملة نظافة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ازدراء.
وتقدم بخطوات متعمدة يحدث صوتا بحذائه.
كانت ماريانا تحدق في فستان أحمر داخل الواجهة الزجاجية.
تصميم فريد يدعى طائر الفينيق الناري مرصع بالياقوت مهيب لدرجة تخطف الأنفاس.
ضحك أليخاندرو بسخرية.
يعجبك
أومأت ماريانا بهدوء.
إنه جميل راق وقوي.
تعالت ضحكته.
أخرج أوراقا نقدية صغيرة من محفظته وألقاها على سلة المهملات بجوارها.
الإعجاب لا يعني شيئا. أشخاص مثلك حتى لو قضوا حياتهم في التنظيف لن يستطيعوا شراء زر واحد من هذا الفستان.
لم تنحن ماريانا لالتقاط المال.
بل اكتفت بالنظر إلى الفستان مرة أخيرة.
وكان في تلك النظرة
شيء أربكه دون أن يفهمه.
وفجأة
تقدم من عمق البهو عدد من الحراس ببدلات سوداء.
وانحنى مدير المركز التجاري باحترام.
وسرى همس في المكان.
ثم دخلت امرأة فتوجهت الأنظار كلها نحوها.
سارت مباشرة إلى الواجهة.
توقفت إلى جانب ماريانا.
وقالت بصوت رسمي محترم جملة جعلت وجه أليخاندرو يشحب تماما
سيدتي فستان طائر الفينيق الناري جاهز تماما كما طلبت.
وهنا فقط بدأ أليخاندرو يدرك أن المرأة التي سخر منها لم تكن يوما كما ظن.
انحنت ماريانا لالتقاط
الأوراق النقدية
لا لأنها كانت بحاجة إليها بل لأنها لم تشأ أن تلطخ الرخام الناصع.
وضعتها بعناية على حافة سلة المهملات وقالت بصوت هادئ
كان الأولى أن تحتفظ بها. ستحتاج هذا المال قريبا.
تجمد أليخاندرو لبرهة.
لم يكن في نبرتها أي حقد
ولا في كلماتها توسل.
ذلك السكون أزعجه أكثر من أي عتاب.
أما زلت تتشبثين بتلك الكرامة الزائفة زمجر أليخاندرو وهو يلتفت إلى كاميلا أرأيت فقر مكسو بالكبرياء.
أطلقت كاميلا ضحكة ساخرة وزادت تمسكها بذراع أليخاندرو تتفحص ماريانا من أخمص قدميها إلى رأسها باحتقار.
وفي تلك اللحظة دخل البهو عدد من الرجال يرتدون بدلات سوداء.
تقدمهم رجل أشيب الشعر مهيب الحضور ثابت النظرة يتبعه عدد من التنفيذيين وفريق من الصحافة.
انحنى مدير المركز التجاري بانضباط واضح وقال
سيدتي ماريانا كل شيء جاهز. سيبدأ العرض بعد ثلاث دقائق.
ساد البهو صمت مطبق.
شحب وجه أليخاندرو.
سيدتي ماريانا خرج صوته مخنوقا كأن يدا تضغط على عنقه.
أومأت ماريانا إيماءة خفيفة.
وضعت قطعة التنظيف على عربة العمل.
نزعت القفازات بهدوء.
فتقدمت مساعدة على الفور وألقت على كتفيها سترة بيضاء أنيقة.
وخلال ثوان معدودة اختفت عاملة النظافة.
وحلت مكانها امرأة أخرى
شعرها منسدل وقفتها مستقيمة ونظرتها عميقة باردة.
تقدم الرجل الأشيب خطوة إلى الأمام وقال بصوت مسموع للجميع
يشرفنا أن نقدم لكم السيدة ماريانا
أورتيغا مؤسسة علامة فينيق النار والمستثمرة الرئيسة في هذه المجموعة الحصرية التي يكشف عنها هذا المساء.
ما إن انتهت الجملة حتى بدا وكأن الزمن توقف لوهلة.
تراجع أليخاندرو خطوة إلى الوراء وقد تلاشى الدم من وجهه دفعة واحدة واضطربت ملامحه كما لو أن الأرض سحبت من تحت قدميه.
لم يستطع أن ينطق.
لم يستطع حتى أن يبتلع ريقه.
كان الفستان الأحمر المرصع بالياقوت القابع خلف ماريانا يلمع تحت الأضواء كقطعة من نار متقدة.
وأسفل التصميم بخط أنيق لا يخطئه النظر كان توقيع الاسم واضحا اسمها.
ذلك الفستان نفسه الذي سخر منه قبل دقائق.
الذي ظنه رمزا لعالم لن تطأه قدمها أبدا.
استدارت ماريانا نحوه ببطء وكأنها تمنحه الوقت الكافي ليستوعب الحقيقة.
ثم ابتسمت.
لكنها لم تكن تلك الابتسامة الهشة التي عرفها قديما
ولا ابتسامة امرأة تبحث عن اعتراف أو تعويض.
كانت ابتسامة هادئة واثقة خالية من أي حاجة إلى إثبات.
قالت بصوت ثابت يسمعه بوضوح وسط صخب الأنفاس المحبوسة
قبل سبع سنوات قلت إنني لست على مستواك.
ثم توقفت لحظة وأضافت
وقبل دقائق جزمت بأنني لن ألمس هذا الفستان أبدا.
رفعت يدها بهدوء.
فانفتح الزجاج تلقائيا.
وتقدم الموظفون خطوة إلى الخلف.
مدت أصابعها ولمست القماش الأحمر برقي كما لو كانت تلامس جزءا خفيا من روحها جزءا ظل صامتا سنوات طويلة ثم قرر أخيرا أن يتكلم.
كان ملمس القماش ناعما ودافئا كأن الفستان يحتفظ بذاكرة كل خطوة سارتها وكل سقوط نهضت بعده وحدها.
انعكست الأضواء على الياقوت
المرصع فيه فتكسر الضوء إلى شظايا حمراء ملتهبة حتى بدا البهو وكأنه يغرق في وهج ناري وجعل الحاضرين يحدقون في المشهد دون أن يجرؤ أحد على التنفس.
لحظة صافية كثيفة كأن الزمن نفسه توقف احتراما.
انحنت ماريانا قليلا اقتربت من الفستان وهمست بصوت خافت لكنه وصل إلى أليخاندرو واضحا حادا كطعنة صامتة في صدره
يا للخسارة
ثم رفعت عينيها إليه مباشرة.
لم يكن في نظرتها غضب ولا شماتة بل هدوء بارد أشد قسوة من أي صراخ.
لأن من لم يعد يملك الحق في لمس أي من هذا هو أنت.
شعر أليخاندرو كأن الكلمات لم تقال بل هوت عليه دفعة واحدة.
تقلص العالم من حوله وبدأ صدى صوتها يتردد في رأسه يختلط بذكريات قديمة حاول طويلا أن يدفنها.
وفي تلك اللحظة اهتز هاتفه بعنف داخل جيبه.
مرة
ثم أخرى
ثم ثالثة
كأن الهاتف يصرخ بالحقيقة التي لم يعد هناك مهرب منها.
أخرجه بيد مرتجفة أصابعه ثقيلة لا تكاد تطيعه.
حدق في الشاشة ومع كل كلمة يقرؤها كان شيء داخله ينهار ببطء بثقل مؤلم.
اتسعت عيناه.
انقبض صدره.
وتقطع نفسه حتى كاد يختنق.
سيدي
الشريك الاستراتيجي سحب كامل استثماره.
وقد وقع عقد حصري مع السيدة ماريانا أورتيغا.
لم يحتج إلى قراءة الرسالة مرة ثانية.
كانت كافية لتسلبه ما تبقى من توازنه.
تدحرج الهاتف من بين أصابعه وارتطم بالأرض بلا صوت يذكر كما لو أن السقوط نفسه فقد معناه.
ظل ينظر إليه لحظة عاجزا حتى عن الانحناء
لالتقاطه كأن جسده لم يعد يخصه.
قبل أن يلتقط أنفاسه أفلتت كاميلا ذراعه فجأة وبحركة حادة كأنها تنفض عنها وهما طال أمده.
ألم تكن تؤكد لي أنك ستصبح نائبا للرئيس
نظرت إليه بحدة وفي عينيها خيبة لم تحتج إلى وقت طويل لتتحول إلى غضب مكبوت.
كانت نظرة امرأة أدركت فجأة أنها راهنت على سراب وأن الكلمات التي صدقتها لم تكن سوى وعود خاوية.
أكان كل ما قلته مجرد كذبة
خرج السؤال باردا بلا انفعال لكنه حمل في طياته حكما نهائيا لا رجعة فيه.
لم تنتظر جوابا.
لم تمنحه فرصة للدفاع عن نفسه ولا حتى لتلفيق تفسير متأخر.
كانت قد سمعت ما يكفي ورأت أكثر مما تحتمل.
استدارت وغادرت بخطوات سريعة ثابتة وكأنها تهرب من وهم انكشف فجأة.
وكانت طرقات كعبيها على الرخام أشبه بمطارق تهوي بلا رحمة على ما تبقى من كبريائه
تدق إعلانا صامتا بانهيار الصورة التي أمضى سنوات في بنائها
وتفضح أمام الجميع الرجل الذي ادعى القوة وهو هش من الداخل.
توقف أليخاندرو في مكانه.
لم يحاول اللحاق بها.
لم ينطق باسمها.
كأن صوته فقد مع آخر ما تبقى له من سيطرة.
وقف وحيدا في قلب البهو محاطا بوجوه تراقب
بعضها يحدق بدافع الفضول
وبعضها يلتقط المشهد بعدسات لا تعرف الرحمة
وهمسات تنتشر كالنار في الهشيم
تنسج في ثوان حكاية سقوط لم يتخيل يوما أن يكون بطلها.
للمرة الأولى في حياته
لم يكن الرجل الذي تفتح له الأبواب
ولا الاسم الذي يهمس
به بإعجاب
بل كان الرجل الذي ينظر إليه بشفقة صامتة
تلك الشفقة التي تشعر صاحبها بالعري أكثر من أي إهانة.
مرت ماريانا إلى جواره.
خطواتها كانت هادئة واثقة لا تحمل ثقل الماضي
ولا تسعى إلى انتصار إضافي.
لم تلتفت.
لم تلق عليه نظرة شماتة.
لم تقل كلمة أخرى.
كأن وجوده لم يعد يستحق حتى رد فعل عابر
وكأن كل ما كان بينهما صار ذكرى بعيدة لا تستحق التوقف عندها.
لكنها وهي تبتعد تركت خلفها جملة واحدة
خفيفة كنسيم عابر
ثقيلة بما يكفي لتظل عالقة في روحه إلى الأبد
شكرا لأنك تركتني في ذلك اليوم.
لم تكن جملة انتقام
ولا رسالة شفقة
بل اعترافا صامتا بأن الفقد كان بداية النجاة.
كانت كلمات قليلة بسيطة
لكنها حملت في طياتها سنوات من الألم الصامت
والوحدة القاسية
والصبر الطويل
والنهوض المتكرر من تحت الركام
دون شهود ودون تصفيق.
وبقي أليخاندرو واقفا في قلب البهو
محاطا بالفخامة وعدسات المصورين وهمسات الدهشة
لكنه كان أكثر وحدة من أي وقت مضى.
وحيدا أمام حقيقة لم يكن مستعدا لها يوما
أن المرأة التي ظنها عبئا
لم تكن سوى أعظم فرصة ضاعت منه
وأن اللحظة التي اعتبرها يوما انتصارا
كانت في الحقيقة اللحظة الأولى في سلسلة خسائر
لم تنته عند هذا الحد.
بعد سبع سنوات من الطلاق صادف طليقته تعمل ضمن طاقم النظافة واقفة في صمت تتأمل فستانا تقدر قيمته بمليون دولار خلف واجهة زجاجية
ضحك باحتقار وقال
لن تمتلكي
في حياتك المستوى الذي يسمح لك بلمس شيء كهذا فضلا عن ارتدائه.
لكن بعد خمس دقائق فقط تجمد في مكانه وشعر بقلبه يهبط إلى قاع صدره وهو يشهد مشهدا جعل أنفاس المركز التجاري بأكمله تحبس
كان البهو الرئيسي لمركز أورورا التجاري أحد أفخم معالم مدينة مكسيكو يتلألأ كقصر أسطوري.
ترجل أليخاندرو من سيارته المرسيدس السوداء اللامعة واضعا ذراعه حول خصر فاليريا عشيقته الشابة الجميلة التي اعتاد التفاخر بالسير إلى جوارها.
لم يكن قد جاء للتسوق ذلك اليوم.
بل حضر للمشاركة في فعالية إطلاق شراكة استراتيجية آملا في الاقتراب من كبار رجال الأعمال وخطوة أخرى نحو قمة كان يطمح إليها منذ زمن.
وأثناء مروره في ردهة المتاجر الفاخرة توقف فجأة.
أمام أحد المعارض الراقية وقفت امرأة بلا حراك.
زي رمادي بسيط قطعة قماش للتنظيف في يدها جسد نحيل شعر مرفوع على عجل
لكن وقفتها
سكونها
وحضورها الهادئ
كانت مألوفة على نحو أربكه.
ضيق أليخاندرو عينيه.
وتعثر نبض قلبه.
ماريانا
التفتت المرأة.
وجه طبيعي بلا مساحيق. خطوط خفيفة عند أطراف العينين.
لكن نظرتها بقيت عميقة ثابتة هادئة على نحو غير متوقع.
كانت هي.
زوجته السابقة.
قبل سبع سنوات حين بدأت مسيرته المهنية
في الصعود وقع أوراق الطلاق دون تردد.
وكان مبرره حينها قاسيا
أنت بسيطة أكثر من اللازم بطيئة لا تليقين بمدير تنفيذي.
تركها بمنزل متواضع ومن دون أي دعم.
وها هو اليوم يراها عاملة نظافة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ازدراء.
وتقدم بخطوات متعمدة يحدث صوتا بحذائه.
كانت ماريانا تحدق في فستان أحمر داخل الواجهة الزجاجية.
تصميم فريد يدعى طائر الفينيق الناري مرصع بالياقوت مهيب لدرجة تخطف الأنفاس.
ضحك أليخاندرو بسخرية.
يعجبك
أومأت ماريانا بهدوء.
إنه جميل راق وقوي.
تعالت ضحكته.
أخرج أوراقا نقدية صغيرة من محفظته وألقاها على سلة المهملات بجوارها.
الإعجاب لا يعني شيئا. أشخاص مثلك حتى لو قضوا حياتهم في التنظيف لن يستطيعوا شراء زر واحد من هذا الفستان.
لم تنحن ماريانا لالتقاط المال.
بل اكتفت بالنظر إلى الفستان مرة أخيرة.
وكان في تلك النظرة
شيء أربكه دون أن يفهمه.
وفجأة
تقدم من عمق البهو عدد من الحراس ببدلات سوداء.
وانحنى مدير المركز التجاري باحترام.
وسرى همس في المكان.
ثم دخلت امرأة فتوجهت الأنظار كلها نحوها.
سارت مباشرة إلى الواجهة.
توقفت إلى جانب ماريانا.
وقالت بصوت رسمي محترم جملة جعلت وجه أليخاندرو يشحب تماما
سيدتي فستان طائر الفينيق الناري جاهز تماما كما طلبت.
وهنا فقط بدأ أليخاندرو يدرك أن المرأة التي سخر منها لم تكن يوما كما ظن.
انحنت ماريانا لالتقاط الأوراق النقدية
لا لأنها كانت بحاجة إليها بل لأنها لم تشأ أن تلطخ الرخام الناصع.
وضعتها بعناية على حافة سلة المهملات وقالت بصوت هادئ
كان الأولى أن تحتفظ بها. ستحتاج هذا المال قريبا.
تجمد أليخاندرو لبرهة.
لم يكن في نبرتها أي حقد
ولا في كلماتها توسل.
ذلك السكون أزعجه أكثر من أي عتاب.
أما زلت تتشبثين بتلك الكرامة الزائفة زمجر أليخاندرو وهو يلتفت إلى كاميلا أرأيت فقر مكسو بالكبرياء.
أطلقت كاميلا ضحكة ساخرة وزادت تمسكها بذراع أليخاندرو تتفحص ماريانا من أخمص قدميها إلى رأسها باحتقار.
وفي تلك اللحظة دخل البهو عدد من الرجال يرتدون بدلات سوداء.
تقدمهم رجل أشيب الشعر مهيب الحضور ثابت النظرة يتبعه عدد من التنفيذيين وفريق من الصحافة.
انحنى مدير المركز التجاري بانضباط واضح وقال
سيدتي ماريانا كل شيء جاهز. سيبدأ العرض بعد ثلاث دقائق.
ساد البهو صمت مطبق.
شحب وجه أليخاندرو.
سيدتي ماريانا خرج صوته مخنوقا كأن يدا تضغط على عنقه.
أومأت ماريانا إيماءة خفيفة.
وضعت قطعة التنظيف على عربة العمل.
نزعت القفازات بهدوء.
فتقدمت مساعدة على الفور وألقت على كتفيها سترة بيضاء أنيقة.
وخلال ثوان معدودة اختفت عاملة النظافة.
وحلت مكانها امرأة أخرى
شعرها منسدل وقفتها مستقيمة ونظرتها عميقة باردة.
تقدم الرجل الأشيب خطوة إلى الأمام وقال بصوت مسموع للجميع
يشرفنا أن نقدم لكم السيدة ماريانا أورتيغا مؤسسة علامة فينيق النار والمستثمرة الرئيسة في هذه المجموعة الحصرية التي يكشف عنها هذا المساء.
ما إن انتهت الجملة حتى بدا وكأن الزمن توقف لوهلة.
تراجع أليخاندرو خطوة إلى الوراء وقد تلاشى الدم من وجهه دفعة واحدة واضطربت ملامحه كما لو أن الأرض سحبت من تحت قدميه.
لم يستطع أن ينطق.
لم يستطع حتى أن يبتلع ريقه.
كان الفستان الأحمر المرصع بالياقوت القابع خلف ماريانا يلمع تحت الأضواء كقطعة من نار متقدة.
وأسفل التصميم بخط أنيق لا يخطئه النظر كان توقيع الاسم واضحا اسمها.
ذلك الفستان نفسه الذي سخر منه قبل دقائق.
الذي ظنه رمزا لعالم لن تطأه قدمها أبدا.
استدارت ماريانا نحوه ببطء وكأنها تمنحه الوقت الكافي ليستوعب الحقيقة.
ثم ابتسمت.
لكنها لم تكن تلك الابتسامة الهشة التي عرفها قديما
ولا ابتسامة امرأة تبحث عن اعتراف أو تعويض.
كانت ابتسامة هادئة واثقة خالية من أي حاجة إلى إثبات.
قالت بصوت ثابت يسمعه بوضوح وسط صخب الأنفاس المحبوسة
قبل سبع سنوات قلت إنني لست على مستواك.
ثم توقفت لحظة وأضافت
وقبل دقائق جزمت بأنني لن ألمس هذا الفستان أبدا.
رفعت يدها بهدوء.
فانفتح الزجاج تلقائيا.
وتقدم الموظفون خطوة إلى الخلف.
مدت أصابعها ولمست القماش الأحمر برقي كما لو كانت تلامس جزءا خفيا من روحها جزءا ظل صامتا سنوات طويلة ثم قرر أخيرا أن يتكلم.
كان ملمس القماش ناعما ودافئا كأن الفستان يحتفظ بذاكرة كل
خطوة سارتها وكل سقوط نهضت بعده وحدها.
انعكست الأضواء على الياقوت المرصع فيه فتكسر الضوء إلى شظايا حمراء ملتهبة حتى بدا البهو وكأنه يغرق في وهج ناري وجعل الحاضرين يحدقون في المشهد دون أن يجرؤ أحد على التنفس.
لحظة صافية كثيفة كأن الزمن نفسه توقف احتراما.
انحنت ماريانا قليلا اقتربت من الفستان وهمست بصوت خافت لكنه وصل إلى أليخاندرو واضحا حادا كطعنة صامتة في صدره
يا للخسارة
ثم رفعت عينيها إليه مباشرة.
لم يكن في نظرتها غضب ولا شماتة بل هدوء بارد أشد قسوة من أي صراخ.
لأن من لم يعد يملك الحق في لمس أي من هذا هو أنت.
شعر أليخاندرو كأن الكلمات لم تقال بل هوت عليه دفعة واحدة.
تقلص العالم من حوله وبدأ صدى صوتها يتردد في رأسه يختلط بذكريات قديمة حاول طويلا أن يدفنها.
وفي تلك اللحظة اهتز هاتفه بعنف داخل جيبه.
مرة
ثم أخرى
ثم ثالثة
كأن الهاتف يصرخ بالحقيقة التي لم يعد هناك مهرب منها.
أخرجه بيد مرتجفة أصابعه ثقيلة لا تكاد تطيعه.
حدق في الشاشة ومع كل كلمة يقرؤها كان شيء داخله ينهار ببطء بثقل مؤلم.
اتسعت عيناه.
انقبض صدره.
وتقطع نفسه حتى كاد يختنق.
سيدي
الشريك الاستراتيجي سحب كامل استثماره.
وقد وقع عقد حصري مع السيدة ماريانا أورتيغا.
لم يحتج إلى قراءة الرسالة مرة ثانية.
كانت كافية لتسلبه ما تبقى من توازنه.
تدحرج الهاتف من بين أصابعه وارتطم بالأرض بلا صوت يذكر
كما لو أن السقوط نفسه فقد معناه.
ظل ينظر إليه لحظة عاجزا حتى عن الانحناء لالتقاطه كأن جسده لم يعد يخصه.
قبل أن يلتقط أنفاسه أفلتت كاميلا ذراعه فجأة وبحركة حادة كأنها تنفض عنها وهما طال أمده.
ألم تكن تؤكد لي أنك ستصبح نائبا للرئيس
نظرت إليه بحدة وفي عينيها خيبة لم تحتج إلى وقت طويل لتتحول إلى غضب مكبوت.
كانت نظرة امرأة أدركت فجأة أنها راهنت على سراب وأن الكلمات التي صدقتها لم تكن سوى وعود خاوية.
أكان كل ما قلته مجرد كذبة
خرج السؤال باردا بلا انفعال لكنه حمل في طياته
حكما نهائيا لا رجعة فيه.
لم تنتظر جوابا.
لم تمنحه فرصة للدفاع عن نفسه ولا حتى لتلفيق تفسير متأخر.
كانت قد سمعت ما يكفي ورأت أكثر مما تحتمل.
استدارت وغادرت بخطوات سريعة ثابتة وكأنها تهرب من وهم انكشف فجأة.
وكانت طرقات كعبيها على الرخام أشبه بمطارق تهوي بلا رحمة على ما تبقى من كبريائه
تدق إعلانا صامتا بانهيار الصورة التي أمضى سنوات في بنائها
وتفضح أمام الجميع الرجل الذي ادعى القوة وهو هش من الداخل.
توقف أليخاندرو في مكانه.
لم يحاول اللحاق بها.
لم ينطق باسمها.
كأن صوته فقد مع آخر ما تبقى له من سيطرة.
وقف وحيدا في قلب البهو محاطا بوجوه تراقب
بعضها يحدق بدافع الفضول
وبعضها يلتقط المشهد بعدسات لا تعرف الرحمة
وهمسات تنتشر كالنار في الهشيم
تنسج في ثوان حكاية سقوط لم يتخيل يوما أن يكون بطلها.
للمرة الأولى في حياته
لم يكن الرجل الذي تفتح له الأبواب
ولا الاسم الذي يهمس به بإعجاب
بل كان الرجل الذي ينظر إليه بشفقة صامتة
تلك الشفقة التي تشعر صاحبها بالعري أكثر من أي إهانة.
مرت ماريانا إلى جواره.
خطواتها كانت هادئة واثقة لا تحمل ثقل الماضي
ولا تسعى إلى انتصار إضافي.
لم تلتفت.
لم تلق عليه نظرة شماتة.
لم تقل كلمة أخرى.
كأن وجوده لم يعد يستحق حتى رد فعل عابر
وكأن كل ما كان بينهما صار ذكرى بعيدة لا تستحق التوقف عندها.
لكنها وهي تبتعد تركت خلفها جملة واحدة
خفيفة كنسيم عابر
ثقيلة بما يكفي لتظل عالقة في روحه إلى الأبد
شكرا لأنك تركتني في ذلك اليوم.
لم تكن جملة انتقام
ولا رسالة شفقة
بل اعترافا صامتا بأن الفقد كان بداية النجاة.
كانت كلمات قليلة بسيطة
لكنها حملت في طياتها سنوات من الألم الصامت
والوحدة القاسية
والصبر الطويل
والنهوض المتكرر من تحت الركام
دون شهود ودون تصفيق.
وبقي أليخاندرو واقفا في قلب البهو
محاطا بالفخامة وعدسات المصورين وهمسات الدهشة
لكنه كان أكثر وحدة من أي وقت مضى.
وحيدا أمام حقيقة لم يكن مستعدا لها يوما
أن المرأة التي ظنها عبئا
لم تكن سوى أعظم فرصة ضاعت منه
وأن اللحظة التي اعتبرها يوما انتصارا
كانت في الحقيقة اللحظة الأولى في سلسلة خسائر
لم تنته عند هذا الحد.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق