القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

قال لها ابنها أخي هناك فانهار كل ما كانت تؤمن به

 قال لها ابنها أخي هناك فانهار كل ما كانت تؤمن به



قال لها ابنها أخي هناك فانهار كل ما كانت تؤمن به

 

أمي لقد كان في بطنك معي قال ماتيو بثقة لا تتسع لها قامته الصغيرة ذات الخمس سنوات وهو يشير نحو النافورة في الساحة الرئيسية بمدينة كويرنافاكا 

شعرت دانييلا موراليس بأن الهواء انحبس في صدرها أمسكت بيد ابنها الصغيرة بقوة كأن العالم قد ينتزعه منها دفعة واحدة واتبعت اتجاه ذلك الإصبع الصغير 

هناك بين باعة البالونات وهمس الحمام كان طفل حافي القدمين يبيع الحلوى في صندوق كرتوني صغير كان يرتدي قميصا متسخا وسروالا ممزقا وبشرته مسمرة من الشمس لكن ما جعل دانييلا تتجمد في مكانها لم يكن الثياب ولا الفقر الواضح 

بل كان الوجه 

خصلات شعر بنية الشكل نفسه للحاجبين الخط ذاته للأنف والإيماءة نفسها حين يعض شفته السفلى عند التركيز 

وعلى الذقن علامة ولادة صغيرة مطابقة تماما لتلك التي لدى ماتيو 

إنه هو أصر ماتيو وهو يشد بلطف على بلوزتها 

الطفل الذي أراه في أحلامي نلعب هناك بعيدا أمي لقد كان معك معي 

ابتلعت دانييلا ريقها خلال ثانية واحدة شعرت كأن الزمن انثنى وأعادها إلى غرفة بيضاء أضواء في السقف وأصوات تتلاشى كأنها صادرة من تحت الماء ذكرى ناقصة إحساس غريب طالما دفعته إلى أعماقها 

سنوات طويلة أقنعت فيها نفسها بأن ذلك كان مجرد توتر الولادة


وأن العقل قد يختلق أشياء 

لكن الآن الآن كان هناك طفلان ينظران إلى بعضهما كما لو التقيا بعد حياة كاملة 

ماتيو لا تقل هذا الكلام تمتمت محاولة أن تبدو حازمة لكنها لم تنجح خرج صوتها مكسورا 

هيا بنا 

لا يا أمي أنا أعرفه 

أفلت ماتيو يد دانييلا وركض أرادت دانييلا أن تصرخ ليعود لكن الكلمات علقت في حلقها رفع طفل الشارع رأسه في اللحظة نفسها التي وصل فيها ماتيو 

للحظة تبادلا النظرات في صمت كأنهما يتعرفان إلى شيء لا يراه غيرهما 

مد الطفل الحافي يده الصغيرة فأمسكها ماتيو 

وابتسما بالطريقة نفسها الزاوية نفسها للفم والميل الخفيف نفسه للرأس كأن أحدهما انعكاس للآخر 

مرحبا قال طفل الشارع بصوت هادئ لا ينسجم مع قسوة حياته 

هل تحلم بي أنت أيضا

نعم أجاب ماتيو بحماس كل يوم 

تقدمت دانييلا ببطء كانت ساقاها مرتخيتين كأنها تمشي فوق الرمل رأت كيف قارن الطفلان أيديهما وكيف لمسا شعر بعضهما وكيف ضحكا بثقة لا تكتسب في يوم واحد 

ما اسمك سأل ماتيو 

بابلو أجاب الطفل وهو ينكمش قليلا حين لاحظ وجود دانييلا 

وأنت

ماتيو انظر اسمانا متشابهان تقريبا 

شعرت دانييلا بضربة قوية في معدتها وأجبرت نفسها على التنفس 

اعذرني

يا بابلو قالت بحذر كمن يطأ جليدا رقيقا أين والداك

خفض بابلو بصره وأشار إلى مقعد قريب 

كانت هناك امرأة نحيلة في نحو الخمسين من عمرها نائمة وهي تحتضن حقيبة قديمة كانت ملابسها متسخة ووجهها مرهقا كأن الحياة أثقلت عليها أكثر مما ينبغي 

خالتي كونسويلو تعتني بي تمتم بابلو لكنها تمرض أحيانا 

شدت دانييلا شفتيها شيء في داخلها كان يصرخ بأن ما يحدث ليس مصادفة لكن جزءا آخر الجزء الذي نجا من اكتئاب الأشهر الأولى بعد الأمومة كان يريد الهرب الاحتفاظ بالغموض العودة إلى الحياة المألوفة حتى لو كانت مبنية على أسئلة 

ماتيو قالت وهي تمسك بيده بقوة أكبر مما يلزم سنغادر الآن 

استدار ماتيو وعيناه ممتلئتان بالدموع كأنها تنتزعه من شيء يخصه 

لا أريد أن أذهب أريد أن أبقى مع أخي 

سقطت كلمة أخي كالصاعقة 

لم يسبق لماتيو أن طلب أخا ولم يتحدث عن واحد قط حتى تلك اللحظة شعرت دانييلا أن كل ما أنكرت وجوده بدأ يتصدع 

إنه ليس أخاك قالت بسرعة ليس لديك إخوة 

بلى لدي بكى ماتيو 

أنا أعرف ذلك هو يتحدث معي كل ليلة 

اقترب بابلو ولمس ذراع ماتيو برقة نادرة لطفل يعيش في الشارع 

لا تبك أنا أيضا لا أحب عندما نفترق 

حملت دانييلا ماتيو

بين ذراعيها متجاهلة احتجاجه وابتعدت بخطوات متسارعة 

لكنها حتى من بعيد شعرت بنظرات بابلو تلاحقهما ورأت أو خيل إليها دمعة تنحدر على خده المتسخ 

في السيارة ظل ماتيو يكرر بلا توقف كالمطرقة 

لماذا تركت أخي وحده يا أمي لماذا

كانت دانييلا تقود والسيارة تهتز تحت يديها المرتجفتين كانت الساحة تبتعد خلفهما لكن وجه بابلو ظل مغروسا في ذهنها ومعه تلك الفراغات الغريبة في ذكريات يوم الولادة التخدير الصمت الاستيقاظ وماتيو بين ذراعيها وشعور غامض بالغياب كأن شيئا ما لم يكتمل 

عندما وصلا إلى البيت كان ريكاردو في الفناء يسقي النباتات ابتسم عندما رآهما ثم عبس عندما رأى وجه دانييلا 

ماذا حدث

لا شيء كذبت ماتيو افتعل نوبة غضب 

لم تكن نوبة غضب! صرخ ماتيو وهو يركض نحو أبيه 

أبي! رأيت أخي كان يبيع الحلوى في الساحة وأمي لم تسمح لي بالبقاء معه 

ضحك ريكاردو لكن ضحكته ماتت فورا عندما لاحظ ارتجاف دانييلا 

يا بطل ليس لديك إخوة 

بلى لدي إنه يشبهني تماما قولي له أنت يا أمي 

في تلك الليلة وبعد أن نام ماتيو أخيرا فتحت دانييلا ملفا قديما للأوراق الطبية أعادت قراءة كل شيء 

لم يكن هناك أي ذكر لحمل متعدد 

لكن ذكريات ذلك اليوم كانت مثقوبة كفيلم مقطوع 

وذلك الفراغ ذلك الفراغ اللعين صار

 الآن له شكل طفل حافي القدمين 

في صباح اليوم التالي رفض ماتيو تناول الإفطار 

أريد أن أرى أخي كان يكرر 

حاول ريكاردو تهدئته لكن دانييلا لم تعد قادرة على ذلك شيء ما في داخلها ولأول مرة منذ سنوات توقف عن الهرب 

سنذهب إلى الساحة قالت 

نظر إليها ريكاردو وكأنه لا يعرفها 

هل أنت متأكدة

لا لكني أحتاج أن أعرف 

في الساحة كان بابلو جالسا وحده وهو يأكل قطعة خبز قاسية لم يكن هناك أي أثر للعمة كونسويلو 

ركض ماتيو نحوه 

بقي ريكاردو مذهولا 

يا إلهي دانييلا إنهما متطابقان 

أومأت دانييلا وهي تشعر بمزيج من الخوف والأمل 

أين العمة كونسويلو سأل ماتيو 

ذهبت إلى المستشفى الليلة الماضية أجاب بابلو وعيناه منتفختان لا أعرف متى تعود 

جثا ريكاردو أمام الطفل 

هل عمرك خمس سنوات

أظن ذلك قالت لي العمة كونسويلو إنني ولدت في اليوم الذي تملأ فيه الألعاب النارية السماء 

شحبت دانييلا 

ماتيو ولد ليلة رأس السنة همست 

توقف العالم لثانية واحدة 

ثم كأن أحدهم دفع قطع الدومينو بدأ كل شيء ينهار 

ذهبوا إلى المستشفى وبعد إصرار وجدت موظفة الأرشيف السيدة غوادالوبي ملف الولادة كانت هناك أوراق مفقودة وعلى إحدى الصفحات بالكاد يرى شيء مكتوب بقلم رصاص

حمل متعدد مشطوب كأن أحدهم حاول محو الحقيقة 

من يمكنه الوصول إلى هذه الملفات سألت دانييلا 

العائلة المباشرة الزوج الأم الحماة أجابت غوادالوبي 

ظهر اسم السيدة إسبيرانثا كظل ثقيل 

السيدة إسبيرانثا الحماة الأنيقة الصارمة المسيطرة 

نفسها التي ساعدت في الإجراءات يوم الولادة لساعات بينما كانت دانييلا فاقدة الوعي 

نفسها التي كانت تقول دائما إنها تعرف ما هو الأفضل للعائلة 

شعرت دانييلا ببرودة تسري في دمها 

في ذلك المساء دون إنذار ذهبوا إلى بيت السيدة إسبيرانثا قصر في حي فاخر متقن إلى حد يبدو وكأنه صمم لإخفاء الأخطاء 

فتح الباب وتجمدت ابتسامة السيدة إسبيرانثا عندما رأت بابلو 

للحظة خلا وجهها من أي تعبير كأنها رأت شبحا 

من هذا الطفل سألت بصوت حاد أكثر من اللازم 

أمي علينا أن نتحدث قال ريكاردو الأمر يتعلق بماتيو وبابلو 

حاولت السيدة إسبيرانثا الإنكار لكنها شحبت عندما رأت الطفلين معا واضطرت إلى الاتكاء على إطار الباب 

مصادفات تمتمت دون اقتناع 

ولدا في اليوم نفسه قالت دانييلا في المستشفى نفسه لديهما العلامة نفسها الندبة نفسها في الإصبع نفسه 

شد ماتيو تنورة جدته 

جدتي هذا أخي ألا تتذكرينه

أبعدته بعنف كأن كلمة أخي تحرقها 

لا

أعرف عما تتحدثون! هذا الطفل لا علاقة له بنا 

تقدم ريكاردو إلى الداخل ودخلت دانييلا خلفه مع الطفلين كان بابلو ينظر إلى الأثاث كأنه في عالم آخر 

قولي لي الحقيقة طلبت دانييلا أنا أمه 

أنت أم ماتيو صرخت السيدة إسبيرانثا أم ماتيو فقط!

ثم انكسر الصمت كأن السر لم يعد قادرا على التنفس 

انهارت السيدة إسبيرانثا على الأريكة وغطت وجهها 

كنت أريد فقط حمايتكم قالت بصوت محطم 

مم سأل ريكاردو وهو يرتجف من الغضب 

كانت الولادة معقدة فقدت يا دانييلا كثيرا من الدم وكنت فاقدة الوعي لساعات قال الأطباء إنهما طفلان لكن أحدهما كان يعاني من مشاكل تنفسية 

شعرت دانييلا وكأن الأرض انسحبت من تحتها 

وماذا فعلت همست بلا قوة 

قالت ممرضة إن هناك امرأة كونسويلو يمكنها الاعتناء به قالوا لي إن هذا الأفضل كنتم صغارا ظننت

لم يكن هذا قرارك! انفجر ريكاردو 

بدأ بابلو بالبكاء كأن جسده الصغير قادر على حمايته من كراهية الكبار 

الآن نحن معا همس له 

نظرت دانييلا إلى بابلو ورأت فجأة خمس سنوات من الجوع والخوف والليالي بلا سرير خمس سنوات مسروقة 

غادروا القصر دون أن يلتفتوا وفي السيارة وعدت دانييلا بصوت لم يعد خوفا بل عهدا 

سنعتني بك لن تكون وحدك أبدا بعد الآن 

بحثوا

عن كونسويلو وجدوها في المستشفى منومة بسبب أزمة سكري وعندما رأت بابلو بكت كأنها استعادت قلبها 

ابني أين كنت

مع عائلتي أجاب بابلو 

آلمت تلك الكلمة دانييلا بطريقة غريبة لأنها كانت صحيحة ولأن عائلة بابلو طوال خمس سنوات كانت تلك المرأة 

استمعت كونسويلو إلى القصة وبدل أن تغضب نظرت إلى دانييلا بحزن ناضج 

كان يقول دائما إن له أخا مطابقا له في أحلامه تمتمت ظننت أنه خيال 

أمسكت دانييلا بيد كونسويلو 

أنت أحببته حين لم يفعل أحد 

وما زلت أحبه قالت كونسويلو وهي تمسح شعر بابلو لكنني فقيرة 

هز ريكاردو رأسه بحزم 

الفقر لا يحدد القلب 

في تلك الليلة تحولت الفكرة إلى قرار بابلو وكونسويلو سيعيشان معهم 

لم يكن الأمر سهلا كان بابلو يأكل بسرعة كأن أحدا سيأخذ الطبق منه كان يخفي الخبز في جيبه وكان يختبئ عندما يكسر شيئا 

في مرة كسر مزهرية وزحف تحت السرير مرتجفا 

سيطردونني الآن بكى 

تمددت دانييلا على الأرض في مستواه 

لن يطردك أحد أبدا هل تسمعني أنت ابني 

حقا سأل بخوف حتى لو كنت سيئا

حتى لو أخطأت حتى لو صرخت حتى لو كسرت الأشياء العائلة الحقيقية لا تتفكك 

خرج بابلو من تحت السرير واحتضنها بقوة بدت أكبر من طفل 

ثم جاءت المعركة الأخرى السيدة إسبيرانثا 

غاضبة هددت بقطع الدعم المالي الذي يسدد الرهن شعرت دانييلا بدوار

 

عندما اكتشفت أن جزءا من استقرارها كان قائما على تلك اليد المتحكمة لكنها نظرت إلى الطفلين إلى ماتيو الملتصق ببابلو كظل سعيد واتخذت قرارها 

سنتدبر أمرنا قالت نعمل أكثر نعيش في بيت أصغر لكننا لن نتركهم مرة أخرى 

وفعلوا 

انتقلوا إلى بيت متواضع له فناء وأشجار فاكهة بدأت كونسويلو حديقة صغيرة كأن الزراعة وسيلة للشفاء كان الطفلان يركضان يضحكان ويبنيان خططا لبيت شجرة ولأول مرة كان لبابلو سرير خاص به ومع ذلك كان يفضل النوم قرب ماتيو كأن الجسد يتذكر أنهما فصلا يوما 

مع الوقت ظهرت السيدة إسبيرانثا في البيت الجديد بدت مختلفة أقل تكبرا أكثر إنسانية جثت في التراب بجانب كونسويلو لزرع الطماطم وعندما نظر بابلو إليها بتلك الجدية التي يحملها الأطفال المجروحون انهارت 

هل يمكنك أن تسامحني سألت بصوت مرتجف 

فكر بابلو بجدية كمن تعلم النجاة 

تقول العمة كونسويلو إن من يندم حقا يمكن أن يغفر له قال لكن ستحبينني الآن أيضا 

بكت السيدة إسبيرانثا كما لو أدركت أخيرا حجم خطيئتها 

سأحبك كثيرا حفيدي الاثنين 

في تلك الليلة أكلوا البيتزا جالسين على الأرض لأنهم لم يثبتوا الطاولة بعد أخذ بابلو قضمة

بطيئة يتذوقها كأنها شيء مقدس 

إنها أفضل بيتزا في حياتي قال 

لماذا سألت السيدة إسبيرانثا 

لأنها أول مرة آكل فيها البيتزا مع عائلتي كلها معا 

ساد صمت مليء بالدموع لا دموع حزن بل ذلك الألم الجميل الذي يأتي حين يبدأ شيء مكسور بالالتئام 

شيئا فشيئا توقف بابلو عن تخزين الطعام في جيوبه كما لو كان يخشى أن تسلب منه اللقمة في أي لحظة لم يحدث ذلك دفعة واحدة كان التغير بطيئا مترددا مثل طفل يتعلم أن يثق بعد أن قضى عمره كله يتوقع الخذلان 

في البداية كان ما يزال يأكل بسرعة ثم يتلفت حوله كمن ينتظر صراخا أو عقابا وإذا امتلأت معدته قبل أن يطمئن قلبه كان يضع ما بقي من الخبز في منديل ويخبئه تحت الوسادة ولم تكن دانييلا تنتزعه منه ولا تعنفه كانت تبتسم فقط وتقول له بهدوء اتركه إن شئت وغدا ستجد أكثر منه 

وكان الغد يأتي فعلا 

وبعد أيام بدأ بابلو يفعل شيئا صغيرا لكنه كان عظيما في معناها صار يترك قطعة صغيرة في الطبق دون أن يمد يده إليها بسرعة يتركها للحظة ثم يرفع عينيه نحو دانييلا وكأنه يسألها دون كلام هل ستبقين هنا هل الطعام سيبقى هنا فتجيبه بعينيها قبل لسانها نعم 

ثم في ليلة من الليالي

حدث ما لم يتوقعه أحد نام بابلو نوما عميقا دون أن يضع الخبز تحت وسادته وعندما استيقظ صباحا ووجد الإفطار جاهزا وقف في مكانه طويلا كأنه لا يفهم كيف يمكن للحياة أن تكون بهذه البساطة التفت نحو ماتيو ثم ابتسم له ابتسامة صغيرة خجولة وقال اليوم ما رح أخبي 

ضحك ماتيو وكأنه انتصر في معركة صامتة وأمسك يد أخيه وراح يجره إلى الطاولة لا كمن يأخذ ضيفا بل كمن يعيد شيئا إلى مكانه الصحيح 

وأما الضحك فقد جاء ببطء أيضا في البداية كان بابلو يبتسم فقط عندما يضحك الآخرون ثم يطلق ضحكة قصيرة وينظر حوله بقلق كأنه ارتكب خطأ كانت دانييلا تلاحظ ذلك فتقول له الضحك ليس جريمة يا بابلو فيسكت قليلا ثم يحاول مرة أخرى 

إلى أن جاء يوم عاد فيه من المدرسة وهو يحمل ورقة رسم رسم بيتا كبيرا له شجرة ورسم أربعة أشخاص وطفلين كتب تحتها بحروف مرتجفة هذا بيتي ثم نظر إلى دانييلا بارتباك وقال هل ممكن أعلقها فأجابته دون تردد بل نعلقها في أجمل مكان وعندما علقوها شعر بابلو للمرة الأولى أن اسمه ليس عابرا في حياة أحد 

وفي المدرسة بدأت المعلمات يلاحظن شيئا يثير الدهشة التوأمان كما صار الناس يسمونهما لا يتنافسان كما يفعل كثير من الأطفال بل يكمل

أحدهما الآخر بطريقة غريبة ومؤثرة كان ماتيو اجتماعيا مندفعا يحب اللعب والصوت والحكايات بينما كان بابلو أكثر هدوءا دقيقا يلاحظ التفاصيل ويخاف من الأخطاء 

إذا تعثر ماتيو في مسألة الحساب اقترب منه بابلو وهمس له بخطوات الحل كأنه يحميه من الإحراج وإذا خاف بابلو من المشاركة في الصف رفع ماتيو يده وقال بحماسة أنا وبابلو بنجاوب سوا! فيتجرأ بابلو لأن أحدا يقف بجواره 

وكانت المعلمات يقلن لدانييلا أحدهما يعلم التركيز والآخر يعلم اللعب وكأن الله أعطى كل واحد منهما ما ينقص الآخر 

أما كونسويلو فكانت قصتها تتغير هي الأخرى لكن بطريقتها البسيطة كانت تجلس على الطاولة في المساء تخرج نظارتها القديمة وتحاول أن تتهجى الكلمات ببطء كي تساعد في الواجبات لم تكن تخجل من أنها لا تقرأ جيدا كانت تخجل فقط من أنها لا تستطيع أن تمنح بابلو أكثر مما منحته في الماضي 

وفي إحدى الليالي بعد أن أخطأت في قراءة كلمة اعتذرت وهي تضحك بحرج لكن بابلو نظر إليها بجدية وقال أنت أعطيتني أهم شيء أعطيتني قلبك سكتت كونسويلو لحظة ثم انهمرت دموعها دون صوت كما يبكي الإنسان عندما يدرك أنه لم يكن بلا قيمة يوما 

في الأسبوع التالي سجلت نفسها في دروس محو الأمية لم تفعل ذلك

 

لتبدو أفضل أمام الناس بل لتكون قادرة على أن تقول لابنها أنا أتعلم من أجلك ومن أجل نفسي أيضا وكانت دانييلا تراها وهي تحمل دفترا صغيرا وتعود مبتسمة فتشعر أن البيت لا يرمم طفلين فقط بل يرمم امرأة كانت الحياة قد كسرتها ببطء 

ومع مرور الشهور بدأ البيت المتواضع يتحول من غير تخطيط إلى مكان يقصده الآخرون انتشرت القصة في الحي أولا ثم في المدرسة ثم بين الأمهات في الأسواق حكاية طفل ضائع عاد إلى حضن أمه وحكاية امرأة فقيرة أحبت طفلا ليس من رحمها كأنه ابنها 

وفي يوم ما جاءت زوجان شابان لم يحضرا بدافع الفضول بل بدافع الحاجة كانت عيناهما متعبتين وصوتهما مكسورا من كثرة الانتظار قالا لكونسويلو سمعنا قصتك ونريد أن نتبنى طفلة أكبر سنا قالوا لنا إن الأمر صعب وإنها ستتعبنا وإنها لن تثق بنا نحن خائفان لكننا لا نريد أن نؤذيها ماذا نفعل

جلست كونسويلو أمامهما لا كمختصة ولا كخبيرة بل كمن عاش الحقيقة بجلده قالت لهما ببطء

لا تطلبا منها أن تثق بكما بسرعة أعطياها وقتا الطفل المجروح لا يكره الحب لكنه لا يصدقه أثبتا لها أنكما باقيا حتى عندما تخطئ حتى عندما تختبركما حتى عندما تحاول أن تدفعكما بعيدا 

ثم جاءت عائلة أخرى ثم أخرى لم تعد كونسويلو تتحدث كثيرا عن تفاصيل الألم بل عن مفاتيح النجاة الصبر والاحتواء وعدم الإذلال واللغة التي تقال بها كلمة لا دون أن تصبح سكينا ومع كل زيارة كان ذلك البيت يكسب معنى جديدا لم يعد مكانا يضم طفلين فقط بل صار مكانا يتعلم فيه الناس كيف يضمون بعضهم بعضا 

وفي ليلة هادئة جلس ريكاردو على حافة السرير يتأمل ماتيو وبابلو وهما نائمان كان ماتيو ينام وذراعه فوق أخيه كأنهما يخشيان الغياب حتى في النوم وكان بابلو يضم لعبة صغيرة إلى صدره لكن وجهه كان أخيرا مطمئنا 

همس ريكاردو لدانييلا هل تدركين ما بدأ كسرا رهيبا صار يصنع شيئا جيدا 

لم تجبه دانييلا فورا كانت تمسح شعر طفليها كليهما بيدين صارتا

تعرفان معنى أن تلمس طفلا كأنك تعتذر له ثم قالت بصوت خافت لا يمحو الماضي لكنه يعلمنا كيف لا نعيده 

سكتت لحظة ثم أضافت المستقبل المستقبل يمكن أن يكون مختلفا ليس لأننا ننسى بل لأننا نتعلم 

مرت السنوات وكبر الطفلان قليلا ولم تعد أسئلة الناس تنتهي من يشبه من من الأكبر كيف عاد من المسؤول

لكن ماتيو كلما سئل السؤال الذي كان يدهش الجميع كان يجيب ببساطة لا يملكها إلا الأطفال الذين لم تفسدهم الحسابات 

سأله أحدهم كيف عرفت بوجود بابلو كيف كنت متأكدا

وضع ماتيو يده على صدره وقال لأنني كنت أشعر به هنا القلب يعرف عندما يكون هناك من ينقص 

ولم تكن تلك مجرد جملة لطيفة كانت حقيقة عاشها الجميع لأن القلب لا يكتب تقارير ولا يراجع ملفات المستشفى لكنه يعرف الفراغ عندما يكون الفراغ ابنا مفقودا أو عمرا مسروقا أو حضنا كان يجب أن يكون موجودا منذ البداية 

وفي تلك العائلة التي كانت في نظر البعض غير مألوفة وفي

نظر كل من دخلها واسعة بما يكفي تعلم الجميع دروسا لم تكتب في الكتب 

أن الدم قد يجمع نعم لكنه لا يكفي وحده 

وأن الحب هو الذي يثبت ويبقي 

وأن المال قد يسهل الطريق لكنه لا يعيد ما انكسر إن غاب الضمير 

وأن الحياة قد تفرق دون أن تطلب إذنا

لكن الحب عاجلا أو آجلا يجد طريقه ليجمع ما ولد ليكون معا 

وفي إحدى الأمسيات عندما كانت كونسويلو تسقي شتلات الطماطم في الفناء اقترب منها بابلو وقد صار أكثر طمأنينة وأقل خوفا قال لها خالتي لو رجع في الزمن كنت ستختارينني مرة أخرى

ابتسمت كونسويلو ومسحت التراب عن يديها وقالت كنت سأختارك ألف مرة لأنك لم تكن عبئا كنت رزقا في حياتي 

التفت بابلو نحو البيت حيث كان صوت ماتيو يعلو بالضحك ورائحة العشاء تتسلل من المطبخ ثم قال بصوت منخفض لكنه ثابت إذا أنا لست ضائعا بعد الآن 

وكانت تلك في الحقيقة أكبر معجزة 

أن الطفل الذي عاش سنوات وهو يعتقد أن وجوده خطأ تعلم أخيرا أن وجوده نعمة

 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close