قال لها ابنها أخي هناك فانهار كل ما كانت تؤمن به
قال لها ابنها أخي هناك فانهار كل ما كانت تؤمن به
أمي لقد كان في بطنك معي قال ماتيو بثقة لا تتسع لها قامته الصغيرة ذات الخمس سنوات وهو يشير نحو النافورة في الساحة الرئيسية بمدينة كويرنافاكا
شعرت دانييلا موراليس بأن الهواء انحبس في صدرها أمسكت بيد ابنها الصغيرة بقوة كأن العالم قد ينتزعه منها دفعة واحدة واتبعت اتجاه ذلك الإصبع الصغير
هناك بين باعة البالونات وهمس الحمام كان طفل حافي القدمين يبيع الحلوى في صندوق كرتوني صغير كان يرتدي قميصا متسخا وسروالا ممزقا وبشرته مسمرة من الشمس لكن ما جعل دانييلا تتجمد في مكانها لم يكن الثياب ولا الفقر الواضح
بل كان الوجه
خصلات شعر بنية الشكل نفسه للحاجبين الخط ذاته للأنف والإيماءة نفسها حين يعض شفته السفلى عند التركيز
وعلى الذقن علامة ولادة صغيرة مطابقة تماما لتلك التي لدى ماتيو
إنه هو أصر ماتيو وهو يشد بلطف على بلوزتها
الطفل الذي أراه في أحلامي نلعب هناك بعيدا أمي لقد كان معك معي
ابتلعت دانييلا ريقها خلال ثانية واحدة شعرت كأن الزمن انثنى وأعادها إلى غرفة بيضاء أضواء في السقف وأصوات تتلاشى كأنها صادرة من تحت الماء ذكرى ناقصة إحساس غريب طالما دفعته إلى أعماقها
سنوات طويلة أقنعت فيها نفسها بأن ذلك كان مجرد توتر الولادة
وأن العقل قد يختلق أشياء
لكن الآن الآن كان هناك طفلان ينظران إلى بعضهما كما لو التقيا بعد حياة كاملة
ماتيو لا تقل هذا الكلام تمتمت محاولة أن تبدو حازمة لكنها لم تنجح خرج صوتها مكسورا
هيا بنا
لا يا أمي أنا أعرفه
أفلت ماتيو يد دانييلا وركض أرادت دانييلا أن تصرخ ليعود لكن الكلمات علقت في حلقها رفع طفل الشارع رأسه في اللحظة نفسها التي وصل فيها ماتيو
للحظة تبادلا النظرات في صمت كأنهما يتعرفان إلى شيء لا يراه غيرهما
مد الطفل الحافي يده الصغيرة فأمسكها ماتيو
وابتسما بالطريقة نفسها الزاوية نفسها للفم والميل الخفيف نفسه للرأس كأن أحدهما انعكاس للآخر
مرحبا قال طفل الشارع بصوت هادئ لا ينسجم مع قسوة حياته
هل تحلم بي أنت أيضا
نعم أجاب ماتيو بحماس كل يوم
تقدمت دانييلا ببطء كانت ساقاها مرتخيتين كأنها تمشي فوق الرمل رأت كيف قارن الطفلان أيديهما وكيف لمسا شعر بعضهما وكيف ضحكا بثقة لا تكتسب في يوم واحد
ما اسمك سأل ماتيو
بابلو أجاب الطفل وهو ينكمش قليلا حين لاحظ وجود دانييلا
وأنت
ماتيو انظر اسمانا متشابهان تقريبا
شعرت دانييلا بضربة قوية في معدتها وأجبرت نفسها على التنفس
اعذرني
يا بابلو قالت بحذر كمن يطأ جليدا رقيقا أين والداك
خفض بابلو بصره وأشار إلى مقعد قريب
كانت هناك امرأة نحيلة في نحو الخمسين من عمرها نائمة وهي تحتضن حقيبة قديمة كانت ملابسها متسخة ووجهها مرهقا كأن الحياة أثقلت عليها أكثر مما ينبغي
خالتي كونسويلو تعتني بي تمتم بابلو لكنها تمرض أحيانا
شدت دانييلا شفتيها شيء في داخلها كان يصرخ بأن ما يحدث ليس مصادفة لكن جزءا آخر الجزء الذي نجا من اكتئاب الأشهر الأولى بعد الأمومة كان يريد الهرب الاحتفاظ بالغموض العودة إلى الحياة المألوفة حتى لو كانت مبنية على أسئلة
ماتيو قالت وهي تمسك بيده بقوة أكبر مما يلزم سنغادر الآن
استدار ماتيو وعيناه ممتلئتان بالدموع كأنها تنتزعه من شيء يخصه
لا أريد أن أذهب أريد أن أبقى مع أخي
سقطت كلمة أخي كالصاعقة
لم يسبق لماتيو أن طلب أخا ولم يتحدث عن واحد قط حتى تلك اللحظة شعرت دانييلا أن كل ما أنكرت وجوده بدأ يتصدع
إنه ليس أخاك قالت بسرعة ليس لديك إخوة
بلى لدي بكى ماتيو
أنا أعرف ذلك هو يتحدث معي كل ليلة
اقترب بابلو ولمس ذراع ماتيو برقة نادرة لطفل يعيش في الشارع
لا تبك أنا أيضا لا أحب عندما نفترق
حملت دانييلا ماتيو
بين ذراعيها متجاهلة احتجاجه وابتعدت بخطوات متسارعة
لكنها حتى من بعيد شعرت بنظرات بابلو تلاحقهما ورأت أو خيل إليها دمعة تنحدر على خده المتسخ
في السيارة ظل ماتيو يكرر بلا توقف كالمطرقة
لماذا تركت أخي وحده يا أمي لماذا
كانت دانييلا تقود والسيارة تهتز تحت يديها المرتجفتين كانت الساحة تبتعد خلفهما لكن وجه بابلو ظل مغروسا في ذهنها ومعه تلك الفراغات الغريبة في ذكريات يوم الولادة التخدير الصمت الاستيقاظ وماتيو بين ذراعيها وشعور غامض بالغياب كأن شيئا ما لم يكتمل
عندما وصلا إلى البيت كان ريكاردو في الفناء يسقي النباتات ابتسم عندما رآهما ثم عبس عندما رأى وجه دانييلا
ماذا حدث
لا شيء كذبت ماتيو افتعل نوبة غضب
لم تكن نوبة غضب! صرخ ماتيو وهو يركض نحو أبيه
أبي! رأيت أخي كان يبيع الحلوى في الساحة وأمي لم تسمح لي بالبقاء معه
ضحك ريكاردو لكن ضحكته ماتت فورا عندما لاحظ ارتجاف دانييلا
يا بطل ليس لديك إخوة
بلى لدي إنه يشبهني تماما قولي له أنت يا أمي
في تلك الليلة وبعد أن نام ماتيو أخيرا فتحت دانييلا ملفا قديما للأوراق الطبية أعادت قراءة كل شيء
لم يكن هناك أي ذكر لحمل متعدد
لكن ذكريات ذلك اليوم كانت مثقوبة كفيلم مقطوع
وذلك الفراغ ذلك الفراغ اللعين صار
الآن له شكل طفل حافي القدمين
في صباح اليوم التالي رفض ماتيو تناول الإفطار
أريد أن أرى أخي كان يكرر
حاول ريكاردو تهدئته لكن دانييلا لم تعد قادرة على ذلك شيء ما في داخلها ولأول مرة منذ سنوات توقف عن الهرب
سنذهب إلى الساحة قالت
نظر إليها ريكاردو وكأنه لا يعرفها
هل أنت متأكدة
لا لكني أحتاج أن أعرف
في الساحة كان بابلو جالسا وحده وهو يأكل قطعة خبز قاسية لم يكن هناك أي أثر للعمة كونسويلو
ركض ماتيو نحوه
بقي ريكاردو مذهولا
يا إلهي دانييلا إنهما متطابقان
أومأت دانييلا وهي تشعر بمزيج من الخوف والأمل
أين العمة كونسويلو سأل ماتيو
ذهبت إلى المستشفى الليلة الماضية أجاب بابلو وعيناه منتفختان لا أعرف متى تعود
جثا ريكاردو أمام الطفل
هل عمرك خمس سنوات
أظن ذلك قالت لي العمة كونسويلو إنني ولدت في اليوم الذي تملأ فيه الألعاب النارية السماء
شحبت دانييلا
ماتيو ولد ليلة رأس السنة همست
توقف العالم لثانية واحدة
ثم كأن أحدهم دفع قطع الدومينو بدأ كل شيء ينهار
ذهبوا إلى المستشفى وبعد إصرار وجدت موظفة الأرشيف السيدة غوادالوبي ملف الولادة كانت هناك أوراق مفقودة وعلى إحدى الصفحات بالكاد يرى شيء مكتوب بقلم رصاص
حمل متعدد مشطوب كأن أحدهم حاول محو الحقيقة
من يمكنه الوصول إلى هذه الملفات سألت دانييلا
العائلة المباشرة الزوج الأم الحماة أجابت غوادالوبي
ظهر اسم السيدة إسبيرانثا كظل ثقيل
السيدة إسبيرانثا الحماة الأنيقة الصارمة المسيطرة
نفسها التي ساعدت في الإجراءات يوم الولادة لساعات بينما كانت دانييلا فاقدة الوعي
نفسها التي كانت تقول دائما إنها تعرف ما هو الأفضل للعائلة
شعرت دانييلا ببرودة تسري في دمها
في ذلك المساء دون إنذار ذهبوا إلى بيت السيدة إسبيرانثا قصر في حي فاخر متقن إلى حد يبدو وكأنه صمم لإخفاء الأخطاء
فتح الباب وتجمدت ابتسامة السيدة إسبيرانثا عندما رأت بابلو
للحظة خلا وجهها من أي تعبير كأنها رأت شبحا
من هذا الطفل سألت بصوت حاد أكثر من اللازم
أمي علينا أن نتحدث قال ريكاردو الأمر يتعلق بماتيو وبابلو
حاولت السيدة إسبيرانثا الإنكار لكنها شحبت عندما رأت الطفلين معا واضطرت إلى الاتكاء على إطار الباب
مصادفات تمتمت دون اقتناع
ولدا في اليوم نفسه قالت دانييلا في المستشفى نفسه لديهما العلامة نفسها الندبة نفسها في الإصبع نفسه
شد ماتيو تنورة جدته
جدتي هذا أخي ألا تتذكرينه
أبعدته بعنف كأن كلمة أخي تحرقها
لا
أعرف عما تتحدثون! هذا الطفل لا علاقة له بنا
تقدم ريكاردو إلى الداخل ودخلت دانييلا خلفه مع الطفلين كان بابلو ينظر إلى الأثاث كأنه في عالم آخر
قولي لي الحقيقة طلبت دانييلا أنا أمه
أنت أم ماتيو صرخت السيدة إسبيرانثا أم ماتيو فقط!
ثم انكسر الصمت كأن السر لم يعد قادرا على التنفس
انهارت السيدة إسبيرانثا على الأريكة وغطت وجهها
كنت أريد فقط حمايتكم قالت بصوت محطم
مم سأل ريكاردو وهو يرتجف من الغضب
كانت الولادة معقدة فقدت يا دانييلا كثيرا من الدم وكنت فاقدة الوعي لساعات قال الأطباء إنهما طفلان لكن أحدهما كان يعاني من مشاكل تنفسية
شعرت دانييلا وكأن الأرض انسحبت من تحتها
وماذا فعلت همست بلا قوة
قالت ممرضة إن هناك امرأة كونسويلو يمكنها الاعتناء به قالوا لي إن هذا الأفضل كنتم صغارا ظننت
لم يكن هذا قرارك! انفجر ريكاردو
بدأ بابلو بالبكاء كأن جسده الصغير قادر على حمايته من كراهية الكبار
الآن نحن معا همس له
نظرت دانييلا إلى بابلو ورأت فجأة خمس سنوات من الجوع والخوف والليالي بلا سرير خمس سنوات مسروقة
غادروا القصر دون أن يلتفتوا وفي السيارة وعدت دانييلا بصوت لم يعد خوفا بل عهدا
سنعتني بك لن تكون وحدك أبدا بعد الآن
بحثوا
عن كونسويلو وجدوها في المستشفى منومة بسبب أزمة سكري وعندما رأت بابلو بكت كأنها استعادت قلبها
ابني أين كنت
مع عائلتي أجاب بابلو
آلمت تلك الكلمة دانييلا بطريقة غريبة لأنها كانت صحيحة ولأن عائلة بابلو طوال خمس سنوات كانت تلك المرأة
استمعت كونسويلو إلى القصة وبدل أن تغضب نظرت إلى دانييلا بحزن ناضج
كان يقول دائما إن له أخا مطابقا له في أحلامه تمتمت ظننت أنه خيال
أمسكت دانييلا بيد كونسويلو
أنت أحببته حين لم يفعل أحد
وما زلت أحبه قالت كونسويلو وهي تمسح شعر بابلو لكنني فقيرة
هز ريكاردو رأسه بحزم
الفقر لا يحدد القلب
في تلك الليلة تحولت الفكرة إلى قرار بابلو وكونسويلو سيعيشان معهم
لم يكن الأمر سهلا كان بابلو يأكل بسرعة كأن أحدا سيأخذ الطبق منه كان يخفي الخبز في جيبه وكان يختبئ عندما يكسر شيئا
في مرة كسر مزهرية وزحف تحت السرير مرتجفا
سيطردونني الآن بكى
تمددت دانييلا على الأرض في مستواه
لن يطردك أحد أبدا هل تسمعني أنت ابني
حقا سأل بخوف حتى لو كنت سيئا
حتى لو أخطأت حتى لو صرخت حتى لو كسرت الأشياء العائلة الحقيقية لا تتفكك
خرج بابلو من تحت السرير واحتضنها بقوة بدت أكبر من طفل
ثم جاءت المعركة الأخرى السيدة إسبيرانثا
غاضبة هددت بقطع الدعم المالي الذي يسدد الرهن شعرت دانييلا بدوار
عندما اكتشفت أن جزءا من استقرارها كان قائما على تلك اليد المتحكمة لكنها نظرت إلى الطفلين إلى ماتيو الملتصق ببابلو كظل سعيد واتخذت قرارها
سنتدبر أمرنا قالت نعمل أكثر نعيش في بيت أصغر لكننا لن نتركهم مرة أخرى
وفعلوا
انتقلوا إلى بيت متواضع له فناء وأشجار فاكهة بدأت كونسويلو حديقة صغيرة كأن الزراعة وسيلة للشفاء كان الطفلان يركضان يضحكان ويبنيان خططا لبيت شجرة ولأول مرة كان لبابلو سرير خاص به ومع ذلك كان يفضل النوم قرب ماتيو كأن الجسد يتذكر أنهما فصلا يوما
مع الوقت ظهرت السيدة إسبيرانثا في البيت الجديد بدت مختلفة أقل تكبرا أكثر إنسانية جثت في التراب بجانب كونسويلو لزرع الطماطم وعندما نظر بابلو إليها بتلك الجدية التي يحملها الأطفال المجروحون انهارت
هل يمكنك أن تسامحني سألت بصوت مرتجف
فكر بابلو بجدية كمن تعلم النجاة
تقول العمة كونسويلو إن من يندم حقا يمكن أن يغفر له قال لكن ستحبينني الآن أيضا
بكت السيدة إسبيرانثا كما لو أدركت أخيرا حجم خطيئتها
سأحبك كثيرا حفيدي الاثنين
في تلك الليلة أكلوا البيتزا جالسين على الأرض لأنهم لم يثبتوا الطاولة بعد أخذ بابلو قضمة
بطيئة يتذوقها كأنها شيء مقدس
إنها أفضل بيتزا في حياتي قال
لماذا سألت السيدة إسبيرانثا
لأنها أول مرة آكل فيها البيتزا مع عائلتي كلها معا
ساد صمت مليء بالدموع لا دموع حزن بل ذلك الألم الجميل الذي يأتي حين يبدأ شيء مكسور بالالتئام
شيئا فشيئا توقف بابلو عن تخزين الطعام في جيوبه كما لو كان يخشى أن تسلب منه اللقمة في أي لحظة لم يحدث ذلك دفعة واحدة كان التغير بطيئا مترددا مثل طفل يتعلم أن يثق بعد أن قضى عمره كله يتوقع الخذلان
في البداية كان ما يزال يأكل بسرعة ثم يتلفت حوله كمن ينتظر صراخا أو عقابا وإذا امتلأت معدته قبل أن يطمئن قلبه كان يضع ما بقي من الخبز في منديل ويخبئه تحت الوسادة ولم تكن دانييلا تنتزعه منه ولا تعنفه كانت تبتسم فقط وتقول له بهدوء اتركه إن شئت وغدا ستجد أكثر منه
وكان الغد يأتي فعلا
وبعد أيام بدأ بابلو يفعل شيئا صغيرا لكنه كان عظيما في معناها صار يترك قطعة صغيرة في الطبق دون أن يمد يده إليها بسرعة يتركها للحظة ثم يرفع عينيه نحو دانييلا وكأنه يسألها دون كلام هل ستبقين هنا هل الطعام سيبقى هنا فتجيبه بعينيها قبل لسانها نعم
ثم في ليلة من الليالي
حدث ما لم يتوقعه أحد نام بابلو نوما عميقا دون أن يضع الخبز تحت وسادته وعندما استيقظ صباحا ووجد الإفطار جاهزا وقف في مكانه طويلا كأنه لا يفهم كيف يمكن للحياة أن تكون بهذه البساطة التفت نحو ماتيو ثم ابتسم له ابتسامة صغيرة خجولة وقال اليوم ما رح أخبي
ضحك ماتيو وكأنه انتصر في معركة صامتة وأمسك يد أخيه وراح يجره إلى الطاولة لا كمن يأخذ ضيفا بل كمن يعيد شيئا إلى مكانه الصحيح
وأما الضحك فقد جاء ببطء أيضا في البداية كان بابلو يبتسم فقط عندما يضحك الآخرون ثم يطلق ضحكة قصيرة وينظر حوله بقلق كأنه ارتكب خطأ كانت دانييلا تلاحظ ذلك فتقول له الضحك ليس جريمة يا بابلو فيسكت قليلا ثم يحاول مرة أخرى
إلى أن جاء يوم عاد فيه من المدرسة وهو يحمل ورقة رسم رسم بيتا كبيرا له شجرة ورسم أربعة أشخاص وطفلين كتب تحتها بحروف مرتجفة هذا بيتي ثم نظر إلى دانييلا بارتباك وقال هل ممكن أعلقها فأجابته دون تردد بل نعلقها في أجمل مكان وعندما علقوها شعر بابلو للمرة الأولى أن اسمه ليس عابرا في حياة أحد
وفي المدرسة بدأت المعلمات يلاحظن شيئا يثير الدهشة التوأمان كما صار الناس يسمونهما لا يتنافسان كما يفعل كثير من الأطفال بل يكمل
أحدهما الآخر بطريقة غريبة ومؤثرة كان ماتيو اجتماعيا مندفعا يحب اللعب والصوت والحكايات بينما كان بابلو أكثر هدوءا دقيقا يلاحظ التفاصيل ويخاف من الأخطاء
إذا تعثر ماتيو في مسألة الحساب اقترب منه بابلو وهمس له بخطوات الحل كأنه يحميه من الإحراج وإذا خاف بابلو من المشاركة في الصف رفع ماتيو يده وقال بحماسة أنا وبابلو بنجاوب سوا! فيتجرأ بابلو لأن أحدا يقف بجواره
وكانت المعلمات يقلن لدانييلا أحدهما يعلم التركيز والآخر يعلم اللعب وكأن الله أعطى كل واحد منهما ما ينقص الآخر
أما كونسويلو فكانت قصتها تتغير هي الأخرى لكن بطريقتها البسيطة كانت تجلس على الطاولة في المساء تخرج نظارتها القديمة وتحاول أن تتهجى الكلمات ببطء كي تساعد في الواجبات لم تكن تخجل من أنها لا تقرأ جيدا كانت تخجل فقط من أنها لا تستطيع أن تمنح بابلو أكثر مما منحته في الماضي
وفي إحدى الليالي بعد أن أخطأت في قراءة كلمة اعتذرت وهي تضحك بحرج لكن بابلو نظر إليها بجدية وقال أنت أعطيتني أهم شيء أعطيتني قلبك سكتت كونسويلو لحظة ثم انهمرت دموعها دون صوت كما يبكي الإنسان عندما يدرك أنه لم يكن بلا قيمة يوما
في الأسبوع التالي سجلت نفسها في دروس محو الأمية لم تفعل ذلك
لتبدو أفضل أمام الناس بل لتكون قادرة على أن تقول لابنها أنا أتعلم من أجلك ومن أجل نفسي أيضا وكانت دانييلا تراها وهي تحمل دفترا صغيرا وتعود مبتسمة فتشعر أن البيت لا يرمم طفلين فقط بل يرمم امرأة كانت الحياة قد كسرتها ببطء
ومع مرور الشهور بدأ البيت المتواضع يتحول من غير تخطيط إلى مكان يقصده الآخرون انتشرت القصة في الحي أولا ثم في المدرسة ثم بين الأمهات في الأسواق حكاية طفل ضائع عاد إلى حضن أمه وحكاية امرأة فقيرة أحبت طفلا ليس من رحمها كأنه ابنها
وفي يوم ما جاءت زوجان شابان لم يحضرا بدافع الفضول بل بدافع الحاجة كانت عيناهما متعبتين وصوتهما مكسورا من كثرة الانتظار قالا لكونسويلو سمعنا قصتك ونريد أن نتبنى طفلة أكبر سنا قالوا لنا إن الأمر صعب وإنها ستتعبنا وإنها لن تثق بنا نحن خائفان لكننا لا نريد أن نؤذيها ماذا نفعل
جلست كونسويلو أمامهما لا كمختصة ولا كخبيرة بل كمن عاش الحقيقة بجلده قالت لهما ببطء
لا تطلبا منها أن تثق بكما بسرعة أعطياها وقتا الطفل المجروح لا يكره الحب لكنه لا يصدقه أثبتا لها أنكما باقيا حتى عندما تخطئ حتى عندما تختبركما حتى عندما تحاول أن تدفعكما بعيدا
ثم جاءت عائلة أخرى ثم أخرى لم تعد كونسويلو تتحدث كثيرا عن تفاصيل الألم بل عن مفاتيح النجاة الصبر والاحتواء وعدم الإذلال واللغة التي تقال بها كلمة لا دون أن تصبح سكينا ومع كل زيارة كان ذلك البيت يكسب معنى جديدا لم يعد مكانا يضم طفلين فقط بل صار مكانا يتعلم فيه الناس كيف يضمون بعضهم بعضا
وفي ليلة هادئة جلس ريكاردو على حافة السرير يتأمل ماتيو وبابلو وهما نائمان كان ماتيو ينام وذراعه فوق أخيه كأنهما يخشيان الغياب حتى في النوم وكان بابلو يضم لعبة صغيرة إلى صدره لكن وجهه كان أخيرا مطمئنا
همس ريكاردو لدانييلا هل تدركين ما بدأ كسرا رهيبا صار يصنع شيئا جيدا
لم تجبه دانييلا فورا كانت تمسح شعر طفليها كليهما بيدين صارتا
تعرفان معنى أن تلمس طفلا كأنك تعتذر له ثم قالت بصوت خافت لا يمحو الماضي لكنه يعلمنا كيف لا نعيده
سكتت لحظة ثم أضافت المستقبل المستقبل يمكن أن يكون مختلفا ليس لأننا ننسى بل لأننا نتعلم
مرت السنوات وكبر الطفلان قليلا ولم تعد أسئلة الناس تنتهي من يشبه من من الأكبر كيف عاد من المسؤول
لكن ماتيو كلما سئل السؤال الذي كان يدهش الجميع كان يجيب ببساطة لا يملكها إلا الأطفال الذين لم تفسدهم الحسابات
سأله أحدهم كيف عرفت بوجود بابلو كيف كنت متأكدا
وضع ماتيو يده على صدره وقال لأنني كنت أشعر به هنا القلب يعرف عندما يكون هناك من ينقص
ولم تكن تلك مجرد جملة لطيفة كانت حقيقة عاشها الجميع لأن القلب لا يكتب تقارير ولا يراجع ملفات المستشفى لكنه يعرف الفراغ عندما يكون الفراغ ابنا مفقودا أو عمرا مسروقا أو حضنا كان يجب أن يكون موجودا منذ البداية
وفي تلك العائلة التي كانت في نظر البعض غير مألوفة وفي
نظر كل من دخلها واسعة بما يكفي تعلم الجميع دروسا لم تكتب في الكتب
أن الدم قد يجمع نعم لكنه لا يكفي وحده
وأن الحب هو الذي يثبت ويبقي
وأن المال قد يسهل الطريق لكنه لا يعيد ما انكسر إن غاب الضمير
وأن الحياة قد تفرق دون أن تطلب إذنا
لكن الحب عاجلا أو آجلا يجد طريقه ليجمع ما ولد ليكون معا
وفي إحدى الأمسيات عندما كانت كونسويلو تسقي شتلات الطماطم في الفناء اقترب منها بابلو وقد صار أكثر طمأنينة وأقل خوفا قال لها خالتي لو رجع في الزمن كنت ستختارينني مرة أخرى
ابتسمت كونسويلو ومسحت التراب عن يديها وقالت كنت سأختارك ألف مرة لأنك لم تكن عبئا كنت رزقا في حياتي
التفت بابلو نحو البيت حيث كان صوت ماتيو يعلو بالضحك ورائحة العشاء تتسلل من المطبخ ثم قال بصوت منخفض لكنه ثابت إذا أنا لست ضائعا بعد الآن
وكانت تلك في الحقيقة أكبر معجزة
أن الطفل الذي عاش سنوات وهو يعتقد أن وجوده خطأ تعلم أخيرا أن وجوده نعمة
تمت


تعليقات
إرسال تعليق