القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رسالة أُرسلت بالخطأ في ليلة ممطرة… فغيّرت مصير أمٍّ فقيرة ومليونير إلى الأبد

 رسالة أُرسلت بالخطأ في ليلة ممطرة… فغيّرت مصير أمٍّ فقيرة ومليونير إلى الأبد

 



رسالة أُرسلت بالخطأ في ليلة ممطرة… فغيّرت مصير أمٍّ فقيرة ومليونير إلى الأبد

 

كانت الأمطار تضرب بإلحاح النوافذ الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف في شقة البنتهاوس بحي بولانكو أحد أكثر أحياء مدينة مكسيكو فخامة. ومن هناك بدت أضواء العاصمة كنجوم بعيدة باردة لا يمكن بلوغها. كان غوستافو هيريرا في الخامسة والثلاثين من عمره يتأمل المدينة وهو يحمل كأسا من النبيذ لم يكن يشتهي حتى تذوقه. انعكاس صورته على الزجاج أعاد إليه مظهر النجاح بدلة إيطالية أنيقة بلا عيب ساعة يساوي ثمنها ثمن منزل صغير ووحدة لا يمكن لأي كشف حساب مصرفي أن يملأ فراغها.

أمضى غوستافو العقد الأخير من حياته وهو يبني إمبراطورية في قطاع الإنشاءات. حاز احترام شركائه وإعجاب موظفيه وحسد منافسيه. غير أنه حين يعود إلى منزله لا يجد سوى الصمت رفيقا له. كانت الجدران المزينة بجوائز الأعمال والفن الحديث تفتقر إلى دفء الصور العائلية. فقد توفيت والدته قبل عامين ورحلت معها آخر بقايا الحب غير المشروط الذي عرفه في حياته. ومنذ ذلك الحين تحولت علاقاته إلى معاملات فارغة نساء انبهرن باسم هيريرا وبطاقة ائتمان بلا حدود لكنهن كن عاجزات عن رؤية الرجل الذي كان في الخفاء يزور المستشفيات ودور الأيتام بحثا عن معنى يمنحه لثروته.

تمتم مخاطبا الفراغ وهو يضع الكأس على طاولة من الرخام

ما


جدوى كل هذا ولمن أبني إن لم يكن لدي من أشاركه

في تلك الليلة من ليالي أكتوبر كان البرد الذي يسكن صدره أشد قسوة من برد الخارج.

وعلى بعد عدة كيلومترات في غرفة رطبة ضعيفة الإضاءة في حي دوكتوريس لم يكن الجو جو وحدة بل كان توترا خالصا. كانت ماريا إيزابيل البالغة من العمر أربعة وعشرين عاما فقط تهدهد طفلها سانتياغو ابن الأشهر الستة بين ذراعيها. كان بكاء الصغير ضعيفا أجش ذلك النوع من البكاء الذي يمزق قلب الأم لأنها تدرك أنه ليس دلالا بل حاجة ملحة.

نظرت ماريا إيزابيل إلى علبة الحليب الصناعي على طاولة السرير. كانت فارغة. فارغة تماما. هزت العبوة بأمل عبثي في أن تجد شيئا من المسحوق عالقا في القاع لكن لم يجبها سوى الصوت المعدني للفراغ. كانت قد فقدت عملها في متجر البقالة في الأسبوع السابق بعد أن تغيبت لرعاية سانتياغو حين أصيب بالحمى. أما والد الطفل فقد اختفى فور رؤيته نتيجة اختبار الحمل الإيجابية. كانت وحيدة تماما.

همست وهي تبكي ودموعها تنساب على خديها وتمتزج بعرق اليأس البارد

سيهدأ الأمر يا حبيبي سيهدأ.

كان طبيب الأطفال في المركز الصحي واضحا سانتياغو بحاجة إلى حليب خاص لزيادة وزنه حليب يكلف ما كانت تكسبه خلال ثلاثة أيام عمل. فتحت محفظتها فوجدت

ثلاثين بيزو وبعض العملات المعدنية. لم تكن تكفي حتى لأرخص أنواع الحليب فضلا عن النوع الخاص.

الكبرياء ترف لا يستطيع الفقراء أحيانا تحمله لكن ماريا إيزابيل كانت قد تمسكت به كآخر ما تملك. غير أن رؤية طفلها يمص قبضته الصغيرة بحثا عن الطعام أسقطت كل حواجزها. تذكرت ورقة مجعدة في قاع حقيبتها كانت إحدى الجارات قد أعطتها رقم امرأة يقال إنها تقرض المال أو تساعد الأمهات العازبات. فقط في الحالات الطارئة كانت قد قالت لها.

كانت يداها ترتجفان بلا سيطرة تحت ضوء المصباح الوحيد الخافت. كان جوع سانتياغو ساعة رملية توشك على النفاد. طلبت الرقم في هاتفها القديم ذي الشاشة المتشققة. خانتها أصابعها بفعل التوتر والإرهاق فانزلقت على لوحة الأرقام. رقم واحد فقط رقم واحد مختلف.

كتبت وقلبها يكاد يقفز من صدرها

عذرا على الإزعاج أنا يائسة. طفلي بحاجة إلى حليب خاص ولا أملك المال. أنا أم عاملة وأقسم أنني سأعيد المبلغ. أحتاج فقط إلى 200 بيزو حتى لا ينام طفلي جائعا اليوم. أرجوك.

ضغطت زر الإرسال وأغلقت عينيها وقد اجتاحها مزيج من الغثيان والأمل.

في الطرف الآخر من المدينة اهتز هاتف غوستافو على الطاولة الرخامية. عقد حاجبيه بدهشة. في هذا الوقت هل هي مشكلة في أحد المشاريع

أم طارئ مصرفي فتح الهاتف وقرأ الرسالة مرة ثم مرة أخرى.

لم تكن رسالة احتيال ولا نصا عاما مكررا. الأخطاء الإملائية صراحة الطلب توقيت الإرسال كل شيء كان يصرخ بحقيقة مؤلمة. شعر غوستافو بقشعريرة لا علاقة لها بالمكيف. كان بإمكانه تجاهل الرسالة أو حظر الرقم أو الذهاب للنوم في أغطية من القطن المصري الفاخر. لكن صورة رضيع يبكي استقرت في ذهنه ولم تفارقه.

نهض فجأة. لم يكن يعرف من تكون تلك المرأة ولا أين تعيش لكنه كان يعلم أن القدر قد طرق بابه تلك الليلة متخفيا في صورة خطأ هاتفي. وما لم يكن يدركه غوستافو هو أن الرد على ذلك النداء لن ينقذ طفلا في تلك الليلة فحسب بل سيدفعه للسير مباشرة نحو إعصار عاطفي سيختبر أحكامه المسبقة ويكسر تحصينات قلبه ويغير مسار حياته إلى الأبد.

لم يرد غوستافو على الرسالة. كان يعلم أن الكلمات لا تشبع البطون. وبدلا من ذلك استخدم الموارد التي يتيحها له موقعه. باتصال واحد بأحد معارفه في الأمن الخاص تتبع الموقع التقريبي للرقم. حي دوكتوريس. حي صعب صادق قاس مع الحياة. تأكدت شكوكه لم تكن شبكة احتيال بل إشارة صادرة من بناية قديمة.

من دون تردد نزل إلى المرآب. مر متجاوزا سيارة المرسيدس والسيارة الرياضية لم يكن بحاجة إلى المظهر تلك الليلة بل إلى

 

الفائدة. ركب شاحنته الصغيرة التي يستخدمها لتفقد الأراضي الوعرة. وقبل مغادرته بولانكو توقف عند صيدلية تعمل على مدار الساعة. لم يشتر علبة حليب واحدة بل عشرا. واشترى حفاضات ومناديل وأدوية أساسية. ملأ المقعد الخلفي بكل ما أوصت به البائعة لطفل في عمر ستة أشهر.

كانت الرحلة انتقالا بين عالمين من الشوارع الواسعة المشجرة إلى الأزقة الضيقة المليئة بالحفر والكلاب الضالة. وعندما وصل إلى العنوان كان الفجر قد بدأ يرسم السماء بلون بنفسجي شاحب. كان الصباح قريبا لكن الظلام في ذلك الشارع بدا وكأنه يرفض الرحيل.

وجد بابا معدنيا صدئا وطرق عليه بقبضته ثلاث طرقات جافة.

في الداخل فزعت ماريا إيزابيل. لا أحد يطرق الباب في الخامسة صباحا إلا ومعه المشكلات. محصلون صاحب المنزل أو ما هو أسوأ. ضمت سانتياغو بقوة وكان قد غلبه الإرهاق فغفا بين نوبات بكائه.

سألت بصوت مرتجف دون أن تزيل سلسلة الأمان

من الطارق

جاءها صوت عميق هادئ لكنه حازم

صباح الخير. اسمي غوستافو. تلقيت رسالتك الليلة الماضية. أظن أنك أخطأت الرقم لكن جلبت شيئا للطفل.

توقف قلب ماريا إيزابيل لحظة. أخطأت الرقم ضربها الخجل كصفعة. لقد طلبت مالا من غريب. لكن واقع سانتياغو فرض نفسه. فتحت الباب قليلا.

ما رأته أربكها. كانت تتوقع جارا أو شخصا من الحي لكنها

وجدت رجلا طويل القامة يرتدي ملابس بسيطة لكنها من جودة تعرفها من المجلات. لم تكن عيناه الخضراوان تنظران إليها بشفقة أو فضول بل بقلق حقيقي عاجل تقريبا.

رأى غوستافو الأم الشابة الهالات السوداء تحت عينيها شعرها الأشعث قميصها البالي لكنها كانت تحمل طفلها بكرامة شرسة. ورأى البيت نظيفا مرتبا إلى حد الهوس لكنه يصرخ بالفقر في كل زاوية.

أشار إلى الأكياس في يديه وسأل

هل أستطيع الدخول

فتحت ماريا إيزابيل الباب مستسلمة.

دخل غوستافو وبدا أن الغرفة الصغيرة تضيق بوجوده. دون كلام كثير بدأ يضع علب الحليب الفاخر على الطاولة الخشبية الصغيرة.

قال كاسرا الصمت

هذه أفضل علامة. وجلبت حفاضات مقاس المرحلة الثالثة آمل أن تناسبه.

كانت ماريا إيزابيل تنظر إلى العلب كما لو كانت سبائك ذهب. ذلك الحليب كان ثروة.

قالت بصوت خافت وهي تخفض نظرها والدموع تحرق عينيها

سيدي لا أستطيع دفع ثمن هذا. طلبت فقط 200 بيزو. هذا أكثر مما ينبغي. أنا لست متسولة.

قاطعها بلطف وهو يقترب خطوة مع الحفاظ على مسافة

أعلم. لا أحد يستيقظ الخامسة صباحا ليعتني بطفله بهذا الحب يكون متسولا. أنت أم. واليوم مالي أنفع هنا منه في حسابي المصرفي.

حضر بنفسه أول رضعة مستأذنا بنظرة لاستخدام المطبخ. راقبت ماريا إيزابيل يديه كبيرتان أنيقتان لكنهما ماهرتان.

وعندما أعطاها الزجاجة الدافئة وبدأ سانتياغو يرضع بشراهة عم الغرفة صمت مقدس. كان صوت الطفل وهو يتغذى هو الموسيقى الوحيدة التي لها معنى.

بقي غوستافو دقائق قليلة يراقب المشهد. ولأول مرة منذ سنوات اختفى الفراغ في صدره. لم يبرم صفقة بملايين ولم يفز بجائزة. لقد رأى طفلا يتوقف عن البكاء. وكان ذلك أثمن من كل مبانيه.

قال وهو يضع بطاقة على الطاولة

يجب أن أذهب إلى العمل. إن احتجت أي شيء هذا هو رقمي الحقيقي. لا تترددي.

أرادت ماريا إيزابيل أن تشكره لكن صوتها خانها فاكتفت بالإيماء.

كانت الأيام التالية غريبة. لم يختف غوستافو. عاد بعد ثلاثة أيام لأنه كان يمر بالمنطقة. أحضر فاكهة. وفي الأسبوع التالي جلب ألعابا. لم يحاول تجاوز حدوده ولم يشتر ودها. كان فقط حاضرا.

بدأا يتحدثان. أولا عند الباب ثم جالسين في الحديقة الصغيرة في الحي. كانت هي حذرة تنتظر اللحظة التي سيطلب فيها شيئا مقابل ما قدمه. وكان هو صبورا يهدم حجرا بعد حجر الجدار الذي بنته حول قلبها.

اكتشفت ماريا إيزابيل أن المليونير نشأ بلا أب وأن أمه كانت خياطة وأنه يكره وحدة البنتهاوس. واكتشف غوستافو أن ماريا إيزابيل ذكية تحلم بإكمال دراستها الثانوية تمتلك ضحكة تضيء العصر وتحب سانتياغو بقوة تخيفه وتفتنه في آن واحد.

لكن الفارق بين عالميهما ظل

قائما كامنا.

جاءت لحظة الانفجار بعد شهر في ليلة عاصفة. ارتفعت حرارة سانتياغو إلى 39 5 درجة. تشنجات حموية. ركضت ماريا إيزابيل تحت المطر تبحث عن سيارة أجرة لا تتوقف ليلا في ذلك الحي. اتصلت بغوستافو.

وصل خلال خمس عشرة دقيقة مخالفا كل حدود السرعة. رآها مبللة تبكي على الرصيف وهي تحتضن الجسد الصغير المحموم. نزل من السيارة حملها مع الطفل وانطلق إلى أفخم مستشفى خاص في المدينة.

في غرفة الانتظار بينما كان الأطباء يثبتون حالة سانتياغو نظرت ماريا إيزابيل إلى نفسها ملابس مبتلة حذاء قديم محاطة برفاهية باردة. شعرت بأنها صغيرة غير جديرة.

قالت باكية

لا أنتمي إلى هنا يا غوستافو. انظر إلي وانظر إليك. هذا خطأ. أنت تلعب دور العائلة وأنا أعيش كابوسا. عندما يشفى سانتياغو عليك أن ترحل. لا أستطيع الاستمرار في أن أكون مدينة لك بحياتي.

أمسك غوستافو كتفيها وأجبرها على النظر إليه. كانت عيناه الخضراوان تلمعان.

قال بحدة هزتها

أتظنين أنني أفعل هذا صدقة هل تعتقدين أنني ألغي اجتماعاتي لأجلس في حديقة بحي دوكتوريس بدافع الشفقة

صرخت

إذا لماذا ليس لديك ما تكسبه منا!

خفض صوته وعيناه تترقرقان

لأنكما أعدتما لي الحياة. قبل تلك الرسالة كنت شبحا في بدلة فاخرة. أنتما جعلتماني أشعر بأنني حي. هذا ليس دينا يا إيزابيل. هذا حب. أنا أحبك. وأحب هذا الطفل كأنه من دمي.

ساد صمت

 

مختلف صمت مشحون. رأت ماريا إيزابيل لأول مرة لا المليونير بل الرجل. الرجل الذي يحتاج إلى الحب بقدر حاجتها إلى الأمان.

تعافى سانتياغو ومعه ازدهرت العلاقة لا في ظل الإحسان بل في ضوء التكافؤ العاطفي. عادت هي إلى دراستها بدعمه لكنها أصرت على العمل بدوام جزئي. وتعلم غوستافو تغيير الحفاضات وقلة النوم.

بعد ستة أشهر من الرسالة الخاطئة اصطحب غوستافو ماريا إيزابيل إلى غابة تشابولتيبيك. كان سانتياغو يزحف ويضحك وهو يطارد الحمام. جلسا على مقعد تحت ظلال أشجار السرو العتيقة.

أخرج غوستافو علبة صغيرة من المخمل الأزرق. لم يكن خاتما مبالغا فيه بل رقيقا وأنيقا.

جثا على ركبته غير مكترث باتساخ بنطاله المصمم وقال

ماريا إيزابيل أعدك ألا تضطري يوما لإرسال رسالة تطلبين فيها المساعدة. أعدك أن سانتياغو لن يعرف الجوع أبدا. لكن الأهم أعدك أنني لن أكون وحيدا إن قبلت أن تستيقظي معي كل صباح. هل تتزوجين هذا الرجل الذي كان محظوظا برقم خاطئ

بكت ماريا إيزابيل لكن دموعها هذه المرة لم تكن دموع ضعف أو خوف من المجهول ولم تكن دموع امرأة استسلمت لقدر قاس بل كانت دموعا نقية صافية تشبه تلك التي تنهمر بعد عاصفة طويلة لتغسل كل ما علق بالقلب من تعب وألم. كانت دموعا تطهر الروح وتعيد ترتيب الفوضى الداخلية وتمنحها إحساسا خفيا بأن كل ما مرت به لم يكن عبثا وأن الطرق المكسورة قد تقود أحيانا إلى أماكن لم تكن لتصل إليها لو كان الطريق مستقيما منذ البداية.

قالت وهي تعانقه وقد أغلقت عينيها كأنها تخشى أن يختفي المشهد إن فتحتهما

نعم مليون مرة نعم.

لم يكن في صوتها تردد ولا محاولة لإقناع نفسها

بل يقين هادئ يقين امرأة جربت الوحدة والجوع والخوف وتعلمت أن تميز بين الوهم والحقيقة وبين الشفقة والحب.

لم يكن الزفاف حدث الموسم كما توقعت المجلات ولم يكن مناسبة يتنافس فيها المصورون أو يتزاحم فيها الفضوليون. لم يكن هناك بهرجة ولا أضواء مبالغ فيها ولا دعوات تحمل أسماء ثقيلة. أقيم الزفاف في كنيسة صغيرة في حي روما كنيسة دافئة متواضعة تشبه القلوب التي اجتمعت فيها. حضر الأصدقاء الحقيقيون فقط أولئك الذين شهدوا التعب قبل الفرح والعائلة القريبة التي اختارت أن ترى الإنسان قبل اللقب والرصيد.

كان سانتياغو هو بطل اللحظة دون أن يدري. ارتدى بدلة صغيرة بدت عليه أكبر قليلا من حجمه ومشى بخطوات مترددة وهو يحمل الخاتمين بكل جدية طفولية. وفي منتصف الطريق توقف فجأة محاولا أن يضع أحد الخاتمين في فمه بدافع الفضول البريء فضحك الجميع ضحكة واحدة صادقة ضحكة لم تخطط لها ولم تصنع من أجل الكاميرات بل خرجت من القلب مباشرة.

وعندما أعلن الكاهن اتحادهما زوجا وزوجة وحين انحنى غوستافو وقبل ماريا إيزابيل لم يكن التصفيق الذي ملأ الكنيسة مجاملة اجتماعية ولا تصفيقا مؤدبا يفرضه البروتوكول بل كان احتفاء حقيقيا بمعجزة بسيطة وعميقة في آن واحد معجزة أن يولد الحب من الحاجة وأن تتحول الصدفة إلى مصير.

بعد الزفاف لم ينتقلا إلى البنتهاوس البارد الذي كان يطل على المدينة من عل ذلك المكان الذي كان يلمع من الخارج ويصمت من الداخل. لم يختاراه لأنهما أدركا أن البيوت لا تقاس بالارتفاع ولا بالفخامة بل بالحياة التي تسكنها. انتقلا إلى بيت جديد بيت له حديقة صغيرة وأراجيح ومساحة للضحك وأرضية

يمكن أن تتسخ دون خوف ونوافذ يدخل منها الضوء لا الوحدة.

وقبل الزواج تبنى غوستافو سانتياغو رسميا مانحا إياه اسمه لكن الأهم من الاسم أنه منحه حضورا حقيقيا أبا يسمع ويحتضن ويتعلم ويخطئ أحيانا لكنه لا يرحل. لم يكن التبني ورقة توقع فقط بل كان قرارا يعاد تأكيده كل صباح في تفاصيل صغيرة في تغيير الحفاض في السهر وقت المرض في الضحك وقت اللعب.

ومر عام لم يكن خاليا من التعب لكنه كان ممتلئا بالمعنى. ومع مرور الأيام تضاعفت السعادة بهدوء دون ضجيج كما تنمو الأشياء الحقيقية.

كان يوم أحد مشمس. الشمس لم تكن حارقة بل لطيفة والهواء يحمل رائحة شواء تعبق في الحديقة رائحة بيت يعيش. كان غوستافو يقف قرب الشواية يضحك بصوت عال ضحكة لم يكن يعرفها في حياته السابقة بينما كان سانتياغو يحاول ركل كرة قدم أكبر قليلا من قدميه الصغيرتين. كان يسقط ثم ينهض ثم يحاول من جديد وغوستافو يصفق له كأنه حقق إنجازا عظيما.

ومن الشرفة كانت ماريا إيزابيل تراقبهما مبتسمة ابتسامة امرأة تعرف جيدا ثمن هذه اللحظة. كانت تهدهد بين ذراعيها الطفلة إيزابيلا ذات الأشهر الأربعة تشعر بدفء جسدها الصغير وبثقل الحب الذي صار مضاعفا.

كانت لإيزابيلا عينا أبيها الخضراوان ذلك اللون الذي كان يوما جزءا من عالم بعيد عنها وصار الآن جزءا من يومها. وكان لها إصرار أمها ذلك الإصرار الذي لا يرى في الملامح بل في الطريقة التي تمسك بها الحياة.

تبادل غوستافو وماريا إيزابيل نظرة صامتة نظرة لا تحتاج إلى كلمات. في تلك اللحظة استعادا معا ليلة المطر والرسالة المرتجفة والخوف الذي كان يملأ الغرفة الصغيرة والوحدة التي كانت

تحاصر كلا منهما من جهة مختلفة. أدركا كم كان الطريق طويلا وكم كان هشا وكم كان من السهل ألا يحدث كل هذا لو أن أحدهما تجاهل أو خاف أو

تراجع.

أحيانا كانت ماريا إيزابيل تفكر أن الله يكتب مستقيما بسطور معوجة. أن إصبعا مرتجفا أخطأ رقما واحدا فقط خطأ ضئيلا في عالم تحكمه البيانات والأرقام لكنه كان كافيا ليربط حاجتين متقابلتين ومتكاملتين حاجة إلى العون وحاجة إلى العطاء. حاجة إلى من يسمع النداء وحاجة إلى من يجرؤ على الإجابة.

قطع سانتياغو تلك اللحظة وهو يصرخ بكل فخر

بابا هدف!

ركض غوستافو نحوه وحمله على كتفيه وبدأ يدور به حتى كادا يسقطان من الضحك وضحكاتهما ترتفع عاليا بلا خوف بلا حسابات لتملأ السماء الزرقاء.

قبلت ماريا إيزابيل جبين ابنتها وهمست بصوت لا يكاد يسمع

لا تنسي أبدا يا صغيرتي أن المعجزات موجودة أحيانا تأتي على هيئة ملائكة وأحيانا تأتي على هيئة رسالة نصية أرسلت إلى رقم خاطئ.

لم تكن الحياة مثالية ولم تصبح كذلك فجأة. كانت لا تزال هناك تحديات وأيام متعبة وخلافات صغيرة ولحظات شك. لكن الفرق أن الفراغ اختفى وأن الجوع لم يعد يسكن البيت وأن الخوف لم يعد سيد القرار. صار هناك بيت وصار هناك دفء وصارت هناك عائلة وجدت نفسها وسط فوضى العالم وقررت بوعي كامل ألا تترك بعضها أبدا.

وهكذا بين الضحكات والحفاضات وبين التعب والامتنان كتب المليونير والأم الشجاعة نهاية سعيدة لم تكن هدية مجانية من الحياة بل ثمرة صبر وصدق وقلوب كانت مستعدة لأن تنقذ بعضها بعضا.

وأثبتا أن الحب الحقيقي لا يفهم لغة الرموز البريدية ولا يهتم بالأرصدة البنكية بل يعرف طريقه دائما إلى القلوب التي تجرؤ على أن تختار وتبقى.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close