القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

اختفت في رحلة بألاسكا… وبعد سنوات أعاد النهر القصة إلى السطح

 


اختفت في رحلة بألاسكا… وبعد سنوات أعاد النهر القصة إلى السطح




اختفت في رحلة بألاسكا… وبعد سنوات أعاد النهر القصة إلى السطح




طوال سنوات عدت حالتها واحدة من الحكايات الغامضة التي ارتبطت ببراري ألاسكا الواسعة. ثم كشف نهر سوسيتنا عما كان يخفيه في أعماقه. عثر على رفاتها بعدما اجتاحت فيضانات ربيعية قوية قاع النهر فحركت ما كان مدفونا تحت طبقة كثيفة من الطمي والحصى. كانت حجارة ثقيلة مثبتة بإحكام إلى قدمي الرفات وهو ما أثار تساؤلات كثيرة حول ما جرى. هكذا بدأت تتكشف تفاصيل غامضة لقصة بدأت برحلة سياحية اعتيادية وانتهت بأسئلة ظلت بلا إجابة لسنوات طويلة.

بدأ كل شيء في يوليو عام 2016. كانت جيسيكا لوسون في السابعة والعشرين من عمرها. تعمل مصممة جرافيكية في سياتل وتعشق رياضة المشي لمسافات طويلة وتقضي عطلات نهاية الأسبوع في جبال ولاية واشنطن. كانت ألاسكا وجهة أحلامها منذ زمن طويل. أمضت عدة أشهر تستعد بعناية لرحلتها تدرس خرائط متنزه دينالي الوطني وتشتري المعدات وتقرأ تقارير مسافرين آخرين. كانت في حالة بدنية جيدة وتعتقد أنها تملك من الخبرة ما يكفي للقيام برحلة منفردة.

كانت خطتها بسيطة تقود سيارتها إلى بلدة تالكييتنا تترك السيارة هناك ثم تنطلق في رحلة تستغرق عدة أيام بمحاذاة نهر سوسيتنا. أخبرت أصدقاءها ووالديها بخططها ووعدتهم بأنها ستتواصل معهم بعد خمسة أيام. كان ذلك إجراء أمنيا معتادا لكل من يدخل البرية بمفرده.


شوهدت جيسيكا للمرة الأخيرة حية وبخير في محطة وقود على أطراف تالكييتنا.

كان ذلك آخر مكان يمكن فيه التزود بالوقود وشراء الضروريات قبل أن تختفي معالم الحضارة خلف المرآة. التقطت كاميرا المراقبة سيارتها الرياضية الزرقاء وهي تتوقف عند المضخة. نزلت ملأت خزان الوقود واشترت زجاجة ماء ولوح طاقة من المتجر. تظهر التسجيلات رجلا يقترب منها. خرج من شاحنة سوداء قديمة كانت متوقفة بالقرب. كان طويل القامة يرتدي قميصا من الفلانيل وسروال جينز. تحدثا لبضع دقائق فقط.

ذكر أمين الصندوق لاحقا أن حديثهما لم يكن يبدو شجارا أو خلافا بل بدا كحديث عابر بين شخصين غريبين. أشار الرجل نحو مكان ما على الطريق ربما كان يعطيها إرشادات أو يعلق على الطقس. أومأت جيسيكا برأسها بهدوء ثم عادت إلى سيارتها وغادرت باتجاه المتنزه الوطني. بقي الرجل قرب شاحنته لدقائق أخرى ثم انصرف هو أيضا. لم يعر أحد الأمر اهتماما.

تالكييتنا محطة توقف لمئات السياح ومثل هذه الأحاديث القصيرة أمر معتاد. بعد يومين من ذلك اللقاء عثر حراس متنزه دينالي خلال دورية روتينية على خيمتها. كانت تبعد نحو أربعمائة متر عن نهر سوسيتنا في بقعة صغيرة محمية من الرياح وسط الأشجار. كان موقع التخييم مختارا بعناية لكن الخيمة كانت خالية. نظر الحراس داخلها فوجدوا

كل شيء في مكانه. كان كيس النوم مفروشا بعناية.

وبجانبه كانت حقيبة ظهر تحوي أوراقها الثبوتية ومحفظتها وهاتفها العامل بالأقمار الصناعية وكان مغلقا. كانت المؤن المخصصة لعدة أيام كما هي لم تمس. وكانت حذاؤها المخصص للمشي موضوعا على بساط صغير عند المدخل جافا ونظيفا. بدا كل شيء كما لو أنها خرجت للحظة ربما إلى النهر أو لنزهة قصيرة في الجوار وكانت على وشك العودة لكنها لم تعد.

في البداية لم يسد الذعر. ترك الحراس مذكرة يطلبون فيها من جيسيكا التواصل معهم عند عودتها. افترضوا أنها ربما خرجت في نزهة قصيرة حاملة الضروري فقط. لكن مر يوم آخر وبقيت المذكرة في مكانها. عندها بدأت عملية بحث واسعة النطاق. كانت عائلة جيسيكا في سياتل قد مضت عليها أيام دون أن تسمع عنها فأبلغت السلطات. كانت قد تجاوزت الموعد الذي وعدت فيه بالتواصل.

بدأت عمليات البحث فورا. شارك فيها العشرات من حراس المتنزه والشرطة المحلية ومتطوعون من تالكييتنا. أرسلت المروحيات للتحليق فوق الغابات الكثيفة وعلى امتداد نهر سوسيتنا المتعرج. قامت كلاب البحث ومدربوها بتمشيط المنطقة المحيطة بالمخيم. عثرت الكلاب على أثر يقود مباشرة من الخيمة إلى ضفة النهر لكنه انقطع عند الشاطئ الحجري. كان يمكن أن يعني ذلك أي شيء. ربما ذهبت لتملأ قارورتها.

ربما انزلقت على الصخور الرطبة وسقطت في التيار السريع. وربما حدث شيء آخر هناك.

بدأ المحققون يدرسون جميع الفرضيات الممكنة. الأولى والأكثر وضوحا كانت الحادث العرضي. نهر سوسيتنا عارم ومتقلب ومياهه الجليدية تجري بسرعة قادرة على إسقاط رجل بالغ خلال ثوان. لو سقطت فيه فقد يكون جسدها انجرف أميالا أو علق في جذع شجرة أو غاص إلى القاع. النظرية الثانية كانت هجوم حيوان بري. فالمنطقة تعج بالدببة البنية لكن لم تكن هناك أي علامات صراع قرب الخيمة ولا آثار لحيوان مفترس كبير. كان الطعام سليما وهو أمر غير مألوف في حال وجود دب. فاستبعدت هذه الفرضية سريعا.

بقيت الفرضية الثالثة الأكثر إثارة للقلق جريمة. ربما كان اختفاؤها مرتبطا بشخص قابلته. عاد المحققون إلى تالكييتنا واستجوبوا كل من قد يكون رآها. وهكذا وصلوا إلى موظف محطة الوقود وحصلوا على تسجيلات كاميرا المراقبة. كان وجه الرجل الذي تحدث معها غير واضح. كان واقفا بزاوية بالنسبة للكاميرا ويرتدي قبعة بيسبول.

غير أن شاحنته السوداء القديمة ذات الانبعاجات الصغيرة في الخلف كانت ظاهرة. للأسف كانت لوحة الأرقام متسخة وغير مقروءة. عممت الشرطة وصف الشاحنة في أنحاء الولاية لكن الأمر بدا كالبحث عن إبرة في كومة قش. هناك آلاف المركبات المشابهة في ألاسكا.

تحولت الأيام إلى

 

أسابيع. تقلصت عمليات البحث تدريجيا. توقفت المروحيات وعاد المتطوعون إلى حياتهم. ظل فريق صغير من المحققين يواصل العمل يمشطون الضفاف مرارا ويستجوبون الصيادين والصيادين البحريين الذين تواجدوا في المنطقة. لكن دون جدوى. لم يعثر على أثر واحد لا قطعة ملابس ولا غرض ضائع. اختفت جيسيكا لوسون. وصنف الملف في النهاية كقضية غير محلولة. وبقيت النسخة الرسمية لأغراض التوثيق مفقودة يفترض أنها توفيت ويفترض أنها غرقت.

بالنسبة لعائلتها كان ذلك أسوأ احتمال لا إجابات انتظار لا ينتهي وأمل يتلاشى عاما بعد عام. تركوا وحدهم مع ألمهم وغموض كامل.

على مدى سبع سنوات تراكم الغبار على ملف جيسيكا لوسون. وعلى مدى سبع سنوات احتفظ نهر سوسيتنا بسره. ثم في ربيع عام 2023 بدأ ذلك السر يظهر إلى السطح. كان الشتاء شديد الثلوج على غير العادة وجاء الربيع فجأة ودافئا. ذابت الثلوج سريعا في الجبال وبلغ منسوب مياه سوسيتنا مستويات قياسية. وعندما تحطم الجليد في النهر لم تكن مجرد كتل عائمة.

كانت كتلا جليدية هائلة تزن أطنانا تجرف قاع النهر كالجرافات وتزيح صخورا استقرت لعقود وتحرك أطنانا من الرواسب والرمال والحصى. تغير مجرى النهر أمام الأعين. وفي أواخر أبريل بعدما انحسر معظم الجليد وبدأت المياه تتراجع خرج اثنان من سكان تالكييتنا

للصيد يتفقدان الضفاف بحثا عن أماكن جديدة ربما كشفتها الفيضانات.

في أحد المواضع التي كشفت فيها المياه عن جزء من القاع كان عادة مغمورا لاحظا شيئا غريبا. بدا كعظم بارز من الرمل الرطب والحصى. لم يعره أحدهما اهتماما في البداية إذ إن العثور على عظام أيل أو دب أمر مألوف في تلك المنطقة. لكن شكل العظم دفعهما للتدقيق. حرك أحدهما الشيء بطرف مجدافه.

تحت طبقة من الطمي ظهر ما أثار فزعهما وقلقهما. ظهرت بقايا حذاء ما زالت ملتصقة بعظام الساق. وتبين أنها رفات إنسانية. أبلغ الصيادان الشرطة فورا. وطوق المكان في اليوم نفسه. حضر فريق تحقيق وخبراء طب شرعي إلى ضفة سوسيتنا. كان العمل بطيئا ودقيقا. استخرجت الرفات من قاع النهر الكثيف باستخدام فراش ومجارف صغيرة كما يفعل علماء الآثار.

كلما أزيلت الطبقات ازدادت الصورة قتامة. كان هيكلا عظميا شبه كامل. اتضح أن التيار لم يجرف الرفات. بل استقر في تجويف طبيعي بين صخور كبيرة مغمورة وظل سبع سنوات مغطى بالطمي والرمل والحصى الصغير. كان النهر نفسه قد صنع له قبرا. ولم تكشفه إلا فيضانات هذا العام التي عملت كجرافة فأزالت الغطاء الواقي وأظهرت اكتشافا بالغ الحساسية.

عندما أخرج الهيكل بالكامل زال أي شك في سبب الوفاة. كانت حبال تسلق قديمة باهتة مربوطة بإحكام حول

عظام الكاحلين وفي طرفيها حجران كبيران أملسان من النهر يزن كل منهما بين سبعة وتسعة كيلوغرامات على الأقل. كانت العقد محكمة ومتقنة الصنع. وكان تثبيت الأوزان يشير إلى محاولة إبقاء الرفات في القاع لفترة أطول.

تراجعت فرضية الحادث العرضي التي استمرت سبع سنوات. ومع تراكم المؤشرات بدأت السلطات تتعامل مع الأمر باعتباره قضية تتطلب تحقيقا أوسع.. عثر قرب الرفات على معطف واق من المطر أزرق داكن شبه متحلل وهو ذاته المذكور ضمن معدات جيسيكا وعلى ترمس معدني مغطى بخدوش عديدة. لم يكن ممكنا تحديد ما إذا كانت تلك الخدوش نتيجة سبع سنوات في قاع نهر مضطرب أم أنها تعود إلى لحظات سابقة لا يمكن الجزم بطبيعتها.

نقلت الرفات إلى أنكوريج للفحص الشرعي. لم يستغرق تحديد الهوية طويلا. تطابقت السجلات السنية مع الأسنان في الجمجمة. كما كشفت السجلات الطبية عن كسر قديم ملتئم في عظم الفخذ تعرضت له جيسيكا في شبابها إثر سقوطها من دراجة. أظهر الهيكل العلامة ذاتها. لم يكن ثمة شك كانت جيسيكا.

لكن الفحص أظهر نتيجة أكثر خطورة. وجد في عظم الفخذ نفسه فوق الكسر القديم مباشرة كسر حديث حدث عند الوفاة أو قريبا منها. تشير طبيعته إلى تعرضها لإصابة قوية قد تكون ناجمة عن سقوط شديد أو صدمة جسدية وبالنظر إلى الحجارة المربوطة بساقيها

بدت فرضية السقوط غير مرجحة. رجح المحققون أنها تعرضت لأذى جسدي قبل الوفاة.

وبعد استكمال الفحوصات أعيد تصنيف الملف رسميا كقضية جنائية وفق نتائج التحقيق. وأخرج الملف من الأرشيف. صار لديهم رفات وأدلة تشير إلى ظروف غير طبيعية للوفاة. لكن السؤال الأهم بقي بلا جواب من الفاعل قادت كل الخيوط إلى يوليو 2016 وإلى التسجيل الضبابي في محطة الوقود. الرجل الغامض صاحب الشاحنة السوداء الذي كان مجرد عابر سبيل صار المشتبه به الرئيسي والوحيد.

أعيد فتح التحقيق بحزم جديد. أعيد تحليل التسجيل إطارا بإطار باستخدام تقنيات حديثة. استخرجت سجلات كل الشاحنات السوداء المسجلة آنذاك. وفي عام 2023 أرسل التسجيل إلى مختبر الأدلة الجنائية التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي في كوانتيكو. استخدم الخبراء برامج متقدمة قائمة على الشبكات العصبية لتحسين الصورة. أزيل التشويش الرقمي وزيدت الحدة واستعيدت تفاصيل كانت تبدو مفقودة.

لم يكن الوجه في التسجيل المحسن واضحا بما يكفي لوضع اسم قاطع عليه غير أن ملامحه العامة باتت قابلة للتمييز خط الفك شكل الأنف وطريقة ميلانه حين كان يتحدث. إلا أن الاختراق الحقيقي لم يكن في الوجه بل في اللوحة المعدنية الصغيرة المثبتة في مؤخرة الشاحنة. ففي عدة إطارات التقطت لحظة ابتعاد المركبة استطاع

 

البرنامج أن يستعيد معظم أحرف لوحة الأرقام بعدما أزال طبقات التشويش الرقمي وكأنه ينفض الغبار عن نقش قديم. بقي حرف أو حرفان ملتبسين لكن ذلك لم يعد عائقا حقيقيا. صار لدى المحققين خيط رقمي يمكن تتبعه.

انطلقت عملية بحث موسعة في قواعد بيانات المركبات. أدخلت جميع التركيبات المحتملة للأحرف الناقصة مع تحديد نوع المركبة ولونها وسنة صنعها التقريبية. كانت القائمة طويلة لكنها لم تكن بلا نهاية. جلس فريق كامل أمام الشاشات يطابق الأرقام ويقارن السجلات ويدقق في أي مركبة سوداء قديمة مرت عبر ألاسكا في صيف عام 2016. لم يكن الأمر مجرد بحث تقني كان سباقا مع الزمن سباقا مع سبع سنوات من الصمت.

وبعد أيام من العمل المتواصل ظهر اسم واحد لفت الانتباه. شاحنة بيك آب سوداء قديمة تحمل رقما يكاد يطابق التسلسل المستعاد من التسجيل مسجلة في ولاية مونتانا. اللافت أن هذه الشاحنة نفسها تلقت مخالفة مرورية في أنكوريج قبل أسبوع واحد فقط من اختفاء جيسيكا. لم يكن ذلك دليلا مباشرا لكنه كان اقترانا زمنيا ومكانيا لا يمكن تجاهله.

كان مالك المركبة رجلا يدعى بريان رودز يبلغ من العمر اثنين وأربعين عاما من مدينة بيلينغز في مونتانا. وما إن أدخل اسمه في قواعد البيانات الجنائية حتى بدأت الصورة تزداد قتامة. لم يكن اسما عابرا. قبل عشرة أعوام أدين رودز بجناية اعتداء من الدرجة الثانية. بعد واقعة اعتداء على سائحة في مسار جبلي ومحاولة إبعادها عن الطريق قبل أن تنجو وتطلب المساعدة. لكن الضحية قاومت وتمكنت من الإفلات والهرب إلى الطريق حيث طلبت النجدة. ألقي القبض عليه وحكم عليه بالسجن عدة سنوات قبل أن يفرج عنه.

أظهرت سجلاته أنه لم يكن يملك إقامة مستقرة. كان يعيش من أعمال

موسمية متفرقة يتنقل بين الولايات بحسب الفرص المتاحة. اشتغل في البناء أحيانا وفي مزارع بعيدة أحيانا أخرى وكان يتردد إلى ألاسكا خلال مواسم الصيد ليعمل على قوارب الصيد التجارية. رجل يعرف البرية يعرف الطرق النائية ويعرف كيف يختفي.

كان ينطبق عليه الوصف تماما. شخص ذو سوابق مقلقة سبق أن استهدف امرأة غريبة في مكان منعزل. بلا روابط اجتماعية راسخة بلا عنوان دائم وبلا شبكة دعم واضحة يمكن تتبعها. حصلت شرطة ألاسكا على مذكرة لإحضاره والتحقيق معه. لكن حين حاولوا العثور عليه اكتشفوا أن الرجل لم يعد موجودا حيث كان ينبغي أن يكون.

لم يشاهد في عنوانه الأخير في بيلينغز منذ سنوات. قال بعض أقاربه إنهم فقدوا الاتصال به منذ عام 2017 تقريبا. لم يكن لديه حساب مصرفي نشط ولم تسجل أي معاملات مالية باسمه بعد أواخر عام 2016. توقفت بطاقاته الائتمانية عن الاستخدام ولم تسجل أي مساهمات في الضمان الاجتماعي. بدا وكأنه اختفى عن قصد.

عند مراجعة سجلات عبور الحدود ظهر خيط جديد. في مارس 2017 بعد نحو ثمانية أشهر من اختفاء جيسيكا سجلت الكاميرات عند أحد المعابر الحدودية شاحنة سوداء مطابقة للوصف تعبر من الولايات المتحدة إلى كندا. كانت لوحة الأرقام هي ذاتها التي اشتبه بها المحققون. لم يسجل أي عبور عكسي بعد ذلك. دخل رودز إلى كندا ولم يعد رسميا.

أرسلت طلبات تعاون فوري إلى الشرطة الكندية. جرى التحقق من سجلات الإقامة الفنادق المخالفات وأي نشاط مسجل باسمه. وبعد أيام قليلة وصل الرد الذي حمل في طياته نهاية غير متوقعة. كان بريان رودز قد توفي.

في عام 2019 عثر على جثته داخل غرفة بموتيل رخيص في بلدة صغيرة بمقاطعة كولومبيا البريطانية. استدعيت الشرطة المحلية آنذاك

وأجرى الطبيب الشرعي فحصا للموقع. لم تسجل أي آثار عنف أو مقاومة. لم تكن هناك علامات اقتحام ولا دلائل على وجود شخص آخر في الغرفة. ووفق التقرير الرسمي أثبتت الوفاة رسميا على أنها حدثت لأسباب شخصية وفق تقرير الجهات المختصة. أغلق ملفه بسرعة إذ لم يكن محل اهتمام خاص لدى السلطات الكندية في ذلك الوقت.

بالنسبة لمحققي ألاسكا كان الخبر يحمل طعمين متناقضين. من جهة وجدوا الرجل الذي يتوافق مع جميع المؤشرات آخر شخص تحدث مع جيسيكا صاحب شاحنة ظهرت في التسجيل شخص له سوابق موثقة في ملفات القضايا غادر البلاد بعد الواقعة بوقت غير بعيد ثم توفي لاحقا خارج الولايات المتحدة وفق السجلات الرسمية. ومن جهة أخرى لم يعد بالإمكان استجوابه ولا مواجهته بالأدلة ولا سماع روايته.

لم تكن هناك بصمات ولا حمض نووي صالح يمكن استخراجه بعد سبع سنوات في قاع نهر بارد متقلب. الحبال التي ربطت حول كاحلي جيسيكا كانت قد فقدت أي أثر بيولوجي محتمل. الملابس تحللت جزئيا. والمياه الجارية على مدى أعوام كانت قد محت كل أثر قابل للاستخدام في محكمة.

لم يكن لدى المحققين سوى سلسلة قوية من القرائن الظرفية. تسلسل منطقي متماسك لكنه يفتقر إلى اللحظة الحاسمة الاعتراف أو الدليل المادي القاطع الذي لا يدحض أمام هيئة محلفين. ومع وفاة رودز سقطت إمكانية المحاكمة إلى الأبد.

أغلق ملف جيسيكا لوسون رسميا مرة أخرى لكن هذه المرة بعنوان مختلف. لم تعد مفقودة يفترض أنها غرقت. بل أصبحت واقعة جنائية والمشتبه به الرئيسي متوفى . في التقرير النهائي أشار المحقق الرئيسي إلى أن الأدلة المتاحة تشير بقوة إلى تورط بريان رودز إلا

أن وفاته حالت دون إثبات التهمة قضائيا.

بالنسبة لعائلة جيسيكا كانت المشاعر

معقدة. سبع سنوات من الانتظار من الأمل الضئيل الذي يتلاشى عاما بعد عام من كل ربيع يمر دون خبر ومن كل مكالمة هاتفية تبقي القلب معلقا بين الرجاء والخوف. والآن أخيرا عرفوا ماذا حدث لابنتهم. لم تكن الواقعة مجرد غرق عارض بل أشارت نتائج التحقيق إلى ظروف غير طبيعية رافقت الحادث مع دلائل على محاولة إخفاء ما حدث في مجرى النهر.

لكنهم لم يعرفوا لماذا. لماذا اختارها لماذا اقترب منها في محطة الوقود هل تبعها هل خطط للأمر أم كان قرارا لحظيا هل قال لها شيئا قبل أن يضربها هل حاولت الهرب أسئلة لن تجد إجاباتها أبدا.

توفي الشخص الذي عد المشتبه به الأبرز في القضية وحمل دوافعه وأفكاره وظلامه الداخلي معه إلى القبر. لم تقف أمامه محكمة ولم يسمع حكما ولم يواجه عائلة الضحية. بقيت العدالة ناقصة كما لو أن فصلا أخيرا من القصة مزق قبل طباعته.

ظل نهر سوسيتنا شاهدا صامتا. سبع سنوات وهو يحتفظ بالرفات في حضنه البارد يغطيه بالطمي ويحرس سره في أعماقه. ثم في لحظة فيضان عارم قرر أن يكشف الحقيقة. كأن الطبيعة نفسها رفضت أن يبقى الأمر مدفونا إلى الأبد.

وهكذا انتهت القضية رسميا لكن أثرها لم ينته. بقيت صورة الخيمة الفارغة الحذاء الموضوع بعناية عند المدخل المذكرة التي تركها الحراس على باب القماش والحديث القصير في محطة الوقود لحظات عادية في ظاهرها لكنها كانت آخر فصول حياة شابة حلمت برحلة في البرية.

لم تتحقق العدالة كما ينبغي ولم تسمع اعترافات ولم يكشف الدافع. بقي فقط سجل رسمي ورفات انتشل من قاع نهر واسم أغلق بجواره ملف بسبب الوفاة. وفي ذاكرة عائلة جيسيكا لم يكن ذلك مجرد ملف. كان ابنة وأختا وحلما انقطع فجأة وسبع سنوات من الصمت انتهت بإجابة ناقصة وبقصة لن تكتمل أبدا.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close