رواية الوريث الموعود الفصل السادس الأخير بقلم نور محمد حصريه
رواية الوريث الموعود الفصل السادس الأخير بقلم نور محمد حصريه
أنا وقفت مكاني في وسط "السبوع"، المعازيم حواليا بيغنوا ويوزعوا الملبس، وصوت الزمارة مالي البيت.. وأنا شايل "يحيى" على إيدي وحاسس إني شايل قنبلة موقوتة. الهمسة اللي سمعتها منه جمدت مفاصلي، والوشم اللي شفته على كفه الصغير كان بينبض بلون أحمر زي الجمر.
سلمى قربت مني وهي طايرة من الفرحة: "هاته يا أحمد، الناس عايزة تشيله.. ماله وشك اصفرّ كدة ليه؟"
بصيت لها وكنت عايز أصرخ وأقولها: "ده مش ابننا! ده هو!".. بس لقيت نظرة يحيى ليا اتغيرت، رجع طفل بريء بيبتسم، والوشم اختفى تماماً كأنه مكنش موجود.
مرت الأيام، وبدأ "يحيى" يكبر بسرعة مش طبيعية. في سن ست شهور كان بيمشي، وفي سن سنة كان بيتكلم جمل كاملة.. بس مكنش بيلعب مع الأطفال، كان بيقعد بالساعات في ركن ضلمة في الصالة، ويبص للحيطة ويهمس بكلام بلغة غريبة، كأنه بيدي أوامر لجيش من الخيالات.
في ليلة، صحيت على صوت "خربشة" جاية من أوضة يحيى. قمت براحة، فتحت الباب.. ولقيت المنظر اللي خلى شعري يشيب.
يحيى كان واقف فوق السرير، وطوله بقى أطول من الطبيعي، وكان راسم على الحيطة بـ "دم" عصفورة ميتة نفس العلامة: التعبان اللي بياكل ديله.
"بتعمل إيه يا يحيى؟" سألته وصوتي بيترعش.
لف وشه ليا.. ملامحه كانت بتتهز، كأن فيه وش تاني بيحاول يخرج من تحت جلده. "بجهز البيت يا بابا.. الأرض دي كانت ملكنا قبل ما أنتم تيجوا، ودلوقتي وقت الحصاد قرب."
فجأة، البيت كله بدأ يترج. النجف كان بيخبط في السقف، والدواليب بتتفتح وتتقفل بعنف. سلمى صحيت وجريت عليا وهي بتصوت: "أحمد! في إيه؟ يحيى ماله؟!"
يحيى بص لأمه، ونظرته كانت مليانة غل: "إنتي كنتي مجرد (وعاء).. ودلوقتي مفيش ليكي لزمة."
رفع إيده الصغيرة في الهوا، وفجأة سلمى اطيرت في الهوا واتخبطت في الحيطة بقوة غيبتها عن الوعي. جريت عليها، بس يحيى وقف قدامي، وعينيه بقت سوداء تماماً: "المقبرة اللي أنت ردمتها في البلد.. الباب بتاعها متقفلش يا أحمد. أنا بس كنت محتاج (جسم) عشان أخرج برا حدود الخرابة.. ودلوقتي أنا بقيت في وسط القاهرة.. وبكرة، كل واحد في المدينة دي هيشوف وشي الحقيقي."
في اللحظة دي، جرس الباب رن بعنف. فتحت الباب وأنا مش داري بنفسي، لقيت الدكتور رفعت واقف، وشه شاحب وهدومه مقطعة: "الحقني يا أحمد! اللعنة انتشرت! كل اللي دخلوا العيادة اليوم ده، أطفالهم نزلوا بعلامة التعبان.. إحنا مكنّاش بنحارب شيطان واحد، إحنا فتحنا بوابة لـ (جيش)!"
يحيى ضحك ضحكة هزت جدران الشقة: "رفعت غالي.. العجوز اللي فاكر إنه بيفهم في الرصد. أنت جيت في وقتك.. عشان تكون أول ضحية للعهد الجديد."
فجأة، النور قطع تماماً، وبدأنا نسمع أصوات "زحف" جاية من المنور ومن تحت عقب الباب.. أصوات آلاف التعابين اللي بتملا الشقة.
الدكتور رفعت طلع من جيبه "خنجر أثري" حقيقي المرة دي، وقال بصوت عالي: "يا أحمد! مفيش غير حل واحد.. اللعنة دي مربوطة بـ (القلب)! لازم ننهي الكيان ده في مكانه، حتى لو الثمن هو حياة يحيى!"
بصيت ليحيى، ابني اللي استنيته سنين.. وبين الكيان اللي ساكن جواه. يحيى (أو اللي جواه) هجم على الدكتور رفعت بمخالب طويلة ظهرت فجأة من صوابعه.
مسكت الخنجر من الدكتور، والدموع مغرقة عيني. يحيى بص لي وقال بنبرة طفل بريئة: "بابا.. هتقتلني؟ أنا يحيى حبيبك!"
وقفت محتار.. هل ده ابني بيستنجد بيا؟ ولا ده تلاعب من الشيطان اللي جواه؟
في اللحظة دي، شفت "العلامة" على كفه بتكبر وبتتحول لـ فتحة سودة بتمتص كل النور اللي في الأوضة. الدكتور رفعت صرخ: "اضرب يا أحمد! دلوقتيييي!"
غمضت عيني وغرزت الخنجر.. بس الصدمة إن الخنجر مدخلش في جسم يحيى.. الخنجر دخل في "الضلمة" اللي وراه، وسمعت صوت صرخة مكتومة مش بشرية، والأوضة اتملت بنور أبيض شديد لدرجة إني فقدت الوعي.
صحيت تاني يوم الصبح.. الدنيا كانت هادية تماماً.
الشقة كانت مترتبة، ومفيش أثر لدم أو تعابين. سلمى كانت نايمة على الكنبة بتفوق ببطء، والدكتور رفعت ملوش أثر.
جريت على أوضة يحيى.. لقيته نايم في سريره بسلام، وبصلي وابتسم ابتسامة طبيعية جداً.
حسيت براحة مش طبيعية، وقلت لنفسي "أخيراً الكابوس انتهى".
نزلت الشارع عشان أجيب فطار، وبصيت في وشوش الناس..
سواق التاكسي.. البياع.. الست اللي ماشية مع ابنها..
كلهم، بلا استثناء، بصوا لي في نفس اللحظة.. وبنفس الابتسامة.. ورفعوا إيديهم..
كلهم كان عندهم نفس "وشم التعبان" على كف إيديهم!
عرفت ساعتها إن يحيى مكنش هو النهاية.. يحيى كان مجرد "البداية"، والمدينة كلها بقت "هم".
النهاية..
إحنا دلوقتي عايشين وسطهم.. بص في كف إيد اللي جنبك، يمكن تلاقي العلامة!
هل تحب نوقف هنا ونقفل الستار على الكابوس ده، ولا لسه عندك فضول تعرف أحمد هيعمل إيه وهو الوحيد "السليم" وسط مدينة ممسوسة؟
اللحظة دي كانت أصعب لحظة في حياتي؛ اكتشفت إن السواد مكنش في "يحيى" لوحده، السواد بقى في كل ركن في القاهرة. الناس بتبص لي بابتسامة غريبة، كأنهم بيقولوا لي: "أهلاً بك في عالمنا الجديد".
رجعت الشقة بجنون، قفلت الترباس ورايا وأنا بنهج. سلمى كانت فاقت وبدأت تستوعب اللي حصل، بصت لي برعب وقالت: "أحمد.. الناس برا مالهم؟ ليه كلهم واقفين بيبصوا لبيتنا؟"
بصيت من ورا الستارة، لقيت الشارع كله واقف في صمت تام، مئات البشر باصين لشبابيك شقتنا. في اللحظة دي، دخل "يحيى" الصالة، بس المرة دي كان هادي جداً، وقعد على الأرض وبدأ يلعب بـ "مكعبات" كأنه طفل طبيعي.
"يحيى.." ناديت عليه بصوت مرتعش.
رفع راسه وبص لي، بس المرة دي عينيه كانت صافية تماماً، مفيش سواد ولا أصفر. "بابا.. متخافش.. هما مش هيأذوك، هما بس مستنيين (الأمر)."
فجأة، تليفوني رن.. كان الدكتور رفعت. صوته كان هادي بشكل غريب، مكنش فيه الرعب بتاع زمان.
"أحمد.. مفيش فايدة من المقاومة. العلم والمنطق والروحانيات كلهم خسروا قدام (العهد القديم). بس فيه حاجة واحدة بس الكيانات دي متعرفهاش.."
"إيه هي يا دكتور؟" سألته بلهفة.
"الكيان ده بيتغذى على (الخوف). طول ما أنت خايف، هما ليهم سلطة عليك. العلامة اللي على إيديهم دي مش وشم حقيقي، دي (انعكاس) لروحك المكسورة. لو قدرت تسيطر على خوفك، وتشوفهم على حقيقتهم.. اللعنة هتتكسر."
قفل الخط، وفهمت إن المعركة المرة دي مش بالخناجر ولا بالبخور، المعركة جوه "عقلي".
بصيت لسلمى وقلت لها: "البسي هدومك، إحنا خارجين."
"نروح فين يا أحمد؟ الشارع كله مرعب!"
"هنخرج نواجههم.. طول ما إحنا مستخبيين، هما بيكبروا."
مسكت إيد سلمى بإيد، وشلت يحيى على إيدي التانية. فتحت باب الشقة وخرجت للمطرقة. الناس اللي كانوا واقفين على السلم بدأوا يضيقوا الدايرة حوالينا، وعيونهم بتلمع في الضلمة.
نزلت للشارع، والآلاف واقفين في صمت. يحيى همس في ودني: "لو خفت دلوقتي يا بابا.. هتموت."
غمضت عيني، وافتكرت كل لحظة حب عشتها مع سلمى، افتكرت ضحكة يحيى الحقيقية وهو لسه مولود. بدأت أردد في سري: "أنا مش خايف.. أنتوا ملهكمش وجود.. أنتوا مجرد أوهام."
فتحت عيني وبصيت لأقرب واحد ليا، كان "عم محمد" البواب. بصيت في عينيه بكل قوة وقلت له: "صباح الخير يا عم محمد، يومك نادي إن شاء الله."
في البداية، ملامحه فضل ثابتة والوشم بينور على إيده.. وفجأة، الوشم بدأ "يبهت" كأنه حبر بيدوب في المية. ملامحه رجعت طبيعية، وبص لي بذهول وقال: "أستاذ أحمد؟ أنا إيه اللي موقفني هنا في الحر ده؟"
زي الدومينو، واحد ورا التاني، الناس بدأت "تفيق" من الغيبوبة. الوشوم كانت بتطير في الهوا زي الدخان وتختفي في السما. القاهرة رجعت لصوتها، زحمتها، وخناقاتها الطبيعية.
بصيت لـ يحيى في حضني، لقيته نام بعمق، والعلامة اللي كانت على كفه اختفت للأبد.
الدكتور رفعت ظهر من وسط الزحمة، وكان مبتسم: "عملتها يا أحمد.. النور اللي جواك كان أقوى من الضلمة اللي هما زرعوها. اللعنة مكنتش في المقبرة، اللعنة كانت في (قلوبنا) لما فقدنا الأمل."
مرت سنين، ويحيى كبر وبقى شاب ناجح. المقبرة اللي في البلد اتردمت بجد المرة دي، بس مش بالخراسانة، "اتردم بالزرع والشجر"، وحولناها لـ "مدرسة" بتعلم الأطفال إن أقوى سلاح في الدنيا هو (العلم والشجاعة).
الحكمة اللي اتعلمتها:
"الخوف هو الباب الوحيد اللي بيدخل منه الشيطان.. لو قفلت الباب ده باليقين، مفيش لعنة في الدنيا تقدر تلمسك."
تمت.
لمتابعة الرواية الجديدة زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةمن هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق