أثناء الكشف قبل الولادة، الدكتور وشه اتغير وقال
أثناء الكشف قبل الولادة، الدكتور وشه اتغير وقال
مين كان دكتورك قبل كده؟”
رديت عليه: “جوزي… هو كمان دكتور توليد.”
على طول اتوتر وشه اتغيّر وقال: “لازم نعمل تحاليل دلوقتي!”…
غرفة الكشف كانت ريحتها معقمات وكل حاجة ساكتة، وأنا مستنياها أسابيع، متأكدة إن كل حاجة تمام، لأن حملي ما حصلش فيه مشاكل كبيرة لحد دلوقتي.
بس من أول ما دخل الدكتور الجديد، حسيت بحاجة غريبة. الطو بتاعه كان مكوي كويس، بس وشه… شاحب ومتوتّر، كأنه خايف من حاجة.
قال: “تمام”، من غير ما يبص عليا صح. “هنراجع نتائج الأشعة اللي اتعملت قبل كده ونعمل واحدة جديدة.”
اومأت، وأنا حاسة بقلق بسيط. دكتور التوليد المعتاد — جوزي — كان مسافر مؤتمر بره، وهو دايمًا بييجي معايا أو يتابع مواعيدي، المرة دي اضطررت أجي مع الدكتور الجديد اللي واضح عليه التوتر أكتر مني.
أثناء الموجات فوق الصوتية، الصمت كان تقيل. الدكتور حرك الجهاز ببطء كأنه بيدوّر على حاجة مش متوقعها، عيناه ضاقت وأنفاسه اتغيرت، وأنا قلبي بيرتجف. حاولت أقرا تعابيره، بس هو ما قالش ولا كلمة.
أخيرًا شال الجهاز وقف، وبص على الشاشة المتجمدة، وهمس كأنه خايف:
— “مين… مين كان دكتورك قبل كده؟”
السؤال خلاني أرتبك. يعني إيه يهم دلوقتي؟
رديت بالظبط: “جوزي… هو كمان دكتور توليد.”
عيونه كبرت من الصدمة. رده كان غريب ومبالغ فيه. رجع خطوة ورا كأنه عمل غلطة كبيرة، ابتلع ريقه وقال:
— “لازم نعمل تحاليل… دلوقتي. في حاجة مش مظبوطة. لو جوزك دكتور توليد كان شاف ده قبل كده…”
وبعدين قفل الملف. “استني هنا من فضلك. متتحركيش.”
وخرج بسرعة من الغرفة.
سيبوني لوحدي، مش عارفة أقلق على طفلي، جوزي، ولا على سبب رد فعله الغريب. بصيت على شاشة الأشعة المتجمدة، بحاول ألاقي حاجة غلط، بس مش فاهمة أنا بدور على إيه بالظبط. كورة في حلقي من التفكير: إيه اللي الدكتور شافه ومجوزي ما قالش عنه؟
الردهة بره كانت زحمة. أصوات، خطى سريعة، مكالمات، وكل ده عشان سؤال بسيط. وأنا مستنية، إيدي بارد وقلبي بيدق بسرعة، حسيت إن اللحظة دي هتكون بداية حاجة أكبر بكتير، حاجة مش بس تخص حملي، لكن كمان أسرار ما كنتش متخيلة أبدا…
الجزء الثاني
قعدت على السرير مش قادرة أتحرك، كل ثانية كانت بتعدي أبطأ من اللي قبلها. دماغي بقت مليانة أسئلة:
هو في خطر على البيبي؟ ولا في حاجة جوزي مخبيها عني؟ ولا الدكتور الجديد فاهم غلط؟
الباب اتفتح فجأة، والدكتور دخل ومعاه ممرضة وراجل تاني أكبر شوية في السن، واضح إنه استشاري. حسيت قلبي هيقف.
الدكتور الكبير قرّب مني وقال بهدوء غريب: — “مدام… لازم نعيد الأشعة حالاً، بس متقلقيش قبل ما نأكد.”
قلت بصوت مكسور: — “في إيه؟ ابني كويس؟”
بصوا لبعض قبل ما يرد: — “إحنا شايفين حاجة غريبة في السجل الطبي… ودي مش أول مرة.”
قلبي نزل في رجلي. — “مش فاهمة.”
فتحوا شاشة الأشعة تاني، والدكتور أشار لنقطة صغيرة جنب الجنين: — “في آثار تدخل طبي قديم… حاجة زي عملية اتعملت للجنين في مرحلة بدري من الحمل.”
شهقت: — “إزاي؟ أنا ما عملتش أي عمليات!”
سكت شوية وبعدين سألني: — “في بداية الحمل، كنتي بتتعبي أو يحصل لك نزيف؟ وجوزك كان بيعالجك في البيت؟”
افتكرت…
ليلة كنت بنزف فعلًا، وجوزي رفض نروح المستشفى وقال إنه هيتصرف، وأداني حقنة وقال ده إجراء بسيط.
جسمي كله تلج.
الدكتور كمل: — “واضح إن كان في خطر على الجنين واتعمل تدخل لإنقاذه… بس ده لازم يتعمل في مستشفى وبموافقة المريضة. واضح إن اللي عمل كده كان عايز يخبي الموضوع.”
قلبي دق بعنف. — “يعني جوزي… عمل ده من غير ما يقولي؟”
وقبل ما حد يرد، باب الغرفة اتفتح بعنف…
ولقيت جوزي واقف قدامي، وشه متوتر وعيونه مليانة خوف.
وقال: — “إنتوا قلتوا لها إيه؟!”
وساعتها بس فهمت…
إن المشكلة مش في حملي.
المشكلة في الراجل اللي وثقت فيه أكتر من نفسي.
الغرفة اتجمدت. الدكتور بص لجوزي بحدة وقال: — “إحنا بنشرح للمريضة حالتها، وده حقها.”
جوزي بص ليّ، ونظرة الذنب كانت أوضح من أي كلام. قرب مني وقال بصوت واطي: — “كنتِ هتخسري البيبي… وأنا ماكنتش هسمح بده.”
حسيت الدنيا بتلف. — “يعني عملت عملية وأنا مش واعية؟ من غير ما أعرف؟”
سكت لحظة، وبعدين قال: — “كان نزيف حاد. لو دخلنا مستشفى، كانوا هيقولوا لازم ننهي الحمل. أنا عملت تدخل بسيط… أنقذت ابننا.”
الدكتور قاطعه: — “بس ده خطر جدًا، وكان ممكن يق.تلها هي والجنين.”
الممرضة حاولت تهدّي الجو، بس أنا كنت سامعة دقات قلبي بس. كل حاجة كانت بتتركب في دماغي دلوقتي:
الألم اللي حسّيته اليوم ده، التعب الغريب بعدها، وإصراره إني ما أتحركش من البيت أيام طويلة.
بصيت له وسألته السؤال اللي كان موجع أكتر من كل حاجة: — “ليه مخبيتش بس… ليه كذبت؟”
نزل بعينيه للأرض وقال: — “عشان لو عرفتي، كنتي هتكرهيني… وكنتِ هتخافي على الحمل طول الوقت.”
قبل ما أرد، الدكتور الكبير قال: — “الموضوع مش خلصان. في حاجة تانية.”
قلبي وقف تاني. — “إيه؟”
لف الشاشة ناحيتي وقال: — “التدخل أنقذ الجنين… لكن واضح إن في جنين تاني كان موجود في البداية.”
سكتت ثواني مش فاهمة… وبعدين استوعبت.
كنت حامل في توأم.
والتوأم التاني… ما كملش.
بصيت لجوزي، ووشه انهار. — “كنت هتفقدي الاتنين… قدرت أنقذ واحد بس.”
دموعي نزلت من غير صوت. مش عارفة أفرح إن ابني عايش… ولا أزعل على الطفل اللي عمره ما شفته.
وفي اللحظة دي، عرفت إن سر جوزي كان أكبر من مجرد قرار طبي… كان قرار غيّر حياتنا للأبد.
لكن السؤال اللي لسه ملوش إجابة كان: هل أقدر أسامحه… ولا دي بداية نهاية جوازنا؟
عدّى باقي الحمل في توتر صامت بيني وبين جوزي.
هو كان بيحاول يقرب، يهتم، يطمنّي إن كل حاجة بقت آمنة دلوقتي، وأنا… كنت تايهة بين الامتنان إنه أنقذ طفلنا، والغضب إنه قرر عني من غير ما أعرف.
كل ليلة كنت بفكر:
لو رجع بيا الزمن… كنت هختار أعرف الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة؟ ولا كنت أفضل أعيش مطمّنة؟
وجت ليلة الولادة أسرع مما توقعت.
الألم بدأ الفجر، والمستشفى اتحولت لفوضى. الأطباء بيتحركوا بسرعة، والممرضات حواليا، وجوزي واقف ماسك إيدي، ملامحه مليانة خوف حقيقي المرة دي… مش خوف من انكشاف سر، لكن خوف عليّ.
بعد ساعات طويلة من الألم، سمعت أخيرًا صوت بكاء عالي ملأ الأوضة.
— “ولد!” قالت الممرضة بابتسامة.
حطّوه على صدري… صغير، دافي، وبيعيط بقوة كأنه متمسك بالحياة بكل طاقته.
وفي اللحظة دي، كل الغضب والشكوك سكتت.
بقيت أبص للطفل وأفكر في التوأم اللي ما وصلش للنهاية… وكأن أخوه سايبله الحياة كلها يعيشها مرتين.
جوزي وقف جنبي، عينيه مليانة دموع لأول مرة أشوفها. همس: — “أنا آسف… بس لو رجع الزمن، هعمل نفس الحاجة عشانك وعشانه.”
بصيت له طويل. كنت لسه موجوعة، ولسه في حاجات لازم نصلحها، بس الحقيقة كانت واضحة:
لو ما عملش اللي عمله… ممكن أكون أنا والطفل مش هنا دلوقتي.
قلت بهدوء: — “المسامحة مش بتيجي في يوم… بس هنبدأ من جديد.”
ابتسم وهو بيبص لابنه، وقال: — “من غير أسرار تاني.”
افتكرت لحظة غرفة الكشف، خوف الدكتور، وقلقي، والسر اللي كان ممكن يك.سّر بيتنا.
لكن النهاية كانت قدامي دلوقتي… بداية جديدة.
وبين ما ابني كان نايم على صدري، فكرت في حاجة واحدة:
أحيانًا الحقيقة بتوجع…
لكن الحياة اللي بتكمل بعدها تستاهل نقـ,ـاتل عشانها.
عدّى شهرين على الولادة، والبيت رجع هادي… أو على الأقل من برّه.
لكن جوايا، الأسئلة لسه ما خلصتش.
ابني كان بينام على صدري، وكل ما أبص له، ييجي في بالي الطفل التاني… اللي عمره ما خرج للنور. وكنت كل ما أبص لجوزي، أفتكر إنه هو الوحيد اللي كان عارف الحقيقة طول الوقت.
في ليلة، وأنا بصحى أرضّع البيبي، لقيت جوزي قاعد في الصالة لوحده، ضهره منحني وكأنه شايل جبل فوق كتافه.
قلت له: — “لسه صاحي؟”
بص ليّ بتعب: — “كل ما أنام، أشوف اللي حصل تاني… وأفكر لو كنتِ متي أو خسرتكم الاتنين.”
قعدت قدامه وسألته لأول مرة بهدوء: — “في حاجة تانية مخبيها؟”
سكت ثواني طويلة، وبعدين قال: — “أيوه.”
قلبي اتقبض.
— “التحليل اللي عملناه وقتها… كان بيقول إن احتمال كبير واحد من التوأم بس هو اللي يقدر يعيش. والدكاترة كانوا ناويين ينهوا الحمل كله عشان يحافظوا على حياتك… وأنا رفضت.”
اتسعت عيني: — “يعني… أنا كنت ممكن أمـ,ـوت؟”
هز رأسه ببطء: — “كنت هخسرك… وأنا مقدرتش أستنى قرار حد تاني.”
سكتنا شوية، وبعدين سألت: — “ليه ما قلتليش بعد كده؟”
قال بصوت مكسور: — “كنت خايف… تخافي من الحمل… أو تندمي إن الطفل عاش.”
نظرت للبيبي اللي كان نايم في الأوضة، وقلت بهدوء: — “أنا عمري ما كنت هيندَم على ابني… بس كنت محتاجة أثق إنك شريكي مش اللي بيقرر عني.”
لأول مرة، حسيت إن الكلام وصل.
مد إيده ومسك إيدي وقال: — “أنا اتعلمت الدرس… حتى لو الحقيقة صعبة، لازم نتشاركها.”
وفي اللحظة دي، حسيت إننا بدأنا فعلًا نتعافى.
لكن وأنا راجعة أوضة النوم، رنّ تليفونه على الترابيزة…
رسالة ظهرت على الشاشة:
“لازم تتكلم مع مراتك… الحقيقة مش كاملة.”
وقتها بس فهمت…
وقفت مكاني وقلبي بيدق بعنف. بصيت على جوزي، كان في الحمام ولسه سامعش الرسالة. التليفون كان قدامي، وكلمة واحدة كانت كفاية تفتح باب يمكن يهد كل حاجة.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الرسالة.
كان رقم غريب، والرسالة اللي بعدها وصلت فورًا:
“أنا الدكتور سامح… الطبيب اللي رفضت حالتك تتحول للمستشفى. لازم مراتك تعرف إن القرار ماكانش طبي بس.”
جسمي كله شدّ.
وفجأة جوزي خرج من الحمام، وشاف التليفون في إيدي. وشه فقد لونه فورًا.
قال بسرعة: — “إنتِ فتحتي الرسالة؟”
بصيت له، وقلبي واجعني: — “إيه القرار اللي مش طبي؟”
قعد قدامي ببطء، وكأنه أخيرًا استسلم: — “المستشفى وقتها كانت بتعمل دراسة على حالات الحمل الخطرة… وكانوا عايزين يستخدموا حالتك كحالة تجربة. نسبة المخاطر كانت كبيرة، وكان احتمال إنك ما ترجعيش منها موجود.”
مخي وقف لحظة. — “يعني كانوا مستعدين يضحوا بيا؟”
قال بصوت مكسور: — “أنا رفضت أسيبهم ياخدوك. وقررت أتصرف بنفسي… حتى لو خسرت شغلي بعدها.”
اتسعت عيني: — “خسرت شغلك؟”
هز راسه: — “اتمنعت أشتغل في المستشفى دي، وسمعتي المهنية اتأذت. كنت مستعد أخسر أي حاجة… إلا إنتِ.”
كل الغضب اللي كان جوايا بدأ يهدأ قدام حقيقة واحدة: الراجل ده خاطر بكل حاجة علشاني.
لكن لسه سؤال مهم: — “ليه الدكتور بيبعت دلوقتي؟”
سكت لحظة وقال: — “لأن المستشفى بدأت تحقيق… وعايزين يحملوني مسؤولية اللي حصل.”
سكتنا، وبصينا على باب أوضة ابننا المقفول.
في اللحظة دي فهمت… المعركة الحقيقية لسه جاية.
مش مع بعض… لكن عشان نحافظ على حياتنا.
قلت بهدوء: — “المرة دي… هنواجه ده سوا.”
ومسك إيدي، ولأول مرة من شهور حسيت إننا فعلًا فريق واحد.
لكن إحنا ماكناش نعرف إن التحقيق ده… هيكشف سر أخطر بكتير مما نتخيل.
بعد أسبوع، وصل استدعاء رسمي لجوزي للتحقيق في المستشفى.
كنت حاملة ابني على كتفي وهو خارج من البيت، ووشه كان متماسك، بس عينيه مليانة قلق.
اليوم ده كان أطول يوم في حياتي.
قعدت مستنية مكالمته، أتخيل أسوأ الاحتمالات:
ممكن يتسحب ترخيصه… ممكن يتحاكم… ممكن نخسر كل حاجة.
وفجأة، تليفوني رن.
صوته كان هادي بشكل غريب: — “أنا جاي البيت.”
بس.
ولا كلمة تانية.
لما دخل، وشه كان مرهق، بس فيه راحة غريبة. قعد، وبص للبيبي، وبعدين قال:
— “التحقيق خلص.”
قلبي وقف. — “و؟”
قال: — “الدكتور سامح اعترف بكل حاجة.”
حكالي إن المستشفى فعلًا كانت بتضغط على الأطباء يدخلوا حالات خطرة في برنامج تجريبي عشان سمعة المستشفى. وجوزي رفض، وخرج بالحالة من غير موافقتهم.
لكن اللي قلب التحقيق…
إن أكتر من مريض اشتكوا بعدها من مضاعفات خطيرة بسبب نفس البرنامج.
وبدل ما جوزي يتحاسب…
المستشفى هي اللي بقت تحت تحقيق رسمي.
قعدت أبص له مش مستوعبة. — “يعني… كل ده خلص؟”
ابتسم لأول مرة من شهور: — “خلص.”
وفي اللحظة دي، البيبي ضحك وهو نايم، ضحكة صغيرة خلتنا نضحك إحنا كمان.
قرب جوزي مني وقال: — “عارفة؟ كل اللي يهمني دلوقتي إننا خرجنا من ده مع بعض.”
بصيت لابني، وفكرت في كل اللي عدينا بيه: الخوف، الشك، السر، الخسارة، والنجاة.
الحياة ما رجعتش زي الأول… بس يمكن بقت أصدق.
وقتها فهمت إن بعض العواصف ما بتيجي تهد البيوت…
بتيجي تعلّم اللي جواها إزاي يعيشوا أقوى.
النهاية.


تعليقات
إرسال تعليق