طردتني أمي من البيت… وبعد أسابيع اكتشفوا السر اللي كنت مخبياه
طردتني أمي من البيت… وبعد أسابيع اكتشفوا السر اللي كنت مخبياه
اسمي هايدي وفي الثانية والثلاثين من عمري لم أتخيل يوما أن أجد نفسي بلا مأوى بعد عشاء عائلي يوم أحد. صرخت في وجهي أمي مرة أخرى اخرجي ولا تعودي أبدا وهذه المرة أطعتها فعلا. غادرت بعد أسابيع وعندما اتصل أبي لاحقا يسألني لماذا توقفت عن دفع أقساط الرهن العقاري كانت إجابتي كفيلة بأن تسكتهم تماما.
لم تكن أمي تعرف أنني كنت أدفع بصمت قسط منزلهم الشهريألفين ومئتي دولارمنذ ثلاث سنوات. لن أنسى الصدمة على وجه أبي ريتشارد حين اتصل بعد أسابيع يسأل عن إشعار البنك. كان ذلك المشهد عالقا في ذاكرتي إلى الأبد.
نشأت في بيت عائلة هاملتون وكأنني أمشي على قشر بيض خصوصا بالقرب من أمي غلوريا. منذ أول ذكرياتي كانت توقعاتها مستحيلة كأنها صممت تحديدا كي أفشل. أما أبي ريتشارد فكان صانع السلام الدائم الرجل الذي يتسلل إلى غرفتي بعد إحدى عواصف أمي ليهمس سيكون كل شيء بخير. لكنه لم يقف في وجهها يوما. كان فقط يرمم ما انكسر مؤقتا إلى أن يأتي الانفجار التالي.
تكونت عائلتي من خمسة أفراد والدي وأخي الأكبر جاستن في السادسة والثلاثين وأختي إليزابيث في الرابعة والثلاثين وأنا في الثانية والثلاثين. وبوصفي الأصغر سنا حملت النصيب الأكبر من خيبات أمي المتبدلة. هرب جاستن إلى الجامعة في الثامنة عشرة ونادرا ما عاد بعدها. ولحقت به إليزابيث بعد عامين. وبقيت وحدي مع والدي حتى سنتي الأخيرة في الثانوية أتلقى كامل قوة نقد أمي ولذعها.
كان كل إنجاز يقاس بمعيار خفي يتغير باستمرار. إذا جلبت بطاقة درجات فيها خمس علامات كاملة وعلامة واحدة أقل كانت أمي تركز على تلك العلامة الوحيدة وتقول ماذا حدث هنا ألم تدرسي بما يكفي إليزابيث لم تنل يوما أقل من ممتاز ناقص. كانت المقارنات مستمرة وقاسية.
حتى اختياراتي للأصدقاء كانت ساحة حرب. كانت تقول بعد مقابلة صديقة جديدة تلك أوليفيا تبدو سطحية ولا يعجبني لباسها. ثم تلتفت إلي ولماذا ترتدين هذا البنطال يجعلك تبدين أثقل مما أنت عليه. بدأت تعليقاتها عن مظهري عندما كنت في الثانية عشرة تقريبا ولم تتوقف بعدها.
أشد المعارك كانت حول مستقبلي. حين أظهرت اهتماما بالتمويل في الثانوية سخرت قائلة النساء لا يؤخذن بجدية في هذا المجال. اختاري شيئا عمليا مثل التمريض. لكن التمويل كان يفتنني كيف يمكن للأرقام أن تحكي قصصا وتتنبأ بالنتائج.
قدمت سرا إلى برامج إدارة الأعمال رغم اعتراضها. كان أبي يعمل مدير مبيعات إقليميا في شركة أدوية لمدة ثمانية وعشرين عاما. كان دخله جيدا بما يكفي لتبقى أمي ربة بيت حتى بعد أن كبرنا.
وكانت تفخر بمنزلهم ذي الغرف الخمس على الطراز الكولونيالي بعشبه المشذب وأثاثه المصمم. كان المنزل مملكتها إنجازها رغم أنها لم تساهم ماليا فيه.
تخرجت بامتياز في التمويل من جامعة كورنيل. ومع ذلك لم يكن ذلك كافيا في نظر أمي لأنني لم أدخل هارفارد كما كانت تريد. ومع هذا حصلت فور تخرجي على وظيفة في شركة مرموقة لإدارة الثروات وصعدت حتى أصبحت مستشارة مالية أولى عندما بلغت الثامنة والعشرين.
كان عملائي يثقون بي ومديري يقدرني. لكن في التجمعات العائلية كانت أمي تعرفني ببرود هذه هايدي تعمل في المال كأن مهنتي هواية لا تستحق الشرح.
قبل ثلاث سنوات تغير كل شيء حين تم الاستغناء عن أبي بسبب إعادة هيكلة الشركة. كان في التاسعة والخمسين وصعب عليه أن يجد عملا مماثلا. كانت مكافأة نهاية الخدمة كبيرة لكنها ليست بلا نهاية. رفضت أمي تماما فكرة تخفيض مستوى المعيشة أو البحث عن عمل. كانت تقول في عمري هذا من سيوظفني ثم إننا لا نستطيع ترك هذا البيت ماذا سيقول الناس
اكتشفت أزمتهم المالية مصادفة خلال زيارة. وجدت أبي ليلا على طاولة المطبخ محاطا بالفواتير رأسه بين يديه. عندما سألته ما الأمر انهار واعترف أنهم متأخرون ثلاثة أشهر عن دفع الرهن وأن البيت مهدد بالحجز. دون أن أخبرهما اتصلت في اليوم التالي بشركة الرهن ورتبت تحويلا تلقائيا من حسابي الشخصي لدفع القسط الشهري البالغ 2200 دولار. كان ذلك جزءا كبيرا من دخلي لكن كانت لدي مدخرات وكنت أعيش بتواضع رغم نجاحي. استطعت تحمل ذلك وفكرة خسارة والدي لمنزلهم كانت لا تحتمل.
لم أخبرهما أبدا بما فعلت. وجد أبي لاحقا عملا جزئيا كان يدعي أنه يغطي المصاريف فتظاهرت بالتصديق. الآن حين أنظر إلى الوراء أدرك أنني كان ينبغي أن أنتبه للإشارات التي تقول إن الأمور ما زالت تسير نحو الأسوأ بطاقات ائتمان جديدة فتحتها أمي مراوغة أبي كلما سألته عن المال وتوتر متصاعد بينهما.
كان منزلهما بيتا كولونياليا من خمسة غرف نوم وأربع حمامات في ضاحية راقية قرب بوسطن. المطبخ جرى تجديده عندما كنت في الثانوية بسطوح من الغرانيت وأجهزة فولاذية لامعة أصرت أمي عليها. وغرفة الطعام الرسمية تضم طاولة من خشب الماهوغاني اجتمعنا حولها في أعياد كثيرة منذ طفولتي. غرفتي القديمة بقيت كما هي تقريبا منذ غادرت جدران بلون اللافندر وكؤوس وجوائز دراسية كبسولة زمنية.
على الرغم من انقباض صدري في ذلك المنزل إلا أنه احتوى ذكريات علامات الطول المرسومة على إطار باب المطبخ والخدش في جدار غرفة الجلوس حين رمى جاستن كرة داخل البيت
ومقعد النافذة في غرفة الاستقبال حيث كنت أقرأ ساعات طويلة هربا إلى قصص عن عائلات تحب بعضها حقا. كان تركه أصعب مما توقعت.
كنت أزور والدي مرتين في الشهر على الأقل رغم عقدة الخوف التي تتشكل في بطني كلما انعطفت إلى شارعهم. كانت الزيارات أساسا لأجل أبي. بعد فقدانه الوظيفة انكسرت ثقته وقلقت على صحته النفسية خصوصا حين لاحظت كيف تفرغ زجاجات الشراب في خزانة المنزل بين زيارة وأخرى. كانت علامات الخطر في كل مكان وقد اشتدت خلال العام الماضي.
ازداد نقد أمي حدة وفقد حتى قناع الحرص. عندما أحضرت لها لازانيا منزليةطبقها المفضلأخذت لقمة واحدة وسألتني إن كنت استخدمت جبنا قليل الدسم لأنها تشعر بالفارق وليس لصالحه. وعندما عرضت المساعدة في التنظيف كانت تتبعني وتعيد غسل الصحون التي غسلتها وتتنهد بصوت عال كي ألاحظ.
كان أبي ينسحب أكثر. يحدق في طبقه أو يتذكر فجأة شيئا يجب أن يتفقده في المرآب. الرجل الذي كان يدربني على كرة القدم ويقود الاجتماعات بثقة صار يرتجف حين يرتفع صوت أمي قليلا فوق المستوى المعتاد. بدأ يحتفظ بقارورة صغيرة في جيب معطفه.
حاولت بكل الطرق ترميم علاقتي بأمي. قدمت هدايا مدروسة وشاحا من الكشمير ونسخة أولى من رواية بوليسية كانت تريد قراءتها. أخذتها إلى مطاعم باهظة. بل وحجزت لها يوم سبا بمناسبة عيد ميلادها أنفقت عليه 600 دولار ثم لم تتوقف عن الشكوى بعدها التدليك كان قويا قلت لها تخفف ولم تسمع. ظهري سيصاب بكدمات غدا. وهذا العلاج للوجه زاد الوردية سوءا. لا أدري لماذا سمحت لك بإقناعي بهذه الأمور. لم ينجح شيء. كل لفتة كانت تقابل بانتقاد أو شك.
قالت لي مرة وكأن اللطف لا يكون إلا مصلحة لماذا أصبحت لطيفة فجأة ماذا تريدين كانت صديقتي المقربة صوفيا ترى ما وراء ابتسامتي المصطنعة حين أعود من تلك الزيارات. في إحدى الليالي ونحن نشرب النبيذ في شقتي انهرت وأخبرتها بكل شيء بما في ذلك أنني كنت أدفع الرهن سرا.
قالت صوفيا وهي تملأ الكأس هايدي هذا ليس طبيعيا ولا صحيا. أنت ناجحة ولامعة ومع ذلك تتعرضين لإساءة عاطفية من أمك وفي الوقت نفسه تمولين أسلوب حياتهما. اعترضت بضعف إنهما والداي ماذا أفعل أتركهما يخسران البيت
قالت صوفيا ربما ينبغي أن يخسراه. ربما يحتاجان إلى صدمة واقع. أمك ترفض العمل. لا يريدان تقليص النفقات. وأنت في المقابل تضحين بمستقبلك المالي. أين حدودك لم أملك جوابا. في عائلتنا كانت الحدود تعد أنانية خصوصا إذا وضعتها الابنة في وجه الوالدين.
كانت أمي تؤمن بتفسير انتقائي لفكرة بر الوالدين كأنه
يعني افعلي ما نقول دون سؤال. وكان هناك ضغط اجتماعي أيضا. في مجتمعنا يتوقع من الأبناء البالغين رعاية الوالدين. أسوأ ما يمكن أن تكونه هو الابنة الجاحدة التي تتخلى عن واجبات العائلة. ولم يكن يهم أن والدي في أوائل الستينيات وقادران على العمل إذا غيرا نمط حياتهما. أمام ثقل التوقعات بدا المنطق ضعيفا.
واصلت الزيارات والدفعات والتلاعب بمشاعري. بدأت نوبات هلع تهاجمني ليلا قبل زيارتهم يضيق صدري حتى أكاد لا أتنفس. اقترح معالجي النفسي تقليل التواصل لكن الشعور بالذنب كان ساحقا أي ابنة أكون إذا تخليت عنهما الآن
ما لم أدركه تماما حينها هو أن استياء أمي مني كان ينمو بقدر نجاحي. كل ترقية كل ثناء من عميل كل إنجاز مالي كنت أحققه كان يعمق مرارتها. كانت تقول كثيرا إنها تخلت عن مسيرة واعدة في العقارات لتربي الأطفال. وكان نجاحيغير المتزوجة ولا الراغبة في الإنجاب باختيارييتحدى كل ما تربت عليه بشأن قيمة المرأة ودورها. كانت تكرر متى ستستقرين المهنة جميلة لكن العائلة هي التي تهم في النهاية. لا أحد يتمنى في فراش الموت أنه أمضى وقتا أطول في المكتب. والمفارقة أنها كانت تبدو وكأنها لا تحب عائلتها أصلا لكنها لم تر ذلك.
جاءت الإشارة الأخيرة قبل أسبوعين من الانفجار. مررت مساء الثلاثاء دون موعد وأحضرت عشاء من مطعمهم الإيطالي المفضل. دخلت بالمفتاح وسمعت صوت أمي من المطبخ تقول على ما يبدو لأبي تظن نفسها مميزة بوظيفتها الفخمة وشقتها الفخمة الآنسة الكاملة دائما تستعرض هل تظن أننا لا نفهمها تجمدت في الممر وكيس الطعام أصبح ثقيلا في يدي.
سمعت أبي بصوت متعب غلوريا هي تحاول المساعدة. ردت أمي بحدة لا نحتاج مساعدتها. كنا بخير قبل أن تتدخل. ربيتها أفضل من هذا لتكون متعالية هكذا. تراجعت بصمت وغادرت دون أن يدريا أنني كنت هناك. جلست في السيارة عشرين دقيقة أرتجف قبل أن أستطيع القيادة. في تلك الليلة اتصلت بصوفيا وبكيت حتى احترق حلقي. وعدت نفسي في المرة القادمة سيكون مختلفا سأدافع عن نفسي. لكن عادات الطفولة تموت بصعوبة والخوف من المواجهة كان مغروسا في منذ الصغر. لم أكن أعلم أن المرة القادمة ستكون نقطة الانهيار.
كان عيد ميلاد أبي الستين يوم سبت في أبريل. رغم قلقي قررت أن أذهب لقضاء عطلة نهاية الأسبوع للاحتفال. حملت حقيبة مبيت وعلبة هدية مغلفة بعناية فيها ساعة رولكس كنت أدخر لها شهورا. كان هذا الطراز بالتحديد مما أعجب أبي قبل سنوات في مجلة وقال ربما عندما أتقاعد. بعد فقدانه الوظيفة صار ذلك حلما مستحيلا وأردت أن أعطيه شيئا يرفع معنوياته.
كان التوتر
حاضرا منذ لحظة وصولي. استقبلتني أمي بعناق جامد وعلقت فورا على شعري أوه قصصته مرة أخرى. كان أخيرا سيصبح بطول جميل. كنت قد تركته يطول لأشهر لكن تصحيحها كان سيشعل جدلا. كنت قد رتبت حجزا في مطعم شرائح فاخر يحبه أبي لكنها رفضت لقد طبخت له قدر اللحم المفضل لا داعي لإضاعة المال في تلك المطاعم المبالغ فيها. فجلسنا على طاولة غرفة الطعام الرسمية بالصيني الفاخر الذي لا يظهر إلا في المناسبات.
كان الحديث متكلفا. سألت عن الأصدقاء والجيران وحديقة أبي وكل موضوع كان يعود في النهاية إلى شكوى أو انتقاد. كان الطعام لذيذا لكن الوجبة بدت بلا نهاية. شرب أبي أربع كؤوس من النبيذ وأصبح أكثر صمتا.
عندما جاء وقت الهدايا قدمت العلبة الزرقاء بتوتر. فتحها أبي ببطء وكان تعبير وجهه حين رأى الساعة كل ما تمنيته دهشة فرح عدم تصديق. تلعثم هايدي هذا لا أستطيع قبولها. إنها كثيرة. ومع ذلك أخرجها يقلبها بين يديه. قلت بالطبع تستطيع أنت تستحقها يا أبي.
لكن وجه أمي تصلب. قالت بحدة كم كلفت حذرها أبي غلوريا لكنها تجاهلته لا بد أن من الجميل أن يكون لديك هذا القدر من المال الفائض بينما نحن نحسب القروش لشراء البقالة. من هنا ساءت الليلة. حاول أبي تهدئة الجو لكن الضرر وقع. صعدت إلى غرفتي مبكرا وأرسلت إلى صوفيا ذكريني لماذا أفعل هذا بنفسي. أجابت فورا لأنك إنسانة طيبة وتحبين أباك. تماسكي اتصلي إن احتجت.
في صباح اليوم التالي استيقظت مبكرا ونزلت لأعد القهوة. كان البيت هادئا. بينما أنتظر القهوة سمعت صوتيهما من المكتب. كان الباب مواربا وكلامهما يصل واضحا قال أبي لا نستطيع الاستمرار يا غلوريا بطاقات الائتمان ممتلئة والضرائب العقارية مستحقة الشهر القادم علينا أن نخبرها. صاحت أمي نخبرها ماذا أننا فشلنا هذا بالضبط ما تريده كي تأتي وتتظاهر بأنها المنقذة! قال هذا ليس عدلا ستساعد لو عرفت. ردت لن آخذ صدقة من ابنتي سنحل الأمر. قال بمرارة كيف أنا أعمل بدوام جزئي في متجر أدوات وأربح جزءا من راتبي السابق وأنت ترفضين حتى عملا جزئيا نحن غارقون يا غلوريا.
انخفضت أصواتهما فاقتربت لأسمع. كان قلبي يخفق. كان وضعهما أسوأ مما ظننت. وأبي كان يخفي الحقيقة عني رغم أنني أدفع الرهن. بعد عشرين دقيقة دخلا المطبخ وكنت قد اتخذت قرارا سأعرض مساعدتهما في خطة مالية واقعية تحفظ لهما الكرامة وتمنعهما من السقوط.
انتظرت حتى جلسنا بالقهوة ثم قلت أمي أبي لم أستطع إلا أن أسمع بعض حديثكما. أعلم أن الأمور صعبة
منذ فقد أبي وظيفته وأريد أن أساعد. شحب وجه أمي ثم احمر كنت تتنصتين! قلت كنت في المطبخ أصواتكما تصل. أخذت نفسا عميقا التخطيط المالي هو عملي دعوني أساعدكما في وضع ميزانية ربما ننظر في إعادة التمويل.
قالت بسخرية إذا نحتاج مساعدتك المهنية الآن تظنين أننا غير قادرين على إدارة شؤوننا قلت هذا ليس ما قصدته لكن يبدو أن الأمر خطير ولدي خبرة وموارد قد تساعد. قالت بحدة تعرفت عليها منذ الطفولة بالطبع لديك الآنسة المثالية التي تملك كل الأجوبة أنت لا تعرفين شيئا عن العالم الحقيقي كل شيء قدم لك. صدمتني الجملة. أنا التي عملت خلال الجامعة وتخرجت بقروض سددتها بسنوات من الادخار والانضباط. لم يقدم لي شيء سوى النقد والمعايير المستحيلة.
قلت بصوت أقوى مما توقعت هذا غير صحيح يا أمي وأنا عملت بجد لكل شيء أنا فقط أحاول المساعدة. صاحت لا نحتاج مساعدتك ولا نحتاج حكمك. قلت ليس حكما إنه قلق. أبي قال إنكما غارقان ماليا الضرائب مستحقة وبطاقات الائتمان ممتلئة هذه مشكلات جدية. ردت مشكلات ليست من شأنك. هذا بيني وبين أبيك. كان أبي صامتا يحدق في فنجانه. كانت ساعة الرولكس الجديدة تلمع على معصمه كرمز ساخر للرخاء الزائف.
قلت له بهدوء أبي قل شيئا. رفع عينيه المتعبتين وقال أمك منزعجة يا هايدي ربما نناقش هذا في وقت آخر. عندها انكسر شيء داخلي. بعد ثلاث سنوات من دفع الرهن وبعد عقود من السير على قشر البيض وبعد تلاعب عاطفي لا ينتهي انتهى الأمر بالنسبة لي.
قلت بصوت مرتجف لن يكون هناك وقت آخر. هذا النمط لا يتغير أمي تهاجم أبي يمهد وأنا يتوقع مني أن أتحمل لأننا عائلة. أنا انتهيت. وقفت أمي بسرعة حتى كادت تسقط الكرسي. صرخت كيف تجرؤين على مخاطبتنا بهذا الشكل في بيتنا بعد كل ما فعلناه لك قلت ماذا فعلت لي يا أمي جعلتني أشعر بالنقص في كل مرة انتقدت مظهري وعملي وخياراتي وأخذت دعما ماليا دون اعتراف أو امتنان. التوت ملامحها غضبا دعم مالي ماذا تقولين كنت على وشك أن أخبرها حينها لكن شيئا أوقفني. كنت أعلم أنها ستستعمله سلاحا إضافيا.
قلت لا شيء انسي. صاحت لا. أنت قلتها. أي دعم مالي قلت العشاء بين حين وآخر هدايا الأعياد هل تريدين ميدالية لأنك فعلت الحد الأدنى قلت بصراحة مؤلمة هذا الحد الأدنى هو كل ما حصلت عليه منك عاطفيا طوال حياتي وندمت فورا على تلك الحقيقة لأنها أشعلت النار أكثر.
انفجرت أمي يا لك من جاحدة وأنانية! بعد كل ما ضحيت به تركت عملي لأربيك كرست حياتي لهذه العائلة وهذا
هو جزائي حكم وقلة احترام في مطبخي! وبدأت تسرد كل فشل تراه في منذ الطفولة. هذه المرة كان هناك شيء تغير في داخلي. للمرة الأولى سمعت كلماتها لا كحقيقة بل كانتفاضة يائسة لشخص يهرب من تعاسته. كانت تؤلمني لكن بطريقة مختلفة كجرح قديم يضغط عليه لا كجرح جديد.
قلت بهدوء وأنا أقف لن أفعل هذا بعد الآن. سأحزم حقيبتي وأعود. سخرت تهربين كعادتك لا تتحملين الحقيقة. قلت الحقيقة أنك غاضبة ومرة وتفرغين ذلك في لأنني الهدف الأسهل. ثم قلت الحقيقة التي كنت أخفيها الحقيقة أنني كنت أدفع رهن بيتكما منذ ثلاث سنوات دون أن أخبركما لأنني كنت أعلم أنك ستردين بالضبط هكذا ستجعلينه كبرياء بدل أن يكون حلا عمليا.
ساد صمت مطبق. شحب وجه أبي. انفتح فم أمي ثم أغلق دون صوت. ثم قالت بصوت بارد اخرجي. حاول أبي أن يتكلم فقاطعته اخرجي من بيتي. اخرجي ولا تعودي أبدا. إن كنت تريننا عبئا وفشلا فأنت حرة منا. اذهبي وعيشي حياتك المثالية واتركينا.
نظرت إلى أبي أبحث عن إشارة واحدة أنه سيدافع عني أنه سيواجهها أنه سيختار الاحترام والشفاء. لكنه أشاح بنظره. قلت ببساطة حسنا. صعدت وحزمت حقيبتي بحركات آلية ثم نزلت. كانت أمي تقف عند نافذة غرفة الجلوس وظهرها للمدخل. كان أبي واقفا في الممر عاجزا. همس هايدي هي لا تقصد أعطيها وقتا تهدأ. قلت هي تقصد وللمرة الأولى سأأخذ كلامها على محمل الجد. خرجت وأغلقت الباب بهدوء خلفي.
وأنا أقود مبتعدة نظرت في المرآة إلى البيت الذي نشأت فيه ولم أتخيل أنه سيكون آخر مرة أراه فيها كمنزل مرحب بي. قطعت الأربعين دقيقة إلى شقتي كأنني في ضباب. قبضت على المقود حتى ابيضت مفاصلي. لم أبك. لم أصرخ. فقط قدت فارغة كأن جسدي ليس لي.
عندما وصلت جلست في السيارة قرابة ساعة قبل أن أستطيع النزول. ثم اهتز هاتفي برسالة من صوفيا كيف يسير أسبوع الميلاد ما زلت صامدة اتصلت بها فورا وسردت ما حدث بصوت ثابت على نحو أدهشني. لكن عندما وصلت إلى كلمات أمي الأخيرة انكسرت. قلت قالت لي اخرجي ولا تعودي أبدا وانهمرت الدموع.
كنت عندها خارج المبنى. قالت صوفيا بقلق أنا قادمة لا تتحركي. بعد عشرين دقيقة وصلت ومعها زجاجة نبيذ وكيس طعام. فتحت الباب وجلست بجانبي أولا عناق ثم طعام ثم نبيذ ثم نفكر.
قضيت الليل على أريكتها. وفي اليوم التالي أخذت إجازة لتبقى معي. بحلول الثلاثاء عدت إلى عملي بالكاد أتماسك. كنت أعمل مع العملاء بوجه مهني لكن داخليا كنت أتفكك.
اتصل أبي مرات في الأسبوع الأول. تركت المكالمات
تذهب إلى البريد الصوتي. كانت رسائله مبهمة اتصلي بي يا هايدي نحتاج أن نتحدث. لا اعتذار لا اعتراف بما حدث فقط طلب أن أعود لأكون الأكبر وألملم الشظايا كما فعلت دائما. ولم تتصل أمي مرة واحدة.
بعد عشرة أيام من التعليق العاطفي حجزت موعدا مع زميلة مستشارة مالية لأراجع وضعي. كنت أدفع 2200 دولار شهريا لمدة ثلاث سنوات أي قرابة ثمانين ألف دولار مالا كان يمكن أن يكون دفعة بيت لي أو تقاعدي أو حياتي.
قالت زميلتي ديان قانونيا لا يلزمك شيء. الرهن باسمهم. أنت كنت تقدمين هبة. سألتها ماذا سيحدث إن توقفت قالت سيصلهم إشعار تأخير ثم تبدأ إجراءات الحجز إن لم يدفعوا. لكن يا هايدي هذا ليس مسؤوليتك.
قررت إيقاف الدفع التلقائي فورا. كان ذلك مرعبا ومحررا في الوقت ذاته كقطع حبل كان يصلني بهم ويقيدني. ثم بدأت أبحث عن منزل لي. ومع اختفاء قسط 2200 من ميزانيتي أصبحت قادرة على التفكير في شقة أوسع ومناطق أفضل. بعد أسبوعين دفعت عربونا لشقة مضيئة ذات غرفتين في مبنى فيكتوري محول. نوافذ بارزة وأرضيات خشبية والأهم أنها لي. لن يطردني أحد منها.
في تلك الفترة بدأت العلاج النفسي مع الدكتورة مارتينيز المتخصصة في صدمات العائلة. قالت في الجلسة الأولى ما تصفينه يبدو كإساءة عاطفية امتدت عمرا. أمك تظهر سلوكيات نرجسية كلاسيكية وأبوك ما نسميه ممكنا. اعترضت لكنها ليست سيئة دائما أحيانا تكون لطيفة. قالت هذا جزء من دائرة الإساءة فترات الهدوء تجعلك تتعلقين بالأمل لكنها لا تغير الجوهر. هل تغيرت الديناميكية فعلا واضطررت أن أعترف أنها لم تتغير.
كنت أسأل وماذا عن دفعي للرهن هل كنت أمكنهم أجابت نيتك كانت المساعدة لكن إخفاء الأمر منعهم من مواجهة الواقع سمح لأبيك بتجنب القرارات الضرورية ولأمك بالإنكار. لا يعني أن حبك كان خطأ لكنه قد يؤذي على المدى البعيد. المساعدة الحقيقية كانت وضع خطة استقلال مالي لا صناعة اعتماد مالي.
أصعب ما تعلمته هو الجلوس مع الشعور بالذنب دون أن أركض لإنقاذهم. ساعدتني الدكتورة مارتينيز على رؤية أن اندفاعي للتضحية رد فعل مبرمج لا واجبا أخلاقيا. كانت تكرر والداك بالغان اختارا خياراتهما. أبوك اختار ألا يبحث بجدية عن عمل مناسب وأمك اختارت ألا تعمل وألا تقلص نمط الحياة. هذه خيارات لا قدر.
تدريجيا تراجعت نوبات الهلع. بدأت أنام. توقفت عن مراقبة الهاتف بقلق. بدأت أصدق أن الحياة يمكن أن تكون مختلفة أن أحب عائلتي دون أن تبتلعني. انغمست في جعل شقتي الجديدة بيتا حقيقيا. طليت الجدران بألوان
تكرهها أمي تركوازا عميقا في غرفة الجلوس وأصفر مشمسا في المطبخ. اشتريت أثاثا يناسب ذوقي لا ذوق الآخرين. أنشأت مكتبا منزليا وراجعت خطة تقاعدي مع مبلغ 2200 الإضافي للاستثمار.
ومع ذلك بقي حزن ما. رغم كل شيء كنت أحب والدي. كنت أفتقد أبي الذي علمني ركوب الدراجة وأعطاني مالا إضافيا للكتب وكان فخورا بي قبل أن تقنعه أمي بعكس ذلك. وكنت أفتقد أمي في لحظات نادرة كانت تضحك فيها بصدق أو تحكي أحلام طفولتها. لكنني لم أعد أستطيع أن أفتقدهما إلى حد تدمير نفسي. كان ذلك حدي الجديد.
بعد ثلاثة أسابيع ويومين من خروجي اتصل أبي وأنا في العمل. كنت أتوقع المكالمة لكنني لم أستعد للمشاعر التي اجتاحتني. كنت وحدي في المكتب فأجبت مرحبا يا أبي. قال بصوت مرتاح كيف حالك يا عزيزتي كانت نبرة الطبيعي كأن شيئا لم يحدث صادمة. قلت بحذر أنا بخير كيف أنت قال نحاول افتقدناك في عشاء الأحد. صمت. لن أساعده على التظاهر.
قال أمك تسأل عنك. عرفت أنه يكذب أو يجمل. قلت ببرود حقا قال أنت تعرفين كبرياءها لكنها نادمة. سألت هل قالت ذلك قال ليس بهذه الكلمات لكنني أعلم. شعرت بانكسار. لم يتغير شيء. كان لا يزال يقدم الأعذار ويتوقع مني الابتلاع.
قلت مباشرة لماذا تتصل يا أبي حاول أن يخفف ألا يحق لأب أن يطمئن على ابنته قلت بعد ثلاثة أسابيع من الصمت بعدما طردتني أمي لا. هذا ليس اطمئنانا فقط. تنهد وكأنني أجبرته على الحقيقة. قال هناك أمر آخر هل تعلمين أن البنك أرسل إشعارا عن الرهن تسارع قلبي لكنني تماسكت أي إشعار قال إشعار تأخر ثم آخر يهددون بالحجز إذا لم نسدد. لا أفهم كانت الدفعات دائما تخرج تلقائيا. قلت هل كانت فعلا قال نعم منذ ثلاث سنوات منذ ثم سكت وكأن إدراكا بدأ يتشكل. قال هايدي ماذا قصدت حين قلت إنك كنت تدفعين رهننا
حان وقت الحقيقة. أردت أن أختصر أن أحميه من حجم التضحية لكنني انتهيت من الأسرار. قلت قصدت ما قلت. أنا من كان يدفع الرهن دولار شهريامنذ ثلاث سنوات. ساد صمت ثقيل. قال أخيرا بصوت باهت هذا غير ممكن كيف لم نكن لنعرف قلت لم تنظروا إلى تفاصيل الدفع أليس كذلك كنت تفترض أنها من حسابكم. قال مرتبكا كيف استطعت قلت لدي دخل جيد يا أبي ذلك الدخل الذي تسخرون منه بوصفه عملي الفخم. عشت بأقل مما أستطيع وقللت مصاريفي كي أساعدكما وتحافظا على البيت لأنني أحبكما.
قال لماذا لم تخبرينا قلت لأنني كنت أعلم كيف ستتعامل أمي مع الأمر
ستراه إهانة لكبريائها لا حبا عمليا. كرر مذهولا ثلاث سنوات هذا أكثر من سبعين ألفا. قلت تسعة وسبعون ألفا ومئتان بالتحديد. قال لم أكن أعلم كنت أخبر أمك أنني وجدت عمل استشارات يغطي كنت أخجل أن أعترف أنني أرتب الرفوف في الستين. انكسر قلبي. قلت لا عيب في عمل شريف العيب في الهروب من الواقع. سأل بصوت صغير هل توقفت عن الدفع قلت نعم. عندما قالت أمي اخرجي ولا تعودي أخذت كلامها على محمل الجد. كله. قال لكن البيت قلت بحزم ليس مسؤوليتي. لم يكن يوما مسؤوليتي. عليك وعلى أمي أن تتخذا قرارات صعبة بيع بيت لا تستطيعان دفعه أو العمل أو وضع خطة تقاعد واقعية تلك الأمور عرضت مساعدتكما فيها قبل أن تطردني.
قال هي لن توافق على البيع. قلت إذن عليها أن تعمل أو عليك أن تجد عملا أفضل أو كلاكما. لكنني لن أحرق نفسي لأدفئكما. قال أفهم. لم أكن متأكدة أنه يفهم حقا. ثم طلب أن نلتقي. فكرت أن أرفض لكنني أردت حدودا واضحة. قلت ليس في البيت. سأقابلك في مقهى ريفرسايد يوم الخميس الساعة الثانية عشرة. أنت فقط دون أمي. لست مستعدة لرؤيتها. وافق بسرعة وشكرني كثيرا.
بعد المكالمة جلست أرتجف. قلت الحقيقة أخيرا ولم ينته العالم. بل وللمرة الأولى منذ سنوات شعرت بأنني أتنفس.
وصلت إلى مقهى ريفرسايد قبل الموعد بعشرين دقيقة واخترت طاولة في الخلف أرى منها الباب. حضرت للمقابلة كما أحضر لعرض مهم لعميل. تدربت مع الدكتورة مارتينيز على السيناريوهات وكتبت حدودي وتدربت على قولها بهدوء. كانت تقول أنت لست مسؤولة عن مشاعرهم مسؤولة فقط عن توضيح احتياجاتك وحدودك.
وصل أبي في الموعد تماما وكأنه شاخ سنوات في أسابيع. كتفاه منحنية ووجهه شاحب. ساعة الرولكس التي أهديته إياها لم تكن على معصمه وتساءلت إن كان باعها بالفعل. قال بارتياح ظاهر هايدي شكرا لأنك جئت. طلبنا قهوة وساد صمت حتى غادر النادل. سأل بتردد كيف كنت قلت كنت أفكر كثيرا في ديناميكياتنا ودوري فيها وما أريده مستقبلا.
أخذ نفسا عميقا وقال أريد أن أبدأ بالاعتذار ليس فقط عما حدث ذلك اليوم بل عن سنوات لم أحمك فيها من غضب أمك سمحت لك أن تكوني هدفها وأخذت دعمك دون اعتراف. كان ذلك وعيا لم أتوقعه وأربكني لحظة. قلت شكرا لقولك هذا. قال بعد حديثنا راجعت سجلات البنك ورأيت الحقيقة. ثلاث سنوات وأنت تحمليننا بينما كنا بينما كنت أتظاهر أن الأمور بخير. رفع عينيه ودموعه تلمع. قال أشعر بالخجل خجلا
عميقا. قلت لم أقل ذلك لأجعلك تخجل فعلته حبا. قال أب ينبغي أن يعيل أبناءه لا العكس على الأقل ما دام الوالدان قادرين. قلت الأمر ليس أدوارا تقليدية بل صدقا وتبادلا. كنت سأساعد بفرح لو كان هناك صدق وامتنان بدل عداء.
هز رأسه موافقا. قال أجريت أنا وأمك أحاديث صعبة منذ مكالمتك. لم تصدقني في البداية بشأن دفعات الرهن اتهمتك بأنك تختلقين لتتحكمي بها اضطررت أن أريها كشوفات البنك التواريخ رقم الحساب ثم بكت. قال لم أرها تبكي منذ سنوات. لم أعرف كيف أشعر. كان جزء مني يشعر بالإنصاف وجزء آخر يحزن لأن الأمر وصل إلى هذا الحد.
سألته هل قالت شيئا عن طريقتها معي تردد هي تعاني في هذا الجزء تشعر بالإذلال وهذا يجعلها عاجزة عن الاعتراف بسلوكها. قلت بحزم إذلالها لا يمحو ألمي. قال نعم ولذلك طلبت منها أن تأتي اليوم لتعتذر لك. ارتجف قلبي. قلت ماذا قلت لك إنني لست مستعدة لرؤيتها. قال مرتبكا أعلم وأنا آسف لكن ظننت أنه سيكون أفضل إن سمعتها.
في تلك اللحظة فتح باب المقهى ودخلت أمي. رأتنا فورا واتجهت نحو طاولتنا. شعرت بأن الهواء اختفى. قلت لأبي بصوت منخفض غاضب لقد نصبتم لي فخا. كرر أنا آسف ظننت أنه أفضل هكذا. وصلت أمي ووقفت قرب الطاولة بحرج. بدت أصغر مختلفة شعرها مربوط على شكل ذيل حصان بسيط ومكياجها خفيف. بدت كأنها شاخت سريعا.
قالت بصوت خافت على غير عادتها مرحبا يا هايدي. قلت ببرود أبي قال لك أن تأتي رغم أنني طلبت صراحة أن ألتقي به وحده. تراجعت ملامحها. قالت نعم كنت بحاجة لرؤيتك. قلت لماذا نظرت إلى أبي فأومأ مشجعا. قالت هل يمكنني الجلوس فكرت في رفضها لكنني لم أرد مشهدا في المقهى. قلت اجلسي. جلست على حافة الكرسي كأنها جاهزة للهروب. عاد النادل طلبت ماء بصوت منخفض.
بعد أن غادر أخذت نفسا عميقا وقالت أبوك أراني سجلات البنك بخصوص دفعات الرهن. قلت وانتظرت. قالت لم أكن أعلم. طوال هذا الوقت كنت أظن أننا ندبر أمورنا وأن عمل ريتشارد يغطي المصاريف لم أكن أعلم أنك ولم تكمل.
قلت بحدة تدفعين الرهن وتؤدين دور البالغة في العلاقة هذا ما تقصدينه. ارتجفت. قالت نعم. سألتها هل كان سيغير شيئا لو كنت تعرفين هل كنت ستعاملينني أفضل اتسعت عيناها من صراحتي. قالت لا أعلم أحب أن أظن ذلك. قلت الآن أنت تعرفين وقد توقف. قالت بهدوء نعم البنك أعطانا ثلاثين يوما لنسدد وإلا سيبدؤون إجراءات الحجز. قلت الكلمات وأنا أشعر بأنها قاسية
وضرورية لم يعد هذا مشكلتي. قالت مفاجئة لا ليس مشكلتك.
قالت نحن نبحث الخيارات. ريتشارد تقدم لوظائف أفضل وأنا لدي مقابلة غدا في مكتب عقارات كموظفة استقبال. تفاجأت. أمي لم تعمل منذ ولادتي. كانت هويتها مبنية على كونها ربة بيت وصاحبة البيت المثالي. قلت هذا بداية لكنه لن يكفي للحفاظ على البيت. قالت باستسلام أعلم تواصلنا مع وسيط عقاري سيأتي الأسبوع القادم لتقييم المنزل. نظرت إلى أبي فأومأ تأكيدا. قال هذا القرار الوحيد المنطقي كان ينبغي أن نفعل ذلك منذ ثلاث سنوات.
قالت أمي وهي تعبث بيديها هايدي أعلم أن الاعتذار لا يكفي ما قلته لك ذلك اليوم وقبله لا عذر له. قلت لا يوجد. قالت بصوت متكسر كنت قاسية عليك لسنوات. كنت أقنع نفسي أنه لمصلحتك أنني أدفعك لتكوني الأفضل لكن الحقيقة أنني كنت أغار منك. صدمت. قالت تركت عملي لأربيكم كان ذلك المتوقع من نساء جيلي. لا أندم على إنجابكم لكنني أندم لأنني فقدت نفسي. وعندما رأيتك ناجحة ومستقلة تفعلين بالضبط ما تخليت عنه كان أسهل علي أن أنتقدك من أن أواجه ندمي.
كان ذلك أكثر ما سمعته منها وعيا في حياتي. جزء مني أراد أن يندفع نحو المصالحة لكن الجزء الأوعى في كان يعرف أن لحظة صدق لا تمحو عقودا من الأذى.
قلت بحذر أقدر صراحتك لكن علاقتنا لا يمكن أن تعود كما كانت. لن أكون هدفا لتفريغ غضبك بعد الآن. ولن أضحي بأماني المالي لراحتك. ولن أقبل نقدا متخفيا في ثوب حرص. قالت بصوت منخفض أفهم. قلت هل تفهمين حقا لأن هذه حدود غير قابلة للتفاوض. إن لم تحترميها فلن تكون هناك علاقة. توقف أبي عن مد يده نحوي وقال نريد أن نفعل الأفضل نحن الاثنان نريد أن نعيد بناء ما كسرناه إن منحتنا فرصة.
قلت لا أستطيع أن أعد بشيء الآن. أنا ما زلت أستوعب كل ما حدث ليس في ذلك اليوم فقط بل طوال حياتي. أحتاج وقتا ومساحة. قال أبي بسرعة كما تريدين أي شيء تحتاجينه. قلت وأريد منكما أن تفكرا في العلاج النفسي بشكل فردي وكزوجين. هناك أمور تتجاوز المال. شدت أمي فمها للحظة ثم أومأت إن كان هذا ما يلزم.
قلت وبخصوص البيت لن أعود للدفع. لكن يمكنني مساعدتكما في وضع خطة للانتقال والتقليص وربطكما بموارد للبحث عن عمل ونصحكما بخيارات التقاعد. هذا ما أستطيع تقديمه. قال أبي هذا أكثر مما نستحق. قلت ليس الأمر استحقاقا بل ما أنا مستعدة وقادرة على تقديمه مع الحفاظ على سلامتي.
تحدثنا ساعة أخرى عمليا عن أسعار المنازل في حيهم وعن سيرة أبي
الذاتية ومهارات المقابلات وعن حجم منزل يستطيعان تحمله بواقعية. كان أكثر حديث بالغ دار بيننا دون تلاعب أو ابتزاز أو صراخ. وعندما هممنا بالمغادرة ترددت أمي ثم قالت هل يجوز أن أتصل بك فقط للاطمئنان أحيانا. قلت أرسلي رسالة أولا. اسألي إن كان لدي وقت واحترمي إن قلت ليس الآن. أومأت سأفعل. افترقنا دون عناق أو وعود فقط اعتراف حذر بأن شيئا جديدا قد يكون ممكنا حتى لو أن القديم انتهى بلا رجعة.
وأنا أقود إلى البيت شعرت بخفة لم أشعر بها منذ أسابيع. لم أشف ولم أكتمل لكنني كنت أتجه نحو الطريق الصحيح.
ستة أشهر قد تغير كل شيء أو لا تغير شيئا. في حالتي تغير معظم شيء. أصبحت شقتي الجديدة لي حقا. طليت جدارا بلون تركواز فاقع كنت أريده دائما. زرعت أعشابا على الشرفة الصغيرة. وتبنيت قطا برتقاليا وقورا سميته ليو يستقبلني عند الباب وينام قربى كل ليلة.
ازدهرت مسيرتي المهنية لأن طاقتي لم تعد تستهلك في دراما العائلة. أصبحت أكثر إبداعا مع العملاء أكثر حضورا أكثر ابتكارا. تمت ترقيتي إلى مستشارة أولى مع فريق خاص وجاءت الترقية بزيادة كبيرة ومرونة أكبر. واصلنا العلاج مع الدكتورة مارتينيز أسبوعيا ثم أصبح كل أسبوعين. توقفت نوبات الهلع تماما. خفت الكوابيس. انخفض الضجيج القلق الذي كان يطن في داخلي طوال الوقت.
قالت لي الدكتورة في جلسة بعد ستة أشهر لقد أنجزت عملا رائعا كثيرون يحتاجون سنوات لكسر الأنماط السامة. أنت قطعت شوطا كبيرا في وقت قصير. قلت لا يبدو قصيرا بل أطول ستة أشهر في حياتي.
قالت النمو مؤلم لكنك لم تنجي فقط لقد تحولت.
تغيرت علاقتي بوالدي ببطء وبخطوات محسوبة مع تقدم وتراجع أحيانا. وجد أبي وظيفة مدير مبيعات في شركة أصغر براتب يقارب 60 من راتبه السابق لكنه بدا أكثر سعادة وأقل ضغطا. والمفاجأة الأكبر أن أمي لم تعمل فقط بل تفوقت. خلال ثلاثة أشهر نظمت المكتب بكفاءة حتى عرضوا عليها أن يمولوا حصولها على رخصة وساطة عقارية. في الثالثة والستين كانت تبدأ المسار الذي تركته قبل أربعين عاما.
قالت لي في إحدى مكالماتنا الأسبوعية الوكلاء الأصغر سنا يطلبون نصيحتي يقولون إن العملاء يثقون بي لأن لدي خبرة حياة. كان في صوتها فخر جديد فخر مكتسب لا مصطنع.
باعا المنزل الكولونيالي وكان الربح كافيا لسداد ديون بطاقات الائتمان ووضع دفعة أولى لبيت صغير من غرفتين أقرب إلى المدينة. كان أصغر بكثير لكنه أسهل صيانة وفي حدود ميزانيتهما الجديدة. اعترف أبي يوما لا أفتقد البيت الكبير كما ظننت كل تلك الغرف التي لا نستخدمها كل ذلك الذي لا نحتاجه التبسيط مريح.
الأهم من ذلك أن أمي بدأت علاجا نفسيا خاصا بها ليس بإلحاح مني. اتخذت القرار بعد أن انهارت في العمل يوما حين دخلت عميلة تشبهني مع ابنتها الصغيرة. قالت رأيتنا فجأة أنت وأنا عندما كنت صغيرة قبل أن أصبح شديدة النقد عندما كنت تنظرين إلي بثقة كاملة وأدركت كم دمرت. شخص معالجها لديها ميولا نرجسية متجذرة في صدمات طفولتها. كان العمل صعبا ومؤلما. كانت أحيانا تتصل بي بعد الجلسات وصوتها مبحوح من البكاء لتعتذر عن مواقف
محددة من طفولتي بدأت تراها بوضوح على أنها مؤذية.
تعلمت أن أقبل الاعتذار بحذر دون استعجال للغفران ودون التشبث بالمرارة. ساعدتني الدكتورة مارتينيز على فهم أن الغفران عملية لا لحظة واحدة وأنه من أجل سلامي أنا أكثر مما هو لإبراء ذمتها.
بنيت علاقتنا الجديدة على تواصل أوضح وحدود أقوى. صرت أزورهم مرة واحدة في الشهر لا أكثر. نتحدث هاتفيا أسبوعيا لكنني أشعر بحرية إنهاء المكالمة إن أصبحت سلبية أو مستنزفة. لم أعد أقول نعم تلقائيا. لم أعد أشعر أنني مسؤولة عن سعادتهم أو أمانهم.
قال أبي في لحظة نادرة من البصيرة الأمر الغريب أنه عندما توقفت عن حملنا تعلمنا أن نقف على أقدامنا. كان ذلك جيدا لنا. كان الدرس الأصعب لنا جميعا هو فهم الفرق بين المساعدة والتمكين. ما زلت أقدم نصائح مالية مهنية لكنني لم أعد أدفع فواتيرهم. أفرح لنجاحهم دون أن أنقذهم من نتائج اختياراتهم. أحببتهم دون أن أذبح نفسي على مذبح الحب.
ومع تحول الصيف إلى خريف ثم شتاء كنت أفكر في كم تغير خلال أقل من عام. كان عيد الميلاد السابق متوترا واستعراضيا بهدايا باهظة في البيت الكبير وتمثيل أننا عائلة مثالية. أما هذا العيد فكان أبسط في بيتهم المتواضع بهدايا منزلية وحوار صادق.
قلت لصوفيا على العشاء ما تعلمته هو أن دفاعي عن نفسي لم يدمر عائلتي بل حولها إلى شيء أكثر صدقا. قالت بحكمة أنت أعطيتهم فرصة للنمو حين رفضت أن تبقي صغيرة. قلت بالضبط وأعطيت نفسي إذنا لأعيش حياتي لا الحياة التي كتبتها أمي لي.
كان سيناريو أمي
دائما ينتهي بي متزوجة من رجل ناجح أعيش في بيت مثل بيتهم وأنجب أطفالا يعيدون الدورة. أما الآن فأنا أبني قصة مختلفة نجاحها يقاس بالسلام لا بالممتلكات وعلاقاتها تقوم على الاحترام المتبادل لا على الواجب الأعمى وحبها لا يتطلب التضحية بالذات.
المفارقة أن وضع الحدودورفض العودة لدفع الرهن وتمويل نمط حياة غير قابل للاستمرارهو ما ساعد والدي على اكتشاف قوتهما واستقلالهما. أصبحت أمي أكثر سعادة وهي تعمل مما كانت عليه كربة بيت. واستعاد أبي اهتماماته وأصدقاءه التي خنقها ضغط العمل والبيت الكبير. كنا جميعابطريقتناننضج أخيرا.
أحيانا أعظم فعل حب ليس أن تضحي بكل شيء بل أن تمنح الآخرين كرامة مواجهة الواقع. وأحيانا العائلات الأقوى ليست التي لا تنكسر بل التي تتعلم كيف تعيد البناء بشكل مختلف بعد الانكسار. وأحيانا لا يأتي الشفاء العميق إلا بعد أن تقال الحقيقة المؤلمة بصوت عال.
وإن كنت قد وجدت نفسك في موقف مشابه عالقا في ديناميكيات عائلية غير صحية أو حاملا لأعباء ليست لك فأرجو أن تمنحك قصتي شيئا من التشجيع. وضع الحدود ليس أنانية. إنه ضرورة لعلاقات أصيلة. أن تحب أحدا لا يعني أن تضحي بسلامتك لأجله. يمكنك أن تكرم عائلتك وأنت تكرم نفسك في الوقت نفسه.
أود أن أسمع عن تجاربكم مع الحدود العائلية أو الاستقلال المالي. هل اكتشف أحدكم أن التراجع خطوة ساعد أحباءه على أن ينهضوا قد تكون قصتك هي ما يحتاجه شخص آخر اليوم.
شكرا لأنكم استمعتم وتذكروا الحب الحقيقي يرفع الإنسان ولا يحطمه. اعتنوا بأنفسكم وببعضكم.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق