القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 18 سنة من حرمان الخلفه



18 سنة من حرمان الخلفه

 

18 سنة من حرمان الخلفه.. والسر الکبیر طلع تحت البلاط اوضه النوم محدش یصدقه!

أنا محمود، ومراتي سمر. بقالنا 18 سنة بالتمام والكمال بنعد الأيام والثواني، والبيت ملوش حس.. لا ضحكة طفل ولا حتى خبطة رجل صغيرة على الأرض. 18 سنة وأنا بشوف سمر بتدبل قدام عيني زي الوردة اللي مفيش مية بتوصلها.

لفينا على دكاترة مصر كلهم، من أكبر استشاري لأصغر عيادة في حارة. اللي يقول مفيش سبب طبي، واللي يقول أمر الله، لحد ما اليأس سكن قلوبنا وبقينا عايشين زي الأغراب في بيت واحد، يجمعنا بس الوجع.

في يوم، جالي جاري وصديق عمري عصام، وقالي بوشوشة

يا محمود، في راجل مبروك اسمه الشيخ منصور، ده مش شيخ عادي، ده بيقرأ الغيب وبيعرف العقدة فين بالظبط.. والله يا صاحبي ناس كتير كانت فاقدة الأمل وربنا جعل الشفا على إيده.

في الأول رفضت، قولتله إحنا بتوع علم ودكاترة، بس لما دخلت البيت وشوفت سمر ماسكة لبس بيبي قديم كانت اشتريته من 10 سنين وبتبكي في صمت.. قلبي اتقطع. قولت لنفسي إيه يعني؟ يمكن يكون هو ده السبب اللي ربنا كاتبه؟

اتفقنا مع الشيخ منصور وجه بيتنا.

راجل ملامحه حادة، لابس لبس غالي مش زي المشعوذين بتوع التلفزيون، وكان معاه شنطة جلد سودة مابتفارقش إيده.

أول ما دخل الصالة، وقف مكانه فجأة وبدأ يشم الهوا بقوة.. كأنه بيشم ريحة مش موجودة.

بص لسمر نظرة اخترقت عضمها، وقال بصوت خشن

الرزق موجود.. بس البيت ده فيه حارس مانع الفرحة تدخل.

سمر اتنفضت وقالت بلهفة يعني


فيه أمل يا شيخ؟

رد بثقة غريبة الأمل بين إيديكي.. بس الحارس ده لازم يترضي، ولازم أطلعه من مكانه.

طلب مننا نجهر له بخور جاوي ومية ورد، وقعد في نص الصالة يغمغم بكلام سريع ومريب.. عينيه كانت بتلف في السقف كأنها بتطارد حاجة طايرة.

فجأة، وقف وشاور بصباعه على أوضة النوم وقال

المنبع هناك.. تحت السرير بالظبط فيه عمل مدفون بدم غراب، وهو ده اللي رابط رحمك يا ست سمر.

أنا جسمي قشعر.. سحر؟ وفي بيتنا؟ وتحت سريرنا؟

دخلنا الأوضة، وطلب مني أرفع السرير. بدأت أهدم الخشب وأرفع المراتب وأنا بعرق من التوتر. والشيخ واقف فوق راسي بيتمتم بصوت بيعلى ويغطي على دقات قلبي.

وفجأة، طلع من جيبه سكينة صغيرة وبدأ يحفر في طرف السجادة.. وفجأة صرخ لقيته!

طلع لفافة سودة صغيرة، مربوطة بخيوط حمراء وريحتها تخنق. سمر أول ما شافتها وقعت من طولها مغمى عليها.

الشيخ بصلي وقال بحدة

لازم أفكه دلوقتي حالاً.. ومحدش يشوف اللي جواه غير صاحبة الشأن، لأن السحر ده مربوط بأنفاسها هي.

شيلت سمر وحطيتها على الكرسي، والشيخ قال لي

يا محمود، انزل دلوقتي هات لي ملح رشيدي من عند العطار اللي في أول الشارع، لازم نرشه في أركان الأوضة والباب مقفول عشان الحارس ميهربش ويرجع يلبسها تاني.. بسرعة يا محمود، اللحظة دي هي اللي بتحدد هتبقى أب ولا لا!

نزلت أجري زي المجنون.. السلالم كانت بتخلص تحت رجلي في ثواني. وصلت للعطار، جبت الملح ورجعت البيت وأنا بنهج..

فتحت باب الشقة بهدوء عشان مش عايز

أقطع الجلسة..

بس لقيت المساعدين بتوعه واقفين قدام باب أوضة النوم زي الصنم.. ومنعين حد يقرب.

قولتلهم وسعوا، الملح معايا.

واحد منهم زقني وقالي لسه مخلصش.. الشيخ قال ممنوع حد يدخل مهما حصل.

في اللحظة دي.. سمعت صوت سمر من جوه.

مكانش صوت صراخ خوف..

كان صوت ضحكة مكتومة.. وبعدها شهقة قوية كأن حد بيكتم نفسها.

قلبي اتقبض، زقيت المساعدين بكل قوتي وخبطت على الباب.. الباب كان متأمن بحديدة من جوه!

بدأت أرزع على الباب وأنا بنادي سمر! سمر! ردي عليا!

مفيش رد.. غير صوت خبط رزين ومنتظم على الأرض..

كسرت الباب بكتفي بعد تالت محاولة، والمنظر اللي شوفته خلى الدم يتجمد في عروقي..

سمر كانت نايمة على الأرض، والشيخ واقف فوق راسها وماسك في إيده اللفافة السودة اللي فتحها..

الکاتبه_نور_محمد

وقف محمود مكانه كأنه اتحجر عينه على سمر الممددة على الأرض، ووشها شاحب كأن الدم انسحب منه كله.

والشيخ منصور واقف فوقها، ماسك اللفافة السودا اللي فتحها وبصله بنظرة سريعة أول ما الباب اتكسر.

صرخ محمود

إنت بتعمل إيه؟!

الشيخ ارتبك لحظة لكن حاول يتمالك نفسه بسرعة وقال

إوعى تتحرك! الحارس خرج دلوقتي ولو قربت هيرجع يدخلها تاني!

لكن محمود كان شايف حاجة تانية خالص.

اللفافة اللي في إيد الشيخ ماكانش فيها شعر ولا دم غراب زي ما قال

كان فيها مفتاح صغير صدئ وورقة مطوية بعناية.

محمود خطف الورقة من إيده قبل ما يمنعه.

فتحها بسرعة وكانت المفاجأة اللي قلبت الدنيا.

الورقة كانت خريطة

قديمة للشقة مرسوم عليها أوضة النوم، وتحت السرير علامة X كبيرة.

وتحت العلامة مكتوب بخط مهزوز

المدخل هنا.

محمود رفع عينه للشيخ، والغضب بيغلي جواه

مدخل إيه؟!

الشيخ حاول يخطف الورقة ويرد بعصبية

دي حاجات معقدة ما تفهمهاش

لكن سمر فجأة أنَّت بصوت ضعيف وهي بتحاول تفوق.

ركع محمود جنبها وهو بيهزها

سمر فوقي أنا هنا.

فتحت عينيها ببطء وبصت حواليها بتوهان.

وبصوت مبحوح قالت جملة خلت محمود يحس إن الأرض بتتحرك تحت رجليه

هو هو كان بيحفر في البلاط

محمود رفع رأسه بسرعة وبص للأرض.

فعلاً

السجادة كانت متزاحة وفي بلاطة مكسورة نصها مرفوع.

الشيخ شاف إن اللعبة انتهت فحاول يجري ناحية الباب.

لكن محمود مسكه من هدومه وزقه في الحيطة بعنف.

إنت جاي تسرق إيه من بيتي؟!

الشيخ سكت لحظة وبعدين قال بجملة باردة

مش جاي أسرق أنا جاي آخد اللي مدفون هنا من زمان.

محمود حس بقشعريرة.

إيه اللي مدفون؟!

الشيخ ابتسم ابتسامة غريبة وقال

اللي جدك خبّاه قبل ما يموت

اللي محدش من العيلة يعرف مكانه غير الخريطة دي.

وقتها محمود افتكر حاجة عمره ما ركز فيها.

قبل ما جده يموت كان دايمًا يقول

البيت ده فيه سر بس السر ده يفضل مدفون.

محمود بص للبلاطة المكسورة

وبعدين للشيخ

وبعدين لسمر اللي كانت لسه بتحاول تقوم.

رفع البلاطة بإيده المرتعشة

وتحتها كان فيه صندوق خشب صغير متاكل من الزمن.

فتح الصندوق ببطء

والثلاثة بصوا جواه في نفس اللحظة.

لكن اللي كان جواه

ماكانش دهب

ولا فلوس

كان ملف قديم

وصورة طفل رضيع ملفوف في بطانية

وخلف الصورة مكتوب تاريخ

من 18 سنة بالظبط.

سمر شهقت وقالت وهي

 

بتبص للصورة

الطفل ده أنا أعرفه.

محمود بص لها مصدوم

تعرفيه إزاي؟!

سمر بلعت ريقها وقالت بصوت مرتعش

عشان

ده كان ابني.

وساعتها بس

محمود فهم إن السر اللي تحت بلاط أوضة النوم

ماكانش سحر

كان جريمة اتدفنت من 18 سنة.

ليلى رزعت باب الأوضة وراها بكل غلها، وبطرف كمها مسحت دموع القهر المختلطة ببقع القهوة اللي اتدلقت على بلوزتها الجديدة. بقلم منال علي 

لأول مرة ليلى تحس إن حياتها مشاع، وإنها بقت مجرد ضيفة تقيلة في بيت هي اللي شقيانة في تمنه سنين. حلمها بقى بسيط لدرجة توجع تقعد لوحدها، تصب فنجان قهوة، وتستمتع بدقيقة صمت واحدة من غير ما تسمع خناقة أو كلمة سم تِكدر صفوها. الصمت في البيت ده بقى عملة نادرة، والشقة اللي دفعت فيها دم قلبها عشان تكون ملاذها، اتقلبت لقطعة من الجحيم.

الست فاطمة.. حماتها اللي دايماً ، تسريحة شعرها مابتتهزش، ونظرتها بتوزع اتهامات بالتقصير يمين وشمال. الست نقلت تعيش معاهم أسبوعين بس لحد ما مواسير شقتها تتصلح. الأسبوعين بقوا تلات شهور، وفاطمة ربعت في البيت كأنها المالك الأصلي للعقار. حاجتها في كل ركن؛ دواها المرمي على الرخامة، شباشبها اللي بتكعبل الرايح والجاي، وفوق كل دهرأيها اللي لازم يدلق في كل صغيرة وكبيرة. متوفره على روايات واقتباسات ليلى كانت راجعة من شغلها مهدودة، بتسلم نبطشية الشركة ل نبطشية البيت.

تاني؟

سجق جاهز يا ليلى؟ فاطمة كانت بتفتش في أكياس السوق وبتبص لليلى بقرف. أنتي عارفة القرف ده معمول من إيه؟ ده جلد وفضلات ومكنسة قديمة مفرومة! وده يصح؟ كريم ابن قلبي ياكل السموم دي؟ ده ملوش غيري في الدنيا!

ردت ليلى بصوت مبحوح من التعب يا ماما فاطمة، أنا بشتغل طول النهار، والبيت محتاج مجهود جبار، مش هقدر أقف في المطبخ 24 ساعة أعمل أكل بيتي.

فاطمة صوتها علي شغل إيه؟ ده مجرد حجج عشان تخرجي وتضيعي فلوسك على اللبس والمكياج! وكريم المسكين شايل الهم والمصاريف لوحده... بقلم منال علي 

المسكين كريم كان نايم جوه في العسل، وليلىاللي دافعة مقدم الشقة من تحويشة العمرحاسة إنها شغالة عند الاتنين دادة، مش ست بيت.

بالليل، حاولت ليلى تفتح كلام مع كريم

كريم، إحنا لازم نحط نقط على الحروف.. بخصوص وجود مامتك.

اتنهد وهو باصص في الموبايل ببرود ليلى، بلاش الأسطوانة المشروخة دي دلوقتي. دي ست كبيرة ومحتاجة رعاية، وأنا مش فاهم بجد إيه اللي خانقك منها؟

اللي خانقني إنها دخلت في أدق تفاصيل حياتي، بتنبش في حاجتي، ومسمياني الخادمة اللي ملهاش عقل قدام الجيران! ده عادي عندك؟

أنتي اللي حساسة بزيادة وبتاخدي كل حاجة على أعصابك، قالها ببرود يقهر. خليكي أذكى من كده وطولي بالك، هي أصلاً مش باقية لنا في الدنيا كتير.

صاحت ليلى بوجع أنا مش راهبة عشان أطول بالي أكتر

من كده! ده بيتي! ملكي! وأنا فيه حاسة إني غريبة وشايلة لقمة غيري.

كريم هز كتفه بلامبالاة وقام ساب الأوضة. الحوار خلص قبل ما يبدأ.

ليلى طلعت البلكونة، ولعت سيجارة وبصت لنور الشارع التايه. ليه أنا اللي مفروض أمشي؟ وليه هما اللي

يفضلوا؟

تاني يوم، ليلى خدت قرار هز أركان البيت.

اشترت خزنة حديد، حطتها في نص الدولاب، وقفت على ورقها، دهبها، وعقود الشقة، وواجهت فاطمة بهدوء يخوف

يا ماما فاطمة، قدامك أسبوع واحد تشوفي فيه شقة تانية، لأني هغير كالون الشقة الأسبوع الجاي.

فاطمة وشها اصفرّ وصوتها صورخ أنتي اتجننتي؟ هتطرديني؟ أنا أم جوزك!

ردت ليلى بثبات لا يا طنط، أنا بس شطبت. ده بيتي، وأنا مكنتش عازمة حد يقعد فيه للأبد.

البيت اتقلب لميدان معركة. كريم دخل المطبخ وشه في الأرض ليلى.. كفاية إهانة لأمي، الست بكت طول الليل من قسوتك.

كريم.. لو ماخدتش موقف راجل دلوقتي، اعتبرنا مطلقين. أنا مش هكمل حياتي مربية ليك ولأمك.

أنتي بتتكلمي جد؟ عايزاني أرمي أمي في الشارع؟

عايزاك تشيل مسئوليتك، وتعرف حدود بيتك وأسرتك، وتختار بنفسك.

كريم سكت، لبس جاكيته وخرج. غاب 4 أيام ميعرفوش عنه حاجة.

في اليوم الخامس ظهر ليلى، أنا فكرت. أنا مش عايز أخسرك.. بس أنا اتعودت إنها هي اللي بتمشي المركب، وأنتي كنتي دايماً قوية، افتكرتك هتستحملي.

ردت بمرارة أنا كنت قوية عشان ملقيتش

حد يسندني يا كريم.

خلاص، هأجرلها شقة قريبة.. وهنتكفل بمصاريفها. حقك عليا إن الموضوع طول.

بعد أسبوع، فاطمة مشيت. البيت بقى هادي، بس العلاقة بين ليلى وكريم بقت فريزر. كريم بقى ينام على الكنبة، والسكوت هو سيد الموقف.

في اليوم التاسع قالها أنا كمان هامشي.. شكراً إنك مطردتنيش بنفس الطريقة اللي طردتي بيها أمي.

دي مش قسوة يا كريم، ده تعب. أنا تعبت من الوحدة وأنا وسطكم.

سافر كريم وسابها. عدى شهر، ليلى استردت فيه روحها ونضافة بيتها. فجأة، كريم اتصل

ليلى.. محتاج نتقابل عشان نخلص ورق الشقة.. أنا عملت تنازل عن نصيبي ليكي، ده حقك من بيع شقتك القديمة.

اتقابلوا في الشهر العقاري. مفيش أحضان، مفيش دموع. مجرد اتنين كانوا متجوزين والحكاية خلصت تخلصيص حق.

وهو بيقوم قالها على فكرة، أنا هتجوز الشهر الجاي.

ليلى ابتسمت بسخرية طبعاً، دايمًا جاهز ببديل. يا ريت المرة دي تلاقي واحدة مش هي اللي شارية الشقة، يمكن وقتها تحبها هي، مش تحب المتر المربع اللي دافعة تمنه.

مشيت ومن غير ما تبص وراها. بعد سنة، باعت الشقة واشترت بيت صغير هادي بره القاهرة، بيتها هي، بفلوسها هي، من غير حموات كابوسية ومن غير ذكريات المسكن اللي كان بيسكن الوجع مش الروح.

في أول عزومة في بيتها الجديد، صاحبتها قالتلها تعرفي؟ وشك منور، كأنك شلتي جبل من فوق كتافك.

ليلى ضحكت من قلبها لأول مرة من سنين فعلاً.. شلت جبل،

وبنيت مكانه مملكة.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close