القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 شقتي مش عِزبة والدتك



شقتي مش عِزبة والدتك

"الشقة دي مش هدية من أمك!". صرخت "هنية" بصوت هز العمارة، وهي بترمي شنطة هدوم جوزها في الطرقة.


"إيه ده؟.. دي ستاير؟"

دخلت حماتي "الحاجة كوثر" الصالة من غير حتى ما تخلع جزمتها، ووقفت تتفحص المكان بقرف.


بقلم منــال عـلـي 


"آه.. جايباها من التوحيد والنور، كان عليها عرض واخترتها بنفسي."


"لونها عامل زي البطاطين القديمة اللي بتترمي في المخزن.. كئيبة وبتقبض القلب. يا بنتي إنتي ست، لازم البيت يبقى دافي وشرح.. مش كأنه مكتب حكومة!"


جزيت على سناني وسكت.. تاني مرة بتعملها متوفره على روايات واقتباسات 


الحاجة كوثر مكنتش بتزورنا كتير، بس لما كانت بتشرف، كانت بتعرف تضرب في مقتل. لو الكلمات مية نار، كانت جدران البيت دي دابت من زمان. عمرها ما علّت صوتها، كانت بتسمم الهوا بهدوء، وبمنتهى "الأدب" ومن باب "الخوف علينا".


"سيد" هو جوزي، جيه عاش معايا في شقتي بعد الجواز. الشقة دي ملكي أنا.. ورثتها


عن جدتي الله يرحمها. أوضتين وصالة، مش واسعة أوي، بس دافية وشرحة، بتبص على منور بس بالنسبة لي جنة.

كل ركن فيها عارفني.. كل شرخ في البلاط وراه حكاية. أنا اللي قشرت النقاشة القديمة بإيدي، وأنا اللي دهنت، وأنا اللي لمعت الشبابيك، وزرعت الصبار في البلكونة. المكان ده هو راحتي.. استقلالي.. وذكرياتي.

بس بالنسبة للحاجة كوثر، ده مكنش "بيت".. ده كان "ركن في بيت حد غريب".


"إنت عايش في شقتها.. دي حاجة تهينك يا سيد"، قالتها في الطرقة وأنا شايلة صينية الشاي وداخلة المطبخ.


"يا أمي، بلاش السيرة دي بقى."


"أنا خايفة عليك يا ضنايا.. الراجل ميبقاش 'ضيف' في بيت مراته."


"أنا مش ضيف، إحنا أسرة واحدة."


"يا حبيبي طول ما الدنيا حلوة إنتو أسرة.. بس بعدين؟ قانوناً إنت مين هنا؟ ولا حد. فكر في كلامي."


سمعت كل كلمة من ورا الحيطة، وأنا ضاغطة على كوباية الشاي لدرجة إن صوابعي ابيضّت.


بعد شوية في المطبخ، بصت لي في عيني


وقالت ببرود:

"إنتي ست عاقلة يا هنية.. وتفهمي إن الراجل لازم يحس إنه صاحب بيت. يحس بكده إزاي وكل حاجة باسمك؟ على الأقل اكتبي حاجة باسمه.. حتى لو قيراطين."

حطيت الكوباية في الحوض بهدوء.. مش لأني مش لاقية رد، بس عشان مش عاوزة أنفجر في وشها.


يوميها بالليل، دخل "سيد" الأوضة وهو بيحاول يطبطب على الموضوع:

"أمي مكنش قصدها حاجة وحشة.. هي بس قلقانة. أبويا الله يرحمه بنى كل حاجة بتعبه، بدأ من الصفر."


"وجدّي الله يرحمه حضر الحرب وادّى لجدتي كل اللي يملكه.. الشقة دي بقت باسمها لأنه كان واثق فيها."


"طيب.. دي جدتك. إحنا بقى لينا حياتنا." بقلم منــال عـلـي 


هزيت راسي وسكت.. بس جوايا بركان بيتحضر.


**"أمي عندها فكرة: هنعمل عقد تنازل باسمها."**


"يا هنية، إفهمي بس.." بدأ سيد يتكلم بحذر، كأنه ماشي على لغم.


"أفهم إيه بالظبط؟"


"الأصول أصول.. والمواضيع القانونية دي مهمة عشان نضمن حقنا.. إحنا بقينا عيلة.


"

رفعت حاجبي وبصيت له:

"يا سيد.. يعني الأصول بتقول إني أديك حتة من شقتي؟"


"مش لازم ليا أنا.. ممكن لأمي مثلاً. هي اللي اقترحت.. قالت: 'سجلوها باسمي عشان كل حاجة تبقى رسمي.. أنا مش هاخدها، أنا بعمل كده عشان النظام وبس'."


حطيت الكوباية على الطرابيزة ببطء، وشبكت صوابعي:

"إنت بتتكلم بجد؟"


"يا بنتي.. هي بتقول إن عيلتكم فيها تاريخ مع أمراض القلب. افرضي حصل لك حاجة؟ أنا حتى مش متسجل في الشقة. لو حصل لك أي حاجة هيطردوني منها زي الغريب."


"يعني إنت خايف أموت.. فتقعد في الشارع؟"


وشه اتخطف:

"ما تقوليهاش كدة بقسوة.. بس أيوة، دي الحقيقة."


"والحل إنك تسجل شقتي باسم أمك؟"


"مؤقتاً.. وبعدين نرجعها. هي بس عاوزة الموضوع يبقى رسمي عشان الكل يطمن."


قمت وقفت، ودخلت الصالة، فتحت الدولاب وطلعت رزمة جوابات قديمة لجدتي، وفردتها قدامه:

"شايف دي؟"


"أيوة.. جوابات."


"ده خط جدتي.. كانت كاتبة لي:

'يا هنية يا بنتي،


لازم يبقى ليكي سقف بيحيكي.. مِلكك لوحدك. إوعي تخلي حد يلمسه.. ده حصنك المنير'."


 

سكت ومردش.. بس كنت شايفة اللي بيدور في دماغه. كل السم اللي الحاجة كوثر زرعته في عقله. إزاي كانت بتلوي الكلام وتغلف السيطرة باسم "العدل". زرعت في دماغه فكرة: "لو مكنتش إنت المالك.. تبقى مكسور الجناح".


بعد يومين لقيت كارت محامي على الطرابيزة:

**"الأستاذة فايزة — محامية عقارات ومنازعات أسرية."**


وعلى ضهر الكارت كان فيه خط عارفاه كويس.. خط حماتي:

"اتكلموا معاها.. أنا حجزت لكم ميعاد يوم الاتنين."


مصرختش. أخدت الكارت وحطيته في الدرج، وتاني يوم كلمت صاحبتي "نور".. هي موظفة في الشهر العقاري.


لما حد يحاول يتسلق حصنك، متستناش جوا.. إطلع وقف له على السور.


جيه يوم الاتنين. يوم تقيل ومخنق. كل حاجة في الشغل كانت ماشية بالعكس، والمترو زحمة. وفي دماغي بس الكلمتين: "حجزت لكم


يوم الاتنين".

وصلت قدام مكتب توثيق قريب من "مول العرب". باب عادي، يافطة، وشاشة عليها الدور:

10:30 — هنية محمد — تسجيل عقار


اتسمرت مكاني. الاسم اسمي.. بس الميعاد مش ميعادي.


دخلت. السكرتيرة بصت لي باستغراب:

"أي خدمة يا مدام؟"


"أنا هنية محمد. فيه حد بيسجل عقد تنازل باسمي النهاردة. مين اللي جوه في مكتب رقم 3؟"


"الأستاذ سيد.. ووالدته."


**"افتحي الباب.. دلوقتي!"**


زقيت الباب بكل قوتي.

كانت الحاجة كوثر قاعدة وماسكة ملف، وسيد باصص لها زي التلميذ اللي مستني الإشارة من مدرسته.


وقفت بكل طولي:

**"إنت كنت بتنازل عن شقتي لأمك؟!"**


صوتي كان حاد لدرجة إن الموظفة نفسها اتخضت.


"يا هنية، اسمعي بس.."


"من ورا ضهري يا سيد؟"


"دي مجرد إجراءات شكلية! كنا هنرجعها تاني بعدين..."


"بعد ما أموت؟ ولا لما أطرد منها؟"


قامت الحاجة كوثر ووقفت:

"يا بنتي اهدي.. دي أمور كبار."


"لا يا حاجة كوثر.. دي أموري أنا. بيتي أنا. اسمي وجدراني أنا."


بصيت للموظفة:

"لو سمحتي سجلي عندك: أنا مش موافقة نهائياً. أي إجراء بيتم من غير إمضائي الشخصي دي جريمة تزوير ونصب."


خرجت ومنطقتش ولا كلمة تانية. بس لما وصلت الشارع، أخدت أول نفس عميق من أسبوع.


متوفره على روايات واقتباسات 


**أنا مابخسرش لما بحمي حقي.**


جيه يوميها بالليل.. كان مكسور وساكت. قعد على طرف الكنبة كأنه ضيف فعلاً.


"هنية.."


"نعم؟"


"أنا.. أنا كان نفسي نعيش عيلة طبيعية."


"العيلة الطبيعية مابتبدأش بالسرقة يا سيد."


"دي مكنتش سرقة."


"كنت هتهدي شقتي لأمك."


"كنت فاكر إن ده الصح.."


"كنت فاكر من غيري.


. واتصرفت ضدي. وده معناه إنك مش معايا."

جبت كرتونة وحطيت فيها كل حاجته: شراباته، قمصانه، اللابتوب، فرشة السنان، والشاحن.


همس بصوت واطي:

"إنتي رايحة فين؟"


"أنا في بيتي.. إنت اللي ماشي."


"كل ده عشان شقة؟"


"لا.. عشان كل حاجة. عشان إنت مش زوج.. إنت مجرد سكرتير عند أمك."


"بس.."


"خلاص يا سيد. إنت اللي اخترت. أنا مش هدية.. وشقتي مش مكافأة لأمك عشان ربّتك."


"أنا مكنتش عاوز..."


"وأنا مابقتش عاوزة."


فتحت الباب، حطيت الكرتونة في الطرقة، وقلت ببرود:


**"شقتي مش عزبة والدتك."**


"يا هنية..."


إنك تكوني زوجة مش معناه إنك تلغي نفسك.. معناه إنكم توقفوا كتف في كتف.

ولو اللي واقف جنبك بيقسم ويجزأ وياخد من وراكي.. يبقى ده مش شريك.. ده نصّاب.


بقيت لوحدي.. بس بقيت "أنا".

وده


كان القرار الصح. لأني مابخسرش لما بدافع عن اللي ليا.. أنا بنقذ نفسي.

ومحدش هيلمس جدراني تاني..

من غير إمضتي.


 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close