القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 شقـى الـعُمـر 



شقـى الـعُمـر 


فتحت "أمنية" باب الشقة واتجمدت مكانها.. الشنطة وقعت من إيدها ورزعت في الأرض رنة مكتومة. أول حاجة عينها وقعت عليها كانت إزاز شباك الصالة المتدغدغ. هواء شهر مارس المغبر كان بيصّفر جوه الشقة، وبيطير فتافيت ورق ومناديل في كل ركن. وعلى حرف الشباك، وسط كسر الإزاز، كانت مرمية فلة إزازة حاجة ساقعة.بقلم منال علي 

"يا رب استر.." دي الكلمة الوحيدة اللي قدرت تهمس بيها.

دخلت أمنية الشقة بخطوات تقيلة، ومع كل خطوة كانت ملامح الكارثة بتوضح أكتر. فوطها القطن اللي لونها أبيض زي القشطة كانت مرمية في الطرقة ومغرقة الأرض، وعليها بقع غامقة وريحتها تقلب البطن، باين إنها بقايا شربات دلقوه وسابوه لما نشف ولطّع في الأرضية الباركيه اللي نقتها بالشوكة والسكينة من تلات سنين.

أما الصالة، فكانت "المجزرة" الحقيقية. كنبتها العزيزة —القطيفة الرمادي اللي حوشت تمنها ست شهور— كانت متبهدلة. القماش من عند الضهر مقطوع كأن حد كان بيلعب بآلة حادة، والقطن والفايبر طالع من الشقوق. وعلى طرابيزة القهوة، بقع لزقة نشفت؛ وحواليها كوبايات بلاستيك وكيايس شيبسي وفتافيت كحك وبسكويت العيد متبهدلة في كل حتة.     بقلم منــال عـلـي 

دخلت المطبخ.. الحوض كان جبل مواعين وسخة؛ الرخامة مدهننة، وفيه حلة محطوطة على البوتاجاز فيها بواقي أكل لزقت وشيطت. التلاجة كانت مفتوحة مواربة، والأكل اللي كانت سايباه قبل ما تسافر "فص ملح وداب".

"لأ.. لأ مش ممكن.." كانت بتبرطم وهي راجعة للطرقة. باب الحمام كان مخلوع من مفصلة واحدة، والمفصلة التانية مقلوعة من الخشب


ومسيبة حفرة في الحلق. وجوه الحمام.. طينة وبصمات جزم على السيراميك.

أمنية قعدت القرفصاء في نص الطرقة وخبّت وشها بين إيديها. تلات سنين وهي بتدفع أقساط الشقة دي من دم قلبها. تلات سنين عايشة على الكفاف، حارمة نفسها من كل حاجة عشان يبقى ليها "حيطة" تلمها. سنة كاملة ضاعت في التوضيبات.. كل مسمار، كل بلاطة، كل بريزة كهرباء مدفوع تمنها من شقاها. هي اللي نقت ورق الحائط، وهي اللي دهنت بإيدها، وهي اللي شالت العفش من معرض لمعرض عشان توفر قرش. ودلوقتي؟.. بقى خرابة.

طلعت موبايلها، وإيدها كانت بتترعش لحد ما جمعت مع "محمود".

— "أمنية! يا أهلاً يا حبيبتي!" صوت جوزها كان طالع رايق وفرحان. "عيد مبارك عليكي.. عملتي إيه في السفرية؟ وقعتي العقد؟"

— "محمود،" صوتها طلع مكتوم وتقيل. "إنت فين؟"

— "أنا لسه في الشغل، ورايا كام حاجة كدة. هخلص وأكون في البيت على الساعة 8. فيه حاجة؟"

— "تعالَ البيت.. دلوقتي حالا."

محمود وصل بعد أربعين دقيقة. سمعت خبطة رجله في الشنطة اللي لسه مرمية في الأرض متوفره على روايات واقتباسات "أمنية؟" نادى بصوت قلقان. ما ردتش.

دخل محمود الصالة.. سمعت شهقته وهو بيكتم نفسه. بعدها سمعت خطوات سريعة وهو بيلف في الشقة: الحمام، المطبخ، أوضة النوم، ورجع تاني للصالة وهو وشه أبيض زي الورقة.

— "أمنية، أنا.."

— "إيه اللي حصل؟" سألته بهدوء غريب، رغم إن جواها بركان. "يا محمود أنا غبت أربعة أيام بس! إيه اللي عمل في شقتي كدة؟"

— "أصل.." حط إيده في شعره بتوتر. "أمنية، ده كان عيد الفطر.. والناس عايزة تفرح."

— "عيد؟" كررت الكلمة وراه.

"وبعدين؟"

بدأ محمود يحكي وهو باصص في الأرض: "أهلي كلموني.. قالوا لي خالتك سعاد وجوزها عمي إبراهيم وعيالهم سيد وهناء جايين من الأرياف يتفسحوا في القاهرة في العيد. شقة أهلي ضيقة، وأمي طلبت مني يقعدوا هنا يومين وانتي مسافرة. قلت شقة فاضية، إيه المشكلة؟"

أمنية قربت منه بخطوات مرعبة: "يعني إنت مدي مفاتيح شقتي لأهلك من ورايا؟ إنت واعي للي بتقوله؟"

— "يا أمنية والله وعدوني يحافظوا عليها! بس سيد ابن خالتك عزم صحابه عشان ما يزهقش، والموضوع وسع منهم.. حصلت خناقة بينه وبين أبوه، وواحد من صحابه اتزق خبط في الشباك، وفي نفس اللحظة فلة إزازة الحاجه الساقعة طارت دغدغت الإزاز. خالتك قعدت تعيط، وهناء جت تسلك بينهم حد داس على رجلها صرخت وخبطت قزازة الشربات في الأرض. وواحد من صحاب سيد كان دايخ دخل الحمام اتكعبل لبس في الباب خلعه."

— "يا حلاوة،" أمنية همست بمرارة. "والخساير دي مين هيدفعها؟ الشباك، الباب، الكنبة اللي اتشرطت.. محمود، الخساير دي مش أقل من 100 ألف جنيه!"

— "أنا.. أنا هكلمهم."

— "تكلمهم؟ محمود، أهلك خربوا بيتي. لازم يدفعوا كل مليم."

محمود قام وقف بسرعة: "أمنية! إنتي عايزاني أقولهم كدة؟ دول أهلي! هصغر في عينهم! هما ماقصدهومش، ده نصيب متوفره على روايات واقتباسات  عمي إبراهيم معاشه على قده، وسيد فاتح بيت.. هيجيبوا منين؟"

— "وأنا أجيب منين؟" صرخت أمنية. "أنا لسه جايبة موبايلي قسط! أنا مش فارق معايا شكلك قدامهم، هما اللي المفروض يتكسفوا مش إنت!"

سكت محمود وشال الهم على كتافه، وقال بصوت واطي: "خلاص يا أمنية.. أنا

اللي هدفع. من مرتيبي. كل شهر هحولك مبلغ لحد ما نصلح كل حاجة."

أمنية بصت له بشك: "إنت مرتبك كله 6000 جنيه، لو دفعت ألفين كل شهر، هنقعد سنتين نصلح!"

— "هدفع تلاتة.. هضغط نفسي، مش محتاج حاجة. المهم نصلح اللي باظ."

قعدت أمنية على الكرسي وحست إن حيلها اتهد: "أنا ماكنتش عايزة نوصل للزعيق ده.. بس يا محمود الشقة دي هي كل اللي حيلتي، أنا شقيت فيها."

نزل محمود لمستواها ومسك إيدها: "حقك عليكي.. أنا غلطت فعلاً، ومافكرتش صح."

قضوا الليلة بينضفوا اللي يقدروا عليه. شالوا الإزاز، مسحوا بقع الشربات، ومحمود شال الباب المخلوع ركنه على جنب. على نص الليل، كانت الشقة بدأت تتنفس تاني، وريحة المنظفات غطت على رحة السجاير والأكل البايت.

فات أسبوعين.. الشباك ركب، والباب اتصلح، وبقع الأرض طلعت بعد عذاب. ومحمود فعلًا بقى يحول لها جزء من مرتبه كل شهر. أمنية ما صرفتش الفلوس، شالتها على جنب "للزمن" أو عشان تغير الكنبة لما الفلوس تكمل.

أهل محمود ما اتصلوش ولا حتى اعتذروا، وأمنية عرفت إن محمود اتخانق معاهم في التليفون وقالهم: "لأ.. أنا اللي هصلح غلطتكم بنفسي."

وفي ليلة، وهما قاعدين على الكنبة اللي أمنية غطتها بكسوة جديدة، سألته: "تفتكر هيجي يوم نضحك فيه على الحكاية دي؟". بقلم منــال عـلـي 

محمود ضحك بمرارة: "يمكن كمان عشر سنين، لما الوجع ده يتنسي."

أمنية ردت عليه: "لا ما تنساهوش.. خليه دايما يفكرنا إن البيت له حرمة، وإننا "إحنا" اللي بنقرر سوا."

نامت أمنية وهي حاسة إن رغم الشرخ اللي حصل، محمود أخد موقف وبدأ يتحمل المسئولية.. 

وده


كان أهم عندها

 من تمن الكنبة.


تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close