يـوم الجمعـة عـند اهلـي كـاملة
يـوم الجمعـة عـند اهلـي كـاملة
كان غدا الجمعة عند أهلي دايمًا وراه نية مستخبية.
السفرة شكلها بريء جدًا: فراخ محمرة، رز أبيض، بطاطس بالزبدة، وطبق الفاصوليا الخضرا بتاع أمي اللي بيبقى فيه لحمة أكتر من الفاصوليا.
الشبابيك مفتوحة على شارع هادي في ضاحية من ضواحي القاهرة، وأبويا سايب الماتش شغال بصوت واطي في الصالة… كأنه صوت خلفية لمسرحية عائلية متكررة.
بقلم مني السيد
اسمي نادية حسن، عندي 33 سنة.
ومن زمان فهمت إن أهلي مش بيطلبوا مني أزورهم علشان يسألوا عن حياتي…
هم بيطلبوا مني أزورهم لما يكون في حاجة عايزين يحطوها على كتافي.
أخويا رامي كان قاعد على الكنبة أول ما دخلت،متوفرة على روايات و اقتباسات رجليه بالجوارب ممدودة على الترابيزة، ماسك الموبايل وبيقلب فيه كأن الفواتير حاجة خيالية.
سلّم عليّ سلام سريع وخلاص.
رامي عنده 30 سنة، شكله وسيم بطريقة مهملة شوية…
ودايماً في مرحلة:
"هشوف هعمل إيه بعدين."
والمرحلة دي بقالها سنين… من أيام الكلية.
قعدنا ناكل ونتكلم كلام عادي.
أمي سألتني عن شغلي في قسم الحسابات في المستشفى وهزت دماغها كأنها فاهمة، متوفرة على روايات و اقتباسات رغم إنها عمرها ما بتفتكر أنا بشتغل في أنهي قسم.
أبويا اشتكى من الغلا والضرائب.
ورامي قعد يهزر عن مديره الظالم.
وبعدين… لما الصحون كانت بتتشال تقريبًا، أمي مسحت بقها بالمنديل وقالت الجملة كأنها بتعلن حالة الجو:
"رامي خسر شغله… فإنتي هتدفعي مصاريفه شوية لحد ما يلاقي شغل."
الكلام وقع على السفرة تقيل… كأنه عقد اتكتب خلاص.
رمشت بعيني
مرة واحدة ببطء وقلت:
"نعم؟"
أبويا ما رفعش عينه من الطبق وهو بيقطع الفراخ وقال ببساطة:
"العيلة بتقف جنب بعض."
وبعدين كمل بنبرة حاسمة:
"وإنتي بنت مسؤولة… تقدري تتحملي."
رامي ابتسم ابتسامة خفيفة كأنه كسب حاجة من غير ما يعمل مجهود.
الغريب إن قلبي كان هادي.
نادية القديمة كانت هتتوتر… كانت هتحاول تشرح لهم الإيجار، والقسط، والديون اللي بدفعها، والقرشين اللي بدأت أوفرهم لأول مرة في حياتي.
كانت هتحاول تقنعهم إني بني آدم…
مش حل جاهز لكل مشكلة.
لكن الأسبوع ده كان طويل…
وحاجة جوايا كانت اتغيرت.
سألت بهدوء:
"طيب… قد إيه يعني؟"
أمي لوحت بإيدها بلا مبالاة:
"لحد ما يلاقي شغل بس. قسط عربيته، الموبايل، إيجار الشقة… حاجات بسيطة."
رامي رفع عينه أخيرًا وقال:
"مش هتطول."
قالها بنفس الطريقة اللي قالها لما استلف كارت الفيزا بتاعي سنة 2019.
وقتها قعد 8 شهور علشان يرجع الفلوس… وبعد ما هددته إني هوقف الكارت.
أبويا رجع ضهره لورا وهو مرتاح وقال:
"شايفة؟ الموضوع بسيط. إحنا عارفين إنك هتفهمي."
بصيت لوشوشهم:
ثقة أمي.
إحساس أبويا إنه حق طبيعي.
وراحة أخويا الكسولة.
وساعتها فهمت الحقيقة…
هم ما كانوش بيطلبوا مني.
هم كانوا بيقرروا عني.
حطيت الشوكة بهدوء، وضميت إيدي في حضني.
وقلت بنبرة ثابتة:
"تمام."
الغرفة سكتت.
ابتسامة أمي بدأت تختفي.
جبين أبويا اتعقد.
ورامي بطل يبتسم.
وكملت بنفس الهدوء:
"يبقى يعيش عندكم هنا بقى… علشان أنا—"
المكان سكت فجأة.
وكملت الجملة اللي قلبت
ثقتهم لصدمة:
"—علشان أنا مش هدفع مصاريف راجل كبير."
أمي رمشت كأنها ما سمعتش صح.
"نادية… ما تكبريش الموضوع."
قلت بهدوء:
"أنا مش بكبره… أنا بوّضح."
صوت أبويا بقى حاد:
"إنتي أنانية."
رديت بنفس الهدوء:
"الأنانية إن حد يقرر يصرف من فلوس غيره من غير ما يسأله."
رامي ضحك بسخرية:
"واو… يعني دلوقتي بقيتي أحسن من أخوكي."
بصيت له وقلت:
"لا… أنا بس تعبت أبقى الخطة الاحتياطية لحياتك."
أمي قربت مني شوية وقالت بنبرة حنينة فيها ضغط:
"يا حبيبتي… إنتي عارفة إن رامي حساس وبيمر بظروف."
قلت ببساطة:
"هو محتاج شغل… أو ميزانية."
أبويا ضرب بإيده على الترابيزة بخفة:
"خلاص. إحنا مش هنسيبه يبقى في الشارع."
هززت دماغي:
"يبقى يعيش هنا."
أمي اتضايقت وقالت بسرعة:
"ما عندناش مكان."
قلت بهدوء:
"عندكم أوضة ضيوف… والبدروم متشطب."
ردت بعصبية:
"ده مختلف."
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
"مختلف بس علشان هيضايقكم أنتم."
سكتوا.
والسكوت ده كان تقيل…
زي كل مرة قبل كده قالولي فيها:
"إنتي الكبيرة… استحملي."
رامي زق الكرسي وقام.
"أنا مش هعيش في بدروم بابا وماما."
قلت ببساطة:
"يبقى إنت مش مضطر كفاية."
أبويا وقف وقال بصوت عالي:
"إنتي هتعملي كده يا نادية. إحنا عارفين إن عندك تحويش."
ابتسمت قليلًا:
"وإنتوا عرفتوا ده علشان بتعاملوا حسابي في البنك كأنه ملك العيلة."
أمي قالت بعصبية:
"إحنا ربيناكي!"
رديت بهدوء:
"وأنا اللي بنيت حياتي بنفسي… بينما رامي كان دايمًا حد بيشيله."
رامي احمر وشه.
"أنا ما طلبتش مساعدتك."
ميلت
راسي وقلت:
"إنت ما طلبتش… بس قبلتها دايمًا."
بعدين قلت بوضوح:
"أنا مش هدفع إيجار شقته، ولا قسط عربيته، ولا موبايله.
لو عايز مساعدتي… يبقى بشروط."
رامي ضيق عينه:
"شروط؟"
قلت:
"هتكفل بحاجة واحدة بس: جلسة مع مستشار مهني، واجتماع مع مستشار مالي. متوفرة على روايات و اقتباسات هدفعها مباشرة…ولو لقيت شغل ووراني إنه بيحاول بجد… ممكن أساعده في أكل شهر. مش فلوس."
رامي ضحك بمرارة:
"يعني عايزة تتحكمي فيا."
قلت:
"لا… أنا بس بطلت أمول إنكارك."
أمي قالت بغضب:
"ده إحراج ليه!"
هززت دماغي:
"أحيانًا الإحراج هو أول خطوة للمسؤولية."
لبست الجاكت بتاعي وقلت:
"أنا مش بسيب العيلة… أنا بسيب الدور اللي فرضتوه عليّ."
وبعدها مشيت.
أول مرة إيدي ترجف كانت وأنا في العربية…
بس ما كانش خوف.
كان إحساس غريب…
إحساس إني أخيرًا عملت اللي كان لازم أعمله من سنين.
رن الموبايل.
أمي.
سيبته يرن.
بعدها أبويا.
وبرسالة من رامي:
"يعني إنتي بجد هتعملي كده؟"
رجعت البيت، عملت شاي، وقعدت لحد ما أعصابي هديت.
وبعدين بعت رسالة واحدة:
"لو عايز مساعدتي، قابلني الثلاثاء الساعة 6 ومعاك السيرة الذاتية وكشف حسابك وقايمة التقديمات للشغل. غير كده… عيش عند بابا وماما."
ظهرت الثلاث نقط…
اختفت…
رجعت تاني…
وبعدين سكون.
ولأول مرة في حياتي…
الحد اللي حطيته ما اتكسرش.
بعد شهرين…
رامي اشتغل في مخزن جرد بضاعة. شغل بدري وصعب… بس شريف.
بدأ يدفع موبايله…
وبعدين قسط عربيته.
ما بقاش إنسان جديد فجأة…
لكن بطل يعيش معتمد على غيره.
وأهلي؟
اتغير فيهم شيء بسيط… لكنه دائم.
بطلوا يقرروا يصرفوا من فلوسي.
لأنهم لأول مرة…
حسّوا هم بوزن الحمل اللي كانوا بيدوه لغيرهم.
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق