القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 فى عز المطر بقلم أمانى سيد



فى عز المطر بقلم أمانى سيد


جوزى نزلتى من العربيه بليل فى عز المطر بحجه إن والدته تعبت ولازم يوديها المستشفى وقالى خودى تاكسى يروحك البيت وهو فى الحقيقة نزل عشان يقابل عشيقته عشان يوصلها لان المطره مطرت عليها وهى بتعمل شوبينج


وقفت على الرصيف والمطرة غرقتني.. المية كانت بتنزل على وشي وتختلط بدموعي اللي مش قادرة أحبسها، وأنا شايفة “رشيد” بيبعد بالعربية وبيدوس بنزين بأقصى سرعة وهو بيقنعني إن أمه بتموت ولازم يلحقها.

“خدى تاكسى يا كوثر.. معلش الجو صعب بس أمي أولى”، الكلمة كانت بترن في ودني وأنا ببص حواليا والشارع فاضي وضلمة، والبرق بيخطف عيني. طلعت الموبايل بإيد بتترعش، مش عشان أطلب تاكسي، لأ.. عشان أتأكد من “الشك” اللي نهش قلبي فجأة.

فتحت اللوكايشن بتاع العربية.. لقيت السهم بيتحرك في اتجاه عكس بيت حماتي تماماً! السهم وقف قدام “المول الكبير”. ركبت أول تاكسي قابلني وقلبي بيدق طبول، وقلت للسواق: “اطلع ورا العربية دي بس من بعيد”.

هناك شوفت اللي عمري ما كنت أتخيله.. رشيد نزل من العربية بلهفة وخوف من المطر، فتح الشمسية ووقف يستني قدام الباب.. ثواني وطلعت “هي”. كانت شايلة أكياس شوبينج كتير وبتضحك بدلع وتقوله: “تعبتك يا بيبي في المطرة دي، بس مكنتش عارفة أخرج من المول إزاي”.

بكل بساطة، رمى أكياسها في الكنبة اللي كنت قاعدة عليها من عشر دقايق، وفتحلها الباب وركبت مكاني.. في الكرسي اللي لسه دافي بنار قهرتي، ومشيوا وهما بيضحكوا، وأنا واقفة في “عز المطر” بتفرج على موت أحلامي وسنيني اللي ضاعت مع واحد كداب.

فتحت باب التاكسي تانى قبل ما السواق يتحرك، وقلت له بصوت مخنوق ومصمم: “اطلع وراهم.. بس خليك بعيد، مش عايزاه يحس بينا”. السواق بَصّ لي بأسى وهز رأسه، وبدأ يمشى ورا عربية “رشيد” اللي كانت بتتمايل وسط المطر وكأنها شايلة أغلى ما عنده.

فضلت باصة من الشباك، مية المطر كانت بتمسح القزاز بس مش قادرة تمسح الوجع اللي بياكل في قلبي. العربية وقفت قدام كافيه شيك أوي، ركن “رشيد” على جنب، وشوفته وهو بينزل بسرعة.. مكنش شايل هم المطر اللي بيغرق لبسه، كان شايل “الشمسية” فوق رأسها هي بس، وهي بتضحك وتتغندر في مشيتها وكأنها ملكة، وأنا اللي كنت لسه معاه من دقايق رماني في الشارع زي أي حاجة ملهاش قيمة.

دخلوا الكافيه، وفضلت أنا محبوسة في التاكسي، جسمي بيترعش من القهرة. مفيش خمس دقايق وخرج “رشيد” لوحده، شايل في إيده كوبايتين قهوة سخنة “تيك أواي”.. شوفته وهو بيجري للعربية عشان يلحق يدفيها، ركب وقفلت الأبواب عليهم، وبقيت شايفة خيالاتهم من ورا القزاز المغيم.

كان بيميل عليها، بيمسح المطر اللي لمس وشها بمنديل بكل حنية.. الحنية دي اللي كنت بشحتها منه في الأيام اللي بكون فيها تعبانة. شفت “رشيد” وهو بيقرب الكوباية من بوقها ويضحك، وكأنه بيقول لها “سلامتك من السقعة يا حبيبتي”، في الوقت اللي كانت فيه جزمي غرقانة مية وضلوعي بتخبط في بعضها من البرد في نص الشارع.

المنظر كان أصعب من الكدبة نفسها.. إنك تشوفي “عزك” ودلعك اللي كان مفروض ليكي، بيتقدم لواحدة تانية وعلى طبق من دهب، وبحجة إن “أمه بتتموت”.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

طلع النهار، والمطر كان هدي بس ساب وراه شوارع غرقانة، وزي ما الشوارع كانت مليانة طين، كان قلبي مليان قرف من “رشيد”. سمعت صوت مفتاحه الصبح بدري، دخل بوش دبلان، وعيونه حمرا من قلة النوم.. بس مش نوم المستشفيات، ده نوم “السهر والدلع”.

بص لي بطرف عينه وقال بصوت واطي: “أمي بقت أحسن شوية.. أنا هدخل آخد شاور وأنام ساعتين عشان مش شايف قدامي.”

مردتش عليه، كنت باصة للفراغ وهو بيمر من جنبي وريحة “برفانه” مختلطة بريحة مطر خفيف.. دخل الحمام وسمعت صوت المية، وساب موبايله على الكومودينو “بكل ثقة”، وكأنه ضامن إن كوثر “الهبلة” صدقت الفيلم.

فجأة، الموبايل نور.. رسالة ورا التانية. قلبي بدأ يدق، مدت إيدي وسحبته، لقيت رسايل من البنك.. رسايل “خصم مبالغ”.

فتحت الرسايل وعيني زغللت من الأرقام:

“تم سحب مبلغ …. من متجر ماركة عالمية لملابس المحجبات الساعة 10:30 مساءً.”

“تم سحب مبلغ …. من محل شنط وأحذية الساعة 11:15 مساءً.”

وقفت مكاني مذهولة.. المبالغ دي كانت “تحويشة” كنا بنشيلها عشان نجدد عفش البيت، عشان نأمن مستقبلنا. “هي” كانت بتعمل شوبينج بمزاج، و”هو” كان بيدفع بقلب جامد، في نفس اللحظة اللي كان رامي مراته في الشارع عشان يوفر لها “توصيلة” دافية!

لقيت رسالة واتساب لسه واصلة من رقم مش متسجل، بس الكلام كان يقطع النفس:

“يا بيبي بجد ميرسي على اليوم التحفة ده، واللبس اللي جبناه يجنن.. ذوقك في الدفع أحلى من ذوقك في الاختيار 😉.. نام وارتاح يا بطل.”

الموبايل وقع من إيدي على السرير، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. الحنفية اتقفلت في الحمام، وسمعت صوت “رشيد” وهو بيغني بصوت واطي وهو طالع بالبشكير، وشه منور ومنعش ولا كأنه كان في “عناية مركزة” ولا “طوارئ”.

بص لي وابتسم ببرود وقال: “إيه يا كوثر، لسه واقفة مكانك ليه؟ حضري لي فطار عقبال ما ألبس.”

بصيت له وعيوني كانت “جمر” نار، ورفعت الموبايل في وشه وقلتله بصوت مرعب من كتر الهدوء:

“الفطار جاهز يا رشيد.. بس مش على السفرة، الفطار في ‘كشف حساب البنك’.. يا ترى الشنطة اللي جبيتها لها بفلوسنا ، لونها كان ايه ؟”

هز “رشيد” كتافه بمنتهى البرود، وشد البشكير على جسمه وهو بيبصلها بنظرة كلها استهزاء، وكأن الوجع اللي في عيون “كوثر” ده “نكتة” بايخة مابقتش تضحكه.

قرّب منها لحد ما بقى وشّه في وشّها، والابتسامة الخبيثة لسه على شفايفه، وقال بصوت واطي ومليان سمّ:

“أيوة يا كوثر.. الشنطة لايقة على ‘ليلة’ جداً، واللبس اللي جه بفلوسي كان هياكل منها حتة.. عارفة ليه؟ عشان هي ست بتعرف تدلع، مش نكدية وواقفة لي في المطرة والموبايل طول الليل تراقب وتفتش ورايا.”

صوت “كوثر” اتحبس، كانت بتبصله بذهول وهي مش مصدقة إن ده الإنسان اللي عاشت معاه سنين. كمل “رشيد” بجبروت وهدر لكرامتها:

“بصي يا بنت الناس.. عشان ننهي الفيلم ده، أنا مش بس بحب ‘ليلة’.. أنا متجوزها عرفي بقالنا سنة، ولو عليا كنت خليته رسمي من أول يوم، بس الحقيقة إنتِ اللي واقفة ‘عقبة’ غلسة في طريقي.. إنتِ الغلطة اللي أهلي دبسوني فيها وقالوا لي ‘بنت أصول وهتصونك’.. صنتي إيه يا كوثر؟ إنتِ خنقتيني بوجودك في حياتي!”

مسك دراعها بقوة وهو بيضغط عليه بصباعه، وكمل إهانته اللي قطعت اللي فاضل من روحها:

“ليلة هي اللي بتعرف تخليني أحس إني راجل بجد.. هي اللي بنزل أجيب لها قهوة وأنا فرحان، وبدفع لها مبالغ وأنا مبسوط، مش زيك واقفة تحسبي لي القرش وتنكدي عليا.. لولا خوفي من كلام الناس وأهلي، كنت زماني رمتك في الشارع اللي وقفتي فيه امبارح.. إنتِ مجرد ‘خادمة’ بتطبخ وتغسل، لكن هي ‘الست’ اللي بجد.”

زقّها بعيد عنه لدرجة إنها خبطت في الكومودينو، وبدأ يلبس لبسه بمنتهى اللامبالاة المرعبة:

“روحي بقى اغسلي الهدوم المبلولة دي، وحضري لي لقمة آكلها عشان ورايا مشوار مهم مع ‘ليلة’.. وأي كلمة تانية عن ‘كشف الحساب’، صدقيني هتكون آخر كلمة تقوليها في البيت ده، وهتخرجي من هنا باللي عليكي بس.”

وقفت “كوثر” مكانها، لا دموع قادرة تنزل، ولا صرخة قادرة تطلع.. كانت حاسة إن الأرض بتتهز تحتها، وإن السنين اللي ضاعت مع “رشيد” كانت مجرد وهم أسود، وإن الشخص اللي قدامها ده “شيطان” جردها من كل كرامتها في لحظة واحدة.


بصت له “كوثر” بنظرة خالية من الروح، كأن الكلمات اللي رماها في وشها قتلت جواها آخر حتة كانت لسه باقية لشخص اسمه “رشيد”. ماردتش، ولا حتى حاولت تدافع عن نفسها، وده اللي جننه أكتر.. البرود اللي نزل عليها فجأة.

دخلت المطبخ بخطوات تقيلة، وسمعت صوته من برا وهو بيكلم “ليلة” في الموبايل، وصوته اتحول 180 درجة.. بقى ناعم، حنين، ومليان شوق:

“أيوه يا روحي.. قمت أهو، هلبس وآجي لك حالاً.. اه طبعاً، الشنطة لازم تليق عليكي، ده أنتِ اللي بتحلي الحاجه يا ليلة.. فكك منها، هي في المطبخ بتعمل اللي وراها، دي آخرها أصلاً.. استنيني.”

كوثر كانت سامعة كل كلمة وهي ماسكة السكينة بتقطع الخضار، بس إيدها كانت ثابتة بشكل مرعب. مكنتش بتعيط، الدموع نشفت واتحولت لسم بيجري في عروقها. فتحت درج المنظفات، وسحبت “مية النار” اللي كانت شايلاها عشان تسليك الحوض.. بصت للقزازة، وبصت لصورته اللي محطوطة على ثلاجة المطبخ وهما بيضحكوا يوم فرحهم.

خرجت من المطبخ وهي شايلة صينية الفطار، وحطتها قدامه ببرود. رشيد بص للصينية بقرف وقال:

“خلصي.. مش عايز تأخير، وبعد ما تفطري تلمي كل الهدوم اللي رميتيها في الأرض دي وتكويها، عشان نيرمين.. قصدي ليلة، عايزاني أسهر معاها النهاردة بقميصي الكحلي.”

كوثر قربت منه، وقفت وراه وهو بياكل بمنتهى البجاحة، وميلت على ودنه وهمست بصوت زي فحيح التعبان:

“عارف يا رشيد.. أكتر حاجة وجعتني مش إنك خونتني، ولا إنك متجوز عرفي.. اللي وجعني بجد إني ضيعت عمري مع واحد ‘رخيص’ زيك، واحد فاكر إن الرجولة بشنطة ومكالمة تليفون.. ليلة اللي أنت فرحان بيها دي، لو شافت جيبك فاضي يوم واحد، هترميلك الشمسية في وشك وتدور على ‘رشيد’ تاني يمول لها الشوبينج.”

قام وقف بعصبية وزق الكرسي: “إنتِ بتطولي لسانك يا كوثر؟ إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟”

رفعت راسها وبصت في عينه بتحدي لأول مرة:

“لا منسيتش.. أنا لسه فاكرة كويس إن الجواز العرفي ده ‘فضيحة’ لو وصل لأهلك اللي أنت خايف منهم، ولو وصل لمديرك في الشغل اللي عامل فيها ‘رجل المبادئ’.. القهوة السخنة اللي شربتها مع ليلة امبارح، هخليك تدفع تمنها ‘نار’ تحرق كل اللي بنيته يا رشيد.”

سحبت الموبايل من جيبها وورته شاشة الاتصال.. كانت بتتصل بوالده، والخط فتح.

رشيد وشه بقى لونه أزرق، وحاول يشد الموبايل منها وهي بتضحك بوجع وقهر: “الو.. أيوه يا عمي، رشيد عايز يقول لحضرتك حاجة مهمة عن ‘ليلة’ مراته.. أصل أمه تعبانة أوي في العناية يا عمي!”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

حاول رشيد يهجم على الموبايل عشان يخطفه، بس “كوثر” كانت أسرع، زقته بكل قوتها وهي عندها طاقة غريبة جاية من قهرها، وصرخت فيه بعنيها قبل لسانها.. كملت المكالمة وهي بتبص له بمنتهى التشفي:

”أيوة يا عمي.. رشيد عايز يطمنك إن الست ‘ليلة’ مراته العرفي، اللي اتجوزها من وراكم، ذوقها عالي أوي في الشوبينج، وصرفت النهاردة مبلغ محترم من تعب ابنه.. وعايز يقول لحضرتك كمان إن أمه اللي كانت بتموت امبارح في العناية، كانت مجرد ‘غطاء’ عشان يسهر مع ست الحسن والدلال!”

رشيد انهار تماماً، وبدأ يلطم على وشه بهستيريا وهو بيسمع زعيق أبوه وصدمته من ورا الخط، الأب كان بيشتمه بأبشع الألفاظ وبيحلف ليتبرأ منه ويطرده من الشركة ومن العيلة كلها.

قفلت كوثر السكة وهي بتنهج، ورمت الموبايل في ركن الأوضة.. بصت لرشيد اللي كان مرمي على الأرض وبينهج من الصدمة، وقالت له بصوت طالع من قاع بئر:

“أبُوك جاي في الطريق يا رشيد.. ومعاه مأذون، بس مش عشان يوثق جوازك من ليلة، ده عشان يوثق ‘نهايتك’ معايا ومعاهم.. الهدوم المبلولة اللي قولتلي أكويها عشان ليلة؟ أنا هكوي بيها قلبك العمر كله.”

قام رشيد زي المجنون وقرب منها وهو رافع إيده عشان يضربها، وصوته طالع مخنوق من الغل: “إنتِ خربتي بيتي! ضيعتي مستقبلي يا ……! ليلة دي ضفري بيكي وبأهلي كلهم!”

كوثر متهزتش ولا خافت، وقفت قصاده بكل ثبات وقالت له:

“اضرب يا رشيد.. اضرب عشان تثبت لنفسك إنك لسه راجل.. بس قبل ما تلمسني، افتكر إن رسالة الواتساب اللي بعتتها ليلة، وصور كشف الحساب، وفيديوهاتكم وأنت بتبوس إيدها في العربية امبارح اللي صورتها وأنا في التاكسي.. كل ده اتبعت لابوك ولاهلى وزمانهم على وصول

يعني ليلة ‘الهانم’ مش هتلاقي جيب تصرف منه النهاردة.”

وقع رشيد على الكرسي، ملامحه انطفت، وبص لها بذهول كأنه أول مرة يشوفها.. مكنتش “كوثر” الطيبة الهبلة، دي كانت “نار” حرقت الأخضر واليابس.صوت خبطات الباب كانت زلزلة في هدوء البيت اللي انهار. “رشيد” كان قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه، ومنهار حرفياً، أول ما سمع الخبط عرف إن النهاية جت.

فتح “رشيد” الباب وإيده بتترعش، لقى قدامه والده “الحاج محمود” ووشه محقن بالدم، وجنبه والد “كوثر” اللي كان واقف زي الجبل، عيونه فيها نظرة غل وحزن على بنته اللي انكسرت.

“يا واطي! يا خاين الأمانة!”.. دي كانت أول جملة نطقها والده وهو بيديله قلم لف وشه الناحية التانية. رشيد حاول يتكلم: “يا بابا اسمعني.. كوثر فاهمة غلط.. ليلة دي…”

قاطعه أبو كوثر بصوت هز الحيطان: “ليلة مين يا قليل الأصل؟ بنتي اللي شالتك في عينها، اللي كانت بتوفر معاك القرش، تروح ترميها في المطرة عشان واحدة صايعة بتصرف شقاك؟ أنا جاي آخد بنتي بكرامتها، والورقة اللي بينا وبينك تتقطع النهاردة قبل بكرة.”

الحاج محمود (حماه) بص لكوثر اللي كانت واقفة في ركن الصالة،

حقك عليا يا بنتي.. أنا اللي ربيت ومرفتش، أنا اللي قولتلك ده راجل وهيصونك.. النهاردة حقك هيرجع، والكلب ده ملوش مكان في عيلتي ولا في شركتي.”

التفت الحاج محمود لابنه وقال له بمنتهى القسوة:

“المأذون تحت في العربية.. هتطلقها حالاً، والمؤخر والقايمة وكل مليم دفعته في البيت ده، كوثر هتاخده تعويض عن ليلة السقعة والذل اللي شافتهم بسبك.. وإلا وحياة ربي هحبسك بالوصولات اللي معايا ليك في الشركة.”

رشيد انهار وبدأ يزحف تحت رجل أبوه: “يا بابا بلاش فضايح.. ليلة حامل! ليلة مش هتسيبني لو مفيش فلوس!”

هنا “كوثر” نطقت لأول مرة، ضحكت ضحكة عالية ووجيعة:

“حامل؟ مبروك يا رشيد.. بس يا ترى ليلة هتعرف تصرف على ابنك منين وأنت مطرود من شغلك ومن بيت أهلك؟ ليلة اللي كانت بتشرب القهوة السخنة امبارح، هتشربك المر لما تلاقيك ‘شحات’.. روح لها يا حبيبي، روح لليلة اللي بعتني عشانها.”

في اللحظة دي، المأذون دخل.. والمشهد كان قاسي جداً. رشيد كان بيمضي وهو بيبكي بدموع التماسيح، وكوثر كانت واقفة بتبص له بقرف، كأنها بتنفض تراب عن هدومها.

أول ما المأذون قال “أنتِ طالق”، كوثر حست بنسمة هوا باردة بس مريحة دخلت صدرها. أبوها مسك إيدها وقال لها: “يلا يا بنتي.. سيبي له البيت الفاضي ده يسكن فيه هو وشيطانه.. بيتك مفتوح لك، ورقبتي سدادة ليكي.”

وهي خارجة من باب الشقة، التفتت لرشيد اللي كان قاعد في الأرض بيعيط، وقالت له الكلمة الأخيرة:

“يا رب يا رشيد.. ليلة تدفيك كويس في الشتاء الجاي.. أصل أنا خلاص، قلبي دفي ببعدي عنك.”

الحاج محمود (أبو رشيد) وقف وبص لابنه بنظرة كلها قرف، وبعدين لفت وشه لأخوه “الحاج إسماعيل” (أبو كوثر). الصمت في الصالة كان مرعب، مفيش غير صوت أنفاس رشيد المتلاحقة وهو بيحاول يستوعب المصيبة.

الحاج محمود قرب من أخوه، ومسك إيده بتواضع وحزن:

“حقك عليا يا أخويا.. بنتك هي بنتي، والواطي ده ملوش مكان وسطينا بعد النهاردة. أنا مش بس هطلقه منها، أنا هخرجه من حياتنا ومن الشغل نهائياً.”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

رشيد صرخ بذهول: “تخرجني من الشغل يا بابا؟ أنا شايل نص الشركة! أنت ناسي إني مهندسها ومقومها على رجليها؟”

ضحك الحاج إسماعيل (أبو كوثر) ضحكة سخرية هزت كيان رشيد:

“شركة إيه اللي شايلها يا بشمهندس؟ أنت نسيت إن الشركة دي كانت بتفلس من سنتين ولولا شيكاتي اللي سدت ديون أبوك كان زمانكم في الشارع؟ نسيت إن النسبة الأكبر في العقود مكتوبة باسمي أنا وبنتي ‘كوثر’؟”

رشيد وشه بقى لونه أصفر كأنه ميت، وبص لأبوه بترجي: “بابا.. أنت قولت لي إننا شركاء بالنص!”

أبوه رد عليه بقسوة وممطلش:

“كنت فاكر إني بربي راجل يسندني ويسند عمّه اللي أنقذنا من الفضيحة والضياع.. لكن تروح تصرف فلوس الشركة وتعمل شوبينج للست ‘ليلة’ من مال عمك ومال مراتك؟ أنت من اللحظة دي ‘مرفود’.. لا ليك مكتب، ولا ليك نسبة، ولا ليك حتى اسم في العيلة دي.”

الحاج محمود كمل كلامه وهو بيزق رشيد بعيد عنهم:

“أنا بختار أخويا يا رشيد.. بختار اللي وقف جنبي في عز ما كنت هقع، مش هخسر أخويا وشريكي وسندي عشان خاطر واحد زيك، ضيع أمانته وباع شرفه عشان واحدة رخيصة.. خليه هو ينفعك، وخلّي ‘ليلة’ تصرف عليك من هنا ورايح.”

كوثر كانت واقفة بتتفرج على “هدم” مملكة رشيد الورقية.. شافت “البرستيج” اللي كان بيذلها بيه وهو بيتداس تحت جزمة أبوها وعمها.

أبوها مسك إيدها وقال بحدة لرشيد:

“المأذون وقع الورقة خلاص.. ومن بكرة المحامي بتاعي هيصفي حساباتك في الشركة ‘بالسالب’.. يعني هتخرج من هنا مديون لينا بمليم، ووريني ليلة هتعمل معاك إيه لما المحضر يخبط على بابها.”

خرجوا كلهم وسابوا رشيد في نص الشقة الفاضية، اللي مابقاش يملك فيها حتى “الكنبة” اللي قاعد عليها.


خرج رشيد من الشقة وهو بيجر رجليه، الدنيا اسودت في عينه، مابقاش قدامه غير “ليلة”.. الملاذ الأخير، الست اللي باع عشانها أهله ومراته ومستقبله. كان واهم نفسه إن “الحب” اللي بينهم هو اللي هيصبره على الفقر اللي جاي.

وصل رشيد تحت بيتها، والمطر بدأ ينزل خفيف كأنه بيفكره بليلة امبارح. طلع السلم وهو بيلهث، خبط على الباب بلهفة، فتحت “ليلة” وهي لابسة الطقم الغالي اللي جابهولها امبارح، وكانت لسه بتحط ميكب عشان خارجة.

بصت له باستغراب وقالت ببرود: “إيه ده يا رشيد؟ أنت مش قولت وراك شغل ومقابلات؟ وإيه المنظر ده؟ مالك مبهدل كدة ليه؟”

ارتمى في حضنها وهو بيبكي بهستيريا: “خسرت كل حاجة يا ليلة.. أبويا طردني، وعمي خد الشركة مني، وطلقت كوثر ورمتني على الحديدة.. مابقاش ليا غيرك يا حبيبتي، أنا جيت أعيش معاكي هنا، ونبدأ من الصفر سوا.”

ليلة اتصلبت مكانها، وزقته عنها ببطء وهي بتبص له بنظرة “قرف” حقيقية:

“تبدأ من الصفر؟ يعني إيه؟ يعني مفيش شركة؟ مفيش فيزا؟ مفيش شوبينج؟”

رشيد بصلها بذهول: “بقولك ضحيت بكل حاجة عشانك! أهلي اتبروا مني يا ليلة!”

ضحكت ليلة ضحكة رخيصة هزت كيانه، وقالت له وهي بتفتح الباب على آخره:

“تضحي بمين يا حبيبي؟ أنت فاكر نفسك قيس وليلى؟ أنا كنت معاك عشان ‘الباشمهندس رشيد’ اللي جيبه عمران، مش عشان ‘رشيد الشحات’ اللي مديون لعمّه.. الصفر ده تبدأه لوحدك يا بابا، أنا لسه صغيرة وعايزة أعيش حياتي.”

رشيد وقف مذهول: “بس أنا متجوزك عرفي! وليكي حق عليا!”

طلعت ليلة ورقة العرفي من شنطتها، وقطعتها قدام عينه ميت حتة ورمتها في وشه:

“الورقة دي بلها واشرب ميتها.. مكنتش متوثقة أصلاً ولا حد يعرف عنها حاجة.. يلا يا شاطر، ورايا خروجة مهمة مع ناس ‘مقامهم عالي’، مش فضيا لك.”

قفلت الباب في وشه بـ “رزعة” سمعت في العمارة كلها. وقف رشيد على السلم، الورق المقطع تحت رجله، والضلمة محاوطاه من كل ناحية.

في نفس اللحظة، كانت “كوثر” واقفة في بلكونة بيت أبوها، شربت بق قهوة سخنة وهي بتبص للمطر بابتسامة صافية. الموبايل رن، كان المحامي بيقول لها: “مبروك يا مدام كوثر، الشركة كلها بقت تحت إيدِك رسمي، ورشيد عليه حكم قضائي برد المبالغ اللي سحبها.. يعني مش هيلاقي حتى تمن القهوة اللي شربها مع ليلة.”

قفلت كوثر الموبايل، وخدت نفس عميق، وحست إن المطر المرة دي مابيرعش جسمها.. ده بيغسل روحها من كل أثر لـ “رشيد”.

تمت 


تعليقات

التنقل السريع