القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جوزي بيسرق




جوزي بيسرق




في الليلة دي، حسيت إن قلبي هيقف من مكانه… رجلي كانت بتترعش، ونفَسي مكتوم، وعيني لازقة في فتحة الباب كأني خايفة لو رمشت تفوتني الحقيقة… بس الحقيقة نفسها كانت تقيلة أوي… تقيلة لدرجة إني تمنيت في اللحظة دي أكون غلطانة، أكون شكاكة، أكون مجنونة… أي حاجة إلا اللي شوفته.


جوه… على الكنبة القديمة اللي في صالة بيت حماتي… كان فيه طفل.


طفل صغير… أصغر من بنتي كمان.


ملفوف في بطانية قديمة، وشه أبيض وشاحب، وبيعيط بصوت مبحوح كأنه بقاله ساعات بيصرخ ومفيش حد سامعه. وحماتي… كانت قاعدة جنبه، بإيدين بترتعش، وبتفتح كيس اللبن اللي جابه تامر… وبتحاول ترضعه بالببرونة.


تامر كان واقف قصادها، وشه مكسور، وعينه مليانة دموع، وبيقول لها بصوت مخنوق:

"— بالراحة يا أمي… الدكتور قال ماينفعش يشرب بسرعة…"


حماتي ردت وهي بتنهج:

"— أنا خايفة يروح مني يا تامر… زي ما أمه راحت…"


الكلمة دي وقعت عليا زي الصاعقة… "أمه راحت؟!"


حسيت إن رجلي مش شايلاي، بس فضلت مكاني، مش قادرة أتحرك ولا أصرخ… كأني بقيت تمثال.


تامر قعد جنب الطفل، مسك إيده الصغيرة، وباسها وهو بيهمس:

"— أنا وعدتك يا حسن… مش هسيبك… حتى لو على حساب نفسي."


حسن؟! مين


حسن؟!


في اللحظة دي، الباب خبط في إيدي غصب عني… صوت خفيف، بس كان كفاية يخلي تامر يلف فجأة ناحيته. عينه جت في عيني… واتجمد مكانه.


ثواني عدت كأنها سنين… وبعدين جري عليا، فتح الباب، وقال بصدمة:

"— نيرمين؟!"


أنا مقدرتش أتكلم… كل اللي قدرت أعمله إني أشاور على الطفل وأقول بصوت مكسور:

"— ده مين…؟ واللبن بتاع بنتي بيعمل إيه هنا؟!"


حماتي قامت بصعوبة، قربت مني، وكانت عينيها مليانة دموع، وقالت:

"— سامحينا يا بنتي… والله غصب عننا…"


صرخت فيها:

"— غصب عنكم إيه؟! بنتي بتنام جعانة عشان إنتوا ترضعوا طفل مش فاهمة هو مين أصلاً؟!"


تامر مسك كتافي يحاول يهديني، بس زقيته بكل قوتي وقلت له:

"— إنت كدبت عليا! بتسرق مني ومن بنتك! إيه اللي يخليك تعمل كده؟!"


سكت لحظة… وبعدين قعد على الأرض، سند راسه على الحيطة، وقال بصوت متكسر:

"— ده ابني يا نيرمين…"


الكلمة دي خلت الدنيا تلف بيا… حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.


"— ابنك؟! ابنك إزاي؟!"


بصلي بعين مليانة ندم وقال:

"— 

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بص ناحية الطفل وهو بيعيط، وقال:

"— روحت شفته… كان بيموت من البرد والجوع… مقدرتش أسيبه…"


حماتي كملت وهي بتمسح دموعها:

"— جبناه هنا عشان نرعاه…


بس الدكتور قال لازم لبن طبيعي… وأنا عارفة إنك بتشفطي لبن لبنتك… قولت لتامر… يمكن ينقذ روح الطفل ده…"


صرخت:

"— على حساب بنتي؟! بنتي أولى!"


تامر رد بسرعة:

"— والله ما كنت بسيبها جعانة… كنت بسيب لها كفاية… والباقي…"


قاطعته وأنا بصوت كله ألم:

"— بس إنت ما سألتنيش! ما وثقتش فيا! خبيت عليا أكبر سر في حياتك!"


سكت… وما ردش.


بصيت للطفل… كان لسه بيعيط، صوته ضعيف… إيده الصغيرة بتتحرك في الهوا كأنه بيستغيث… وفي لحظة غريبة… قلبي شد ناحيته.


افتكرت بنتي… لو كانت هي اللي في مكانه؟ لو كانت لوحدها؟ لو كنت أنا اللي مش موجودة؟


رجلي خدتني ناحيته من غير ما أفكر… شيلته… كان خفيف أوي… أضعف مما تخيلت… حطيته على صدري… وسكت شوية.


حماتي بصتلي بترقب… وتامر واقف مش فاهم أنا هعمل إيه.


بصيت له وقلت:

"— اسمه حسن؟"


هز راسه.


قلت بهدوء غريب:

"— حسن مش ذنبه… ولا بنتي ذنبها… ولا حتى أنا."


قربت من تامر وبصيت في عينه وقلت:

"— اللي عملته غلط… كبير… بس لو كنت جيت وقولتلي من الأول… كنت هساعدك… مش هحرم طفل من حياته."


دموعه نزلت وهو بيقول:

"— يعني… مش هتمشي؟"


بصيت له بحزن وقلت:

"— كنت همشي… وقلبي مكسور… بس الطفل ده…


لو سبتوه… هيموت… وأنا مش قادرة أعيش وأنا عارفة إني سيبته يموت."


حماتي انهارت في العياط، وقالت:

"— ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي…"


خدت نفس عميق وقلت:

"— بس في شرط… مفيش كدب تاني… مفيش أسرار… إحنا هنربي الاتنين سوا… يا نكون عيلة بجد… يا كل واحد يروح لحاله."


تامر قرب مني، مسك إيدي، وقال:

"— أوعدك… من النهارده مفيش حاجة هتتخبى."


بصيت لحسن… وبعدين تخيلت بنتي ليلى… وقلت في سري:

"يمكن ربنا كتب لي أمومة مضاعفة… مش اختيار… بس اختبار."


ومن الليلة دي… رجعنا البيت… وأنا شايلة حسن… وتامر شايل شنطة اللبن… وحماتي ماشية ورانا بتدعي.


كانت ليلة صعبة… مليانة وجع وخيانة… بس كمان كانت بداية لحكاية تانية… حكاية عيلة اتكسرت… بس قررت تتجمع من تاني… عشان روحين صغيرين ملهمش ذنب في أي حاجة.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

رجعنا البيت في الليلة دي وأنا شايلة "حسن" على صدري… وقلبي مش عارفة هو موجوع أكتر ولا حنين أكتر… الإحساسين كانوا داخلين في بعض لدرجة إني مش قادرة أفصلهم. "ليلى" كانت نايمة جنب أمي، وشها هادي كأنها ملاك، فبصيت لها وبعدين بصيت لحسن اللي بين إيديا، وقلت لنفسي: “الاتنين بقوا أمانة في رقبتي… حتى لو واحد فيهم جه من وجع والتاني من


فرحة.”


أول ليلة كانت صعبة أوي… حسن مكنش متعود على المكان، فضل يعيط كتير، وأنا بينه وبين ليلى تايهة… أهدّي


 دي وأرضّع دي… وأمي قاعدة تبصلي بحزن وسؤال كبير في عينيها، بس ساكتة مستنية مني أتكلم. ولما دخلنا الأوضة أنا وتامر، وقفل الباب، سألته بهدوء مخيف:

"— كل اللي قولته ده… ده كل حاجة؟ ولا فيه حاجات تانية لسه مخبيها؟"


بص في الأرض وقال:

"— دي كل الحقيقة… والله."


قلتله وأنا عيني في عينه:

"— طيب اسمع بقى… أنا مش ضعيفة… ومش غبية… أنا وافقت أدي فرصة عشان طفل مالوش ذنب… مش عشانك. لو في أي كدبة تانية… أنا همشي من غير ما أبص ورايا."


هز راسه بسرعة، وقرب كأنه عايز يمسك إيدي، بس سحبتها بهدوء وقلت:

"— لسه بدري."


عدت الأيام… وبقى عندي طفلين بدل واحد… وفعلاً، جسمي بدأ يتعب… اللبن مبقاش مكفي الاتنين بسهولة، والسهر بقى مضاعف، بس الغريب إن قلبي… قلبي بدأ يتغير.


حسن بقى يتعلق بيا بشكل غريب… أول ما يشوفني يسكت، وأول ما أحضنه ينام… كأنه حاسس إني أمه، أو يمكن بيتعلق بأي حضن دافي بعد ما اتحرم. وفي مرة وأنا برضعه، لقيت دموعي بتنزل من غير ما أحس… مش زعل… حاجة شبه الوجع اللي بيتحول


لحب غصب عنك.

بس مش كل حاجة كانت بتمشي بسلاسة.


حماتي "درية" بقت تيجي كل يوم تقريبًا… في الأول كنت متقبلاها عشان خاطر حسن، بس مع الوقت بدأت أحس إنها بترجع لطبعها القديم… تدخل في كل حاجة، تعلق على تربيتي، تقارن بين حسن وليلى، وتقول كلام زي:

"— حسن غلبان… اتحرم من أمه… لازم نهتم بيه أكتر."


الكلام ده كان بيجرحني… لأن ليلى كمان طفلة، ومش ذنبها إن عندها أم موجودة.


وفي يوم، وأنا واقفة في المطبخ، سمعتها بتقول لتامر بصوت واطي:

"— لازم تسجل حسن باسمك بسرعة… قبل ما أي حد يظهر ويطالب بيه."


اتجمدت مكاني… حسيت إن فيه حاجة تاني مستخبية.


استنيت لما مشيت، وروحت لتامر وقلتله:

"— مين اللي ممكن يطالب بحسن؟"


ارتبك… ودي كانت نفس النظرة اللي شفتها يوم ما كدب عليا أول مرة.


قلبي وقع… وقلت بصوت حاد:

"— إتكلم!"


سكت لحظة… وبعدين قال:

"— سمر… كان ليها أخ… مسافر بره… ولما عرف بوفاتها، حاول يوصل لي… بس أنا تجاهلت."


"— تجاهلت؟! يعني ممكن ييجي ياخده؟!"


"— معرفش… بس احتمال…"


حسيت إن


الأرض بتتهز تاني تحت رجلي… الطفل اللي بدأت أحبه… ممكن يتاخد مني؟

عدت الأيام وأنا عايشة على أعصابي… كل خبطه على الباب تخضني… كل رقم غريب يخوفني… لحد ما في يوم… الباب خبط فعلًا.


تامر فتح… وفضل واقف ساكت… وأنا من جوه سامعة صوت راجل بيقول:

"— أنا عايز ابني أختي."


جريت على الباب… ولقيت راجل واقف… ملامحه قاسية، وعينه فيها حزن وغضب في نفس الوقت.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بصلي وقال:

"— إنتِ نيرمين؟"


هزيت راسي.


قال:

"— أنا خال حسن… وجيت آخده."


حضنت حسن جامد من غير ما أحس… كأن حد بيحاول يشده مني.


تامر حاول يتكلم:

"— اسمع بس…"


الراجل قاطعه بعصبية:

"— مفيش كلام! إنت سبت أختي تموت لوحدها! ودلوقتي فاكر نفسك أب؟!"


الكلام كان زي السكاكين… بس أنا مقدرتش أسكت… قربت خطوة وقلت بثبات:

"— وحسن ذنبه إيه؟ يتاخد من حضن اتعود عليه؟ من بيت بدأ يحس فيه بالأمان؟"


بصلي باستغراب… كأنه مش متوقع ردي.


كملت:

"— لو إنت خايف عليه… إحنا كمان خايفين… لو إنت عايزه يعيش كويس… إحنا بالفعل بنحاول… بس لو خدته كده فجأة…


إنت بتعاقبه مش بتنقذه."

سكت… وبص لحسن… اللي كان مستخبي في حضني وبيبص له بخوف.


ثواني عدت… وبعدين قال بهدوء أخف:

"— وأنا أضمن إيه إنه يعيش كويس هنا؟ مع واحد خان أختي؟"


بصيت لتامر… وبعدين رجعت له وقلت:

"— تضمني أنا."


الكلمة خرجت مني من غير تفكير… بس كانت صادقة.


"— أنا مش هسيب طفل يتكسر قدامي… لا ده ولا دي."


فضل باصص لي شوية… وبعدين قال:

"— أنا مش هاخده دلوقتي… بس هرجع… ولو حسيت إنه مش في أمان… هخده غصب عن الكل."


هزيت راسي:

"— ده حقك."


ومشي.


قفلت الباب… ووقتها بس حسيت بقوتي كلها وقعت… قعدت على الأرض وأنا حضنة حسن وليلى جنبي… ودموعي نازلة.


تامر قرب وقال:

"— أنا آسف…"


بصيت له وقلت بتعب:

"— الأسف مش كفاية… بس يمكن… يمكن نبدأ من جديد… بس المرة دي بجد."


ومن اليوم ده… حياتنا اتغيرت تاني.


بقينا عيلة… مش كاملة… مش مثالية… فيها وجع، وفيها أخطاء، وفيها خوف من بكرة… بس فيها كمان حاجة أقوى…


فيها قرار.


قرار إني أكون أم… مش بس للي جبتها… لكن كمان للي الحياة رمتُه


في طريقي…

وقرار إن الثقة… لو اتكسرت مرة… ممكن تتصلح… بس عمرها ما ترجع زي الأول… وده تمن لازم يتدفع… كل يوم.

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close