القائمة الرئيسية

الصفحات

 عرسي اتلغي 



عرسي اتلغي 


دخلنا المست’شفى بسرعة جنونية، باب عربية الإسع’اف اتفتح قبل ما العربية تقف تمامًا، والمم’رضين كانوا مستنيين بالعربة المتحركة. شالوا ملك من على السرير الصغير اللي في الإس’عاف وجريوا بيها ناحية الطو’ارئ وأنا وراهم شبه تايهة، رجلي بتجري لكن ’دماغي مش مستوعب اللي بيحصل. الدنيا حواليا كانت ضباب. أ’صوات ناس. أجهزة. دكاترة بيقولوا كلم’ات مش فاهمة معناها. كل اللي كنت شايفاه هو بنتي الصغيرة ممددة قدا’مي، وشها شاحب وأن’فها تحت ’ماسك الأكسجين.

دخلوا غرفة الطوارئ وقفّلوا الباب في وشي.

وقفت برا… وظهري للحائط… وإيديا بتترع’ش لدرجة إني ما كنتش قادرة أمسك الموبايل.

بعد شوية وصلت حماتي.

دخلت المست’شفى وهي بتله’ث… وبصتلي ’بنظرة غريبة، نصها غضب ونصها خوف.

قالت:

— عملتي فضي’حة على الفاضي.’ البنت كانت نايمة بس.

بصيتلها وأنا مش قادرة أتكلم.

في اللحظة دي حسيت إن في نار جوا صدري.

لكن كنت خايفة أتكلم… خايفة أسيب باب الطوار’ئ لحظة واحدة.

عدت عشر دقايق…

حسيتهم كأنهم عشر سنين.

وبعدين خرج دكتور شاب، وشه جدي جدًا.

سأل:

— أم الطفلة مين؟

رفعت إيدي وأنا بقول:

— أنا.

قال:

— تعالي معايا.

دخلت وراه غرفة صغيرة.

كانت ملك على سرير صغير حوالينها أجهزة.

جهاز بيراقب القلب.

جهاز أكسجين.

وأنبوبة صغيرة في إيديها.

قلبي اتكسر ’لما شوفتها بالحجم ده وسط كل الأجهزة.

الدكتور قال بهدوء:’

— احنا قدرنا نرجّع الت’نفس الحمد لله.

دموعي نزلت فورًا.

لكن كلامه ما خلصش.

قال:

— بس لازم تعرفي إن الطفلة كان عندها اخ’تناق شدي’د.

سكت لحظة وبص في الملف.

— الضغط اللي حصل على صدرها ورقبتها بسبب الربط منعها من التنفس الطبيعي. لو كنتي اتأخرت شوية… كان ممكن يحصل توقف كامل للقلب.

رجلي ضعفت.

قعدت على الكرسي.

قلت بصوت مكسور:

— هي هتعيش؟

الدكتور رد:

— إن شاء الله… لكن لازم تفضل تحت الملاحظة 24 ساعة.

في اللحظة دي دخلت ممرضة وقالت:

— في حد من الشرطة عايز يتكلم مع حضرتك.

رفعت عيني باستغراب.

— شرطة؟

الدكتور قال:

— المستشفى ملزمة تبلغ لما ييجي طفل في حالة اختناق أو إصابة مش واضحة السبب.

بعد دقائق دخل ظابط شاب ومعاه دفتر صغير.

سألني بهدوء:

— ممكن تحكيلي حصل إيه بالظبط؟

حكيت كل حاجة.

من أول ما خرجت الشغل… لحد ما فتحت الباب وشوفت بنتي مربوطة.

الظابط كان بيسجل كل كلمة.

بعد ما خلصت… سأل:

— مين اللي عمل كده؟

قلت وأنا ببص ناحية الباب:

— حماتي.

في اللحظة دي كانت واقفة برا الغرفة.

دخلت وهي متعصبة وقالت:

— إيه الكلام ده؟! أنا مربتش حد! أنا بس حاولت أهديها!

الظابط بص لها وقال بجدية:

— حضرتك ربطتي الطفلة؟

قالت بسرعة:

— زمان كانوا بيعملوا كده! علشان الطفل ينام!

رد عليها:

— الطفلة كانت هتموت.

سكتت.

بعد شوية الظابط قال:

— للأسف لازم نحرر محضر بالواقعة.

حماتي بصتلي بصدمة.

وقالت:

— انتي هتوديني السجن؟

ما رديتش.

كنت باصة لملك.

في اللحظة دي دخل جوزي محمد وهو بيجري.

كان واضح عليه الرعب.

أول ما شاف الأجهزة حوالين بنته وقف مكانه كأنه اتشل.

قال بصوت مكسور:

— ملك…

قرب من السرير وباس راسها الصغيرة.

وبعدين لف ناحيتي.

— حصل إيه؟

حكيت له.

وشه اتغير.

بص لأمه.

ولأول مرة في حياتي شفته بيصرخ فيها.

— انتي اتجننتي؟!

قالت وهي بتعيط:

— كنت عايزة أخليها تنام بس!

رد بغضب:

— دي طفلة عمرها 3 شهور!

الظابط وقف بينهم وقال:

— يا جماعة لو سمحتوا.

وبعدين قال لمحمد:

— حضرتك والد الطفلة؟

— أيوه.

— احنا مضطرين نحقق في الموضوع.

محمد سكت لحظة.

وبعدين قال جملة أنا عمري ما هنساها.

قال:

— اعملوا اللي لازم يتعمل.

حماته بصت له بصدمة.

— محمد! أنا أمك!

رد بصوت هادي لكن حاسم:

— ودي بنتي.

سكتت.

الدقائق بعدها كانت تقيلة جدًا.

الممرضة قالت إن ملك بدأت تتنفس بشكل أفضل.

لكن لازم تفضل في العناية.

عدت ساعات طويلة.

كنت قاعدة جنب السرير… ماسكة صباعها الصغير.

كل شوية أبص على صدرها علشان أتأكد إنه بيتحرك.

محمد كان واقف جنب الشباك ساكت.

حوالي الساعة اتنين الفجر دخل الدكتور تاني.

وقال:

— عندي خبر كويس.

بصينا له بسرعة.

— الطفلة خرجت من مرحلة الخطر.

انفجرت في العياط.

محمد حضني لأول مرة من ساعات.

لكن القصة ما انتهتش هنا.

تاني يوم الصبح دخلت ممرضة وقالت إن في أخصائية اجتماعية عايزة تقابلنا.

الأخصائية قالت إن الحالة هتتحول للتحقيق لأن فيه شبهة إهمال وتعريض طفل للخطر.

حماتي كانت قاعدة في الكرسي بعيد.

وشها شاحب.

قالتلي بصوت واطي:

— انتي هتخربي بيت ابنك علشاني؟

بصيت لها.

وقلت:

— البيت اتخرب لما بنتي كانت بتموت.

بعد أيام خرجت ملك من المستشفى.

لكن التحقيق استمر.

النيابة استدعتنا كلنا.

التقرير الطبي كان واضح.

الربط سبب اختناق شديد.

وكان ممكن يؤدي للوفاة.

حماتي حاولت تقول إنها ما كانتش تقصد.

لكن القانون ما اهتمش بالنية.

الحكم صدر بعد شهور.

وقف التنفيذ مع منعها من رعاية الأطفال.

ومن يومها… ما دخلتش بيتنا تاني.

الناس كتير قالت إني قاسية.

لكن كل مرة أبص فيها لملك وهي بتضحك دلوقتي…

وأفتكر لون شفايفها الأزرق في اليوم ده…

بعرف إني عملت الصح.

النهارده ملك عندها سنتين.

بتجري في البيت وتضحك طول الوقت.

وكل مرة تتحرك فيها…

بفتكر الجملة اللي قالتها حماتي يومها:

“الأطفال مايتحركوش بالشكل ده.”

وأبتسم.

لأن الحقيقة…

الأطفال لازم يتحركوا.

لازم يضحكوا.

لازم يعيشوا.

وواجبنا نحميهم…

حتى لو كان الخطر جاي من أقرب الناس.


باب القاعة اتفتح فجأة والكل لف ناحية الصوت لأن دخول الشخص ده ماكانش متوقع خالص في اللحظة دي رجل طويل في أواخر الخمسينات لابس بدلة رمادي غامق أنيقة وشعره فيه شوية شيب لكن حضوره كان قوي لدرجة إن المكان كله سكت في ثانية كان هو الحاج عبد الرحمن الكيلاني واحد من أكبر رجال الأعمال في المحافظة وراعي بناء الجامع الكبير اللي جنب القاعة واللي الناس كلها بتحترمه فيه دخل بخطوات ثابتة وهو باصص حواليه وكأنه لاحظ التوتر اللي في المكان أول ما عينه وقعت على سارة واقفة قدام المراية وفستانها مقطوع وعينيها فيها صدمة سكت لحظة وبعدين قال بهدوء لكن صوته كان واضح في الغرفة كلها إيه اللي حصل هنا محدش رد في الأول أحمد كان واقف ولسه إيده جنب الفستان كأنه لسه مستوعب اللي عمله أم سارة الحاجة فاطمة كانت بتحاول تجمع الورد من الأرض وإيديها بترتعش وصيفات العروسة واقفين جنب الباب مش عارفين يتحركوا ولا يتكلموا عبد الرحمن قرب خطوة وقال بنبرة أقوى أنا سألت سؤال واضح إيه اللي حصل هنا أحمد حاول يتماسك وقال ببرود مفيش حاجة يا فندم بس الفستان كان مش مناسب شوية فحبيت أصلحه قبل ما العروسة تطلع عبد الرحمن بص له نظرة طويلة وقال أصلحه أحمد رد بسرعة أيوه أصلحه بس القماش اتقطع بالغلط في اللحظة دي سارة بصت لنفسها في المراية تاني وشافت الفستان الأبيض اللي بقى فيه شق طويل من الكتف لحد الخصر لكن الغريب إنها ماحستش بالعياط اللي كانت متوقعة ييجي بدل كده كان في هدوء بارد بيتسلل لجسمها كأن مخها أخيرًا فهم حاجة كان رافض يشوفها من سنين عبد الرحمن لف ناحيتها وقال بلطف انتي العروسة يا بنتي سارة هزت راسها أيوه يا عمي قال لها الفستان ده اتقطع إزاي بصت لأحمد لحظة وبعدين قالت بصراحة العريس قطعه عبد الرحمن سكت لحظة كأنه بيستوعب الجملة وبعدين بص لأحمد وقال حضرتك عملت كده أحمد اتنحنح وقال كنت بحاول أصلح حاجة بسيطة بس هي مكبرة الموضوع عبد الرحمن قال بهدوء حاجة بسيطة تمزيق فستان عروسة قبل الفرح أحمد رد بنبرة دفاعية حضرتك مش فاهم العيلة عندنا محافظة والفتحة في الفستان كانت ملفتة زيادة سارة حست إن الكلام ده سمعته قبل كده كتير قوي في حياتها كل مرة كان في حاجة فيها لازم تتغير علشان تناسب حد تاني مرة ضحكتها مرة شغلها مرة أصحابها ومرة لبسها عبد الرحمن بص للفستان الممزق وبعدين قال حاجة غريبة خلت كل اللي في الغرفة يبصوا له قال أنا شوفت الفستان ده قبل كده الكل استغرب أحمد قال قبل كده إزاي عبد الرحمن رد لأن المحل اللي اتفصل فيه الفستان ده واحد من المشاريع اللي أنا ساهمت فيها في دعم الحرفيين الشباب صاحبة المحل بنت يتيمة بدأت مشروعها بدعم من صندوق خيري أنا بساعد فيه وسارة لما اختارت الفستان كانت فرحانة بيه جدًا لدرجة إنها بعتت صورة للمحل يشكروها على الاختيار وصاحبة المحل وريتهالي بفخر لأنها قالت إن العروسة دي كانت أول زبونة تختار التصميم الجديد أحمد بدأ يتوتر وقال يعني إيه الكلام ده عبد الرحمن قال يعني الفستان ده مش مجرد قماش ده شغل ست شهور لبنات بيشتغلوا بإيديهم علشان يعيشوا وبص لسارة وقال وانتي اخترتيه لأنك حبيتيه مش كده سارة هزت راسها أيوه قال لها تحبي تلبسيه النهاردة لو كان سليم سارة قالت أيوه طبعًا عبد الرحمن بص لأحمد وقال يبقى السؤال الحقيقي ليه يتمزق فستان عروسة في يوم فرحها أحمد قال بعصبية حضرتك مكبر الموضوع ده بيني وبين خطيبتي عبد الرحمن رد ببرود واضح إن الموضوع أكبر من فستان يا ابني لأن اللي يكسر حاجة بالشكل ده قبل الجواز لازم نسأل هيكسر إيه بعد الجواز سكتت الغرفة كلها بعد الجملة دي أحمد اتضايق وقال لو سمحت يا فندم ده موضوع عائلي عبد الرحمن قال وأنا دخلت لأن القاعة دي جزء من وقف خيري وأنا مسئول عن اللي يحصل فيها خصوصًا لو في إهانة لبنت في ليلة فرحها سارة حست إن قلبها بيدق بسرعة لكن نفس البرود اللي حسّت بيه قبل لحظات كان لسه موجود عبد الرحمن قرب خطوة منها وقال بصوت هادي انتي زعلانة على الفستان ولا على حاجة أكبر سارة بصت في عينيه لحظة وبعدين قالت الحقيقة يا عمي أنا زعلانة إني ما فهمتش بدري إن حياتي هتكون كده طول العمر أحمد قال بعصبية يعني إيه الكلام ده سارة لفت ناحيته وقالت يعني إن اللي يعمل كده قبل الفرح ممكن يعمل أسوأ بعده أحمد قال ده فستان بس سارة ردت لا مش فستان بس ده احترام أحمد حاول يضحك بس ضحكته كانت متوترة وقال يعني هتسيبي الفرح علشان خيط اتقطع سارة بصت له وقالت الخيط ده كان آخر خيط رابطني بالقرار ده الغرفة كلها سكتت تاني أمها الحاجة فاطمة بصت لها بقلق وقالت يا بنتي فكري كويس الناس كلها تحت سارة قربت من أمها ومسكت إيديها وقالت بهدوء يا أمي الناس مش هي اللي هتعيش حياتي عبد الرحمن كان واقف ساكت يراقب المشهد بعينين هاديتين أحمد قال بغضب يعني خلاص الفرح هيتلغى سارة بصت له وقالت أيوه أحمد ضحك بس الضحكة دي كانت مليانة توتر وقال ماشي يا سارة بس افتكري إنك ضيعتي فرصة كويسة سارة ردت بهدوء يمكن ضيعت فرح بس كسبت حياتي عبد الرحمن ابتسم ابتسامة خفيفة وبعدين قال جملة خلت الكل يستغرب قال طيب بما إن الفرح اتلغى أحب أقول حاجة سارة بصت له باستغراب قال أنا عندي بنت كانت في سنك لو كانت عايشة كان زمانها دلوقتي عروسة زيك بس ربنا اختار لها طريق تاني من سنين وأنا بحاول أساعد بنات كتير يقفوا على رجليهم علشان محدش يحس إنه مجبر يعيش حياة مش عايزها بص لسارة وقال لو حبيتي تكملي تعليمك أو مشروعك أنا مستعد أساعدك كهدية مش تعويض عن الفستان لكن دعم لبداية جديدة مي ودينا بصوا لبعض بدهشة أم سارة دموعها نزلت بهدوء أحمد وقف ساكت مش مصدق اللي بيحصل سارة حست إن صدرها أخيرًا اتفتح بعد سنين من الضغط قالت بهدوء شكراً يا عمي بس أهم حاجة أنا خدتها النهاردة قال لها إيه هي قالت الشجاعة إن الواحد يقول لا لما لازم يقولها عبد الرحمن هز راسه وقال دي أغلى حاجة ممكن يملكها الإنسان بعد نص ساعة خرجت سارة من القاعة بفستانها الممزق لكنها كانت ماشية بثقة غريبة الناس اللي كانوا تحت مستنيين الفرح سمعوا إن العرس اتلغى بعضهم اندهش وبعضهم اتكلم لكن سارة كانت ماشية جنب أمها وهي حاسة لأول مرة إن الطريق اللي قدامها بقى واضح بعد شهور بدأت سارة شغلها في تصميم الأزياء وساعدها عبد الرحمن بالفعل في فتح ورشة صغيرة لدعم البنات اللي بيحبوا الحرفة دي وبعد سنة كاملة علقت أول فستان زفاف صممته بإيديها في واجهة المحل وكتبت تحته جملة صغيرة الفستان ممكن يتقطع لكن الكرامة لو اتقطعت صعب تتخيط تاني.

مرّت شهور بعد اليوم اللي اتلغى فيه الفرح…

وفي البداية كانت الأيام تقيلة على سارة بشكل ما كانتش متخيلاه.

كل ما تمشي في الشارع وتحس بنظرات الناس… كانت بتسمع الهمس:

“دي العروسة اللي فرحها اتلغى.”

“دي اللي سابت العريس يوم الفرح.”

في الأول الكلام كان بيوجعها.

كانت ترجع البيت وتقعد في أوضتها ساكتة… تبص للفستان الممزق اللي كانت محتفظة بيه في كيس كبير.

الفستان اللي كان المفروض يبقى ذكرى أجمل ليلة…

بقى ذكرى أصعب قرار في حياتها.

لكن الحاجة فاطمة كانت دايمًا تقولها:

— يا بنتي… ربنا ما بيكسرش قلب حد إلا علشان يعوضه بحاجة أحسن.

سارة كانت تهز راسها… بس ما كانتش قادرة تصدق الكلام بسهولة.

لحد ما جاء اليوم اللي غير كل حاجة.

بعد حوالي تلات شهور…

اتصل بيها الحاج عبد الرحمن.

قال لها:

— يا بنتي… المشروع اللي كنا بنتكلم عنه جاهز. لو حابة تبدأي، المكان موجود.

سارة ترددت لحظة.

كانت طول عمرها بتحب التصميم… لكن عمرها ما فكرت إن الموضوع ممكن يبقى شغل حقيقي.

لكن لما دخلت الورشة لأول مرة…

حسّت بشعور غريب.

ريحة القماش الجديد.

صوت ماكينات الخياطة.

وبنات قاعدين حوالين طاولة كبيرة بيرسموا تصاميم.

واحدة منهم رفعت راسها وقالت بابتسامة:

— حضرتك سارة؟ إحنا سمعنا عنك.

سارة استغربت.

— سمعتم عني إزاي؟

البنت قالت:

— حضرتك اللي وقفت قدام الكل يوم الفرح ورفضتي الإهانة.

سارة سكتت لحظة.

ولأول مرة…

حسّت إن اللي حصل ماكانش فضيحة.

كان موقف.

من اليوم ده بدأت تشتغل بجد.

كانت بتقعد ساعات طويلة ترسم تصاميم جديدة.

وتتعلم من الخياطين.

وتتابع كل تفصيلة.

أول فستان صممته بنفسها…

كان بسيط جدًا.

لكن لما لبسته بنت صغيرة جاية تشتري فستان خطوبة…

عيونها لمعت.

وقالت:

— أول مرة أحس إن الفستان معمول علشاني.

في اللحظة دي…

سارة حسّت بحاجة دافيه في قلبها.

كأن ربنا بيقول لها:

“شايفة؟ الطريق ده كان مستنيكي.”

بعد سنة واحدة…

المحل بقى معروف.

والناس بدأت تيجي مخصوص علشان تصاميم سارة.

لكن العوض الحقيقي…

ما كانش الشغل.

كان في يوم عادي جدًا.

كانت سارة واقفة في المحل بتراجع تصميم جديد…

لما الباب اتفتح.

دخل شاب في أوائل الثلاثينات.

كان لابس قميص بسيط ونظارة… ووشه فيه هدوء غريب.

قال بابتسامة خفيفة:

— مساء الخير… أنا بدور على فستان لأختي.

سارة ابتسمت وقالت:

— أكيد… اتفضل.

بدأوا يتكلموا عن المقاسات والتصميم.

لكن الشاب فجأة قال:

— هو حضرتك سارة؟

استغربت.

— أيوه.

قال:

— أنا حضرت يوم الفرح بتاعك.

سارة اتجمدت لحظة.

لكن الشاب كمل بسرعة:

— كنت واحد من الضيوف… وما عمري ما نسيت الموقف.

سكت لحظة… وبعدين قال:

— بصراحة… يومها أنا اتعلمت حاجة.

سارة سألته:

— إيه هي؟

ابتسم وقال:

— إن البنت اللي تقدر تختار كرامتها… أكيد تستاهل حياة أحسن.

الكلمة دي لمست قلبها بطريقة غريبة.

الأيام بعدها…

الشاب ده — اسمه كريم — بقى ييجي المحل كتير.

في الأول بحجة الفساتين…

وبعدين بحجة القهوة.

ومع الوقت…

الكلام بينهم بقى أطول.

كان كريم مختلف عن أي حد قابلته سارة قبل كده.

ما كانش بيحاول يغيرها.

ولا يقلل من رأيها.

ولا يقول لها إن صوتها عالي.

كان بس…

بيسمع.

وفي يوم…

وقف قدامها وقال بهدوء:

— أنا عارف إنك مريتي بتجربة صعبة… ومش مستعجل على أي قرار.

بس أنا عايز أكون جزء من حياتك… لو انتي موافقة.

سارة سكتت لحظة.

افتكرت يوم الفستان الممزق.

والقلب اللي كان مكسور.

لكن افتكرت كمان الطريق اللي ربنا فتحه بعدها.

ابتسمت وقالت:

— خلينا نمشي خطوة خطوة.

بعد سنتين…

كان في فرح صغير جدًا.

من غير بهرجة…

ومن غير قاعة كبيرة.

في جنينة هادية جنب النيل.

سارة كانت لابسة فستان أبيض.

بس المرة دي…

الفستان كان من تصميمها هي.

وقبل ما تدخل تمشي ناحية كريم…

بصت لنفسها في المراية.

وافتكرت اللحظة اللي الفستان الأول اتقطع فيها.

وابتسمت.

لأنها أخيرًا فهمت معنى العوض.

مش إن الحاجة القديمة ترجع…

لكن إن ربنا يفتح باب جديد

أجمل بكتير

من الباب اللي اتقفل.


 

تعليقات

التنقل السريع