نـدم بـعد سنـوات كـاملة
نـدم بـعد سنـوات كـاملة
لما شفت مراتي وهي حامل في الشهر التامن واقفة بتغسل المواعين لوحدها الساعة عشرة بالليل… مسكت الموبايل وكلمت أخواتي التلاتة وقلت جملة خلت البيت كله يسكت…
لكن رد الفعل الأقوى… كان من أمي نفسها…متوفرة على روايات و اقتباسات أنا عندي أربعة وتلاتين سنة. ولو حد سألني إيه أكبر ندم في حياتي، مش هقول الفلوس اللي ضاعت ولا الفرص اللي راحت مني في الشغل.
أكتر حاجة تقيلة على قلبي… حاجة هادية، بس مؤلمة.
إني سيبت مراتي تتعب وتتوجع جوه بيتي.
والأصعب من كده… إني ماكنتش قاصد أجرحها.
بس ببساطة… ماكنتش شايف.
أو يمكن كنت شايف… بس اخترت ما أفكرش.
أنا أصغر ولد في عيلة مكونة من أربع إخوات.
تلات بنات كبار… وبعدهم أنا.
أبويا توفى وأنا لسه مراهق، ومن ساعتها أمي، الحاجة فاطمة عبد الحميد، شالت البيت كله لوحدها.
أخواتي وقفوا جنبها كتير، وده حقهم يتقال. اشتغلوا وساعدوا في مصاريف البيت وربوني كمان.
يمكن علشان كده… اتعودت من وأنا صغير إنهم هم اللي بياخدوا القرار.
هم اللي يحددوا إيه يتصلح في البيت.
وإيه يتجاب من السوق.
وأحيانًا حتى حاجات المفروض تخصني أنا.
إيه أدرس.
وأشتغل فين.
وأصحب مين.
عمري ما اشتكيت.
كنت شايف إن ده طبيعي…
دي العيلة.
كبرت على كده… وعشت سنين كتير بنفس الطريقة.
لحد ما اتجوزت مريم.
مريم حسن مش ست صوتها عالي ولا بتحب المشاكل. مش من النوع اللي
يزعق علشان يكسب أي نقاش.
بالعكس… هادية جدًا.
صبورة… يمكن زيادة عن اللزوم.
أنا أصلاً حبيتها علشان كده.
علشان طريقة كلامها الهادية.
وإنها بتسمع قبل ما ترد.
وابتسامتها اللي كانت بتظهر حتى لما الدنيا تبقى صعبة.
اتجوزنا من تلات سنين.
وفي الأول الدنيا كانت ماشية كويس.
أمي عايشة معانا في البيت، وأخواتي بييجوا على طول. متوفرة على روايات و اقتباسات ده طبيعي في بلدنا. العيلة دايمًا داخلة طالعة.
خصوصًا يوم الجمعة.
كنا غالبًا بنتلم كلنا حوالين سفرة واحدة.
نأكل… ونحكي… ونفتكر أيام زمان.
مريم في الأول كانت بتعمل كل حاجة علشان ترضيهم.
تطبخ.
تعمل الشاي.
وتسمع باحترام كلام أخواتي حتى لو قعدوا بالساعات يتكلموا.
أنا كنت شايف ده طبيعي.
لكن بعد فترة… بدأت ألاحظ حاجات صغيرة.
كلام يبان هزار… بس هو مش هزار خالص.
أختي الكبيرة سلوى كانت تقول:
— مريم بتطبخ حلو… بس لسه قدامها كتير علشان توصل لطبيخ ماما.
وترد أختي نادية وهي بتبص لها بابتسامة مصطنعة: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
— ستات زمان كانوا بيعرفوا يشتغلوا بجد.
مريم كانت بس توطي راسها… وتكمل غسل المواعين.
وأنا؟
كنت سامع كل ده.
بس ماكنتش بقول حاجة.
مش علشان موافق…
لكن علشان اتعودت إن الأمور تمشي كده.
من حوالي تمن شهور… مريم قالتلي إنها حامل.
الفرحة اللي حسيت بيها وقتها صعب أوصفها.
حسيت كأن البيت كله بقى له مستقبل جديد.
أمي عيطت من الفرحة.
وأخواتي بان
عليهم إنهم مبسوطين.
لكن مع مرور الشهور… حاجة بدأت تتغير.
مريم بقت تتعب بسرعة.
وده طبيعي.
بطنها كانت بتكبر كل أسبوع.
ومع كده… كانت لسه بتحاول تساعد في كل حاجة.
تطبخ لما أخواتي يجوا.
تحط الأكل.
تشيل السفرة.
كنت بقولها:
— ريحي شوية يا مريم.
فترد دايمًا بنفس الجملة:
— ولا حاجة يا أحمد… دي كام دقيقة بس.
لكن "الكام دقيقة" دول… كانوا بيتحولوا لساعات.
الليلة اللي غيرت كل حاجة كانت يوم سبت.
أخواتي التلاتة كانوا عندنا على العشا.
زي كل مرة، السفرة اتملت أطباق وكبايات وملاعق وبقايا أكل ومناديل.
بعد ما خلصنا أكل…متوفرة على روايات و اقتباسات هما راحوا على الصالون يقعدوا مع أمي.
ضحكهم كان واصل للمطبخ وهم بيتفرجوا على مسلسل.
أنا خرجت البلكونة شوية أشوف حاجة في عربيتي تحت.
ولما رجعت المطبخ…
وقفت مكاني.
مريم كانت واقفة قدام الحوض.
ضهرها منحني شوية.
وبطنها الكبيرة بتخبط في رخامة المطبخ.
إيديها مبلولة… وبتحاول تغسل جبل من المواعين.
بصيت على الساعة اللي في الحيطة.
كانت عشرة بالليل.
البيت هادي… غير صوت المية بس.
وقفت أبص لها كام ثانية.
واضح إنها ماخدتش بالها إني واقف.
كانت بتتحرك ببطء…
وكل شوية تاخد نفس تقيل.
فجأة كباية زلقت من إيدها وخبطت في الحوض.
غمضت عينيها لحظة…
كأنها بتحاول تجمع قوتها علشان تكمل.
في اللحظة دي حسيت بحاجة بتضغط على صدري.
غضب…
وكسوف من نفسي.
لأني فجأة
فهمت حاجة كنت بتجاهلها بقالى كتير.
مراتي… واقفة لوحدها في المطبخ.
بينما كل عيلتي مرتاحة.
وهي شايلة مش بس هم المواعين…
شايلة كمان ابننا اللي بيكبر جواها.
خدت نفس عميق.
طلعت الموبايل من جيبي.
واتصلت بأختي الكبيرة.
— سلوى… تعالي الصالون. عايز أكلمكم.
بعدها كلمت نادية.
وبعدين دعاء.
خلال دقيقتين كانوا التلاتة قاعدين جنب أمي، باصين لي باستغراب.
وأنا واقف قدامهم.
كنت لسه سامع صوت المية شغال في المطبخ.
صوت مريم وهي بتغسل المواعين.
حسيت إن في حاجة جوايا أخيرًا اتكسرت.
بصيت لكل واحدة فيهم…
وقلت بصوت ثابت أول مرة يطلع مني في البيت ده:
— من النهارده… محدش في البيت ده هيعامل مراتي كأنها خدامة.
السكوت اللي حصل بعد الجملة دي…
كان تقيل لدرجة إن حتى صوت المية في المطبخ وقف.
السكوت اللي حصل في الصالون كان تقيل جدًا… لدرجة إني لحظة حسّيت إن محدش فهم الجملة اللي أنا قلتها.
أخواتي كانوا باصين لي كأني بتكلم بلغة تانية.
أمي كانت أول واحدة اتكلمت.
قالت بهدوء بارد:
— إيه اللي بتقوله ده يا أحمد؟
صوتها ماكانش عالي…
بس كان فيه نفس النبرة اللي من وأنا صغير كانت بتخليني أحس إني غلطت غلطة كبيرة.
خدت نفس عميق.
ولأول مرة من سنين طويلة… ما وطّتش عيني.
— بقول إن محدش بعد كده هيعامل مريم كأنها خدامة في البيت ده.
أختي نادية ضحكت ضحكة خفيفة فيها استغراب.
— يا
أحمد… إيه الكلام الكبير ده؟ دي كانت بتغسل شوية مواعين بس.
أما دعاء شبكت دراعتها في بعض وقالت:
— ومن إمتى غسل المواعين بقى مشكلة يعني؟
سلوى، أختي الكبيرة، بصت لي بنفس النظرة الجادة اللي دايمًا كانت بتقفل أي نقاش.
وقالت:
— إحنا اشتغلنا في البيت ده طول عمرنا. مش فاهمة ليه فجأة كل حاجة بقت لازم تدور حوالين مراتك.
حسّيت الدم طالع لوشي.
لكن المرة دي… ما رجعتش خطوة.
قلت بهدوء:
— علشان هي حامل في الشهر التامن.
وبعدين كملت وأنا شايفهم قدامي:
— ولأنها واقفة لوحدها في المطبخ… وإنتوا قاعدين هنا ولا كأن في حاجة.
الصالون سكت تاني.
أمي مدت إيدها وقفلت التلفزيون.
الصوت اختفى فجأة… والتوتر زاد أكتر.
بصت لي وقالت:
— يا أحمد… أخواتك عملوا كتير علشانك طول عمرك.
هزيت راسي.
— عارف.
— يبقى لازم تحترمهم.
بلعت ريقي.
— احترامهم مش معناه إني أسيب مراتي تشيل كل حاجة لوحدها.
سلوى قامت من على الكنبة.
— يعني إحنا بقينا الوحشين دلوقتي؟
— ما قلتش كده.
— بس كلامك معناه كده.
دخلت دعاء في الكلام وقالت:
— وبعدين مريم نفسها ما اشتكتش.
الكلمة دي ضربتني جوايا.
لأنها كانت صح. تابعوا صفحة محمد السبكي….مريم عمرها ما اشتكت.
ولا مرة رفعت صوتها…ولا مرة قالت إنها تعبانة….بس في اللحظة دي
فهمت حاجة بسيطة جدًا…
إن الإنسان ممكن يتألم… من غير ما يتكلم.
بصيت ناحية المطبخ.
النور كان لسه شغال.
وأنا متأكد إن مريم سامعة كل حاجة.
خدت نفس عميق تاني.
— أنا مش هنا علشان أحاسب مين عمل أكتر للعيلة — قلت — أنا بس بقول حاجة واضحة.
قربت خطوة.
— مراتي حامل… ومش هسمح إنها تفضل تشتغل كأنها مش حامل.
نادية لفّت عينيها.
— طب ما تريح… مين مانعها؟
بصيت لها وقلت:
— إنتوا.
التلاتة بصوا لي في نفس اللحظة.
— كل مرة تيجوا فيها البيت — كملت — مريم هي اللي بتطبخ… وتحط الأكل… وتشيل السفرة… وتغسل المواعين… ومحدش فيكم بيحرك صباعه.
دعاء رفعت صوتها:
— علشان ده النظام اللي اتعودنا عليه في البيت ده!
قلت ببطء:
— يبقى النظام ده انتهى.
السكوت وقع تاني.
أمي كانت باصة لي نظرة طويلة.
— يعني إيه كلامك ده؟ — قالت — يعني أخواتك ما بقوش مرحب بيهم هنا؟
هزيت راسي.
— لا… مرحب بيهم.
وسكت لحظة.
— بس لو جُم… يساعدوا.
نادية ضحكت بسخرية.
— بصوا بقى… الواد كبر.
حسّيت بالإهانة اللي ورا الجملة.
بس سكت.
سلوى فضلت باصة لي شوية… وبعدين قالت جملة ما توقعتهاش.
— كل
ده… علشان ست؟
الكلمة اتقالت بهدوء…
لكن كان فيها احتقار واضح.
وفي اللحظة دي حسّيت إن حاجة جوايا اتكسرت خالص.
بصيت لها في عينها مباشرة.
— لا.
وسكت ثانية.
— علشان عيلتي.
الجملة نزلت تقيلة في الصالون.
لأن لأول مرة… كنت محدد مين عيلتي.
مراتي.
وابني اللي جاي في الطريق.
في اللحظة دي سمعنا حركة ورا ضهرنا.
لفّينا كلنا.
كانت مريم واقفة عند باب الصالون.
كانت شالت المريلة من عليها وسايباها على ترابيزة المطبخ. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
عينيها كانوا مليانين دموع.
واضح إنها كانت سامعة كل حاجة.
مشت ناحيتنا ببطء.
وقالت بصوت واطي:
— أحمد… ماكنش لازم تتخانق علشاني.
حسّيت بغصة في صدري.
— لا… كان لازم.
هزت راسها برفق.
— أنا مش عايزة أعمل مشاكل بينك وبين عيلتك.
مسكت إيديها.
كانت ساقعة.
قلت لها بهدوء:
— مريم… إنتي عيلتي.
محدش اتكلم.
ولا أخواتي.
ولا أمي.
مريم بصت لي كأنها مش عارفة تعمل إيه بالكلام ده.
وفجأة حصل حاجة محدش كان متوقعها.
أمي قامت من مكانها.
ومشت ببطء ناحية مريم.
كلنا كنا باصين.
لحظة حسّيت إنها هتزعلها.
لكن بدل كده… مسكت إسفنجة
من على الترابيزة.
وقالت بهدوء:
— اقعدي إنتي.
مريم بصت لها باستغراب.
— نعم؟
أمي تنهدت وقالت:
— أنا هكمل غسل المواعين.
الدهشة كانت واضحة على الكل.
أخواتي بصوا لبعض.
وأنا كمان ما توقعتش ده.
أمي بصت لهم وقالت:
— واقفين بتبصوا ليه؟
سلوى قالت:
— يا ماما…
أمي قطعت كلامها:
— على المطبخ… يلا.
وبنبرة حازمة كملت:
— الأربع أخوات هنخلص اللي بدأناه.
فضلوا واقفين لحظة.
بعدين نادية اتنهدت وقامت.
دعاء قامت بعدها.
سلوى كانت آخر واحدة.
عدّوا من جنبنا وساكتين… ودخلوا المطبخ.
وصوت المية رجع يتسمع…بس المرة دي… معاه أصوات تانية..مريم كانت لسه باصة لي.
وقالت بهمس:
— أحمد… ليه عملت كل ده؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— علشان أخدت مني تلات سنين علشان أفهم حاجة بسيطة.
استنت شوية.
مسكت إيديها أكتر.
— إن البيت مش المكان اللي الكل فيه يدي أوامر.
سكت لحظة.
— البيت هو المكان اللي حد يختارك فيه… ويقف جنبك.
مريم غمضت عينيها لحظة.
ولما فتحتهم… كانت بتعيط.
بس المرة دي ماكانش عياط زعل.
وفي الوقت اللي أخواتي في المطبخ كانوا بيتخانقوا مين ينشف المواعين…
حسّيت لأول مرة من زمان طويل…
إن البيت ده ممكن فعلًا…
يبقى بيت….
النهاية


تعليقات
إرسال تعليق