ثمن التهور
ثمن التهور
اشتـريت لابـن أخـتي سـيارة دفـع ربـاعي جٕديدة بمنـاسبة عيد مـيلاده العـشرين. أثنـاء العشـاء رفع كأسه وقال ساخرًا: من اجل خالتي الساذجة التي تحاول شراء الاحترام بالمال
انفجرت العائلة بالضحك. غادرتُ في صمت دون كلمة واحدة. في الصباح التالي كان المدخل فارغًا… وهاتفي يحمل مئة مكالمة فائتة.
كانت ليلة عيد الميلاد العشرين لـ يوسف تبدو مثالية. أنا خالته نهى عملتُ سنوات طويلة محاسِبة ولم يُكتب لي أن أكون أمًا فكان يوسف أقرب الأبناء إلى قلبي. ادخرتُ لأشهر بصمت لأفاجئه بسيارة جديدة شراء كبير بالنسبة لي لكنه كان بدافع الحب والفخر. على مائدة العشاء كانت المفاتيح موضوعة في المنتصف والجميع يتأملها ويوسف يبتسم ابتسامة لم أرَ مثلها من قبل. ظننتُ أن تلك اللحظة تتوج رابطتنا.
حين حان وقت الهديه وقف يوسف رافعًا كأسه صوته كان واثقًا أكثر مما ينبغي وقال وهو يضحك
من اجل خالتي الساذجة التي تحاول شراء الاحترام بالمال
تعالت الضحكات وتصفيق متوتر ونظرات محرجة شعرتُ وكأن الهواء انسحب من صدري لم يدافع عني أحد خفضت أختي عينيها ابتسمتُ تلقائيًا وقفت وغادرت دون كلمة تاركة الأطباق والضحكات وإهانة تحرق.
تلك الليلة مشيت لساعات أفكر في كل مساعدة وكل دعم وكل تضحية لم يلتفت لها أحد لم يكن المال هو المشكلة بل الازدراء العلني. مع الفجر اتخذتُ قرارًا واضحًا وباردًا السيارة باسمي والتأمين باسمي اتصلتُ بالبائع وقّعت الأوراق وطلبتُ سحب السيارة من أمام بيت أختي دون ترك ملاحظة.
جلستُ في مطبخي أمسك قهوة باردة وأعيد المشهد في رأسي مرة بعد مرة لم أبحث عن انـ,ـتقام بل عن حدود تذكرتُ قول أبي إن الاحترام لا يُستجدى بل يُمارس تمسكتُ بالجملة وأنا أراقب الشمس ترتفع كنت أعرف أن سحب السيارة ليس عقابًا بل نتيجة وأنني بذلك أغيّر ديناميكية العائلة إلى الأبد.
عند التاسعة صباحًا بدأ هاتفي يهتز بلا توقف مئة مكالمة فائتة أخذت نفسًا عميقًا مدركةً أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد وأن الصراع بلغ ذروته للتو…يتبع…عجبتك عندك شغف تكملها صلي على محمد وتابع 🎁👍🎁
لم أرد على أي مكالمة تركت الهاتف مقلوبًا على الطاولة وواصلت الجلوس أمام النافذة أراقب الشارع الهادئ كأن شيئًا لم يحدث كأنني لم أُط.عن بالأمس أمام عائلة كاملة اختارت الضحك بدل الكرامة كنت أعرف أنهم سيغضبون لا لأن يوسف أهـ,ـانني بل لأن السيارة لم تعد موجودة لأن الامتياز سُحب فجأة دون تمهيد
بعد ساعة وصلتني رسالة من أختي سلوى كانت قصيرة لكنها مشحونة نهى إيه اللي عملتيه العربية اتسحبت يوسف منهار والناس كلها عرفت
قرأت الرسالة ولم أرد لم أشعر بالشماتة ولا بالانتصار شعرت فقط بالثبات لأول مرة منذ سنوات
كنت دائمًا الحائط الذي يتكئون عليه عند الأزمات الممولة الصامتة التي تدفع دون أن تُذكر التي تُنقذ دون أن تُشكر والتي تُهان وتبتسم لأن الصمت أسهل من المواجهة لكن ما حدث في تلك الليلة لم يكن مزحة ولا سقطة لسان كان كشفًا
في الظهيرة رن جرس الباب فتحت فوجدت أختي واقفة أمامي وجهها شاحب وعيناها مليئتان باللوم لا بالندم دخلت دون استئذان جلست وبدأت الحديث مباشرة
إنتي كبرتي الموضوع ليه ما هو هزار نظرت إليها طويلا وقلت بهدوء=الهزار ما يبقاش على حساب كرامة حد
تنهدت وقالت= يوسف شاب ومتهور وإنتي عارفة كده
قلت وأنا أضع فنجان القهوة على الطاولة=والتهور له تمن سكتت للحظة ثم قالت يعني هتفضلي كده تخربي العلاقة ابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة أنا ما خربتش حاجة اللي اتخرب كان موجود من زمان
غادرت أختي وهي غاضبة وفي المساء بدأ سيل الاتصالات من الأقارب خالتي عمتي ابن خالي الكل يتحدث عن قسوتي وعن أن يوسف شاب في مقتبل العمر وأنني كسرت فرحته تجاهلت الجميع
بعد يومين جاء يوسف بنفسه لم يطرق الباب بقوة هذه المرة دخل مترددًا جلس أمامي ولم ينظر في عيني قال بصوت منخفض
أنا كنت بهزر نظرت إليه ولم أجب رفع رأسه وقال بعصبية مكبوتة يعني تستاهل اللي حصل
قلت بهدوء= اللي حصل كان نتيجة كلامك مش عقاب
قال أنا اعتذرت قلت لا انت قلت بهزر وده مش اعتذار سكت طويلا ثم قال أنا كنت متأكد إنك مش هتزعل قلت وأنا أنهض ودي كانت غلطتك وقف هو أيضًا وقال يعني خلاص قلت مفيش خلاص في حاجة اتكسرت
غادر يوسف البيت وهو يشعر لأول مرة أن العالم لا يدور حوله
مرت أسابيع هدأت فيها المكالمات واختفى يوسف عن الظهور في التجمعات العائلية سمعت لاحقًا أنه اضطر لاستخدام المواصلات العامة وأنه بدأ يعمل بدوام جزئي ليشتري سيارة مستعملة لم أتدخل ولم أعلّق
وفي أحد الأيام وصلتني رسالة طويلة منه اعتذار حقيقي بلا تبرير بلا هزار بلا سخرية قال فيها إنه لأول مرة فهم معنى أن يكون الاحترام فعلًا لا هدية
لم أرد فورًا تركت الرسالة أيامًا ثم كتبت له
الاحترام ما يتشحتش ولا يتشترى يتبني
لو حابب تبنيه أنا موجودة بس مش بالفلوس
بعد عام كامل دعاني يوسف لحفل تخرجه جلست في الصف الخلفي لم أقدم هدية باهظة ولا مفاجأة كبيرة فقط باقة زهور ورسالة قصيرة
أنا فخورة بيك لما تكون إنسان محترم مش لما يكون معاه عربية
وقف يوسف أمام الجميع وشكرني بالاسم دون سخرية دون تصفيق مفتعل فقط امتنان صادق
في تلك اللحظة فهمت أن سحب السيارة لم يكن نهاية علاقة بل بداية علاقة جديدة قائمة على حدود واضحةلم أعد الخالة التي تُشترى محبتها ولا المرأة التي تُهان وتغادر بصمت صرت امرأة تعرف قيمتها وتترك للآخرين فرصة أن يتعلموا احترامها أو يخسروهاوهكذا لم تكن السيارة هي الدرس بل الكرامة
تمت


تعليقات
إرسال تعليق