الولد الغلبان حكايات زيزي
الولد الغلبان حكايات زيزي
الولد الغلبان قال لها هتجوزك لما أبقى غني لبنت سمراء كانت بتأكّله وبعد سنين رجع!
السندوتش اللي ادتهوله كلّفها كل حاجة بس ادّاله هو مستقبل ب 47 مليون دولار.
كانت فاطمة عندها 9 سنين، بنت سمراء عايشة مع أهلها في فقر شديد. أول مرة شافت الولد الأبيض الجعان كانت من ورا سور مدرسة ابتدائي في حي شعبي في القاهرة.
أهلها ماكانوش لاقيين ياكلوا أصلاً ومع كده، من غير ما حد يطلب منها، ادته سندوتشها.
ماحدش قالها اعملي كده.
وهو حتى ما شكرهاش.
بس هي عملت كده وخلاص.
وفضلت كل يوم، لمدة 6 شهور، تجيب له من أكلها وتدّيهوله.
لحد ما في يوم، اختفى.
وقبل ما يمشي، بص لها وقال بثقة غريبة على طفل
أنا لما أبقى غني هتجوزك.
فاطمة ضحكت وافتكرت الموضوع هزار.
بس فكّت نص شريطها الأحمر اللي في شعرها وربطته في إيده.
وعد أطفال واتنسي.
عدّى 22 سنة
أحمد ميتشيل بقى بيصحى الساعة 6 الصبح في شقة تمنها أغلى من اللي ناس كتير بتكسبه طول عمرها.
شبابيك من الأرض للسقف بتطل على النيل، والشمس بترسم الميه بالدهب
بس هو ماكانش بيبص.
ماكينة القهوة الإيطالي اللي ب آلاف الجنيهات بتشتغل لوحدها وهو يدوس زرار ويمشي من غير ما يستنى الكوب يتملي.
دولابه فيه 40 بدلة تفصيل يختار واحدة من غير ما يبص.
الشقة هادية هادية زيادة عن اللزوم.
مفيش صور مفيش ذكريات مفيش حاجة تدل إن حد عايش
هنا.
مكان شبه فندق بس إحساسه زي القبر.
موبايله رن.
مساعده بيفكره باجتماع الساعة 9، وبيقوله صفقة ب 12 مليون خلصت.
رد أحمد بكلمة واحدة
تمام.
ولا الرقم فرق معاه.
دخل مكتبه فتح درج وبص على الحاجة الوحيدة اللي بتفرق.
إطار صغير جواه شريط أحمر باهت.
قديم مهلوك بس متحافظ عليه.
22 سنة عدّوا عليه
وكل يوم يبص له وكل يوم نفس السؤال
هي فين؟
اجتماع الشغل عدى زي كل مرة تصفيق، تهاني، نجاح.
ابتسم، قال الكلام الصح، ومثّل الدور.
بس من جواه مفيش إحساس.
بعد الاجتماع، صاحبه وشريكه كريم شده على جنب وقاله
أنت كويس؟
قاله
آه.
كريم ضحك بسخرية
بقالك 5 سنين بتقول كده من ساعة ما بدأت تشتري في مناطق شعبية في القاهرة ومفيش منها مكسب ليه المكان ده بالذات؟
أحمد سكت لحظة وقال
عندي أسبابي.
كريم بصله بتركيز وقال
عشان البنت دي صح؟ اللي عمرك ما بطلت تدور عليها.
وش أحمد اتشد.
كريم كمل
طب ما يمكن هي مش عايزة تتلاقي.
أحمد رد ببرود
اقفل الموضوع ده.
بس الحقيقة إنه كان فات الأوان.
الموضوع كان أكل عقله بالفعل.
بعد الضهر، قعد لوحده وفتح ملف على الكمبيوتر.
5 سنين.
3 محققين خاصين.
مبالغ ضخمة اتصرفت.
والنتيجة؟
ولا حاجة.
آخر تقرير كان واضح وقاسي
استنفدنا كل الطرق اسم فاطمة حسن منتشر جدًا وأهلها اختفوا من 2008 ومفيش أي أثر ليهم.
أحمد قفل اللابتوب ببطء
وعينيه رجعت للشريط الأحمر.
وقال لنفسه بهدوء
أنا وعدت ومستحيل أنسى.
والحكاية لسه فيها رجوع يقلب كل حاجة اليوم ده ماكنش زي أي يوم عدى على أحمد.
فضل قاعد قدام الشريط الأحمر وقت طويل وبعدين فجأة قام كأنه أخد قرار.
مسك الموبايل واتصل بمساعده
عايز كل الملفات القديمة اللي اشتريناها في المناطق الشعبية كل حاجة، من أول يوم لحد دلوقتي.
المساعد استغرب
حضرتك تقصد إيه؟
أحمد رد بحزم
كل حاجة وخصوصًا العقارات اللي كانت قريبة من مدارس قديمة.
بعد ساعات، كان قاعد وسط ورق وخرائط وملفات قديمة بيقلب بإيده، مش بعينه بس.
كل تفصيلة كل اسم كل عنوان.
وفجأة وقفت إيده.
مدرسة قديمة نفس المنطقة اللي كان فيها زمان.
جنبها قطعة أرض صغيرة كانت متسجلة باسم سيدة، وبعد كده اتباعت، وبعدين اختفت من السجلات.
اسم السيدة؟
أم فاطمة حسن
قلبه دق أسرع.
طلب العنوان القديم وقرر يروح بنفسه.
وصل المنطقة الدنيا متغيرة، بس في نفس الوقت نفس الروح.
شوارع ضيقة بيوت قديمة ريحة أكل شعبي وأصوات ناس بسيطة.
وقف قدام بيت قديم، متهالك شوية وسأل واحدة ست كبيرة قاعدة قدامه
لو سمحتي كان في هنا زمان واحدة اسمها فاطمة حسن؟
الست بصتله شوية، وبعدين قالت
أيوه كانت بنت غلبانة بس طيبة أوي.
قلبه اتقبض
هي فين دلوقتي؟
الست سكتت لحظة، وبعدين قالت
أمها ماتت من سنين وهي اضطرت تسيب المدرسة وتشتغل عشان تصرف على إخواتها.
وبصتله وقالت
آخر مرة شفتها من كام سنة كانت بتشتغل في مستشفى خيري قريب من هنا.
أحمد ما استناش ركب عربيته وراح المستشفى على طول.
مستشفى بسيط زحمة ناس كتير تعب واضح في كل ركن.
دخل وسأل عليها.
واحدة من الممرضات قالت
فاطمة؟ أيوه هي هنا بس دلوقتي في الدور التاني.
طلع السلم بسرعة قلبه بيدق جامد مش عارف هيقول إيه ولا هيحصل إيه.
وقف قدام باب أوضة مفتوحة
وشافها.
كانت واقفة بتساعد مريضة كبيرة في السن بتتكلم معاها بهدوء، وبتضحك لها.
وشها فيه تعب بس فيه طيبة غريبة نفس الطيبة اللي فاكرها.
نفس العيون.
نفس الروح.
بس كبرت واتغيرت.
وقف يتفرج مش قادر ينطق.
لحد ما هي حسّت بيه ولفت.
عيونهم اتقابلت.
وسكتوا.
ثواني عدّت كأنها سنين.
هي بصت له باستغراب
أيوه؟ حضرتك عايز مين؟
صوته خرج واطي
فاطمة؟
قالت
أيوه أنا.
قرب خطوة إيده بتترعش شوية وطلع الشريط الأحمر من جيبه.
مدّه لها.
وقالت بذهول
ده؟
بص لها وقال
أنا أحمد الولد اللي كان واقف ورا السور اللي كنتي بتديله الأكل كل يوم.
سكتت.
وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة مش تصديق
إيه ده أنت بتهزر؟
قال بهدوء
أنا عمري ما نسيتك.
بصت للشريط ولمسته بإيدها وعينيها بدأت تلمع.
أحمد؟
هز راسه.
قعدوا بعد شغلها على كرسي بسيط قدام المستشفى.
حكت له كل حاجة
إزاي ضحّت إزاي تعبت إزاي الدنيا أخدت منها كتير.
وهو سمع لأول مرة في حياته حس إنه سامع بجد.
قال لها ، تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أنا دورت عليكي سنين
بصت له وقالت بابتسامة هادية
وأنا نسيت الموضوع أصلاً كنت طفلة.
ابتسم
بحزن
أنا ما نسيتش الوعد فضل معايا.
سكتت شوية وبعدين قالت
بس أنا مش زي ما أنت فاكر حياتي صعبة.
قال لها
أنا مش جاي أشتريك ولا أغيّر حياتك بالعافية أنا جاي أوفي وعد وأشوفك.
عدّى وقت وأحمد بدأ يساعد المستشفى من غير ما يقول لها في الأول.
طوّر المكان جاب أجهزة حسّن الظروف.
وهي لاحظت وفهمت إنه ورا كل ده.
واجهته
ليه بتعمل كده؟
قال ببساطة
عشان زمان سندوتش واحد غير حياتي كلها.
وفي يوم وقف قدامها، نفس المكان اللي اتقابلوا فيه أول مرة.
وقال
أنا فعلاً بقيت غني بس مش ده المهم.
بص لها بعين صادقة
المهم إني لسه عايز أتجوزك لو انتي موافقة.
سكتت قلبها بيدق.
بصت له مش كولد زمان لكن كرجل وقف جنبها من غير ما يضغط عليها.
ابتسمت وقالت
المرة دي أنا اللي هفكر.
ضحك.
وبعد فترة وافقت.
الجوازة ما كانتش في قصر
كانت بسيطة في نفس الحي وسط الناس اللي شبهها.
بس كانت حقيقية.
أحمد لقى اللي كان ناقصه طول عمره.
وفاطمة لقت حد شافها بجد من غير ما يشتريها.
وفي ليلة هادية وهو ماسك إيدها، قال
عارفة؟ أغلى حاجة عملتها في حياتي كانت سندوتش.
ضحكت وقالت
وأرخص وعد كان أغلى حاجة حصلت.
النهاية بعد الجملة دي، سكتوا لحظة بس السكون ماكانش مريح زي الأول.
كان فيه حاجة جوا أحمد بتتحرك مش شك، لأ إحساس غريب إنه لسه في جزء ناقص من القصة.
فاطمة بصت له وقالت بهدوء
مالك؟
سرحت في إيه؟
هز راسه
مش عارف بس حاسس إن في حاجة لازم تتقال أو تتفهم.
سكتت شوية، وبعدين قالت
زي إيه؟
أحمد قام وقف ومشى خطوتين قدام، وبص للشارع الهادي حواليهم
أنا طول عمري فاكر إن اللي حصل بينا زمان كان صدفة طفل جعان وبنت طيبة وخلاص.
لف لها وقال
بس كل ما أفتكر بحس إن في حاجة أكبر من كده.
فاطمة قامت وقفت قدامه
أكبر إزاي؟
أحمد طلع نفس عميق
أنا لما رجعت أدور عليكي عرفت إنك كنتي بتعيشي حياة صعبة أوي بعد ما مشيت.
سكت لحظة وبعدين كمل
بس اللي مخليني مش مرتاح إن كل حاجة اختفيت فجأة. مدرستك، عنوانكم، حتى أي أثر ليكي.
فاطمة عبست
يعني إيه؟
أحمد بص لها بتركيز
يعني كأن حد مسحك من المكان.
سكتوا.
الهواء حوالينهم برد فجأة، رغم إن الدنيا كانت دافية.
في اليوم اللي بعده، أحمد قرر يفتح الملف من جديد بس المرة دي بنفسه.
جاب كل الأوراق القديمة راجع أسماء، عناوين، مشتريات، سجلات مدرسة، مستشفيات، أي حاجة.
لحد ما لقى اسم وقف عنده تاني.
شركة تطوير عقاري دمنهوري للاستثمار
نفس اسم شركة شغال معاها زمان في مشاريع كبيرة وكانت بتتحكم في نقل سكان مناطق كاملة.
عينه ضاقت.
دمنهوري قالها لنفسه. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وفي لحظة افتكر اسم أبوه.
اللواء محمود الدمنهوري.
ساعتها الفكرة ضربته زي الصدمة.
لو أبوه كان ليه علاقة بأي تغيير في المنطقة أو أي ضغط على أهلها زمان يبقى اختفاء فاطمة مش صدفة.
ده ممكن يكون قرار.
مش بس قرار فقر
لا قرار إخفاء.
في نفس اللحظة، في بيت العيلة القديم عند فاطمة
كانت قاعدة مع نفسها، ماسكة الشريط الأحمر.
بس فجأة الباب خبط.
فتحت.
كانت ست كبيرة شكلها من الماضي، ملامحها قاسية شوية.
وقالت
إنتي فاطمة؟
فاطمة استغربت
أيوه مين حضرتك؟
الست بصتلها نظرة طويلة، وبعدين قالت جملة خلت قلبها يقع
أنا كنت شغالة زمان في بيت اللواء محمود الدمنهوري وأعرف الحقيقة اللي أبوكي دفنها.
في نفس الوقت عند أحمد
التليفون رن.
مساعده
في حد بيحاول يوصل لحضرتك بخصوص ملف قديم ملف فيه اسم فاطمة.
أحمد شد في التليفون
مين؟
المساعد سكت لحظة
بيقول إنه شاهد على اللي حصل زمان.
أحمد وقف مكانه.
خليه ييجي حالًا.
وفي آخر المشهد
الست في بيت فاطمة قالت بهدوء
اللي حصل زمان ماكانش فقر وبس
سكتت لحظة
كان فيه حد قرر إن بنتك تختفي من حياة أبوها.
فاطمة عيونها وسعت
بنت مين؟
الست ردت
إنتي يا فاطمة مش فاكرة إنك أصلاً مشيت من بيت أبوك بإجبار؟
والحقيقة اللي بدأت تظهر
لسه أولها.
واللي جاي هيقلب كل حاجة رأسًا على عقب فاطمة اتجمدت مكانها.
الكلمة الأخيرة اترددت في دماغها كأنها صدمة
بإجبار
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بصت للست وقالت بصوت مهزوز
حضرتك بتقولي إيه؟ أنا أنا مليش أب غير اللي مات وأنا صغيرة
الست هزت راسها
اللي اتقال لك ده مش كل الحقيقة.
سكتت لحظة، وبعدين قعدت على الكرسي القديم وقالت
أبوك الحقيقي كان عايش، وكان اسمه معروف بس اتقال لك إنه مات عشان متدوريش وراه.
فاطمة رجليها ضعفوا وقعدت قدامها
ليه؟ مين يعمل كده؟!
الست بصتلها بعيون مليانة ذنب
ناس كتير وأهمهم واحد اللواء محمود الدمنهوري.
في نفس اللحظة
أحمد كان داخل على مكتبه بسرعة جنونية، ماسك الملف في إيده.
المساعد قال
الشاهد وصل تحت ورفض يتكلم غير معاك أنت بس.
أحمد رد بسرعة
خليه يدخل.
فتح الباب ودخل راجل كبير في السن، باين عليه الخوف والتردد.
قال
أنا اشتغلت زمان سواق في بيت اللواء الدمنهوري وشفت كل حاجة.
أحمد شد نفسه
احكي.
الراجل ابتدى
في يوم بنت صغيرة اتخطفت من المنطقة واتقال إنها هتتسجل إنها ماتت بس الحقيقة إنها اتنقلت بعيد باسم جديد.
أحمد عينه ضاقت
ليه؟
الراجل بلع ريقه
عشان كانت بنت حد مهم وكان وجودها خطر على صورة العيلة.
سكت لحظة وبعدين كمل
وتم الاتفاق إنها تكبر بعيد من غير ما تعرف أصلها الحقيقي.
في بيت فاطمة
الست كملت كلامها بصوت واطي
إنتي مش بس اتحرمتي من أبوكي إنتي اتغير اسمك وإنتي طفلة.
فاطمة دموعها بدأت تنزل
إزاي يعني أنا مين؟
الست ردت
اسمك الحقيقي مش فاطمة
سكتت لحظة تقيلة
اسمك الحقيقي ليلى الدمنهوري.
الكلمة وقعت عليها زي حجر.
دمنهوري؟!
قامت واقفة فجأة
يعني أحمد
سكتت.
القلب بدأ يفهم قبل العقل.
في نفس الوقت عند أحمد
الشاهد قال جملة أخيرة
الطفلة اللي اتنقلت زمان كان المفروض تختفي للأبد بس واضح إنها رجعت من غير ما حد يحس.
أحمد وقف مكانه
فجأة.
عينه وسعت.
فاطمة
همس لنفسه
هي مش بس البنت اللي وعدتها
بص للشريط الأحمر على مكتبه
وبص للملف اللي قدامه
والصورة بدأت تكمل.
وفي آخر لحظة
موبايل أحمد رن.
رقم مجهول.
رد.
صوت ست من الطرف التاني
لو عايز تعرف الحقيقة كلها تعالى بيت العيلة القديم حالًا قبل ما حد يمسحها تاني.
أحمد شد نفس عميق
وقال
أنا جاي.
وفاطمة في نفس اللحظة كانت واقفة قدام المراية
وبصت لنفسها لأول مرة كأنها بتشوف حد غريب.
وقالت بصوت واطي
أنا مين بجد؟
والحقيقة كانت على بعد خطوة واحدة من الانفجار.
واللي جاي أخطر من أي حاجة فاتت أحمد وصل بيت العيلة القديم بعد أقل من ساعة.
البيت كان ضخم، بس باين عليه الإهمال كأنه مكان اتدفن فيه أسرار كتير.
أول ما دخل، لقى الست الكبيرة والشاهد قاعدين مستنينه.
قال بهدوء تقيل
أنا هنا عايز الحقيقة
كلها.
الست بصتله وقالت
الحقيقة هتوجع بس لازم تتقال.
في نفس الوقت
فاطمة كانت وصلت هي كمان.
وقفت عند باب البيت، قلبها بيدق بعنف.
كل خطوة جوا كانت تقيلة كأن الأرض مش عايزاها تكمل.
لحد ما دخلت الصالة.
وشافت أحمد.
وبصوا لبعض.
سكون.
مش سكون عادي ده سكون اللي قبل العاصفة.
أحمد قال بصوت واطي
إنتي اسمك الحقيقي ليلى الدمنهوري.
فاطمة رجعت خطوة لورا
إنت بتقول إيه؟!
الست دخلت بينهم بسرعة
اقعدوا وهتفهموا كل حاجة.
وبدأت الحقيقة تنكشف أخيرًا
اللواء محمود الدمنهوري كان عنده بنت فعلًا
بس وجودها كان خطر على صورته ومكانته السياسية وقتها.
فقرر يبعدها عن العائلة وهي طفلة ويتقال إنها ماتت.
واتسلمت لأسرة فقيرة تعيش بعيد باسم جديد فاطمة.
والشريط الأحمر كان العلامة الوحيدة اللي اتساب معاها.
أحمد سكت وهو بيبص لها.
فاطمة دموعها نزلت بهدوء
يعني أنا طول عمري عايشة باسم مش اسمي؟
أحمد قرب خطوة وقال
وأنا كنت بدور عليكي من غير ما أعرف إنك أقرب مما أتخيل.
سكتوا كلهم.
الراجل الشاهد قال
في حاجة أخطر
كل العيون بصت له.
قال
في وصية قديمة لو البنت رجعت أو اتعرف مكانها كل الميراث وكل الشركة الكبيرة في العيلة هتتحول ليها.
صمت.
وبعدين كمل
وعشان كده في ناس مش هتسكت لما تعرف إنها رجعت.
فجأة
صوت عربية برا البيت.
وأكتر من واحد نازل.
أصوات خطوات سريعة.
أحمد شد نفسه
إحنا لازم نمشي حالًا.
لكن قبل ما يتحركوا
الباب اتفتح بعنف.
رجالة دخلوا.
واحد فيهم قال
مفيش خروج لحد ما الموضوع يتقفل نهائي.
فاطمة وقفت قدامهم، لأول مرة مش خايفة
أنا مش ملك حد.
أحمد وقف جنبها
ولا أنا هسيبها لحد.
ثواني صمت.
وبعدين أحمد طلع موبايله وقال
اتصلوا بالشرطة.
الرجالة اتوتروا.
وفي لحظة لخبطة
الشاهد صرخ
الوصية معايا! لو حصللي حاجة كل حاجة هتتفتح!
وفجأة رن صوت صفارات بره.
الشرطة وصلت.
والكل اتشد.
الرجالة حاولت تهرب بس اتقبض عليهم.
بعد ساعات
في مكتب هادي
أحمد وفاطمة قاعدين سوا.
الهدوء رجع.
فاطمة بصت له وقالت
أنا مش عارفة أكون مين دلوقتي
أحمد رد بهدوء
إنتي اللي تختاريه.
سكت شوية وبعدين قال
أنا ما بدورش على اسم أنا بدور عليك إنتي.
دموعها نزلت.
وقالت بابتسامة صغيرة
وأنا تعبت من الهروب.
بعد شهور
الموضوع اتقفل قانونيًا.
فاطمة اختارت تحتفظ باسمها القديم مش عشان تنسى، لكن عشان تكمل حياتها بطريقتها.
وأحمد لأول مرة في حياته، ما بقاش عايش في شقة فاضية.
بقى فيه بيت فيه صوت وفيه حياة.
وفي يوم هادي
فاطمة قالت له وهي ماسكة إيده
فاكر أول وعد بينا؟
ضحك وقال
فاكره كنت طفل غبي.
قالت بابتسامة
بس وعدك وصلني هنا.
أحمد بص لها وقال
وأنا وعدي الحقيقي إني ما أسيبكيش تاني.
ياسين مضاياش ثانية واحدة، مسك الموبايل وكلم حد من معارفه في مديرية الأمن وهو سايق بأقصى سرعة في اتجاه المستشفى: “عايز قوة تأمين فوراً عند غرف العناية المركزة، في ناس داخلين يصفوا حسابات قديمة والوضع خطر.”
بصيت له وأنا مرعوبة، دموعي مش راضية تقف: “سارة يا ياسين.. بنتي لو حصل لها حاجة مش هسامح نفسي ولا هسامح أبوها طول العمر.”
ياسين مسك إيدي بقوة وهو بيبص للطريق بتركيز: “سارة بنتي أنا كمان يا منى، ومش هسمح لشعرة منها تلمس الأرض. اهدي، إحنا قربنا.”
وصلنا المستشفى، ولقينا هرجلة في الطرقة اللي فيها أوضة كريم. تلات رجالة ضخام لابسين لبس غريب عن أهل المنطقة، كانوا بيحاولوا يزقوا الممرضة اللي واقفة تمنعهم من دخول الأوضة، وسارة كانت واقفة ورا الممرضة، وشها مخطوف من الرعب وهي شايفة السكاكين في إيديهم.
ياسين نزل من العربية قبل ما تقف تماماً، وجري عليهم زي الأسد. قبل ما حد فيهم يقرب من سارة، كان ياسين وسعهم وبقى واقف “حائط سد” قدام باب الأوضة.
“اللي هيقرب خطوة كمان، حسابه هيكون معايا أنا. إنتوا جايين تاخدوا حقكم من راجل بيمــ,,ـــــوت؟ ولا جايين تستقووا على بنت صغيرة؟”
واحد منهم زعق بغل: “كريم عبد السلام نصب علينا في ملايين وهرب، ودلوقتي عرفنا إن فيه ورث وأراضي.. يا يمديلنا على تنازل، يا هناخده من دم بنته!”
ياسين ضحك بسخـ,ـرية وهو بيطلع طبنجته المرخصة وحطها قدامه بهدوء: “الورث ده ملك ‘منى عبد السلام’، والوصية متسجلة باسمها هي وبنتها، يعني كريم ملوش شبر واحد يمديلكم عليه. وأي حد هيلمس باب الأوضة دي، هيتفتح عليه باب جهنم.”
في اللحظة دي، صوت سرينة البوليس ملأت المكان، والرجالة أول ما شافوا القوة داخلة، حاولوا يهربوا بس اتقبــ,,ـــــض عليهم في ثانية.
سارة جرت عليا وارتمت في حــ,,ـــــضني وهي بتترعش: “ماما.. أنا كنت خايفة أوي.. بابا جوه مش حاسس بحاجة، وهما كانوا عايزين يمــ,,ـــــوتوه.”
دخلت الأوضة أبص على كريم، كان متوصل بأجهزة كتير، ووشه باين عليه الانكسار حتى وهو غايب عن الوعي. بصيت لياسين اللي كان واقف يطمن الظابط على الوضع، وحسيت إن الراجل ده فعلاً هو الأمان اللي كنت بدور عليه طول حياتي.
ياسين قرب مني وقال بهدوء: “كريم لازم يتنقل مستشفى تانية تحت حراسة، والديون اللي عليه أنا هتكفل بمحامي يصفّيها من غير ما نلمس مليم من ورثك يا منى. سارة لازم تعيش في أمان.”
بصيت لـ “ڤاندا” اللي كانت واقفة بعيد، باين عليها الندم الحقيقي لأول مرة. ندهت عليها وقلت لها:
“يا ڤاندا.. إنتي النهاردة عملتي موقف صح لما حذرتينا. كريم لما يفوق، لو عايزة تفضلي جنبه وتساعديه يبدأ من جديد بعيد عننا، أنا مش همنعك.. بس ملكيش مكان في حياتنا تاني.”
ڤاندا هزت راسها بالموافقة وهي بتعيط: “أنا عرفت إن الدنيا دوارة يا منى.. ومكنتش أتخيل إن ‘الست الغلبانة’ هي اللي هتكون أجدع من الكل.”
خرجنا من المستشفى والفجر كان بيشقشق. بصيت للسما وقلت: “يا رب، كفاية وجع لحد كده.”
بس القدر كان لسه مخبي “سر” أخير في أوراق حمايا عبد السلام.. سر هيخلي “منى” تكتشف إن “كريم” مكانش بس خاين ومستهتر، ده كان فيه “كارثة” تانية مخبيها السنين!
حكايات رومانى مكرم
بعد ليلة المستشفى الصعبة، قعدت مع المحامي إبراهيم الجوهري في مكتبه الهادي.. كان باين عليه التردد وهو بيطلع ملف صغير مخفي تحت الأوراق الرسمية. بص لي بنظرة كلها أسف وقال:
“يا مديرة منى، أنا نفذت وصية الحاج عبد السلام بالحرف، بس كان فيه ‘ملحق’ صغير قالي مطلعوش غير لو كريم حاول يإذيكِ فعلاً.. وأظن حريقة المخازن دي كانت كفاية.”
فتحت الملف وإيدي بتترعش.. لقيت ورق رسمي من مستشفى في لندن وتاريخه يرجع لعشر سنين فاتوا، بالظبط قبل طلاقي من كريم بشهور. قريت الكلام المكتوب ومكنتش مصدقة.. تقرير طبي بيقول إن كريم “عقيم” ومستحيل يخلف تاني بعد دــ,,ـــــادثة قديمة خباها عني!
دموعي نزلت زي المطر.. بصيت للمحامي وسألته وصوتي مخنوق:
“يعني إيه؟ سارة بنتي.. كريم عارف إنها مش بنته؟ عشان كده كان بيعاملها بقسوة؟ عشان كده سابنا ومشي من غير ما يبص وراه؟”
المحامي هز راسه بحزن:
“لأ يا منى.. العكس هو اللي صح. سارة بنتك إنتي وكريم فعلاً، بس كريم لما عرف الحقيقة دي من الدكاترة في لندن، شك فيكي وظلــ,,ـــــمك في سره، وبدل ما يواجهك، قرر يهرب ويجري ورا ‘ڤاندا’ عشان يثبت لنفسه إنه لسه راجل ويقدر يخلف.. ولما فشل معاها، رجع يكره نفسه ويكرهكم أكتر.”
في اللحظة دي، الباب خبط ودخل ياسين.. كان باين على وشه إنه عارف الحكاية دي. قمت وقفت وزعقت فيه:
“إنت كمان كنت عارف؟ كنت عارف إن كريم شاكك في شرفي وعشان كده سابني؟”
ياسين قرب مني وهداني وصوته كله حنان:
“منى، أنا عرفت الحقيقة دي لما كنت ببحث في تاريخ كريم عشان أحميكي. بس مكنتش عايز أقولك عشان مجـ,ـرحش مشاعرك وأفتح سيرة ‘قـ,ـذرة’ زي دي. سارة بنته 100%، والتقرير الطبي كان فيه خطأ في التشخيص وقتها وكريم صدقه وعاش في وهمه.”
طلعت من المكتب وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. رحت المستشفى لكريم، كان بدأ يفوق. وقفت قدامه ورميت التقرير الطبي على سريره.
“عشان الوهم ده ضيعت أجمل سنين عمرنا؟ عشان شكك فيا وفي نفسك، سيبت بنتك تتربى يتيمة وأبوها عايش؟”
كريم بص للورقة وبدأ ينهار ويعيط بصوت مسموع:
“كنت خايف يا منى.. كنت حاسس إني قليل، والشيطان لعب بدماغي وقالي إنك خاينه.. هربت عشان مش قادره أواجه الحقيقة. أنا اللي ضيعت نفسي وضيعتكم.”
بصيت له بكل قوة وقلت له:
“إنت مش بس ضيعت نفسك، إنت .ت الأب اللي كان جواك. سارة النهاردة هتعرف كل حاجة، بس مش عشان تحبك، عشان تعرف إن أمها كانت أشرف من ظنونك بكتير.”
خرجت من الأوضة وأنا مقررة إن دي آخر مرة أشوف فيها كريم. رحت لياسين اللي كان مستنيني بره، مسكت إيده وقلت له:
“ياسين.. أنا عايزة أقفل الصفحة دي للأبد. مش عايزة ورث، ولا عايزة انتقام. أنا عايزة أعيش بسلام مع بنتي ومعاك.”
ياسين ابتسم وقال: “وده اللي هيحصل.. بس فيه مفاجأة أخيرة في انتظارك في البيت، مفاجأة هترجعلك حقك قدام الناس كلها.”
وصلنا قدام باب البيت، وكنت حاسة إن رجلي مش شايلاني. دخلت لقيت الصالة مليانة ناس مكنتش أتوقع أشوفهم.. جيراننا القدام من الحارة الشعبية، وصحابي من أيام الشغل البسيط في إسكندرية، وحتى موظفين الشركة اللي بشتغل فيها.
في النص، كان فيه شاشة كبيرة بتعرض فيديو.. فيديو متصور من سنين، للحاج عبد السلام، الله يرحمه.
صوته طلع في القاعة، وقور وحنين زي ما كنت فاكراه:
“أنا عبد السلام، وبشهد قدام ربنا والناس كلها، إن منى مرات ابني هي ست بمليون راجل. أنا عارف ابني وعارف طيشه وشكه اللي ملوش أساس، وعشان كده كتبت لها كل ورثي ‘مهر مؤخر’ ليها ولحفيدتي سارة.. مش عشان فلوس، عشان أثبت للعالم إن الحق مبيضعش، وإن الست الأصيلة هي اللي بتبني، والراجل الناقص هو اللي بيهد.”
الفيديو خلص، والقاعة كلها سقفوا. ياسين قرب مني ومسك الميكروفون وقال بصوت واثق:
“أنا النهاردة مش بس بحتفل بمراتي وشريكة حياتي، أنا بعلن تأسيس ‘مؤسسة منى عبد السلام لدعم المطلقات والمعيلات’.. المؤسسة دي هتكون بتمويل من ورث منى، عشان مفيش ست تانية تحس إنها ‘غلبانة’ أو ‘وحيدة’ زي ما منى حست في يوم من الأيام.”
بصيت لسارة، لقيتها بتبتسم وفخورة بيا وبنفسها. سارة النهاردة مش بس بنت منى، دي بقت رمز لكل بنت قدرت تقف في وش الظلــ,,ـــــم.
أما كريم.. فبعد ما خرج من المستشفى، استلم شغله في مخازن المنيا كموظف بسيط. شفته مرة واحدة وأنا بمر على الشغل، كان شايل كرتونة على كتفه، أول ما شافني نزل عينه في الأرض ومقدرش ينطق. مكنتش شمتانة فيه، كنت حزينة على راجل ضيع “جنة” كانت بين إيديه عشان خاطر “وهم” في دماغه.
ڤاندا سابته تماماً وسافرت، واختفت أخبارها، كأنها كانت مجرد “اختبار” صعب وعدى من حياتنا.
وقفت في بلكونة بيتي الجديد اللي بيبص على النيل، وياسين جنبي، وسارة بتضحك في الصالة مع صحابها. بصيت للسما وقلت: “الحمد لله.. الحكاية مخلصتش، الحكاية لسه بتبتدي.”
دي مش النهاية.. دي بداية حياة “منى” اللي مفيش حد يقدر يكسرها تاني. حياة الست اللي عرفت إن قيمتها مش بكلمة راجل، ولا بفلوس ورث، قيمتها في “نفسها” وفي “أصلها”.
نهاية “
وقفت “منى” في شرفة بيتها، بتبص للنيل اللي بيجري في هدوء وصمود رغم كل السدود اللي بتقابله، وحست لأول مرة إن روحها بقت زيه.. بتعرف تعدي وتكبر وتفضل صافية.
بصت لـ “ياسين” اللي كان واقف جنبها وساندها، ولبنتها “سارة” اللي بتبني مستقبلها بكل ثقة، وافتكرت اللحظة اللي كريم قالها فيها “المكان ده مش للغلابة اللي زيك”، وابتسمت.. مش بانتصار، لكن براحة.
الحكمة من الحكاية
> “الأصل مبيغرقش، والمعدن الطيب مبيصديش.. الغلب مش قلة فلوس، الغلب هو فقر النفس والشك في اللي بيحبونا. والست اللي بتبني نفسها من الوجـ,ـع، مبيكـ,ـسرهاش غياب راجل ولا بتهزها كلمة ناقص.. لأن اللي ربنا سنده، مفيش بشر يقدر يوقعه.”

تعليقات
إرسال تعليق