ظنّ مليونير عربي متعدد الثروات أنه يستطيع إذلالي
ظنّ مليونير عربي متعدد الثروات أنه يستطيع إذلالي
زيف موته ليهرب لكنها أعادته للحياة أمام الجميع!
لم أعرف معنى البرد الحقيقي إلا حين لا يكون لك باب.
ليس البرد الذي تطفئه ببطانية إضافية ولا ذاك الذي يحتمل مع كوب قهوة ساخن بل البرد الذي يصفعك فجأة ويذكرك بأنك مكشوف تماما وأن لا شيء في هذا العالم ملزم بأن يرحمك.
كان ديسمبر في نيويورك قاسيا على نحو خاص.
الهواء لا يمر عليك بل يخترقك.
يتسلل إلى صدرك ثم إلى عظامك ويجلس هناك كأنه قرر الإقامة بلا موعد مغادرة.
كنت في العاشرة من عمري.
اسمي هاربر مارتينيز.
ووفقا لملفات الرعاية الاجتماعية كنت حالة ميؤوسا منها.
لا أعرف متى رحل والداي تحديدا.
هل ماتا هل ضاعا هل ابتلعهما النظام كما يبتلع كل شيء ببطء
لم تعد التفاصيل تهم.
ما تبقى في ذاكرتي ليس الوجوه بل فراغ كثيف إحساس يشبه ضبابا قديما يغطي كل محاولة للتذكر.
جرب النظام إصلاحي ثلاث مرات.
ثلاثة بيوت.
ثلاث محاولات فاشلة لصناعة طفلة طبيعية.
في البيت الأخير كان الأب الحاضن يقول إن نظرتي تحاكمه.
كان يكره عيني.
وفي إحدى الليالي قرر أن يعاقبني
حبسني في القبو.
القبو لم يكن مظلما فقط بل صامتا على نحو مريب كأن الصوت نفسه يخاف أن يعيش هناك.
عندها فهمت شيئا بسيطا
بعض الأماكن تقتلك ببطء حتى لو كانت دافئة.
خرجت.
اخترت الشارع.
اخترت خطر التجمد قرب سنترال بارك على أن أذوب حزنا في قبو بكوينز.
الشارع مدرسة لا تكتب مناهجها.
يعلمك أشياء لا تجرؤ أي مدرسة فاخرة على
تعليمها.
تعلمت كيف أكون غير مرئية.
الناس لا يرون الفتيات المتسخات.
نظراتهم تنزلق فوقك كما تنزلق فوق بلاطة رصيف مكسورة.
تعلمت أن أراقب بدل أن أمد يدي.
بينما كان أطفال آخرون يبكون طلبا لعملة معدنية
كنت أفتش في القمامة عن أسلاك عن لوحات دوائر عن أي شيء ينبض بالكهرباء.
هناك اكتشفت موهبتي.
لا أعرف من أين جاءت.
ربما كانت الشيء الوحيد الذي تركه لي والداي.
أنا أفهم الآلات.
بالنسبة لي الحاسوب ليس صندوقا سحريا بل لغز منطقي.
كل شيء فيه له سبب وله نتيجة.
تعلمت القراءة وحدي في الرابعة.
وفي السابعة فككت أول هاتف ذكي وجدته قرب وول ستريت.
كان مكسور الشاشة لكنه حي من الداخل.
أعدت تركيبه.
وصلته ببطارية قديمة.
وعندما أضاءت شاشته للمرة الأولى شعرت بانتصار لا يشبه أي شيء عرفته من قبل.
المكتبات العامة كانت ملجئي.
ليس فقط بسبب التدفئة بل بسبب الإنترنت.
وبسبب الكتب.
كان بعض أمناء المكتبات يطردونني بسبب الرائحة
لكنني كنت أعود دائما.
قرأت كل ما وقعت عليه يداي عن البرمجة عن بايثون وجافا عن بروتوكولات الأمان وتشفير البيانات.
وكانت المفارقة تسليني
طفلة لا تملك مفتاح بيت تتعلم كيف تصنع أعقد المفاتيح الرقمية في العالم.
في ذلك اليوم تحديدا كان الجوع ألما جسديا خالصا.
ليس شعورا عابرا بل تقلصا عنيفا في المعدة.
مر يومان بلا طعام حقيقي.
شربت ماء النوافير فقط.
كنت أمشي قرب الشارع الثاني والأربعين
وحذائي الممزق يسمح للثلج الموحل أن يتسرب إلى قدمي.
حتى عقلي الذي اعتاد أن يكون سريعا صار بطيئا.
كحاسوب فتح عددا أكبر من التبويبات مما يحتمل.
كنت بحاجة إلى وقود.
رفعت بصري فرأيت مبنى كرايسلر.
تحفة آرت ديكو تلمع تحت شمس شتوية شاحبة.
بالنسبة للسياح كان معلما.
أما بالنسبة لي فكان فرصة.
سمعت إشاعة بين المشردين المخضرمين
الطوابق التنفيذية ترمي طعاما لم يلمس.
ولائم كاملة فقط لأنها فائضة.
الأمن هناك صارم نعم.
لكن للأمن عيبا أبديا
العامل البشري.
لا أحد يشك في طفلة.
انتظرت في زقاق التحميل أرتجف
حتى رأيت شاحنة غسيل تخرج.
كان الحراس منشغلين بالضحك مع السائق.
وفي تلك الومضة القصيرة من الشرود
دخلت.
ضربتني حرارة الداخل كصفعة معاكسة.
هواء دافئ نظيف مصقول كأن المكان نفسه لا يعرف معنى الشتاء.
رائحة مطهرات خفيفة وسجاد يبتلع وقع الخطوات وجدران لامعة تعكس عالما لا يشبهني في شيء.
تحركت بمحاذاة الجدران.
الاختباء صار غريزة.
صعدت سلالم الخدمة طابقا بعد طابق والسلم يلتهم ما تبقى من قوتي.
كانت ساقاي تحترقان والجوع يدور برأسي لكن فكرة الطعام في الأعلى دفعتني كحبل خفي.
عند طابق مرتفع لا أعرف رقمه تغير الصمت.
صار أثقل.
أغنى.
سجاد كثيف هواء مشبع بالمال.
كنت أبحث عن مطبخ
لكنني سمعت أصواتا.
صرخة حادة
هذا مستحيل! الجدار الناري يصدنا!
رد متوتر
جرب مرة أخرى! بقي أقل من عشرين دقيقة!
اقتربت بحذر.
الباب كان مواربا.
الغرفة فاخرة على نحو فج
خشب ماهوغاني نوافذ بانورامية تطل على المدينة وستة رجال ببدلات تساوي أكثر مما سأكسبه في حياة كاملة.
كانوا ملتفين حول خزنة عملاقة مثبتة في الجدار.
عرفتها فورا.
لم تكن خزنة عادية.
كانت حصنا رقميا.
تيتانيوم إكس 9000.
قرأت مخططاتها يوما في مجلة مهملة عن أمن المعلومات.
بصمات حيوية تعرف صوتي تشفير متبدل وحش حقيقي.
لكن الرجال أمامها كانوا يهاجمونها بعنف أعمى.
ضرب رجل طويل الجدار بقبضته وهو يصرخ
إن لم أخرج هذه العقود الآن ستلغى الصفقة! سأخسر مليارا!
عرفته.
فارد الزهراوي.
وجه مألوف من أغلفة صحف المترو.
ملياردير نفط نفوذ كل ما لا أملكه.
قال أحد الفنيين بتلعثم
سيدي نظام القفل المؤقت
قاطعه بزئير
لا تأتوني بالأعذار!
كنت أرى الخطأ بوضوح مؤلم.
خزنة تيتانيوم إكس لا تغلق بسبب كلمات مرور فاشلة فقط
بل بسبب خلل التزامن الزمني.
كانوا يدخلون الرمز بسرعة
يخنقون الذاكرة المؤقتة
ولا يتركون للخادم الأمني وقت المصافحة المطلوبة.
زمجرت معدتي.
صوتها اخترق الغرفة المعقمة.
التفت الجميع نحوي.
طفلة نحيلة بملابس أكبر من مقاسها
ووجه لم يعرف النوم منذ أيام.
قال فارد مذهولا
أين الأمن كيف دخلت هذه الطفلة
تقدمت خطوة.
لم أخف.
من ينام تحت الجسور لا يخاف من غضب رجل غني.
قلت بهدوء
لديكم خطأ في التأخير الزمني.
رمش.
ماذا قلت
الخزنة لا تفتح لأنكم مستعجلون.
أنتم تغرقون النظام.
يجب الانتظار أربع ثوان ونصف بين التحقق الحيوي وإدخال الرمز.
ساد صمت ثقيل.
قال كبير الفنيين بازدراء
اخرجي قبل أن
قاطعه فارد
دعها تتكلم.
ثم نظر إلي
هل تعرفين كيف نفتحها
أعرف كيف لا نغلقها للأبد.
وأنا
جائعة.
ضحك ضحكة قصيرة جافة.
حسنا. إن استطعت فتحها خلال عشر دقائق لك مئة مليون دولار.
ضحكوا.
ظنوها مزحة.
قلت
وماذا إن فشلت
الشرطة. الإصلاحية.
نظرت إلى الساعة.
ثم قلت
أريد شطيرة أولا.
ديك رومي وكثير من الجبن.
أومأ.
جلست على كرسي جلدي فاخر قدماي بالكاد تلامسان الأرض.
التهمت الشطيرة بسرعة كأنها قد تسحب مني.
قال فارد
لديك خمس دقائق.
وضعت أصابعي على اللوحة.
أريد الصمت.
صمتوا.
أغمضت عيني.
شعرت بإيقاع النظام.
الخزنة لم تكن معدنا كانت كائنا ينتظر أن يفهم.
ضع يدك هنا قلت لفارد.
تم التحقق.
انتظرت.
واحد
اثنان
ثلاثة
أربعة
أربعة ونصف.
أدخلت الرمز.
طنين عميق.
تروس تدور.
ضوء أحمر يتردد ثم أخضر ثابت.
انفتح الباب.
لم يحتفل أحد.
الصمت انفجر.
قال فارد بصوت خافت
لقد فعلتها.
قلت
مشكلة توقيت. أي شخص استخدم جهازا قديما يعرفها.
قال
مئة مليون دولار.
ظنوا أنه يمزح.
استدرت نحو الباب.
شكرا على الطعام.
قال خلفي
انتظري.
إلى أين تذهبين
إلى بيتي. الشارع.
قال
كلمتي قانون.
اتصل بمحاميه.
فتح صندوقا ائتمانيا.
قال
اليوم ستتوقفين عن كونك غير مرئية.
لم أبك.
لكن البرد الذي عاش في عظامي بدأ يذوب.
سألته
لماذا
قال
لأن الذكاء لا يسكن البدلات
بل يسكن الجوع للتعلم.
وأنت كنت جائعة أكثر من أي شخص عرفته.
في ذلك اليوم لم تتبدل حياتي لأن المال طرق بابي بل لأن أحدهم وللمرة الأولى نظر إلي دون أن يرى في طفلة فقيرة. رآني كإمكان مؤجل كطاقة أهدرت طويلا في الظل. وذلك دين لا يستطيع المال مهما تضاعف أن يسده.
دخل المحامون بعد ذلك بوقت قصير كأنهم سرب من مفترسات مدربة لا يخطئون رائحة الفرصة مهما ابتعدت. وجوه جامدة بدلات رمادية متشابهة ونظرات مدروسة لا تعرف الشفقة ولا تعترف بالارتباك. كانوا يتحركون كما لو أن الغرفة ملك لهم منذ البداية. حين وقعت أعينهم علي وأنا جالسة بثياب جديدة لكن بعينين تحملان عمرا أقدم من جسدي رأيت في ملامحهم خليطا غريبا من الامتعاض والحذر والرغبة الجامحة في السيطرة على المشهد.
بدأت الأسئلة القانونية تتساقط علي بلا تمهيد كحجارة باردة.
نحتاج اسما كاملا.
نحتاج هوية رسمية.
قلت بهدوء لا يخلو من فراغ طويل
لا أملك هوية.
ساد صمت قصير من ذلك النوع الذي لا يقاس بالثواني بل بالنية. ثم قيل بلهجة حاسمة
بدونها لا حساب.
عندها تدخل فارد. لم يرفع صوته ولم يتظاهر بالحكمة. قال ببساطة مدهشة
سنعالج الأمر قبل العشاء.
قادني إلى حمام خاص داخل مكتبه. كان أكبر من أي غرفة نمت فيها يوما. مناشف بيضاء كثيفة صابون برائحة الخزامى ودش زجاجي يلمع كأنه نافذة إلى عالم آخر. قال بهدوء خال من الشفقة ومشبع بالاحترام
اغتسلي يا هاربر. اليوم تبدأ حياتك الجديدة. والحياة الجديدة يدخلها المرء بوجه نظيف.
وقفت أمام المرآة وحدي. رأيت الأوساخ العالقة الشعر المتشابك عينين لطفلة عرفت من القسوة ما لا ينبغي أن يعرفه أحد في عمرها. فتحت الماء الساخن فامتلأ المكان ببخار دافئ كأن الجدران نفسها تتنفس. نزعت ثيابي البالية ذلك الدرع القذر الذي حماني من الشتاء أكثر مما حماني من البشر. وحين لامس الماء الساخن جلدي انهمرت دموعي.
لم أبك حين جعت.
لم أبك حين أغلقت الأبواب في وجهي.
لم أبك حين فتحت الخزنة ورأيت ما فيها.
لكن الدفء ذلك الدفء البسيط كسر شيئا عميقا في داخلي. بكيت لأنني أدركت فجأة كم تألمت وأنا أحاول فقط أن أوجد.
خرجت ملفوفة بمنشفة كبيرة. كان فارد قد أرسل مساعدته لتشتري لي ملابس مريحة بنطال جينز سترة رمادية حذاء جديدا وجوارب سميكة. حين ارتديتها شعرت بشيء يشبه استعادة الجلد بعد حريق. عدت إلى غرفة الاجتماعات. لم أعد طفلة
الشارع التي دخلتها قبل ساعة. ما زلت هاربر لكنني صرت هاربر التي استعادت درعها درعا جديدا لامعا لا يشبه القديم إلا في وظيفته الحماية.
وقعت أوراق الصندوق الائتماني وكان القلم يرتجف بين أصابعي. قال أحدهم بابتسامة رسمية لا تصل إلى العينين
تهانينا يا آنسة مارتينيز أصبحت من أغنى أشخاص نيويورك.
نظرت إلى الأصفار على الورق. أصفار كثيرة بلا رائحة بلا ذاكرة لا تشبه شيئا من عالمي. رفعت بصري إلى فارد وقلت
لا أريد المال لشراء الأشياء. أريده لإخراج الآخرين.
سألني أحدهم بنبرة مشككة
الآخرين من تقصدين
قلت دون تردد
الأطفال الأذكياء الذين يرمون مع القمامة. الذين يرفضهم النظام لأن ثيابهم ليست نظيفة.
ثم أضفت وكأنني أضع الحقيقة على الطاولة
هناك كثيرون مثلي يا سيدي. لكنهم لم يجدوا خزنة مغلقة بالصدفة.
ابتسم فارد. لم تكن ابتسامة رجل أعمال بل ابتسامة شخص رأى معنى ما. قال
إذن يا شريكتي أمامنا عمل كثير.
ما إن خرج الخبر إلى العلن حتى بدأ يتكاثر كصدى لا يمكن كبحه. وحين صار المال حقيقة متداولة تحركت كائنات لا تظهر إلا عند تغير الاتجاه. لم يأتوا باسم القانون هذه المرة بل بأسماء قديمة ظننتها اندثرت موظفون مروا عابرين في حياتي وأقارب استيقظت في ذاكرتهم فجأة صلة الدم بعدما أدركوا أن القرابة قد تقاس بالأرقام.
دخلوا علي بوجوه متعبة اصطناعا محملين بسير ذاتية مختصرة عن الحرمان والخذلان والندم المؤجل. كانوا يتحدثون عن الماضي كما لو أنه لم يكن اختيارا وكأن الغياب حادث عارض لا قرار. استمعت إليهم بهدوء لم أكن أعرفه من قبل وكنت أعلم في داخلي أن من يتأخر كثيرا لا يبحث عنك بل عما أصبحت تملكه.
لم أعد تلك الطفلة التي تمسك من عاطفتها.
الشارع لم يربني على القسوة بل على التمييز. علمني أن الكلمات قد تزيف أما الأفعال فلا.
وضعت أمامهم طريقين واضحين لا يلتقيان. إما التزام كامل بالمسؤولية بعيدا عن المال لسنوات طويلة أو انسحاب نهائي مقابل مبلغ واحد لا يساوي ظل ما تمنوه. لم يستغرق القرار وقتا. المال اختصر
المسافة وغادروا.
عندما أغلق الباب لم أشعر بخسارة. كان ما تبقى أقرب إلى فراغ شفاف كشف لي حقيقة بسيطة بعض الناس لا يعودون لأنهم اشتاقوا بل لأنهم حسبوا أن الوقت قد حان للأخذ.
مر عامان. ظل الشتاء في نيويورك قاسيا لكنه لم يعد يسكن عظامي. كبرت لا بعدد السنوات فقط بل بقدرتي على الفهم. صار فارد أبي بالتبني رسميا ولم يحاول أن يعوضني بالترف بل بما هو أثمن المعرفة والانضباط والقدرة على الاختيار.
في الصباح كنت أتعلم بين طلاب لا يسألون عن بداياتهم بل عن احتمالاتهم. وفي المساء كنت أراقب من الداخل كيف تدار الشركات وكيف تصاغ القرارات قبل أن تصل إلى العناوين. أما الليل فكان مكرسا لما اعتبرته واجبي الحقيقي.
لم أرد مشروعا للصدقات ولا مؤسسة تجمل الضمير. أردته نظاما مضادا يبحث عمن لا يراهم أحد. الأطفال الذين لا يفشلون لأنهم عاجزون بل لأنهم وضعوا خارج المعادلة. اللامعون الذين يسقطون لأن الضوء لم يوجه إليهم يوما.
كنا نلتقط العلامات الخفية
طفل يفكك أنظمة مدرسته ليحل مسألة.
طفل يعيد الحياة لأجهزة ميتة.
طفل يبني عالمه بعقله وحده بلا سند ولا اسم.
كنا نصل إليهم نمد أيدينا ونفتح بابا واحدا فقط باب الفرصة.
في مساء شتوي نزلت إلى محطة مترو في برونكس. ارتديت ما يجعلني غير مرئية. كان فريقنا قد رصد اضطرابا في التيار الكهربائي. لم يكن عبثا بل محاولة ذكية لإبقاء شيء حي.
تقدمت نحو طرف الرصيف حيث تختبئ العتمة خلف باب صيانة منسي. هناك رأيت نورا ضعيفا. طفل صغير بالكاد تجاوز الثامنة يجلس على الأرض وأمامه حاسوب ولد من بقايا أجهزة أخرى موصول بأسلاك النفق. كان يعمل لا يلعب.
حين شعر بوجودي فزع. حاول إخفاء كل شيء. قلت له بهدوء
لا تقلق.
ثم أضفت
معادلتك صحيحة لكن السطر الأربعين سيحرق البطارية.
نظر إلي بعينين أعرفهما جيدا عينين لا تطلبان الرحمة بل الأمان. سأل
هل أنت من الشرطة
انحنيت كشفت وجهي وقلت
لا. اسمي هاربر. وقبل عامين كنت أنام غير بعيد عن هنا.
أخرجت شطيرة وقدمتها له. تمتم
أنا جائع.
ابتسمت.
أعلم.
ثم أشرت إلى جهازه وقلت
لكن عقلك هذا لا ينتمي إلى الظلام. ما اسمك
ماتيو.
قلت
أمامك خياران يا ماتيو. إما أن تكمل هنا أو تأتي معي لتتعلم كيف يكبر ما تصنعه.
حدق في طويلا.
هل هذا حقيقي
قلت
نعم. بشرط واحد أن تبدأ بنوم دافئ وحمام حقيقي.
مد يده نحوي. أمسكتها وفهمت أخيرا. لم يكن المال هو التحول. التحول كان أن أكون الجسر.
خرجنا إلى الشارع. البرد كان قاسيا لكن الداخل كان ممتلئا بشيء آخر.
أنا هاربر مارتينيز. كنت يوما غير مرئية. واليوم أبحث عن أولئك الذين ما زالوا هناك يرفعون رؤوسهم نحو الضوء ويحلمون بأبسط الأشياء.
وإذا شعرت يوما أنك سقطت خارج الحساب وأن الطريق لم يصمم لخطواتك فتذكر أن بعض الأبواب لا تفتح من الأعلى بل من حيث لا ينظر أحد. قد لا تسمع النداء وقد لا ترى اليد الممدودة فورا لكن الخيط موجود ينتظر فقط من يجرؤ على الإمساك به.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق