سر الدرج المظلم
سر الدرج المظلم
حماتي كانت فاكراني نايمة لما فتحت الدرج.. بس اللي شافته خلاها تهمس: "لأ.. مش ابني"
حماتي كانت فاكرة إني غارقة في النوم.
سمعت صوتها وهي بتوشوش عند باب الأوضة، صوت واطي قوي لدرجة إنها أكيد افتكرت إن الحيطان نفسها مش سامعاها.
قالت: "أنا هاخد المفاتيح بس.. هي مش هتحس بحاجة."
متحركتش من مكاني.
ولا حتى فتحت عيني.
فضلت نايمة، بنظم نفسي بالراحة وبكل هدوء، ومستنية اللحظة اللي تكتشف فيها إنها وقعت بكرة في السر اللي بقالها شهور بتحاول توصله.
فجأة، سمعت صوت "جر" درج الكومودينو وهو بيفتح.
لثانية واحدة، الدنيا سكتت خالص.
مفيش صوت رجلين، مفيش خروشة، مفيش نفس.
وبعدين صوتها طلع مهزوز، ضعيف، لدرجة إني مكنتش عارفة أميزه:
"لأ.. هو أنا شايفة إيه؟"
في اللحظة دي عرفت إن كل حاجة اتغيرت.
اللي حماتي شافته في الدرج ده مهدش بس الصورة اللي كانت رسماها لابنها في خيالها.. ده غير مستقبل عيلتنا كلها وللأبد.
أنا اسمي "لورا"، عندي 32 سنة. بقالي حوالي أربع سنين بمثل إن جوازي من "أدهم" لسه شغال، مع إنه كان بيعفن من جوه وأنا شايفة. كملت لسبب واحد بس: عشان أحمي بنتي وأخلص أقساط الشقة اللي اشتريناها سوا قبل ما كل حاجة تنهار.
اللي محدش كان يعرفه إن حماتي، "الحاجة كريمة"، كانت بتدخل بيتي بقالها شهور بحجة إنها "بتساعدني في البنت"، بس في الحقيقة هي كانت بتراقبني. بتدرسني. بتعد عليا أنفاسي، مكالماتي، الأدراج المقفولة، حتى سكوتي كانت بتحلله.
كانت دايماً شاكة إني مخبية حاجة.
والحقيقة إنها كانت صح.
بس عمرها ما تخيلت إن الحقيقة دي هتدمرها هي أكتر ما هتدمرني أنا.
الموضوع بدأ
يوم ما اكتشفت إن "أدهم" زور إمضتي على قرض.
ومش أي قرض.. مبلغ كبير.
كان فيه ضامنين، وتحويلات مش فاهمة راحت فين، وفلوس بتتحول لحساب عمري ما شفته قبل كده. لما واجهته، حلف لي إنها "غلطة موظف" وهتتصلح. قعد يترجاني مأعملش فضيحة، وبعدين والدموع في عينه قال الجملة اللي كان فاكر إنها هتكتفني:
"أرجوكي بلاش تخربي البيت.. أمي مش هتستحمل الفضيحة، دي تروح فيها."
بس أنا مكنتش مصدقاه.
ولا حرف.
عشان كده بدأت أجمع كل حاجة.. كشوف حسابات، رسايل مطبوعة، سجلات تحويل، صور، نسخ من ورق رسمي.. أي حاجة تثبت إن أدهم بيخدعني من زمان أوي، أبعد بكتير مما كنت أتخيل.
شلت كل ده في ظرف كبير في درج الكومودينو جنبي.
مكانش خزنة، ولا مكان ذكي زي اللي بنشوفه في الأفلام.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بس كان آخر مكان "كريمة" ممكن تدور فيه طول
ما هي فاكرة إني نايمة في سابع نومة.
ليلتها، كنا بنتعشى عندها.
"كريمة" عينها منزلتش من عليا طول الأكل. عمالة تسألني: "مالك ساكتة ليه؟"، "قلعتي دبلتك ليه؟"، "غيرتي باسورد موبايلك ليه؟". أدهم كان بيرد بدالي كل ما يقدر، وصوته مشدود، وجسمه كله متوتر.
كنت ببتسم لما يجي الدور عليا.. وبس.
بعد ما رجعنا البيت، لبست قميص النوم، وسبت الأباجورة قايدة، ونمت من غير ما أقفل باب الأوضة للآخر.
لأني الصبح كنت سمعت أدهم وهو بيوشوش أمه في المطبخ:
"المفاتيح في درج لورا.. خديها وأنا هخلص موضوع الحاجة اللي في الدولاب بكرة، وكل ده ينتهي."
مفتكروش إنهم بيتكلموا على مفاتيح شقة.. كانوا بيتكلموا على "أدلة".
عشان كده استنيت.
فضلت ساكنة تماماً، مغمضة عيني، بتنفس بالراحة، لحد ما سمعت صوت خطوات خفيفة
جاية في الطرقة.
باب الأوضة اتفتح بهدوء زي الحرامية.
وقفت جنب السرير تتأكد إني نايمة.
وبعدين مدت إيدها للدرج.
سمعت صوت الدرج وهو بيتفتح.. وسمعت خروشة الظرف وهو بيتحرك.
وفجأة.. فيه صور وقعت منها على الأرض.
وبصوت مكسور من الصدمة، حماتي همست بالكلمات اللي عمري ما هنساها:
"لأ.. مش ممكن.. مش ممكن ده يكون ابني!"
فتحت "كريمة" الظرف وهي فاكرة إنها هتلاقي مفاتيح أو ورق يثبت إن "لورا" هي اللي بتخون أو بتخطط لحاجة تدمر ابنها، لكن اللي وقع بين إيديها كان "الصدمة" اللي مكنتش عاملة حسابها.
الصور مكنتش صور عادية.. كانت صور لـ "أدهم" وهو قاعد مع ناس مريبين، ورق بيثبت إنه مش بس زور إمضتها، ده كان بيسحب فلوس من حساب توفير بنتهم الوحيدة عشان يغطي ديون "قمار" ومشاريع وهمية كان داخل فيها من ورا الكل. والأدهى من كده، كان فيه ورق جواز باسمه وباسم واحدة تانية، وتنازلات عن ممتلكات تخص "لورا" لوحدها كان بيحاول يسيلها لفلوس سائلة.
المواجهة الصامتة
فضلت واقفة مكانها، جسمها كله بيترعش. كنت شيفاها من تحت رموشي وهي بتمسك الورق بإيد بتترعش، وعينيها بتزوغ بين السطور. السكوت في الأوضة كان مرعب، مفيش غير صوت أنفاسها اللي بدأت تعلى وتتقطع.
همست تاني وهي بتعيط من غير صوت: "يا وقعتك السودة يا أدهم.. ده أنت طلعت مش بس كداب، أنت طلعت حرامي!"
في اللحظة
دي، قررت إني مكملش تمثيل. فتحت عيني بالراحة وقعدت على السرير. كريمة اتنفضت لدرجة إن الورق كله وقع من إيدها وغرق الأرض.
"خضيتيني يا طنط.. مش كنتي جاية تاخدي المفاتيح؟"
وشها بقى لونه أبيض زي الورق اللي في الأرض. حاولت تلملم شتات نفسها، بس الصدمة كانت أقوى. "لورا.. أنتِ كنتِ صاحية؟ إيه.. إيه القرف اللي أنا شايفاه ده؟ قولي لي إن الورق ده مزور، قولي لي إن ابني ميعملش كده!"
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
قمت من على السرير، مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت قدامها، وبكل برود رديت: "ابنك اللي كنتِ دايماً بتيجي تفتشي ورايا عشانه، هو اللي سرقني. هو اللي كان بيخطط يرميني أنا وبنتك في الشارع عشان يسدد ديون طيشه. هو اللي اتجوز عليا بالسر بفلوسي أنا. تحبي أشرح لك بقية الورق؟"
خيانة الأمانة
كريمة قعدت على أقرب كرسي وهي بتنهج. "أنا كنت فاكراه بيحميني.. كان بيقول لي إنك عايزة تطلبي الطلاق وتاخدي الشقة وتمنعيه من يشوف بنته. كان بيقول لي إنك بتخونيه!"
ضحكت بوجع. "الخاين دايماً بيشوف الناس بعينه يا طنط. أدهم كان بيستخدمك عشان يغطي على جريمته. كان عارف إنك هتدخلي تفتشي في حاجتي، فكان عايزك تلاقي (المفاتيح) اللي هو حطها -مفاتيح وهمية- عشان يثبت لك إني بخبي حاجة، فيشغلك بيا لحد ما يخلص هو على بقية
اللي حيلتي."
الست بدأت تنهار. "أنا اللي ربيته.. أنا اللي علمته الأمانة. معقول ده ابني اللي شيلته على إيدي؟"
قلت لها بقسوة محتاج لها الموقف: "ابنك كبر يا طنط، وبقى وحش.. وحش أنتِ اللي ساعدتي في صنعه بدفاعك الأعمى عنه في كل غلطة كان بيعملها زمان."
دخول "أدهم" في المشهد
في اللحظة دي، سمعنا صوت الباب الخارجي بيفتح. أدهم رجع.
دخل الشقة وهو بينادي بصوت عالي، كان فاكر إن أمه خلصت المهمة وخرجت. "يا ست الكل.. عملتي إيه؟ لقتي الزفت اللي في الدرج؟"
دخل الأوضة بابتسامة نصر، بس الابتسامة دي اتجمدت على وشه أول ما شاف أمه قاعدة منهارة، والورق مالي الأرض، وأنا واقفة مربعة إيدي وببص له بنظرة "النهاية".
"أمي؟ لورا؟ فيه إيه؟" أدهم سأل بصوت مهزوز.
كريمة قامت، وبكل قوتها اللي باقية، ضربته بالقلم على وشه. قلم رن في الأوضة كلها. "إيه ده يا أدهم؟ الجواز ده إيه؟ والفلوس اللي سرقتها من حساب بنتك دي إيه؟ أنت مش ابني.. أنا معرفكش!"
أدهم بص للورق، وبعدين بص لي بغل. "أنتِ اللي عملتي كده؟ أنتِ اللي جرتيها لهنا؟"
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
رديت عليه بثبات: "لا يا أدهم.. طمعك هو اللي جرك. أنت كنت فاكر إنك أذكى من الكل، بس نسيت إن الحقيقة دايماً بتلاقي طريقها للنور."
القرار الأخير
أدهم حاول
يمثل إنه مظلوم، حاول يزعق ويقول إن الورق ده "فوتوشوب" وإن لورا بتنتقم منه، بس أمه كانت خلاص فاقت. شافت في الورق إمضاءاتها هي كمان على وصولات أمانة كان هو مستغل ثقتها وممضيها عليها بحجة ورق "معاش".
"أنت سرقتني أنا كمان؟" صرخت كريمة وهي بتمسك رقبته. "ده أنا كنت ببيع اللي ورايا واللي قدامي عشانك!"
في الليلة دي، مكنش فيه رجوع. طلبت البوليس، مش بس عشان التزوير، لكن عشان أضمن حماية بنتي وحقي. أدهم حاول يهرب، بس أمه هي اللي وقفت في طريقه عند الباب. الست اللي كانت "السند والغطا" هي اللي سلمته بإيدها.
بعد العاصفة
بعد كام شهر، القضية خلصت. أدهم بقى ورا القضبان بتهم تزوير ونصب. الشقة رجعت لي بالكامل، وقدرت أسترد جزء من الفلوس اللي كان سرقها.
أما كريمة.. الست اللي كانت عدوتي اللدود، اتغيرت تماماً. الصدمة كسرت كبريائها، بس خلتها تشوف الحقيقة. بقت بتيجي تزور بنتي، بس المرة دي مش عشان "تراقبني"، لكن عشان تحاول تكفر عن ذنب ابنها.
قعدنا مرة بنشرب شاي، بصت لي وقالت: "سامحيني يا لورا.. أنا كنت عمية."
رديت عليها: "المهم إننا فتحنا عينينا يا طنط.. حتى لو كان الثمن غالي."
انتهت الحكاية، بس بدأت حياتي من جديد. حياة مفهاش تمثيل، ولا دروج مقفولة، ولا خوف من حد يفتش
في أسراري.. لأني ببساطة، مبردتش أخبي غير "الحق"، والحق دايماً بيكسب في الآخر
تمت


تعليقات
إرسال تعليق