روايه سخروا من شاب كاملة جميع الفصول
روايه سخروا من شاب كاملة جميع الفصول
القاعة كلها كانت مليانة ضحك ساخر.
ناس كتير مسكوا موبايلاتهم…
مش علشان يسمعوا…
لكن علشان يصوروا اللحظة اللي شاب مشرد هيحرج نفسه فيها قدام 200 شخص.
إميليانو مشي ببطء ناحية البيانو.
خطواته كانت هادية…
لكن عينيه كانت ثابتة.
لما وصل للبيانو… وقف لحظة.
مد إيده جوه الشنطة القديمة…
وطلع المنديل الأبيض.
فتحه بهدوء…
وظهرت الميدالية البرونزية.
بص لها ثانيتين…
وكأنه بيسمع صوت أبوه.
وبعدين حطها جنب البيانو.
وقعد.
القاعة كلها كانت بتبص عليه.
واحد من الضيوف قال وهو بيضحك:
"يلا يا بطل… خلينا نضحك شوية."
ريجينا كانت واقفة وذراعاتها متقاطعة…
وعلى وشها ابتسامة استهزاء.
إميليانو حط صوابعه على المفاتيح.
ثانية…
اتنين…
ثلاثة…
وبدأ يعزف.
في أول 3 ثواني…
الناس لسه بتضحك.
في 6 ثواني…
الضحك بدأ يخف.
في 12 ثانية بالظبط…
القاعة كلها سكتت.
سكون كامل.
الصوت اللي طلع من البيانو…
ما كانش صوت واحد بيتعلم يعزف.
ده كان صوت قصة كاملة.
نغمة حزينة…
وراها نغمة قوية…
وبعدين لحن مليان شوق.
كل نغمة كانت كأنها بتتكلم.
ست كبيرة من الضيوف حطت إيدها على قلبها.
واحد من رجال الأعمال اللي كان ماسك موبايله…
نزل إيده ببطء.
العروسة نفسها…
لفت وشها عن الصور وبصت عليه.
إميليانو كان مغمض عينيه.
وكأنه مش شايف القاعة…
ولا الناس…
ولا الإهانات.
كان شايف أبوه.
شايف الشقة الصغيرة.
شايف البيانو القديم.
شايف الليالي اللي كان أبوه يعلمه فيها
يعزف.
النغمات بدأت تعلى…
وتتحول لمقطوعة قوية…
مليانة إحساس.
واحد من الضيوف همس:
"مستحيل…"
والتاني قال:
"الولد ده عبقري…"
حتى رجال الأمن اللي كانوا جايين يطردوه…
وقفوا مكانهم.
ريجينا نفسها…
الابتسامة اختفت من وشها.
وبقت تبص عليه بذهول.
بعد دقايق…
إميليانو عزف آخر نغمة.
وساب صوابعه على المفاتيح لحظة.
وبعدين وقف بهدوء.
القاعة كانت ساكتة تمامًا.
محدش بيتكلم.
كأن الكل مش مصدق اللي حصل.
إميليانو مسك الميدالية…
وحطها في الشنطة.
وقال بهدوء:
"أنا قلت هاعزف أغنية واحدة… وهايمشي."
ولف علشان يمشي.
وفجأة…
صوت تصفيق واحد قطع الصمت.
كان من راجل عجوز قاعد في الصف الأول.
الناس بصت له.
وبعدين…
التصفيق زاد.
واحد ورا التاني.
خلال ثواني…
الـ200 ضيف كلهم كانوا واقفين…
وبيسقفوا بقوة.
العروسة نفسها كانت بتدمع.
إميليانو وقف مكانه… مش فاهم.
الراجل العجوز قام من مكانه…
ومشى ناحيته.
كان لابس بدلة شيك…
وشعره أبيض بالكامل.
وقف قدامه وسأله بهدوء:
"اسمك إيه يا بني؟"
قال:
"إميليانو… إميليانو دوران."
الراجل فتح عينيه بدهشة.
وقال:
"دوران؟"
وسكت لحظة… وبعدين قال:
"أبوك… أرتورو دوران؟"
إميليانو اتجمد مكانه.
"حضرتك تعرفه؟"
الراجل ابتسم ابتسامة مليانة حنين.
وقال:
"أنا ما عرفتهوش بس…
أنا كنت المنافس اللي خسر قدامه في مسابقة 1987."
القاعة كلها اتفاجئت.
الراجل كمل كلامه:
"أبوك كان أعظم عازف شفته في حياتي."
وبعدين بص حواليه…
وقال بصوت عالي:
"والولد ده… موهبته أكبر."
ريجينا كانت واقفة… ووشها شاحب.
الراجل لف ناحيتها وقال ببرود:
"انتي كنتي هتطردي أعظم موهبة موسيقية دخلت القاعة دي… علشان هدومه مقطوعة."
وبعدين رجع بص لإميليانو.
وقال:
"أنا مدير أكاديمية الموسيقى الوطنية."
وسكت لحظة… قبل ما يقول:
"ولو قبلت…
الأكاديمية هتديك منحة كاملة… وسكن… وتعليم… وكل اللي تحتاجه."
القاعة انفجرت تصفيق تاني.
إميليانو ما قدرش يتكلم.
عينيه امتلوا دموع.
أول مرة من سنين…
حس إن حياته ممكن تتغير.
الراجل حط إيده على كتفه وقال:
"موهبة زي دي… مكانها مش تحت كوبري."
وفي اللحظة دي…
الولد اللي دخل القاعة كشحات…
خرج منها…
كمستقبل أعظم عازف بيانو في البلد.
النهاية…
القاعة كانت ما زالت مليانة تصفيق.
إميليانو واقف مكانه مش مصدق اللي حصل.
من ساعات قليلة كان نايم تحت كوبري…
ودلوقتي 200 شخص واقفين بيصفقوا له.
مدير أكاديمية الموسيقى كان واقف جنبه، وحاطط إيده على كتفه.
وقال له بهدوء:
"من النهارده حياتك هتتغير يا بني."
لكن قبل ما إميليانو يرد…
صوت اتكلم من آخر القاعة.
"استنى لحظة."
الناس كلها بصت.
كان رجل في الخمسينات، لابس بدلة غالية… وكان واضح إنه واحد من كبار المدعوين.
مشى ببطء ناحية البيانو…
وبص لإميليانو بتركيز شديد.
وقال:
"اسمك قلت إيه؟"
إميليانو رد:
"إميليانو دوران."
الراجل اتنهد ببطء…
وكأنه اتأكد من حاجة.
وبعدين قال:
"أبوك… أرتورو دوران؟
"
إميليانو اتجمد مكانه.
"أيوه."
الراجل فضل ساكت لحظة…
وبعدين طلع من جيبه محفظة قديمة.
وطلع منها صورة.
الصورة كانت قديمة… فيها شابين واقفين جنب بيانو.
واحد منهم… كان أرتورو دوران.
والتاني… كان الراجل اللي واقف قدام إميليانو دلوقتي.
إميليانو همس بدهشة:
"حضرتك… تعرف أبويا؟"
الراجل هز رأسه ببطء وقال:
"كنا أصحاب… وأحلامنا كانت واحدة."
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
"في يوم… أبوك رفض عرض كبير علشاني."
الناس كلها بقت مركزة.
الراجل قال:
"كان فيه مسابقة دولية كبيرة… وكان لازم واحد بس يمثل البلد."
"وأبوك كان الأفضل."
"لكن لما عرف إني لو خسرت الفرصة دي هخسر كل حاجة… تنازل عنها."
القاعة سكتت.
الراجل بص لإميليانو وقال بصوت متأثر:
"أنا سافرت… ونجحت… وبقيت اللي أنا فيه النهارده."
"وأبوك… فضّل هنا."
إميليانو عينيه بدأت تدمع.
الراجل كمل:
"أنا فضلت أدور عليه سنين… علشان أرد له الجميل."
"لكن لما لقيته… كان فات الأوان."
وبعدين بص حواليه… وقال بصوت عالي قدام الجميع:
"أنا مالك شركة تسجيل موسيقي كبيرة."
وسكت لحظة قبل ما يقول:
"والولد ده… ابن أعظم إنسان قابلته في حياتي."
كل العيون كانت على إميليانو.
الراجل مد إيده له وقال:
"لو وافقت…"
"أنا هتكفل بتعليمك… وهسجل أول ألبوم موسيقي ليك… وهخليك تعزف على أكبر المسارح."
التصفيق انفجر في القاعة مرة تانية.
إميليانو ما قدرش يمنع دموعه.
كل التعب… والجوع… والبرد…
كأنه اختفى في لحظة.
بص للبيانو…
وبعدين بص للميدالية اللي في إيده.
وهمس لنفسه:
"بابا… حلمك لسه عايش."
وفي اللحظة دي…
الشاب اللي دخل القاعة كإنسان مكسور…
خرج منها…
كقصة نجاح بدأت من تحت كوبري… وانتهت على طريق المجد.


تعليقات
إرسال تعليق