الطفله وزعيم المافـــــ,,ا
الطفله وزعيم المافـــــ,,ا
طفلة صغيرة تسأل زعيم المافيا: «لماذا صورة أمي معلّقة في قصرك؟» — وما فعله بعد ذلك صدم الجميع.
لم يعرف أحد كيف استطاعت الوصول. في فيلا عائلة المنصوري، كانت الكاميرات تراقب حتى حركة الريح، وكان الحراس يعرفون كل صوت كما لو كان جزءًا من أنفاسهم. ومع ذلك، في تلك الأمسية، ظهرت طفلة صغيرة على الطريق المرصوف بالحصى وكأن العالم نفسه وضعها هناك عن قصد.
كانت حافية القدمين. حقيبتها المدرسية ممزقة تتدلّى من أحد كتفيها، وركبتاها مغطاتان بالغبار. لم يكن أحد يمسك بيدها. لم تنظر حولها طلبًا للمساعدة. كانت تمشي مباشرة، بهدوء غريب، وكأنها تعرف تمامًا إلى أين تتجه. تجمّد الرجال المسلحون في أماكنهم غير مصدقين، وارتفعت همسات متوترة عبر أجهزة اللاسلكي.
— من أين جاءت؟ — همس أحدهم.
— لم يمرّ أحد من البوابة — ردّ آخر دون أن يرفع يده عن سلاحه.
انفتح الباب الرئيسي بصمت ثقيل. ظهر آدم المنصوري في الممر كظلٍ تحوّل إلى رجل. لم يكن بحاجة لرفع صوته ليفرض حضوره. كانوا يلقبونه بـ«الذئب»، لأن نظرة واحدة منه كانت كافية لتذكير أي شخص بمدى هشاشة الحياة عندما يكون هو قريبًا. كان في السادسة والثلاثين من عمره، يملك إمبراطورية واسعة في القاهرة وقصرًا يبدو كأنه قلعة. داخل هذا المكان، لم يكن أحد يدخل دون إذن. لا أحد.
— من الذي سمح لها بالدخول؟ — سأل ببرود.
الطفلة لم تجب. لم تتراجع. ولم تبكِ. ببساطة عبرت الردهة ورفعت عينيها نحو الجدار الرئيسي في الصالون.
هناك كانت معلّقة لوحة ضخمة: امرأة ذات شعر أسود طويل، وعينين صافيتين، وابتسامة هادئة، وكأن في ذلك المكان المليء بالرخام والأسلحة ما زالت هناك نافذة صغيرة نحو الحنان. وقفت الطفلة تحت اللوحة لحظة، ثم أدارت رأسها ببطء نحو آدم.
ارتجف صوتها قليلًا، لكن كلماتها كانت كرصاصة مباشرة في صدره:
— يا عم… لماذا صورة أمي معلّقة في بيتك؟
تجمّد الصالون كله. تبادل الحراس النظرات، ثم نظروا إلى اللوحة. لم يتوقع أحد هذا السؤال. ولم يتوقع أحد أن يرى وجه «الذئب» يتصدع.
سقط السيجار من يد آدم دون أن يشعر. انفصلت شفتاه قليلًا وكأنه يحاول أن يتنفس عبر ذكرى ثقيلة جدًا. لأن تلك المرأة كان لها اسم. وكان لها تاريخ. وكان لها فراغ دقيق في حياته منذ 487 يومًا.
ليلى مراد.
المرأة التي أقسم ألا يتحدث عنها. المرأة التي اختفت دون أن تترك أثرًا. المرأة التي كانت، سرًا، الشيء الحقيقي الوحيد في حياة بُنيت كلها على الخوف.
شدّت الطفلة حقيبتها إلى صدرها.
— أمي مفقودة — تابعت —. لا أحد يخبرني إلى أين ذهبت. يقولون فقط: «هترجع»، لكنها ما بترجعش.
تقدم آدم خطوة، ثم أخرى. وفجأة رأى شيئًا ضرب معدته بيقين قاسٍ: عينا الطفلة كانتا عينَيه. ذلك الهدوء نفسه. تلك الطريقة في النظر دون طلب الإذن.
انحنى ليصبح في مستواها، وكأنه لأول مرة يفهم أن القوة لا تعني شيئًا أمام حقيقة صغيرة وإنسانية.
— اسمك إيه؟ — سأل بصوت أجش.
— نور. نور مراد.
سقط اللقب في حلقه كحجر.
— عرفتي المكان ده إزاي يا نور؟
أدخلت الطفلة يدها في حقيبتها وأخرجت ورقة مجعدة. أمسكتها كما لو كانت شيئًا مقدسًا. وما إن رأى آدم الخط حتى تجمّد الدم في عروقه.
كان خطه هو.
ملاحظة قديمة كتبها على عجل، بيأس وغضب مكبوت. عنوانه. وثلاث كلمات أعادت إليه عامًا كاملًا من الشعور بالذنب:
«آدم… دور عليّا.»
— أمي خبّتها في علبة دهبها — همست نور —. قالت لي لو ما رجعتش يوم… أجي هنا. قالت: «لو حصل لي حاجة، دوري على آدم. هو هيحميكي.»
شعر آدم بحرقة في عينيه. ليلى لم ترد على تلك الرسالة… لكنها احتفظت بها. كانت قد أعدّت الطفلة. كانت قد آمنت به حتى من بعيد.
راقبته نور بعناية. ثم، وكأنها تكمل القطعة الأخيرة من لغز كبير، قالت ما لم يجرؤ أحد على قوله بصوت عالٍ:
— أنت بابا… صح؟
خمس كلمات. خمس ضربات.
ابتلع آدم ريقه.
— ليه فاكرة كده؟ — تمتم، رغم أنه في داخله كان يعرف الجواب.
— من الطريقة اللي بصيت بيها لماما في الصورة — أجابت نور —. ولأنها كانت بتحكيلي قصص عن الراجل اللي عايش في الفيلا الكبيرة فوق التل. قالت إنه لوحده، والناس كلها بتخاف منه… لكن جواه قلب طيب، بس محدش فكره بده بقاله زمن.
احتضنها آدم. لم يكن عناقًا رسميًا، بل عناقًا يائسًا، وكأن الحياة تعيد إليه أخيرًا شيئًا سُرق منه. الرجال حوله تظاهروا بأنهم لم يروا شيئًا. لكن الجميع فهم أن شيئًا ما قد تغيّر إلى الأبد.
اقرأ القصة الكاملة في الأسفل بعد الصلاه علي النبي. 👇
الجزء الثاني:
ساد الصمت في القصر للحظات طويلة بعد أن عانق آدم الطفلة.
لكن عقل «الذئب» لم يكن ساكنًا. كان يعمل بسرعة قاتلة.
لو كانت ليلى قد أرسلت ابنتها إليه… فهذا يعني شيئًا واحدًا فقط:
كانت تعلم أن خطرًا كبيرًا يقترب منها.
ابتعد آدم قليلًا ونظر إلى نور بجدية.
— آخر مرة شفتي فيها ماما كانت إمتى؟
فكرت الطفلة قليلًا وهي تعبث بحزام حقيبتها.
— من أسبوعين… خرجت من البيت وقالت لي إن عندها موضوع مهم لازم تخلصه. كانت خايفة… بس حاولت تبتسم.
اشتدت ملامح آدم.
— قالت رايحة فين؟
هزّت نور رأسها.
— لا… بس ادّتني الورقة وقالت أحافظ عليها كويس.
رفع آدم رأسه ببطء نحو رجاله.
— اقفلوا البوابات… دلوقتي.
تحرك الحراس فورًا. لم يكن هذا مجرد أمر… بل إعلان حرب.
عاد آدم ينظر إلى الصورة المعلقة على الجدار. كانت ليلى تبتسم في اللوحة وكأنها تعرف كل ما سيحدث.
تمتم بصوت منخفض:
— ليه ما قولتيليش إنك حامل…
اقترب أحد رجاله الموثوقين، حسام، وقال بهدوء:
— يا باشا… تفتكر اختفائها له علاقة بأعدائنا؟
أجاب آدم دون أن يحرك عينيه عن الصورة:
— ليلى ما تختفيش كده… حد أخدها.
ثم نظر إلى نور مرة أخرى.
— حد مشي وراكي وإنتي جاية هنا؟
— لا… أنا مشيت بس.
تبادل الرجال النظرات. طفلة صغيرة قطعت شوارع القاهرة وحدها حتى وصلت إلى أخطر رجل فيها.
انحنى آدم أمامها مرة أخرى.
— من النهارده… مش هتكوني لوحدك أبدًا.
ثم حملها بين ذراعيه.
كانت تلك أول مرة منذ سنوات يرى رجاله زعيمهم يحمل أحدًا بهذه الطريقة.
في تلك اللحظة دخل حارس مسرعًا إلى الصالة.
— يا باشا… لازم تشوف ده.
أعطاه جهازًا لوحيًا. ظهرت عليه صورة التقطتها كاميرات المراقبة قبل دقائق عند البوابة الخلفية للفيلا.
رجلان كانا يراقبان المكان من بعيد.
ضغط آدم على الشاشة، فتجمّدت الصورة على أحد الوجوه.
تغيرت ملامحه فورًا.
— مستحيل…
اقترب حسام ونظر إلى الصورة.
— تعرفه؟
أجاب آدم بصوت بارد:
— أيوه.
ثم أضاف ببطء:
— الراجل ده كان آخر واحد اتشاف مع ليلى قبل ما تختفي.
اشتدت قبضته حول الجهاز.
— جهّزوا العربية.
سأل حسام بدهشة:
— دلوقتي؟
رد آدم بلهجة لا تقبل النقاش:
— أيوه… لأن اللي أخدها مش عارف حاجة واحدة.
توقف لحظة ثم نظر إلى نور.
— إنه أخد الست الوحيدة اللي حبيتها… وأم بنتي.
ثم رفع عينيه نحو رجاله وقال:
— ودلوقتي… الكل هيعرف ليه بيسموني الذئب.
وبينما كانت سيارات الفيلا تنطلق في الليل، كانت نور تمسك بقميصه بيديها الصغيرتين.
ولأول مرة منذ اختفاء ليلى…
كان لدى آدم شيء يقاتل من أجله.


تعليقات
إرسال تعليق