اكتشفت سر جدي
اكتشفت سر جدي
جدي مات وبعد جنازته بكام يوم لقيت جواب منه بيقول لازم تنبشي السر اللي مخبيه في جنينتي بقاله ٤٠ سنة. من حقك تعرفي الحقيقة. أنا عايشة حياة هادية ومستقرة مع جوزي وولادي الاتنين في حتة صغيرة كده كل الناس عارفة بعض ومفيش أي حاجة درامية بتحصل هنا خالص ولما نقلنا البيت ده كان جدي ويتمر ساكن جنابنا بقاله حوالي ٣٠ سنة فاكرة يوم ما قالنا إنه نقل هنا من زمان أوي كان عايش لوحده لا عيلة لا قرايب لا صحاب قريبين عمره ما عزم حد عنده في الحقيقة عمري ما شفت حد بيزوره كان دايما مهذب مبتسم يساعد في جز العشب أو يشيل الشنط التقيلة لما يشوفني محتاجة مساعدة وكل عيد ميلاد كان يحط ٢٠ دولار في صندوق البريد ومعاها ورقة صغيرة عشان تجيبي حلويات حلوة للعيال مكناش قريبين قوي بس كانت علاقتنا علاقة جيران محترمين من كام يوم توفى وساعدت حتى في ترتيبات الجنازة ومجاش غير ناس قليلة أوي بعدها بيومين لقيت ظرف مقفول في صندوق البريد اسمي مكتوب عليه من فضولي فتحته على طول ولقيت جواه جواب مكتوب بإيده كان منه هو يا عزيزتي لو بتقري الجواب ده يبقى أنا خلاص مشيت في حاجة مخبيها بقالها ٤٠ سنة في جنينتي تحت شجرة التفاح القديمة مدفون سر سر كنت بحميكي منه بس من حقك تعرفي الحقيقة متقوليش لحد إيدي تلجت إزاي كده وأنا أصلا معرفوش غير معرفة سطحية في الأول قلت يمكن هزار تقيل أو خرفنة بس طول الليل معرفتش أنام أفكاري كانت بتجري ومش راضية تهدى تاني يوم الصبح
مسكت جاروف ودخلت جنينة الأستاذ ويتمر الأرض تحت شجرة التفاح كانت طرية فضلت أحفر لحد ما خبطت في حاجة معدن طلعت صندوق قديم مصدي قلبي كان بيدق بعنف مسحت التراب عنه وفتحته واحدة واحدة قعدت على الأرض مكاني لأني كنت هغمى عليا لما شفت اللي جواه حسيت إن حياتي كلها عدت قدام عيني في لحظة جوا الصندوق كان في ملف جلدي قديم مربوط بشريطة وصور باهتة وسلسلة فضة عليها حرف م وعقد زواج قديم باسم أمي وأستاذ ويتمر وصورة لأمي وهي شابة جدا واقفة جنبه وبتضحك نفس الضحكة اللي كنت بشوفها في مرايتي طول عمري وورقة تانية كانت شهادة ميلاد باسمي أنا لكن اسم الأب فيها مش نفس الاسم اللي كبرت وأنا سامعاه كان مكتوب اسم ويتمر كامل رجلي ما كانتش شايلاي إزاي إزاي الراجل الهادئ اللي كان بيدي عيالي ٢٠ دولار كل عيد ميلاد يبقى أبويا الحقيقي وإزاي أمي عمرها ما قالتلي فضلت أقلب في الورق بإيدي المرتعشة لحد ما لقيت رسالة أطول مكتوبة بخطه بيقول فيها إنه قابل أمي من ٤٢ سنة وإنهم حبوا بعض واتجوزوا في السر لأنه كان وقتها مطارد من ناس خطرين بسبب شغل قديم غلط دخله فيه واحد صاحبه وإنه اضطر يختفي ويغير اسمه ويبعد عشان يحميها ولما اكتشفت إنها حامل خاف عليها أكتر فاتفقت مع راجل تاني طيب القلب كان عارف الحقيقة إنه يتجوزها رسميا ويحمل اسمه على اسمي عشان محدش يوصل ليا وإنه عاش عمره كله قريب مني من غير ما يقول الحقيقة عشان ما يهددش حياتي وإنه لما شافني أول
مرة وأنا عندي خمس سنين بلعب قدام البيت اللي جنب بيته كان نفسه يجري يحضني ويقول أنا أبوكي بس كان لازم يفضل ساكت وإن كل عيد ميلاد كان بالنسبة له معجزة لأنه شايف بنته بتكبر قدامه وإنه كان بيحط الفلوس مش صدقة ولا مجاملة لكن عشان يحس إنه بيشارك في فرحتي ولو بحاجة بسيطة وإنه زرع شجرة التفاح يوم ما اتولدت وسماها باسمي قرأت السطور وأنا دموعي مغرقة الورق افتكرت نظراته الطويلة ليا طريقته وهو بيسأل على ولادي اهتمامه الزيادة اللي كنت بحسبه طيبة زيادة فجأة كل حاجة ركبت مكانها افتكرت مرة لما وقعت واتكسرت دراعي وهو كان أول واحد وصل المستشفى قبل حتى جوزي افتكرت لما أمي كانت بتتوتر كل ما أجيب سيرته وتغير الموضوع بسرعة افتكرت إنه في يوم سألني بهدوء لو أنا سعيدة في حياتي وكأنه بيطمن على اختياري الرسالة خلصت بجملة سامحيني إني ما قدرتش أكون أبوكي قدام الناس لكن عمري ما بطلت أكونه في قلبي ولو قررتي تكرهيني هتفهم ولو قررتي تسامحيني هكون مستنيكي عند رب كريم فضلت قاعدة في الجنينة ساعات الشمس اتحركت وأنا مكاني كنت حاسة إني اتولدت من جديد وفي نفس الوقت فقدت حاجة كبيرة رجعت البيت والصندوق في حضني قفلت على نفسي الأوضة وقعدت أبص في الصور واحدة واحدة لقيت صورة ليا وأنا طفلة في الحديقة وهو واقف بعيد في الخلفية باين إنه متصور من غير ما آخد بالي كان بيراقبني طول الوقت مش تجسس لكن حراسة حسيت بامتنان وغضب في نفس اللحظة غضب من أمي
إنها حرمتني من الحقيقة وامتنان له إنه اختار يحميني حتى لو على حساب قلبه بالليل حكيت لجوزي كل حاجة اتصدم في الأول لكن حضني وقال إن اللي يهمه إني أنا بخير وإن الماضي مش هيغير اللي إحنا فيه تاني يوم رحت على قبره وقفت قدامه وأنا ماسكة السلسلة اللي عليها حرف م وقلت بصوت مبحوح أنا مش زعلانة منك يمكن زعلانة عشان ضيعت سنين من غير ما أقولك يا بابا وحسيت لأول مرة إن الكلمة طالعة من قلبي بصدق قررت أواجه أمي لما حطيت قدامها العقد والصور انهارت وبكت بطريقة عمري ما شفتها قبل كده اعترفت بكل حاجة قالت إنها كانت خايفة عليا وإنها كل يوم كانت بتموت وهي شايفة أبويا الحقيقي قدامها ومش قادرة تقربه مني قالت إنهم كانوا بيتقابلوا من بعيد أحيانا عشان يطمن عليها وعليا وإنه فضل أعزب طول عمره عشان ما يظلمش حد بقلب مشغول غضبي بدأ يهدى وأنا شايفة الندم في عينيها فهمت إنهم كانوا بيلعبوا لعبة صعبة اسمها الحماية ويمكن اختاروا الصح بطريقتهم رجعت الجنينة بعدها بأيام قعدت تحت شجرة التفاح ولمست جذعها حسيت إنها مش مجرد شجرة دي شاهد على قصة حب وخوف وتضحية عمرها ٤٠ سنة قررت ما أبيعش البيت أبدا حتى لو جاتلي فرصة أحسن وقررت أحكي لولادي الحقيقة لما يكبروا عشان يعرفوا إن الحب مش دايما بيبقى بالصوت العالي أحيانا بيبقى في سكوت موجع لكنه عميق زرعت جنب الشجرة ورد أبيض وكتبت لوحة صغيرة هنا مدفون سر اتحول لحقيقة ومن يومها كل ما أعدي جنب
بيته القديم وأشوف الجنينة بحس إنه لسه بيراقبني بابتسامته الهادية مش كجار طيب الملامح لكن كأب فضل ٤٠ سنة يحرس بنته من بعيد وأخيرا ارتاح.
عدت شهور بعد ما اكتشفت الحقيقة لكن الهدوء اللي كنت فاكرة إنه رجع لحياتي كان هدوء سطحي زي بحر شكله ساكن بس تحته تيارات قوية. بقيت كل يوم تقريبا أعدي على الجنينة أقعد تحت شجرة التفاح وأتكلم معاه بصوت واطي أحكيله عن الولاد عن مشاكل المدرسة عن شغل جوزي عن خوفي اللي بييجي فجأة من غير سبب. كنت حاسة إني بعوض سنين طويلة فاتتني وبحاول أتعلم أكون بنت لراجل مات قبل ما أقول له يا بابا قدامه وهو سامعني.
بس أكتر حاجة كانت بتوجعني فكرة إن فيه ناس خطرين زي ما قال في الرسالة. مين هما وهل فعلا انتهى الخطر بموته ولا أنا كنت طول عمري ماشية جنب نار متغطية بالتراب حاولت أقنع نفسي إن دي مجرد بقايا ماضي انتهى لكن إحساسي ما كانش مطمن.
وفي ليلة شتوية كنت قاعدة في الصالة والولاد نايمين لقيت حد بيخبط على الباب خبط خفيف لكنه متكرر. الساعة كانت داخلة على ١١ بالليل. بصيت من العين السحرية لقيت راجل كبير في السن ملامحه حادة وعينيه ثابتة بطريقة غريبة. فتح جوزي الباب بحذر. الراجل سأل علي بالاسم. قلبي وقع في رجلي.
خرجتله وأنا بحاول أبان هادية. قاللي بصوت منخفض أنا كنت صاحب ويتمر زمان. أول ما قال اسمه حسيت بدوخة خفيفة. كمل وقال إنه عرف بوفاته وإنه محتاج يسلمني حاجة كان المفروض توصل لي من سنين بس الظروف ما سمحتش. مد إيده
بكيس ورق قديم ومشي قبل ما أسأله أي سؤال.
قفلت الباب وإيدي بتترعش. فتحت الكيس لقيت دفتر مذكرات جلدي نفس نوع الجلد اللي كان في الصندوق. فتحت أول صفحة لقيت تاريخ من ٣٩ سنة. كان بيكتب يومياته بالتفصيل. عن حبه لأمي عن هروبه عن اتفاقه مع الراجل اللي رباني عن أول مرة شافني عن خوفه الدائم إن حد من ماضيه يكتشف مكانه. لكن أخطر سطر قرأته كان لو حصل لي حاجة فجأة يبقى هم وصلوا. وساعتها لازم بنتي تعرف إن فيه ورق تاني في البنك باسم مستعار.
الدم جمد في عروقي. بنك ورق تاني هو كان مخبي إيه تاني وهل اللي خبط الباب كان فعلا صاحبه ولا واحد من هم
قضيت الليلة مش بنام. تاني يوم رحت البنك اللي كان مكتوب اسمه في المذكرات. سألت عن صندوق أمانات باسم الشخص المستعار اللي كاتبه. الموظف بصلي باستغراب وقال إن الصندوق موجود وإن فيه خطاب رسمي بيسمحلي أفتحه بصفتي المستفيدة الوحيدة في حالة وفاته. حسيت إن رجلي مش شايلاني.
دخلت غرفة صغيرة وفتحوا الصندوق قدامي. كان جواه ملف تاني وصورة ليا وأنا رضيعة متاخدة من زاوية بعيدة وكأن حد كان بيراقب البيت. ومعاها مستندات تثبت إن ويتمر كان شاهد رئيسي في قضية قديمة ضد شبكة تهريب كبيرة جدا وإنه اختفى بعد ما شهد ضدهم. الأسماء كانت مشطوبة بالقلم لكن في هامش الورق كان فيه ملاحظة بخطه القضية اتقفلت رسميا لكن مش كلهم اتحاسبوا.
ساعتها فهمت. هو ما كانش مجرد راجل هربان من مشكلة صغيرة هو كان عايش بهوية جديدة طول عمره عشان حمى نفسه
وحماني. وجوده جنبي ما كانش صدفة. كان اختيار محسوب يفضل قريب مني عشان يراقب أي خطر.
رجعت البيت وأنا شايلة ثقل جبل على صدري. حكيت لجوزي كل حاجة. قررنا ما نقولش لحد حتى أمي. اكتفينا إننا نزود حذرنا شوية نركب كاميرات ونخلي الولاد دايما في نطاق نظرنا. يمكن كنت بأوهم نفسي إن ده كفاية.
عدى أسبوعين بهدوء لحد ما لقيت الشجرة شجرة التفاح مقطوعة نصين. حد دخل الجنينة بالليل وقطعها من جذعها. وقفت قدامها وأنا مش قادرة أتنفس. الرسالة كانت واضحة إحنا عارفين.
بلغنا الشرطة قالوا يمكن تخريب عشوائي. بس أنا كنت عارفة إنه مش عشوائي. اللي عمل كده يعرف بالظبط قيمة الشجرة دي بالنسبة لي.
في الليلة دي فتحت المذكرات تاني وفضلت أقرأ لحد ما وصلت لصفحة كنت معدية عليها بسرعة قبل كده. كان كاتب لو الشجرة اتأذت يوما ما يبقى لازم بنتي تسيب المكان فورا. لأن ده معناه إن الماضي رجع يدور.
السطور كانت واضحة كالشمس. هو كان متوقع ده. كان حاسب حساب كل خطوة.
بصيت حواليا على البيت اللي عشت فيه سنين على الحيطان اللي مليانة ذكريات على أوضة الولاد على ركن القعدة اللي كنت بشرب فيه قهوتي كل صباح. فكرة إني أسيب كل ده كانت كسرة قلب جديدة. لكن فكرة إني أعرضهم لخطر كانت أقسى.
في الصبح جمعت جوزي وقعدنا نتكلم بهدوء طويل. قررنا نبيع البيت وننقل مدينة تانية خالص. مكان محدش يعرفنا فيه. نفس اللي عمله هو زمان عشان يحمي اللي بيحبهم.
وأنا بحزم هدومي وقفت قدام مراية الأوضة وافتكرت حياتي
قبل ما أفتح الصندوق. كنت فاكرة نفسي ست عادية جدا قصتها بسيطة ومستقرة. طلعت بنت راجل عاش مطارد وحب في السر وضحى بحقه في أبسط كلمة ممكن يسمعها بابا.
قبل ما نمشي بيوم رحت على قبره تاني. قلتله وأنا ماسكة قطعة خشب صغيرة من جذع الشجرة المقطوعة أنا فهمت الدرس وهعمل زيك. هحمي ولادي حتى لو اضطر أختفي. ساعتها حسيت بنسمة هوا خفيفة عدت على وشي كأنها طبطبة مطمنة.
نقلنا فعلا. مدينة جديدة بيت جديد مدرسة جديدة للولاد. حياتنا رجعت هادية من بره بس جوايا بقى في قوة مختلفة. بقيت أكثر وعيا أكثر حذرا وأكثر امتنانا.
وبعد سنة كاملة من الرحيل وصلني ظرف من غير عنوان مرسل. فتحته بإيد ثابتة المرة دي. كان جواه صورة قديمة لأبويا وهو شاب واقف قدام شجرة تفاح صغيرة ورا الصورة مكتوب بخط مش خطه الحساب اتقفل خلاص.
ما كانش فيه تهديد. ما كانش فيه تفاصيل. بس حسيت إن فصل طويل من الخوف اتقفل أخيرا. يمكن العدالة أخدت وقتها يمكن آخر خيط في الماضي اتقطع.
علقت الصورة في مكتبي وحطيت جنبها قطعة الخشب من الشجرة القديمة. كل ما أبص لهم أفتكر إن الحقيقة ساعات بتيجي متأخرة وساعات بتوجع لكن بتديك جذور أقوى.
أنا كنت فاكرة إن قصتي بدأت يوم ما اتولدت. لكن الحقيقة إنها بدأت قبلها بسنين يوم راجل قرر يشهد بالحق ويخسر اسمه ويعيش عمره كله في الظل عشان بنته تعيش في النور.
والنهارده كل ما حد يسألني أنا مين بابتسم وأقول بثقة عمري ما حسيتها قبل كده أنا بنت راجل حب بصمت وحمى بصمت وسابلي شجاعة ما كنتش أعرف إنها جوايا.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق