القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


مفاجأة تحولت ل شك 





مفاجأة تحولت ل شك 


رجعت بدري من السفر من غير ما أقول لحد، وقلبي كله شوق لـ ليلى… مراتي اللي بقالها سبع شهور شايلة ابننا في بطنها. الطريق من المحطة للبيت كان هادي بشكل غريب، وأنا ماشي وأنا متخيل شكل المفاجأة لما تفتح عينيها وتلاقيني واقف قدامها. كنت فاكر إن الليلة دي هتكون من أجمل الليالي، لكن أول ما دخلت أوضة النوم وشفت … النوم  ملبوس بالمقلوب والبقع المبلولة على السرير، حسيت إن الدنيا كلها بتلف حواليا. وقفت مكاني للحظات وأنا ببص عليها وهي نايمة، ملامحها هادية كأنها طفلة، وإيدها متشبثة ببطنها. قربت أكتر، ولمست الملاية… كانت لسه منديّة. عقلي بدأ يجري في ألف اتجاه، وكل احتمال أسوأ من اللي قبله. فضلت واقف شوية أتفرج عليها، وفي الآخر قررت أصحيها بدل ما أسيب الشك ياكلني. لمست كتفها بهدوء وقلت بصوت واطي: “ليلى… ليلى اصحي.” فتحت عينيها بتعب وبصت لي ثانيتين كأنها بتحلم، وبعدين فجأة قعدت مفزوعة وقالت: “أنت رجعت؟!” قولتلها


وأنا بحاول أخبي التوتر: “رجعت بدري… بس قوليلي إيه اللي حصل هنا؟” بصت حواليها كأنها بتحاول تفهم قصدي، وبعدين عينيها وقعت على الملاية المبلولة وعلى القميص اللي لابساه بالمقلوب، وفجأة وشها اتغير وقالت: “يا نهار أبيض… أنا كنت هكلمك الصبح.” قلبي اتقبض أكتر وقلت بحدة: “تكلّميني في إيه؟!” مسكت بطنيها بإيدينها وقالت وهي بتحاول تاخد نفس عميق: “من ساعة تقريبًا حسيت بألم جامد… وبعدها نزلت كمية مية. افتكرت يمكن ده طبيعي مع الحمل… بس خفت.” أنا ساعتها حسيت كأن الأرض اتسحبت من تحت رجلي، وقلت: “يعني إيه مية؟!” قالت وهي بتغمض عينيها من الألم: “الدكتورة كانت قايلة ممكن يحصل كده لو قرب ميعاد الولادة… أو لو فيه ضغط على الكيس اللي حوالين البيبي.” في اللحظة دي بس فهمت إن البقع اللي شفتها ممكن تكون من سائل الحمل. بصيت للقميص اللي بالمقلوب فقالت بتعب: “أنا قمت بسرعة أغير هدومي… بس الدوخة خلتني ألبسه غلط ووقعت على السرير.

” قلبي بدأ يدق أسرع، بس المرة دي مش من الشك… من الخوف عليها. قلت بسرعة: “طب ليه ما كلمتنيش؟!” قالت بابتسامة ضعيفة: “ما كنتش عايزة أقلقك… وكنت فاكرة هيروح لوحده.” فجأة اتأوهت تاني، أقوى من الأول. ساعتها ما فكرتش لحظة، لبست هدومي بسرعة وساعدتها تقوم وخرجنا على أقرب مستشفى. الطريق كله كنت سايق وأنا إيدي بترتعش، وكل شوية أبص لها ألاقيها ماسكة بطنيها وبتتنفس بصعوبة. لما وصلنا، الدكاترة دخلوا فورًا، وبعد كشف سريع الدكتورة بصت لي وقالت: “كويس إنكم جيتوا بسرعة… واضح إن ميعاد الولادة قرب بدري شوية.” ساعتها حسيت بثقل كان فوق صدري واتشال فجأة، وكل الأفكار السودا اللي دخلت دماغي في الأوضة اختفت. قعدت برا أوضة العمليات حوالي ساعتين كانوا أطول ساعتين في حياتي. كل دقيقة كنت بفتكر شكّي فيها وبلوم نفسي عليه. إزاي سمحت لعقلي يفكر كده في الست اللي شالت اسمي وجابت لي أجمل خبر في حياتي؟ بعد شوية الباب اتفتح، والدكتورة

خرجت بابتسامة وقالت: “مبروك… جالك ولد زي القمر.” حسيت الدموع بتنزل من غير ما أحس، ودخلت أشوف ليلى وهي مرهقة بس بتضحك. لما قربت منها مسكت إيدي وقالت بهدوء: “شوفت؟ قلتلك هيبقى بخير.” بصيت للطفل الصغير اللي بين إيديها وحسيت إني اتعلمت درس عمره ما هيتنسي: إن الشك ممكن يهدم أجمل حاجة في حياة الإنسان لو ساب له الباب مفتوح.  ابني الصغير وبصيت لليلى وقلت: “سامحيني… أنا خوفت عليكي بس.” ابتسمت وقالت: “المهم إنك جيت في الوقت الصح.” وفي اللحظة دي بس فهمت إن اللي حصل في الأوضة قبل ما أوصل فعلًا غيّر كل حاجة… بس مش بالطريقة اللي كنت فاكرها، لأنه بدل ما يكسّر بيتنا، خلاني أقدّر اللي عندي أكتر، وخلّى الليلة اللي بدأت بالشك تنتهي ببداية حياة جديدة.

بعد ما سمعت كلمة “مبروك جالك ولد”، حسيت إن صدري اتفتح بعد ما كان متقفل بحجر تقيل. دخلت أوضة ليلى وأنا قلبي بيدق بسرعة، لقيتها مرهقة لكن عينيها فيها لمعة غريبة…


  لمعة أم لأول مرة. الطفل الصغير كان ملفوف في بطانية بيضا، ووشه صغير جدًا كأنه نقطة نور في حضنها. قربت ببطء، وخوفت حتى ألمسه في الأول، كأن أي حركة مني ممكن تكسره. ليلى ابتسمت ابتسامة تعبانة وقالت بصوت واطي: “مش هتشيله؟ ده مستنيك.” مدت الطفل نحوي، ولما حطيته بين إيديا حسيت بحاجة عمري ما حسيتها قبل كده. وزنه كان خفيف، لكن المسؤولية اللي نزلت على قلبي في اللحظة دي كانت تقيلة جدًا. بصيت لوشه الصغير، أنفه دقيقة شبه أنفي وأنا صغير، وشعره الأسود الخفيف باين تحت الكاب الصغير. ابتسمت من غير ما أحس وقلت: “ده شبهي.” ليلى ضحكت بهدوء وقالت: “طبعًا… طول الوقت بيقولوا الأطفال بيشبهوا أبوهم في الأول.” قعدت جنبها على الكرسي وأنا لسه ماسكه، وفضلت أبص له كأني مش مصدق إنه بقى جزء من حياتي فعلًا. بعد شوية دخلت الممرضة وخدت الطفل عشان تعمل له الفحوصات، وبقيت أنا وليلى لوحدنا في الأوضة. سكتنا لحظة، وبعدين هي بصت لي وقالت: “مالك ساكت كده؟” اترددت شوية


قبل ما أتكلم، لكن حسيت إني لازم أكون صريح. قلت: “أنا لما دخلت الأوضة… قبل ما أصحيكي… خوفت.” هي بصت لي باستغراب وقالت: “خوفت من إيه؟” حكيت لها اللي شفته: القميص المقلوب، الملاية المبلولة، الريحة الغريبة في الأوضة. وأنا بتكلم حسيت بالخجل من نفسي، كأن كل كلمة بتطلع مني تقيلة. لما خلصت، فضلت ساكت مستني ردها. ليلى فضلت تبص لي ثواني طويلة، وبعدين ابتسمت ابتسامة هادية وقالت: “كنت متوقعة إنك تقلق… بس ما تخيلتش إنك تفكر كل ده.” حسيت وشي سخن وقلت بسرعة: “أنا آسف… الفكرة جت في بالي غصب عني.” مدت إيدها وحطتها فوق إيدي وقالت: “الإنسان لما يخاف على حاجة غالية عليه ممكن دماغه يوديه لأماكن غريبة.” سكتنا شوية، وبعدين قالت: “بس أنا كنت لوحدي فعلًا. الألم بدأ فجأة، وبعدها حسيت بالمية تنزل… حاولت أغير هدومي بسرعة، بس الدوخة خلتني ألبس القميص بالمقلوب وأقع على السرير.” وأنا بسمعها حسيت قد إيه كنت قريب جدًا أظلمها بفكرة لحظة. قلت لها: “المهم إنك بخير

دلوقتي.” في الوقت ده دخلت الممرضة تاني ومعاها الطفل بعد الفحص. قالت بابتسامة: “الأمور كلها تمام.” حطته جنب ليلى، وأنا قربت تاني أبص له. كان نايم بهدوء كأنه مش حاسس بأي حاجة حوالينه. اليوم اللي بعده عدى بسرعة بين دكاترة وممرضات وزيارات قليلة من أهلنا. لما رجعنا البيت بعد يومين، دخلت أوضة النوم نفسها اللي بدأت فيها القصة. وقفت عند الباب لحظة وبصيت حواليا. السرير اتغيرت ملايته، والأوضة مترتبة، وكل حاجة رجعت طبيعية… لكن أنا ما كنتش نفس الشخص اللي دخلها ليلة الشك. ليلى دخلت ورايا وهي شايلة الطفل وقالت: “واقف كده ليه؟” ابتسمت وقلت: “فاكر الليلة اللي رجعت فيها.” قالت وهي تهز الطفل بهدوء: “الليلة اللي غيرت حياتنا.” الأيام بدأت تمشي بسرعة بعد كده. بكاء الطفل في نص الليل، قلة النوم، الحفاضات، والضحكات الصغيرة اللي تظهر فجأة على وشه. كل تفصيلة كانت بتخلينا نتعلم حاجة جديدة. بعد حوالي شهر، في ليلة هادية، كنت قاعد في الصالة والطفل نايم على صدري.

ليلى كانت واقفة عند الباب بتبص لنا. قالت بهدوء: “عارف؟ أنا كنت خايفة الليلة دي.” قلت لها: “من إيه؟” قالت: “من إنك ما تكونش موجود لما الولادة تبدأ.” ابتسمت وقلت: “الغريب إن اللي حصل خلاني أوصل في الوقت الصح.” هي قربت وقعدت جنبنا وقالت: “يمكن ربنا كان كاتب إنك ترجع بدري عشان تكون معانا.” بصيت للطفل الصغير اللي بيتنفس بهدوء، وحسيت إن اللحظة دي أغلى من أي حاجة في الدنيا. بعد شوية فتح عينيه الصغيرة وبص حواليه كأنه بيحاول يفهم العالم. ضحكت وقلت: “واضح إنه بدأ يستكشف.” ليلى قالت: “لسه قدامه كتير.” وأنا بصيت لها وقلت: “وأنا كمان… لسه قدامي كتير أتعلمه.” لأن الليلة اللي بدأت بالشك علمتني إن أحيانًا العقل يخدعنا، لكن الحقيقة بتكون أبسط وأصدق بكتير. ومن ساعتها كل ما أبص لابني وأفتكر اللحظة اللي دخلت فيها الأوضة وشفت القميص المقلوب والملاية المبلولة، أبتسم… لأن الحاجة اللي خلت قلبي يرتجف وقتها كانت في الحقيقة بداية أجمل فصل في حياتي كلها.

 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close