تضحية الأم الغلبانة
تضحية الأم الغلبانة
"أم غلبانة حضنت ولد بيبكي في المطر وهي شايلة ابنها الرضيع.. مكنتش تعرف إن أبوه الملياردير واقف بيتفرج على كل حاجة!"
"ما تخافش يا حبيبي.. إنت في أمان دلوقتي."
"كريمة" وشوشت الكلمتين دول بحنية وهي بتمسح مية المطر والدموع من وش ولد صغير أول مرة تشوفه في حياتها. الولد مـاكملش 12 سنة، كان مبلول لدرجة إن هدوم المدرسة لزقت على جسمه الضعيف، وهو واقف بيترعش وسط زحمة شوارع وسط البلد والمطر بيغرق كل حتة.
بإيد واحدة، كريمة كانت ضامة ابنها "سليم" اللي عنده 6 شهور لصدريها، وبالإيد التانية قلعت الجاكيت المبلول بتاعها ولفته حوالين كتاف الولد الغريب من غير ما تفكر لحظة واحدة. شفايفها زرققت من السقعة، بس مـاترددتش ثانية.
"اسمك إيه يا بطل؟" سألته وهي بتسحبه تحت تندة محل مقفول عشان يتداروا من المطر.
"مـ.. مـروان،" الولد قالها وهو بيحاول يجمع نفسه وسط شهقات العياط.
كريمة وطت على قد ما قدرت وهي شايلة ابنها على وسطها: "فين أهلك يا مروان؟"
الولد نزل راسه للأرض: "بابا.. بابا دايماً مشغول في الشغل."
بلع ريقه ومسح وشه وبان أصغر من سنه بكتير: "اتخانقت مع السواق ونزلت من العربية.. ومبقتش عارف أروح فين."
على بعد كام متر، ومن ورا زجاج عربية مرسيدس سوداء "فامييه"، كان "مراد السيوفي" بيبص للمشهد بذهول وصمت مرعب. بقاله نص ساعة بيلف في الشوارع زي المجنون بعد ما جاله تليفون من مدرسة مروان إن ابنه هرب.
بس مكنش متخيل اللي شايفه دلوقتي.. ست شقيانة، باين من لبسها المقطع وجزمتها القديمة إن حالها على قدها، بتطبطب على ابنه كأنه حتة منها. واقفة في عز التلج، ومعاها رضيع، وادت ابنه الحاجة الوحيدة اللي كانت مدفياها.
مراد حس بوجع في صدره مـاحسوش من سنين.
"بص يا حبيبي،" كريمة قالت وهي بتطلع لفة من شنطتها، "معايا ساندوتشين جبنة كنت شايلاهم.. هما سقعوا شوية بس هيسندوا قلبك. جعان؟"
مروان هز راسه بكسوف، وخد اللفة بإيد بتترعش. قطم أول قطمة وبص للأرض كأنه مش عايز حد يشوف وشه.
"طعمهم حلو أوي،" قالها بصوت واطي. وبعدين سكت وزود كلمة وجعت قلب كريمة: "ماما عمرها ما عملت لي أكل بإيدها."
الكلمة نزلت على كريمة زي الصاعقة. الولد ده لابس أغلى هدوم وساعته تمنها يفتح بيت، وعايش العيشة اللي الناس بتحلم بيها.. ومع ذلك، الحزن اللي في صوته مش حزن جوع أكل، ده "جوع حنان".
مستحت دموعه بطرف كمها وقالت له: "كل الأمهات بيعرفوا يطبخوا بقلبهم يا مروان.. بس ساعات الدنيا بتنسيهم شوية ومحتاجين اللي يفكرهم."
جوه العربية، مراد غمض عينيه ثانية واحدة.. الندم أكله.
"آخر مرة حضنت مروان فيها كانت إمتى؟ آخر مرة شفت ابنه بجد وسألت ماله كانت إمتى؟ إمتى نسيت الشغل والفلوس وركزت في الوجع اللي قدامي؟"
نزل من العربية ببطء، المطر خبط في البدلة الغالية اللي متفصلة مخصوص، بس مـاحسش بيه.
"مروان،" نادى بصوت واطي.
الولد اتجمد مكانه.
كريمة رفعت راسها، وأول ما عينها جت في عين مراد السيوفي، الزمن وقف.
هي عارفة الوش ده.. مصر كلها عارفة الوش ده.
مراد السيوفي.. أصغر ملياردير في البلد.. الراجل اللي صورته في كل المجلات وبتاع الصفقات اللي مابترحمش.
كل اللي جه في بال كريمة ساعتها: "يا مصيبتي.. ده أبو مروان!"
رجعت لورا بسرعة وهي بتضم ابنها سليم لصدرها بخوف: "إنت.."
صوت مراد اتشرخ وهو بيقول لها: "إنتي أجدع وأحن إنسانة قابلتها في حياتي."
وش كريمة بقى أحمر من الكسوف والخوف.. قلبها كان بيدق بسرعة.
"أكيد فاكرني كنت بحاول أضحك على ابنه.. أكيد فاكر إني طمعانة في حاجة."
بدأت تقلع الجاكيت من على مروان عشان تديهوله وتاخد ابنها وتمشي بسرعة.
بس مراد مكنش بيبص لها بشك.. كان بيبص لها كأنها لسه مورياه الحاجة الوحيدة اللي "فلوسه" كلها فشلت تشتريها.
تفتكروا مراد السيوفي هيعمل إيه مع كريمة؟ هل هيغير حياتها ويعوضها عن شقاها، ولا الفوارق اللي بينهم هتخلي "الحكاية" أصعب؟ وإيه اللي هيحصل لما مروان يتمسك بكريمة ويرفض يسيبها؟
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 👇 ومتنسوش الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم
كريمة وقفت مكانها متجمدة، قلبها بيدق بعنف وهي شايفة مراد السيوفي قدامها، الراجل اللي الناس كلها بتهابه، واللي اسمه لوحده بيكفي يفتح أبواب ويقفل بيوت، حضنت سليم أكتر كأنها بتحاول تحميه من موقف أكبر منها، وبدأت تقلع الجاكيت من على مروان وهي بتقول بسرعة وتوتر أنا آسفة والله ماكنتش أعرف إنه ابن حضرتك أنا بس شوفته بيعيط لكن مروان شد الجاكيت بإيده الصغيرة وصرخ فجأة لا! سيبيه أنا عايزه! صوته كان فيه خوف وتمسك غريب خلى كريمة تبص له بصدمة، ومراد حس بحاجة اتكسرت جواه وهو شايف ابنه لأول مرة متمسك بحد بالشكل ده، قرب خطوة وقال بهدوء غريب خليه معاها واضح إنه محتاجه أكتر من أي حاجة تانية، وبص لكريمة نظرة مختلفة خالص عن أي نظرة قبل كده، نظرة فيها امتنان حقيقي ووجع قديم، كريمة ارتبكت ومش عارفة ترد، فقال مراد وهو بيبص لمروان تعالى يا مروان نروح، لكن الولد هز راسه بعنف وقال أنا عايز أروح معاها!
الجملة وقعت زي القنبلة، مراد سكت، أول مرة ابنه يرفضه بالشكل ده، وأول مرة يحس إنه غريب عنه، الدنيا كلها وقفت لحظة، المطر بيقع حواليهم، وكريمة واقفة بينهم مش عارفة تعمل إيه، حاولت تهدي الموقف وقالت بحنية لا يا حبيبي ده باباك، لازم تروح معاه، لكن مروان مسك في هدومها أكتر وقال وهو بيعيط هو دايماً مشغول أنا مش عايز أرجع لوحدي تاني، مراد غمض عينه ثانية، الجملة دخلت جواه زي سكينة، فتح عينه وبص لكريمة وقال بصوت هادي لكن فيه قرار ممكن تيجي معانا؟ بس لحد ما يهدى لو سمحتي، كريمة اتفاجئت، اترددت، بصت لابنها الصغير وبعدين للولد اللي متعلق فيها، وبعدين للراجل اللي واضح عليه إنه مش بيطلب بسهولة، وبعد لحظة صمت قالت طيب بس لحد ما يهدى فعلاً، ركبوا العربية، كريمة قاعدة على طرف الكرسي ومروان لازق فيها وسليم نايم في حضنها، ومراد ساكت طول الطريق، بيفكر إزاي واحدة غريبة عملت في نص ساعة اللي هو معرفش
يعمله في سنين، وصلوا فيلا ضخمة، مكان مختلف تماماً عن عالم كريمة، نزلت بتردد وهي حاسة إنها مش مكانها، لكن مروان كان ماسك إيدها ومش راضي يسيبها، دخلوا، والخدم بيبصوا باستغراب، مراد قال بصرامة أي حد له تعليق يحتفظ بيه لنفسه، وخدهم لصالون كبير، قعد مروان جنب كريمة ورفض يبعد، مراد طلب أكل، لكن مروان بص له وقال أنا عايز الأكل اللي هي جابته، كريمة اتكسفت وقالت ده حاجة بسيطة لكن مراد ابتسم لأول مرة تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه ابتسامة خفيفة وقال واضح إنها مش بسيطة خالص، الأكل جه، ومروان أكل وهو مبسوط، وده كان مشهد غريب على مراد، ابنه اللي دايماً بيأكل بصمت قدام الشاشات، دلوقتي بيضحك، بعد شوية سليم عيط، كريمة بدأت تهديه بحنية، ومروان بص لها وقال هو دايماً بيهدى كده؟ قالت لما يحس بالأمان بس، الكلمة علقت في دماغ مراد، الأمان الحاجة اللي كان فاكر إنه بيوفرها بالفلوس، بس طلع إنها حاجة تانية خالص، الليل بدأ يدخل، ومروان
نام وهو حضن إيد كريمة، مراد وقف يتفرج عليهم، المشهد وجعه وريحه في نفس الوقت، قرب بهدوء وقال أنا مش عارف أشكرك إزاي، كريمة ردت ببساطة أنا معملتش حاجة ده طفل محتاج حد يسمعه بس، سكتوا لحظة، وبعدين مراد قال أنا كنت فاكر إني بعمل كل حاجة صح طلعت بغلط في أهم حاجة، بصت له كريمة وقالت بهدوء لسه في وقت تصلح، الكلمة دي كانت بداية كل حاجة، تاني يوم مراد عرض عليها شغل، مش صدقة ولا مساعدة، عرض عليها تشتغل في حضانة تابعة لمؤسساته، مكان يهتم بالأطفال، وقال لها أنا محتاج حد زيك هناك حد يفهمهم مش بس يرعاهم، كريمة اترددت، لكنها وافقت عشان سليم وعشان الفرصة، الأيام عدت، ومروان بقى متعلق بكريمة أكتر، بس المرادي مراد مكنش بيبعد، بدأ يقضي وقت مع ابنه، يسمعه، يحكي له، يتعلم منه، وكأن الطفل هو اللي بيربيه من جديد، العلاقة بينهم بدأت تتغير، ببطء لكن بصدق، وكريمة كانت دايماً موجودة في النص، مش بديل، لكن
جسر، ومع الوقت، الفوارق بينهم فضلت موجودة، بس ما بقتش حاجز، لأن اللي اتبنى بينهم كان أعمق من فلوس ومستوى، كان إنسانية حقيقية، وفي يوم، مروان مسك إيد أبوه وإيد كريمة وقال بابتسامة بريئة كده أحسن أنا بقيت عندي عيلة بجد، مراد بص لكريمة، وهي بصت لسليم، وابتسموا نفس الابتسامة، لأن الحقيقة اللي اتأكدت ساعتها إن أغلى حاجة في الدنيا مش اللي بتتدفع فيها فلوس لكن اللي بتتدفع فيها قلوب.
مرت شهور، والحياة بدأت تاخد شكل جديد مش مثالي، لكن صادق. كريمة بقت جزء ثابت في يوم مراد ومروان، مش كضيفة ولا كموظفة وخلاص، لكن كحد وجوده بيفرق فعلًا. الحضانة اللي اشتغلت فيها كبرت بسرعة، مش عشان التمويل، لكن عشان الروح اللي دخلتها فيها بقت كل أم تسيب طفلها وهي مطمئنة، وكل طفل يحس إنه متشاف ومسموع. مراد كان بيراقب من بعيد في الأول، وبعد كده قرب أكتر، مش بس كممول، لكن كأب بيتعلم من جديد.
لكن زي ما دايمًا بيحصل الهدوء ما بيكملش من غير اختبار.
في يوم، ظهرت واحدة
في الصورة اسمها ليلى، والدة مروان. ست أنيقة، قوية، صوتها حاد، وعينيها مليانة تحدي. كانت مختفية سنين، وسايبة مروان مع أبوه بحجة السفر والعلاج، لكن رجعت فجأة لما سمعت إن في ست تانية بقت قريبة من ابنها.
دخلت الفيلا بثقة، ونظرتها أول ما وقعت على كريمة كانت كأنها بتقيمها مش كإنسانة، لكن كمنافس. قالت ببرود واضح إنك واخدة دور أكبر من حجمك هنا. كريمة ما ردتش، بس حضنت سليم أكتر، ووقفت ثابتة. مراد تدخل فورًا وقال بحزم كريمة هنا عشان مروان ومفيش حد هيقلل منها. الجملة دي كانت أول مرة يقف فيها قدام حد عشانها.
لكن ليلى ما سكتتش بدأت تضغط قانونيًا، تطلب حضانة مروان، وتشكك في البيئة اللي عايش فيها، وتحاول تثبت إن وجود كريمة خطر عليه. الموضوع بقى رسمي، قضايا وجلسات، وكلام كتير.
مروان اتغير بقى قلقان، بيخاف يتاخد من المكان الوحيد اللي حس فيه بالأمان. في مرة، وهو قاعد جنب كريمة في الحضانة، قال لها بصوت مهزوز هو أنا هبعد عنك؟ السؤال كسر قلبها، بس ابتسمت
وقالت اللي بيحبك بجد مش هيسيبك حتى لو الظروف حاولت.
مراد كان بيحارب على جبهتين جبهة القانون، وجبهة نفسه. كل غلطة قديمة كانت بترجع تطارده، وكل تقصير مع ابنه بيتحسب عليه. لكنه المرة دي ما هربش وقف، وواجه.
في جلسة مهمة، القاضي طلب يسمع مروان بنفسه. اللحظة دي كانت مرعبة طفل صغير هيقرر مصيره. القاعة كانت ساكتة، ومروان واقف بين أبوه وأمه وبص لكريمة اللي قاعدة بعيد.
القاضي سأله تحب تعيش مع مين يا مروان؟
سكت شوية، وبعدين قال أنا عايز أعيش مع بابا
ليلى ابتسمت بثقة، لكن مروان كمل بس مش لوحده عايز أعيش في المكان اللي حسيت فيه إني مش لوحدي.
الكلمة كانت واضحة مش رفض لأمه، لكن اختيار للأمان.تابعوا. صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
القضية انتهت بقرار متوازن مروان يعيش مع مراد، مع تنظيم زيارة لأمه، لكن الأهم إن القاضي أكد على استقرار البيئة اللي حوالينه واللي كانت كريمة جزء أساسي منها.
بعد الحكم، ليلى خرجت وهي مهزومة، لكنها قبل ما تمشي وقفت قدام كريمة وقالت بصوت أهدى من قبل واضح إنك عملتي
حاجة أنا معرفتش أعملها خلي بالك منه. كانت أول مرة تعترف ولو بشكل غير مباشر.
الحياة رجعت تتحرك، لكن المرة دي بثقة أكتر. مراد بقى حاضر في حياة ابنه، مش مجرد اسم أو سلطة. وكريمة؟ فضلت زي ما هي بسيطة، حقيقية، سند من غير شروط.
وفي يوم هادي، كانوا قاعدين سوا مروان بيذاكر، سليم بيلعب، ومراد بيبص عليهم. فجأة قال أنا عمري ما تخيلت إن لحظة في الشارع تحت المطر تغير كل حاجة. كريمة ابتسمت وقالت أوقات ربنا بيبعت لنا إشارات بس المهم نعرف نمسك فيها.
مراد سكت شوية، وبعدين قال بهدوء أنا مسكت فيها ومش ناوي أسيبها.
بصوا لبعض، وسكتوا لكن السكوت كان مليان كلام. مش حب سريع، ولا قصة خيالية لكن حاجة أهدى وأعمق حاجة اتبنت على مواقف، وثقة، ووجع اتحول لقوة.
ومروان؟ كان بيبص لهم من بعيد ويبتسم لأنه أخيرًا بقى عنده حاجة كان بيدور
عليها طول عمره بيت. مش البيت الكبير ولا الغالي لكن البيت اللي فيه قلوب دافية.
والحكاية؟ لسه مكملة بس المرة دي مش بصراع، لكن ببداية جديدة تستاهل تتعاش.


تعليقات
إرسال تعليق