العروس خلعت فستانها في وسط الفرح وأخذت أباها الكفيف ورحلت… والسبب صدم الجميع
العروس خلعت فستانها في وسط الفرح وأخذت أباها الكفيف ورحلت… والسبب صدم الجميع
كان القصر يلمع كأن الضوء فيه بلا نهاية. ثريات ضخمة كانت تتدلّى من السقف، تنعكس على كؤوسٍ من البلور وطاولاتٍ مغطاة بمفارش بيضاء ناصعة. وكانت موسيقى المارياتشي تملأ الأجواء بفرحٍ لم يكن الجميع يشعر به. في الخارج، كانت السيارات الفاخرة تواصل الوصول، واحدة تلو الأخرى، بينما كان الضيوف، ببدلاتهم الأنيقة وعطورهم الباهظة وابتساماتهم المحسوبة، يستقرون في أماكنهم كأنهم قطعٌ من مشهدٍ جرى التدرب عليه بعناية.
وفي وسط كل ذلك، كنت أنا.
فاليريا لوبيز.
أرتدي فستانًا لا يبدو كأنه لي.
كان القماش ينسدل بثقلٍ على جسدي، مطرزًا بتفاصيل لم يكن بمقدوري أن أدفع ثمنها ولو عملت عشر سنوات كاملة. كانت يداي تتعرقان داخل القفازين. كنت أبتسم. أو على الأقل كنت أحاول. لأن شيئًا في داخلي لم يكن يستقيم. كأن كل ذلك الكمال لم يكن سوى طبقة رقيقة جدًا، توشك أن تتمزق.
لا تخفضي نظرك قالت لي إحدى خبيرات التجميل قبل خروجي بدقائق اليوم أنتِ العروس.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
اليوم.
وكأن هذا اليوم قادر على محو كل ما سبقه.
أخذت أبحث بين الوجوه عن وجهٍ أعرف أنه ينتمي إليّ.
فوجدته.
هناك، في أقصى الحديقة، يكاد يكون خارج مرأى الجميع، جالسًا على كرسي بسيط بدا غريبًا وسط ذلك البذخ، كان أبي.
دون ميغيل.
كان يمسك عصاه بكلتا يديه، كأنها
الشيء الوحيد الثابت في ذلك العالم الذي لم يعد يستطيع رؤيته. كانت بدلته نظيفة، لكنها قديمة. وبسيطة أكثر مما ينبغي لذلك المكان. ومع ذلك، فقد سرّح شعره بعناية، كما كان يفعل دائمًا حين يريد أن يبدو لائقًا.
لم يكن أحد إلى جانبه.
لم يكن أحد يكلّمه.
ومع ذلك، كان في وجهه سلامٌ غريب. كأن معرفته بأنني هناك كانت تكفيه.
شعرت بعقدةٍ في حلقي.
كل هذا كان من أجله.
لأمنحه حياةً أفضل.
لأخرجه من الحياة القاسية التي عاشها سنوات طويلة.
ولهذا قبلت.
ولهذا صمتُّ.
ما أغرب الأمر، أليس كذلك؟
جمّدني الصوت قبل أن ألتفت تمامًا.
كانت دونيا تيريزا.
حماتي.
كانت تقف إلى جانبي من دون أن أشعر. أنيقة، متقنة، وعلى شفتيها ابتسامة لا تصل إلى حد الدفء.
مع كل ما تملكينه من قلة استطعتِ أن تصلي إلى هنا قالت وهي تتأملني من أعلى إلى أسفل لا بد أن يعرف المرء كيف يستفيد من الحظ حين يطرق بابه.
خفضت بصري تلقائيًا.
شكرًا لكِ، سيدتي
أطلقت ضحكة خفيفة. لكنها لم تكن لطيفة.
لا تشكريني أنا، بل اشكري ابني. لأننا لو أردنا الصراحة يا فاليريا فالعائلات مثل عائلتك لا تختلط عادةً بعائلتنا.
لم تؤلمني الكلمات دفعة واحدة.
بل آلمتني ببطء.
ولكن لا بأس تابعت ما دمتِ هنا، فمن الأفضل أن تفهمي كيف تسير الأمور.
ابتلعت ريقي.
بعد
الزفاف، تنسين عاداتكِ. هنا يُفعل ما أقرره أنا. البيت، الطعام، الزيارات كل شيء يمر من خلالي. وهناك أمر آخر لمعت عيناها بشيء أكثر برودة الذهب الذي قُدِّم لكِ، والهدايا تسلمينها لي. أنا من يديرها. وهكذا نتجنب أي سوء فهم.
أومأت برأسي.
ليس لأنني كنت موافقة.
بل لأنني لم أعرف ماذا أفعل غير ذلك.
ولأن الشيء الوحيد الذي كان يهمني في تلك اللحظة هو أن يمر كل شيء على خير.
ألا تقع مشكلة.
وألا يضطر أبي إلى القلق.
مرّت المراسم كأنها حلم. كلمات بالكاد سمعتها، وتصفيق بدا بعيدًا، ونعم خرجت من فمي من غير أن أشعر بها حقًا. كان أليخاندرو يبتسم. أو هكذا بدا. كانت يده تمسك بيدي، لكن ليس بقوة. ولا بثبات. بل وكأنه يؤدي واجبًا فحسب.
كان كل شيء صحيحًا.
وكان كل شيء مثاليًا.
ومع ذلك، ظل شيء ما في داخلي صامتًا.
ينتظر.
ثم بدأت الحفلة.
ضحكات، نخب، موسيقى أعلى، وكؤوس لا تتوقف عن الامتلاء. كان الضيوف يهنئون ويعانقون ويتحدثون. بعضهم كان ينظر إليّ بفضول. وبعضهم بلباقةٍ لم تكن تخفي تمامًا قدرًا من المسافة.
وفي وسط كل ذلك كان أبي لا يزال في الخارج.
وحيدًا.
منسيًا في زاوية لا يريد أحد أن يراها.
اقتربت منه في لحظة استطعت فيها أن أفلت من العيون.
أبي همست، وأنا أمسك يده.
ابتسم في الحال.
أأنتِ يا
ابنتي؟
أومأت، مع أنني كنت أعرف أنه لا يستطيع رؤيتي.
هل أنتِ بخير؟ سأل.
أردت أن أقول نعم.
أردت أن أقول إنني سعيدة.
لكن الكلمات لم تخرج.
نعم أنا بخير كذبت، وأنا أضغط على يده.
أومأ بهدوء.
هذا هو الشيء الوحيد المهم.
أغمضت عينيّ لثانية.
ليت الأمر بهذه البساطة.
اسمعي قال بعد ذلك بصوتٍ أخفض ألا أسبب إزعاجًا هنا؟
شعرت بشيءٍ ينكسر في داخلي.
بالطبع لا يا أبي.
لكن الحقيقة كانت غير ذلك.
لم يكن لدي وقت لأبقى معه.
يدٌ قوية أمسكت بذراعي.
تعالي معي.
كانت دونيا تيريزا.
وكانت ابتسامتها قد اختفت.
أخذتني إلى زاوية أبعد، بعيدًا عن الضجيج، وبعيدًا عن العيون.
وهناك تبدل صوتها.
صار أقسى.
وأكثر حقيقة.
لقد زاد هذا العرض عن حدّه قالت بلا مقدمات ما الذي يفعله والدك هنا؟
رمشت مرتبكة.
إنه أبي. أراد أن يكون معي اليوم.
أطلقت ضحكة قصيرة جافة.
معكِ؟ كررت ما يفعله هو أنه يحرجنا.
شعرت بأن الهواء يتوقف.
الضيوف يسألون من يكون ذلك الرجل تابعت هل ظننتِ حقًا أن إحضاره هكذا، من دون بصر، ومن دون أن يعرف كيف يتصرف، إلى مناسبة كهذه، كان فكرة جيدة؟
لم أجب.
لم أستطع.
اسمعيني جيدًا يا فاليريا انخفض صوتها، لكنه صار أشد حدّة أنتِ لم تعودي تنتمين إلى ذلك العالم. وإذا كنتِ تريدين البقاء في هذا البيت فعليكِ
أن تبدئي بوضع كل شيء في مكانه.
كان قلبي يخفق بعنف.
بعنفٍ شديد.
وهذا يشمل والدك.
شعرت بالبرد
يسري في ظهري.
لا أريد أن أراه هنا مرة أخرى قالت بحزم خذيه من هنا. الآن. قبل أن يواصل إثارة الشفقة.
كانت الكلمات تتساقط واحدة تلو الأخرى.
بلا توقف.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وبلا رحمة.
لأن هذه العائلة لا مكان فيها لأناسٍ مثله.
لم ينكسر العالم في اللحظة نفسها.
لكن شيئًا في داخلي بدأ يتحرك.
شيء لم يعد مستعدًا لأن يبقى صامتًا.
توتر شيء ما في أعماقي. لم يكن انفجارًا مفاجئًا. بل كان أشبه بحبلٍ جرى شده لسنوات وفي تلك اللحظة، كفّ عن الانحناء.
لم أرد فورًا.
اكتفيت بأن أنظر إليها.
وللمرة الأولى، لم أخفض رأسي.
هل سمعتِني؟ أصرت دونيا تيريزا، وهي تعقد ذراعيها خذيه من هنا. لا أريد مشاهد.
صار تنفسي بطيئًا. موزونًا. كأن كل كلمة كانت على وشك الخروج مني، كان عليها أن تعبر شيئًا عميقًا جدًا أولًا.
لكن قبل أن أتكلم، جاء صوت أعرفه من خلفي.
فاليريا؟
كان أليخاندرو.
اقترب بخطوات مترددة، ينظر أولًا إلى أمه، ثم إليّ.
ما الذي يحدث؟
لم تتأخر دونيا تيريزا في الرد.
الذي يحدث أن زوجتك لا تفهم مكانتها قالت ببرود لقد أحضرت ذلك الرجل وأجلسته هناك كأن هذا مجرد حفل شعبي عادي.
شعرت بالضربة. لكنني هذه المرة لم أخفض نظري.
تردد أليخاندرو.
أمي إنه والدها.
وهذا لا يغير شيئًا قاطعته هنا توجد قواعد. وإن لم تحترمها منذ اليوم الأول، فسيصبح كل شيء كارثة.
ثم حلّ الصمت.
ذلك الصمت المزعج الذي كان يظهر
دائمًا حين يكون على أليخاندرو أن يختار.
نظرت إليه.
وانتظرت.
فاليريا بدأ بصوت منخفض ربما يمكنك أن تعيدي والدك إلى البيت اليوم. فقط لتجنب المشكلات.
وهناك كانت اللحظة.
لحظة الاختيار.
لم تكن صرخة.
ولم تكن مشهدًا دراميًا.
لكنها كانت واضحة.
شعرت بشيءٍ في داخلي ينكسر وفي الوقت نفسه، يستقيم.
كأن كل شيء، أخيرًا، صار في مكانه، رغم الألم.
أومأت ببطء.
أنت على حق قلت.
تلألأت عينا دونيا تيريزا بالرضا.
وأطلق أليخاندرو زفرة ارتياح.
لكن أياً منهما لم يفهم.
ليس بعد.
استدرت.
وسرت عائدة نحو الحديقة.
كان لكل خطوة طعم مختلف. أكثر ثباتًا. وأكثر شبهًا بي.
كانت الموسيقى لا تزال تعلو. والضحكات كذلك. لم يكن أحد يبدو وكأنه يلاحظ شيئًا. وربما كانوا يلاحظون، لكن أحدًا لم يرد أن يتدخل.
وصلت إلى جانب أبي.
كان لا يزال جالسًا على حاله. يداه فوق العصا. ينتظر من غير أن يعرف ماذا.
أبي قلت، وأنا أنحني إلى جواره.
ابتسم في الحال.
هل انتهى كل شيء؟
نظرت إليه.
ولأول مرة في ذلك اليوم لم أكذب.
لا أجبت برفق بل هو بالكاد يبدأ.
عقد حاجبيه قليلًا في حيرة.
هل حدث شيء يا ابنتي؟
أخذت يديه بين يديّ.
خشنتان. دافئتان. حقيقيتان.
هل تثق بي؟
لم يتردد.
دائمًا.
ابتلعت ريقي.
وأومأت.
إذًا لنذهب.
ظل صامتًا لثوانٍ.
لم يسأل لماذا.
ولم يطلب تفسيرًا.
أومأ فقط.
كما تقولين.
وقفت.
وقبل أن أخطو خطوة
واحدة، نظرت إلى الخلف.
كانت دونيا تيريزا وأليخاندرو لا يزالان في المكان نفسه الذي تركتهما فيه. يراقبان.
وينتظران أن أطيع.
أن أمتثل.
أن أواصل أداء الدور الذي رسموه لي.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم رفعت يديّ إلى ظهري.
انفتح سحاب الفستان بصوتٍ ناعم.
مرة.
ثم مرة أخرى.
وبدأ القماش الثقيل ينزلق.
ببطء.
وبلا رجعة.
بدأ بعض القريبين يلاحظون.
انخفضت الأحاديث.
وخمدت ضحكة في منتصفها.
لكنني لم أتوقف.
تركت الفستان يسقط.
هناك.
في وسط تلك الحديقة المثالية.
وتحت ذلك الفستان، كنت أرتدي فستانًا بسيطًا أبيض، أخف كثيرًا. وأكثر شبهًا بي.
لامس الهواء بشرتي بطريقة مختلفة.
حرة.
سرت بضع خطوات نحو الطاولة الرئيسية.
وأخذت الصندوق الذي وُضعت فيه أهم الهدايا.
الذهب.
والحلي.
وكل ما تحدثوا عنه مرارًا كأنه الشيء الوحيد الذي يمنح ذلك اليوم قيمته.
عدت.
وكانت كل العيون الآن متجهة نحوي.
وكان الهمس يتصاعد.
لكنني لم أكن أرى إلا شخصًا واحدًا.
دونيا تيريزا.
توقفت أمامها.
ومددت لها الصندوق.
هذا كل شيء قلت بهدوء الذهب، والهدايا، وكل ما يقلقك إلى هذا الحد.
لم تأخذه في الحال.
وتغير وجهها.
ما معنى هذا؟
نظرت إليها مباشرة في عينيها.
بلا خوف.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
معناه أنك كنتِ محقة في شيء واحد أجبت أنا أعرف جيدًا من أين جئت.
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل. كثيف.
وأنا لا أخجل من ذلك.
تقدم أليخاندرو خطوة.
فاليريا،
لا تفعلي هذا
رفعت يدي.
لا لأوقفه.
بل لأرسم مسافة.
أنت لم تطلب مني أن أبقى قلت من دون أن أنظر إليه بل طلبت مني أن أتركه.
ظلّت كلماتي معلّقة في الهواء.
ثم تحطمت.
عدت بنظري إلى دونيا تيريزا.
أنتِ لا تريدين وجود أبي هنا تابعت وأنا أيضًا لا أريد عائلة لا مكان له فيها.
تجهم وجهها.
أنت ترتكبين خطأ.
هززت رأسي برفق.
لا همست أنا أصلح واحدًا.
ثم استدرت.
وعدت إلى أبي.
أخذت ذراعه برفق.
هيا يا أبي.
استدرنا.
وبدأنا نمشي.
ومن خلفنا، عاد الضجيج شيئًا فشيئًا. لكنه لم يعد مهمًا.
لا النظرات.
ولا الهمسات.
ولا البذخ.
ولا شيء.
لم يبقَ إلا صوت خطواتنا وهي تبتعد.
بطيئة.
ثابتة.
ولأول مرة في ذلك اليوم
في سلام.
كان الهواء في الخارج مختلفًا. أبسط. وأكثر حقيقة.
وما إن تجاوزنا بوابة البيت حتى بقيت الموسيقى خلفنا كأنها لم تكن يومًا. لم يبقَ إلا وقع خطواتنا على الطريق، والصوت الخافت لعصا أبي وهي تلامس الأرض وذلك الصمت الذي، بدل أن يزعج، بدأ يبدو كأنه راحة.
لم ألتفت.
ولا مرة واحدة.
ابنتي جاء صوت أبي ناعمًا، مشوبًا بذلك القلق الذي كان يحاول دائمًا أن يخفيه هل أنتِ بخير حقًا؟
شددت قبضتي قليلًا على ذراعه.
نعم يا أبي.
وهذه المرة كنت صادقة.
سرنا ببطء حتى زاوية الشارع. وهناك مرّت سيارة أجرة قديمة، فرفعت يدي. توقفت بهدوء. نظر إلينا السائق عبر المرآة بدهشة عروس بلا فستانها،
ورجل مسن بعصاه، وشخصان لا ينسجمان مع أي حكاية مألوفة.
إلى أين؟ سأل.
ترددت لثانية.
ثم أجبت
إلى محطة الحافلات.
أدار أبي وجهه نحوي قليلًا.
هل سنرحل؟
ابتسمت،
مع أنه لا يستطيع أن يرى.
سنعود إلى البيت.
كانت الرحلة قصيرة، لكنها كانت كافية ليبدأ كل شيء بالاستقرار داخلي. نظرت من النافذة. كانت المدينة كما هي ازدحام، وناس، وباعة، وحياة. لم يكن أحد يعلم ما حدث للتو. ولم يكن أحد بحاجة إلى أن يعلم.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
ولأول مرة لم يعد ذلك يهمني.
في المحطة، كان عبق القهوة الرخيصة والخبز الحلو يملأ المكان. اشتريت تذكرتين بما بقي معي من نقود. لم يكن المبلغ كبيرًا. لكنه كان كافيًا.
إلى أين تتجه هذه الحافلة يا ابنتي؟ سأل أبي.
إلى البيت يا أبي. إلى خاليسكو إلى القرية.
أومأ بصمت.
ولم يسأل شيئًا آخر.
صعدنا.
كانت المقاعد قاسية، والهواء ثقيلًا قليلًا، لكن ذلك لم يكن يهمني. جلست إلى جواره وأسندت رأسي إلى المقعد، وشعرت أخيرًا بأن التعب يهبط عليّ كموجة.
تحركت الحافلة.
ومعها بدأ كل شيء آخر يتراجع إلى الخلف.
لا أعرف كم من الوقت مرّ قبل أن أشعر بيد أبي تبحث عن يدي.
سامحيني قال فجأة.
فتحت عيني بدهشة.
على ماذا؟
لأنني وضعتك في هذا الموقف ارتجف صوته قليلًا أنا فقط أردت أن أراك سعيدة.
شعرت بعقدةٍ في حلقي.
وأنا كذلك أجبت، وأنا أضغط على يده أكثر مما تتصور.
بقي صامتًا لثوانٍ.
ذلك المكان لم يكن لي تمتم.
هززت رأسي برفق.
لا يا أبي قلت ذلك المكان لم يكن لنا.
كانت الحافلة تشق الطريق، تاركة أضواء المدينة خلفها. شيئًا فشيئًا، صار المشهد مظلمًا، هادئًا، مألوفًا.
أغمضت عيني لحظة.
وتذكرت.
البيت الصغير. الصباحات الباردة. رائحة خبز التورتيّا الطازج. الضحكات البسيطة. الحياة التي لم تكن سهلة يومًا لكنها كانت دائمًا حياتنا.
لم نكن بحاجة إلى أكثر.
وربما لم نحتج
إليه أبدًا.
اهتز الهاتف في جيبي.
أخرجته.
كانت رسالة.
من أليخاندرو.
فتحتها.
فاليريا أرجوكِ عودي. يمكننا أن نتحدث. أمي غاضبة جدًا، لكنني أستطيع أن أصلح الأمر. لم يكن عليكِ أن تفعلي ذلك أمام الجميع.
قرأت كل كلمة بهدوء.
ومن دون استعجال.
ومن دون غضب.
ثم كتبت
لا أحتاج إلى أن تصلح شيئًا.
وظللت أنظر إلى الشاشة لثوانٍ أخرى.
ثم أضفت
الشيء الوحيد الذي كنت أحتاجه أخذته معي بالفعل.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
لم أنتظر ردًا.
أطفأت الهاتف.
وأعدته إلى جيبي.
وتركت الأمر يذهب.
واصلت الحافلة طريقها.
ومضت الساعات.
وعندما طلع الصباح، دخلت أول خيوط الشمس من النافذة، فأضاءت وجه أبي. كان نائمًا بهدوء. كما لم أره منذ زمن طويل.
ابتسمت.
وفي الخارج، كان المشهد كما عهدته دائمًا. حقول مفتوحة، وبيوت بسيطة، وطرق ترابية. لا شيء فاخرًا.
ولا شيء مثاليًا.
لكنه كان لنا.
توقفت الحافلة.
لقد وصلنا قال السائق.
نزلنا ببطء.
كان هواء الصباح باردًا منعشًا. نقيًا.
تنفست بعمق.
كأنها المرة الأولى.
ثبت أبي عصاه على الأرض، وأدار وجهه قليلًا.
هل وصلنا؟
نعم يا أبي.
تقدم خطوة صغيرة.
ثم أخرى.
وابتسم.
يبدو الأمر مختلفًا.
أومأت.
لأنه البيت.
سرنا معًا في الطريق الترابي. الطريق نفسه الذي أعرفه عن ظهر قلب. الطريق الذي شهد طفولتي.
لم يتغير شيء.
ومع ذلك
كان كل شيء مختلفًا.
توقفت لحظة.
ونظرت حولي.
ثم إليه.
وفهمت شيئًا لم أكن قد أدركته بهذا الوضوح من قبل.
لقد خسرت زفافًا.
وتركت وراء ظهري حياةً كانت تبدو مثالية.
لكنني ربحت شيئًا أهم بكثير.
ربحت نفسي.
أمسكت ذراعه مرة أخرى.
هيا يا أبي.
وتابعنا السير.
بلا ذهب.
وبلا فستان.
وبلا وعود فارغة.
لكن ومعنا شيء لم يستطع أحد أن ينتزعه منا.
الكرامة.
وذلك
كان سيكون دائمًا كافيًا.


تعليقات
إرسال تعليق