الشاي المخدّر و سرّ البيت
الشاي المخدّر و سرّ البيت
"أخويا الكبير بيديني كل ليلة شاي يقولي عليه شاي للنوم… لحد ليلة ما عملت نفسي شربته واكتشفت السر اللي مستخبي جوه بيتنا."
ابتسمت زي كل ليلة…
هزيت راسي بالموافقة زي ما متعوده…
وقربت كباية الشاي من شفايفي كأني هشرب.
بس بدل ما أبلعه… خليت الشاي يقف على طرف لساني.
طعمه كان مرّ.
وفيه طعم معدن غريب.
مش شبه الأعشاب اللي بتساعد على النوم خالص.
كريم كان واقف مسنود على باب الأوضة وقال بهدوء:
"اشربيه بالراحة… هيساعدك تنامي."
نفس الابتسامة الهادية اللي بقت بتخوفني الأيام دي.
عملت التمثيلية كلها…
رشفتين مزيفين…
وتنهيدة…
وجفوني بتقفل كأني خلاص بنام.
ولما كريم بص ناحية الطرقة لحظة…
ميلت الكباية بهدوء وسكبت الشاي في أصيص زرع ناشف ورا الستارة.
قلت بصوت واطي:
"تصبح على خير يا كريم."
ابتسم وقال:
"وانتي
من أهله يا أختي."
سمعت خطواته وهو ماشي.
خطوات بطيئة…
هادية…
كأنه عارف بالظبط امتى كل حاجة هتحصل.
استنيت.
خمس دقايق.
عشرة.
خمستاشر.
كنت نايمة في السرير من غير ما أتحرك…
وبحاول أتحكم في نفسي.
لحد ما حسيت إن الهدوء بقى آمن شوية…
مع إن الحقيقة إن مفيش حاجة في البيت ده كانت آمنة.
بالظبط الساعة تسعة بالليل…
سمعت أول صوت صرير في الطرقة.
وبعده صوت تاني.
خطوات.
كريم جاي.
اتمددت على السرير زي كل ليلة…
سيبت دراعي نازل شوية من السرير زي اللي نايم.
وفتحت عيني فتحة صغيرة.
قلبي كان بيدق جامد لدرجة إني حسيت إنه ممكن يسمعه.
الباب اتفتح من غير ما يزقه.
كريم كان سايبه موارب قبل كده ودخل بهدوء.
بس المرة دي…
ماكانش معاه الشاي.
كان معاه مفتاح.
مفتاح قديم… طويل… لونه أسود.
المفاتيح اللي بتبقى لبيوت قديمة
قوي.
راح للكومودينو وفتح الدرج السفلي…
وطلع حاجة ملفوفة في قماشة.
فتحها بهدوء.
كانت إزازة صغيرة.
جواها أقراص بيضا.
حلقي نشف.
"مجرد أعشاب للنوم…"
كريم حط الإزازة مكانها تاني…
وبعدها قرب من السرير.
ومال عليا…
وبقى يبص في وشي.
حبست نفسي.
مد إيده ومسِك معصمي…
بيشوف النبض.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
ابتسم… كأنه اتطمن.
وبعدها عمل حاجة خوفتني أكتر من الحبوب.
راح ناحية الحيطة.
الحيطة اللي جنب الدولاب.
مرر صوابعه عليها كأنه عارف مكان حاجة مستخبية.
ضغط بإيده.
تك.
صوت صغير طلع في الضلمة.
والحيطة…
اتحركت.
ماكانش باب عادي.
كان لوح خشب مستخبي في الحيطة.
جزء من الحيطة بيتفتح… بنفس لونها بالظبط.
في كل السنين اللي عشتها في البيت…
عمري ما لاحظته.
كريم فتحه…
وظهر ممر ضيق جدًا.
ورا الحيطة…
ماكانش في حيطة.
كان
في ممر مظلم.
ريحته رطوبة وتراب.
كريم دخل جوه.
وقبل ما يقفله… همس كأنه بيكلم حد:
"هي نامت."
واللوح اتقفل.
جسمي اتجمد على السرير.
حسيت فجأة
إن البيت ده مش بيت ده مصيدة كبيرة.
قعدت بسرعة وأنا بترعش.
استنيت.
مفيش حد طلع.
بس سمعت صوت بعيد…
صوت حاجة بتتسحب تحت رجلي.
حديد بيحتك في أرضية إسمنت.
ساعتها افتكرت آخر أسبوع في حياة أمي.
ازاي كانت بتحاول تقولّي حاجة…
وهي بالعافية بتتنفس.
مسكت إيدي…
وأشارت لتحت… للأرض.
وكأن البيت نفسه هو العدو.
آخر كلماتها اللي قدرت أسمعها كانت:
"عمرك ما تشربي حاجة… ما شفتيش بتتعمل بعينك."
ساعتها بس فهمت.
ماكانتش شكوك.
كانت تحذير.
قمت من السرير حافية.
خدت موبايلي…
حطيته على صامت…
وفتحت الكشاف على أضعف إضاءة.
ومشيت ناحية الدولاب.
الحيطة كانت شكلها عادي جدًا.
بس دلوقتي أنا عارفة في سر.
مررت صوابعي لحد ما حسيت بشرخ صغير.
ضغطت.
مفيش حاجة.
جربت تاني.
برضه مفيش.
إيدي كانت بتعرق.
وفجأة لاحظت علامة صغيرة جنب الأرضية…
كأن حد كان بيخربش فيها.
دخلت صباعي تحتها…
وضغطت.
تك.
اللوح اتفتح ببطء.
ريحة رطوبة قوية ضربتني.
وعفن…
وتراب.
وكمان ريحة مواد كيميائية…
زي الكلور.
كأن حد بينضف المكان ده كتير جدًا.
بصيت جوه.
الممر كان ضيق ونازل لتحت.
سلالم إسمنت مكسورة ومواسير قديمة على الجنب.
نزلت.
كل خطوة كنت حاسة إنها بتصرخ.
نور الكشاف كشف حاجة غريبة على الحيطان.
أسامي.
تواريخ.
أسهم.
وفي آخر الممر سمعت أصوات.
همسات.
وقفت لازقة في الحيطة.
وشفت نور أصفر طالع من شق صغير.
قربت.
كان في باب حديد.
ورا الباب…
أوضة.
رفوف…
صناديق…
ملفات…
وصور.
صور لبيتنا…
بس متصورة من جوه.
من زوايا عمري ما شفتها.
صور لأوضتي.
لسريري.
صور ليا…
وأنا نايمة.
بطني اتقبضت.
ده ماكانش مجرد أخ غريب.
ده كان حد بيراقبني.
حد بيديني دوا علشان أنام.
ويدخل أوضتي وأنا مش قادرة أدافع عن نفسي.
على المكتب كان في ملف مفتوح.
العنوان مكتوب:
"ملكية — ميراث — مستندات"
وتحتها ورقة…
مكتوب فيها اسمي بالكامل.
وفي مكان فاضي للتوقيع.
سمعت كريم بيتكلم قريب:
"لازم نخلص قبل ما تشك."
صوت تاني رد عليه.
صوت راجل غريب.
"ولو رفضت تمضي؟"
كريم ضحك بهدوء.
"هتمضي وهي نايمة…"
وسكت لحظة.
وبعدين قال:
"زي أمي."
دمّي اتجمد.
غطيّت بوقي بإيدي.
أمي…
يعني…
هي ما ماتتش بس.
فجأة الباب الحديد بدأ يتفتح.
رجعت خطوة لورا في الضلمة.
الكشاف طفى.
ضلمة تامة.
نور أصفر خرج من الباب.
كريم طلع.
ووراُه راجل تاني.
وقف وقال:
"مين هناك؟"
الصوت ده ماكانش صوت أخويا.
ده صوت حد مستعد يعمل أسوأ حاجة.
وفجأة موبايلي اهتز.
المنبه.
اللي كنت ضابطاه قبل ما أنزل.
مكتوب فيه:
"اهربي… حالًا."
الصوت الصغير خلا كريم يبص ناحيتي.
وشافني.
همس وقال:
"آه… يبقى ما شربتيهوش."
قرب خطوة.
رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في الحيطة.
قال بهدوء مرعب:
"يا أختي… ماكانش لازم تعقدي الموضوع."
الراجل التاني قال:
"يلا… مفيش وقت."
كريم ابتسم ببطء.
"في وقت… هي دايمًا بتنام."
في اللحظة دي…
جريت.
رميت موبايلي على الأرض علشان يعمل صوت.
وجريت في الممر.
سمعت كريم بيصرخ:
"امسكها!"
وصلت للفتحة في أوضتي…
طلعت منها بسرعة…
وقفلتها…
وزقيت الدولاب
قدامها.
بس ده ماكانش كفاية.
سمعته بيخبط من الناحية التانية.
وقال بهدوء:
"افتحي الباب… بلاش تعملي مشكلة."
مسكت موبايلي وكلمت الشرطة.
بس قبل ما أتكلم…
سمعته بيقول:
"لو كلمتيهم… هتبقي زي أمك."
ساعتها افتكرت كلام جارتنا الحاجة أمينة.
كانت دايمًا تقول:
"لو في خطر جوا البيت… ما تستخبيش… اطلعي برا."
بصيت للشباك.
فتحته.
وفي اللحظة اللي الباب اتكسر ورايا…
طلعت من الشباك وقفزت.
وقعت على الأرض ولفيت رجلي…
بس فضلت أجري ناحية باب الفيلا.
سمعت كريم بينده اسمي.
جريت لحد ما وصلت الشارع.
ولأول مرة من زمان…
قدرت أتنفس.
من بعيد…
سمعت صوت سرينة الشرطة.
ماكنتش عارفة جايين ليا…
ولا كريم حضّر كدبة جديدة.
بس حاجة واحدة كنت متأكدة منها.
أنا ما نمتش.
وشفت الأوضة.
وشفت الورق.
وسمعت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
"زي أمك."
والسر اللي كان مستخبي في البيت ده…
مش هيفضل مستخبي تاني.


تعليقات
إرسال تعليق