بنتي جابت زميلتها الغلبانة تعزمها على العشا.. وفجأة وقعت حاجة من شنطتها خلت دموعي تنزل وجسمي يقشعر!
بنتي جابت زميلتها
بنتي جابت زميلتها الغلبانة تعزمها على العشا.. وفجأة وقعت حاجة من شنطتها خلت دموعي تنزل وجسمي يقشعر!
ماما.. ليلى هتاكل معانا النهاردة.
بنتي سلمى قالتها بصيغة أمر، مش رجاء.
كنت واقفة قدام البوتاجاز، بحاول أخلي الأكل يكفينا إحنا الأربعة.. الدنيا غليت والخضار بقى نار. ودلوقتي بقوا خمسة! البنت اللي واقفة وراها كانت عايزة تختفي من الكسوف.. لابسة سويت شيرت واسع في عز الحر، جزمتها دايبة، وعينيها في الأرض مابتترفعش.
دي ليلى صاحبتي، سلمى قالت ببرود.
رسمت ابتسامة بالعافية أهلاً يا حبيبتي.. اتفضلي خدي طبق.
بدأت أحسبها في سري.. نقلل اللحمة، نكتر الرز.. يمكن محدش يحس.
العشا كان هادي جداً.. جوزي حاول يفتح كلام، وليلى كانت بترد بوشوشة، يا دوب صوتها مسموع.
بس كانت بتاكل..
ببطء.. بتركيز.. وبنهم.
كأنها مادقتش أكل بيتي من قرن.
شربت كوباية مية ورا التانية.. وأي حركة مفاجئة في البيت كانت بتخليها تتخض وتتشنج.
أول ما مشيت، لفيت لبنتي
يا سلمى، مينفعش تجرجري الناس كدة على البيت.. إحنا يا دوب ممشيين حالنا بالعافية!
يا ماما دي ماكلتش طول اليوم.
ده مش مبرر إنك
كانت هيهبط منها في الفصل تاني! سلمى قطعت كلامي بوجع، باباها شغال ليل نهار عشان يسدد مصاريف المستشفى، والنور اتقطع عندهم الأسبوع اللي فات.
سكتت مكاني..
أنا كنت شايلة هم الحلة هتكفي ولا لأ.. وهي شايلة هم اليوم هيعدي ولا لأ.
هاتيها تاني بكرة، قلتها بصوت واطي.
بجد يا ماما؟
آه.. بكرة وكل يوم.
وبقى ده نظامنا.. تذاكر
على الرخامة، تتعشى، وتمشي.
ماتطلبش زيادة.. ماتتكلمش كتير.. تاكل اللي موجود وبس.
لحد ما جه يوم، والشنطة بتاعتها اتزحلقت من على كتافها وخبطت في الأرض.
فيه حاجة وقعت منها..
مش كتب..
ولا كشاكيل..
وطيت أجيبها.. وفي اللحظة اللي شفت فيها هي كانت شايلة إيه.. جسمي كله تلج ونفسي انقطع.
بصيت لها بذهول.. وهي اتجمدت مكانها ووشها بقى أبيض زي الورقة.
ليلى.. إيه اللي أنا شايفاه ده؟! ده شريط دوا مسكن قوي جداً.. وجهاز قياس سكر؟!
ليلى نزلت راسها وبدأت تعيط بشهقات تقطع القلب يا طنط.. ده مش ليا.. ده لبابا.. هو مابياكلش عشان يوفر لي اللقمة، وأنا بخبي الأكل اللي بتديهولي في منديل عشان أديهوله لما أروح.. والسكر عنده بيعلى من كتر التعب.
تفتكروا الأم هتعمل إيه لما تكتشف إن ليلى كانت بتمثل إنها بتاكل قدامهم وهي في الحقيقة كانت بتشيل منابها لباباها المريض؟ وهل العيلة هتقدر تساعد الأب اللي بيضحي بحياته عشان بنته، ولا الفقر هيكون أقوى منهم؟
وسلم
وقفت مكاني وأنا ماسكة الحاجات اللي وقعت من شنطتها إيدي بتترعش، وقلبي بيدق كأنه هيكسر ضلوعي.
بصيت لليلى تاني نفس البنت اللي كنت فاكرة إنها بتاكل بنهم طلعت في الحقيقة كانت بتمثل.
بتمثل الشبع عشان تاخد الأكل لحد تاني.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قعدت قدامها على الأرض، ومستحملتش نفسي حضنتها جامد.
ليه يا بنتي؟ ليه تعملي في نفسك كدة؟
كانت بتعيط وهي بتتكلم بالعافية أعمل إيه يا طنط؟ بابا بقى تعبان أوي مبقاش قادر يشتغل زي الأول والدوا
غالي ولو كلت أنا وهو، مش هيكفينا
الكلام كان سكينة في قلبي.
بصيت لجوزي لقيت عينيه مليانة دموع هو كمان، وساكت بس واضح إنه متأثر زيي بالظبط.
سلمى كانت واقفة ورا ليلى، ومش قادرة تمسك نفسها من العياط.
قومت بهدوء مسحت دموعي وقلت بحزم
مفيش حد هيشيل الأكل في منديل تاني.
ليلى رفعت عينيها بخضة يعني مش هتيجي تاني؟
قربت منها ومسكت وشها بين إيديا لا يا حبيبتي يعني هتيجي إنتي وباباكي كمان.
سكتت لحظة كأنها مش مصدقة.
بكرة بعد المدرسة هتروحي تاخدي باباكي وتيجوا هنا مفهوم؟
هزت راسها وهي بتعيط بس المرة دي كان عياط مختلف فيه راحة.
تاني يوم تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الباب خبط بخفة.
فتحت لقيت ليلى واقفة ومساندة راجل شكله مهدود وشه أصفر وجسمه ضعيف.
ده بابا يا طنط
مد إيده يسلم عليّ بإحراج أنا آسف تعبتكم معانا
قاطعته فورًا تعب إيه بس إنت في بيتك.
دخل وقعد وكان باين عليه الإحراج الشديد، كأنه مش متعود يطلب أو يقبل مساعدة.
جهزت الأكل المرة دي حطيت كل اللي عندي من غير حسابات.
قلت بحزم الأكل ده لازم يتاكل كله ومفيش توفير النهاردة.
بص لبنته وبعدين بصلي وعينه لمعت.
بدأ ياكل ببطء في الأول وبعدين فجأة كأنه افتكر طعم الأكل.
ليلى كانت بتبصله وهي مبتسمة لأول مرة.
بعد العشا
جوزي قاله إنت شغلك إيه يا عم حسين؟
قال بصوت مكسور كنت شغال نجار بس تعبت ومبقتش أقدر أقف كتير.
سكت جوزي شوية وبعدين قال طب إيه رأيك تيجي معايا الورشة؟ الشغل مش تقيل ونظبط الدنيا سوا.
الراجل بصله بذهول بجد؟
بجد.
ساعتها أنا شفت حاجة
عمري ما هنساها
راجل كبير دموعه نزلت مش من الوجع
من الكرامة اللي رجعتله.
الأيام عدت
ليلى مبقتش تيجي تاكل بس
بقت تيجي تضحك.
وباباها بقى يشتغل حتى لو ساعات قليلة بس بقى واقف على رجله.
وأنا
كل مرة بحط الأكل
بفتكر اليوم اللي كنت قلقانة فيه إن الحلة مش هتكفي
واكتشفت إن اللي بيكفي فعلاً
مش الأكل
اللي بيكفي هو القلب.
ومن يومها علمت ولادي حاجة واحدة
اللقمة اللي بتتشارك عمرها ما بتخلص عدّى كام شهر
والبيت اتغير مش في شكله، لكن في روحه.
ليلى بقت زي بنتي بالظبط تدخل من غير ما تخبط، تضحك، تهزر مع سلمى، وتساعدني في المطبخ كأنها متربية هنا من زمان.
وأبوها عم حسين بقى يروح مع جوزي الورشة كل يوم.
مش بيشتغل كتير صحته لسه تعبانة بس بقى عنده سبب يصحى من النوم.
وبقى ياكل.
كويس.
في يوم
كنت قاعدة بحضر الغدا، سمعت صوت ضحك عالي جاي من الصالة.
بصيت لقيت عم حسين بيحكي حاجة، وسلمى وليلى ميتين من الضحك.
وقفت أتأملهم من بعيد
وقلبي اتملى بحمد ربنا.
وفجأة
ليلى قامت وجت ناحيتي، ماسكة حاجة في إيديها.
طنط ممكن دقيقة؟
تعالي يا حبيبتي.
مدّت لي ظرف صغير
قديم ومطوي بعناية.
ده إيه؟
افتحيه بس
فتحته
ولقيت جواه فلوس.
مش كتير بس متجمعة.
بصيت لها بدهشة إيه ده يا ليلى؟!
قالت وهي مبتسمة بخجل أول مرتب لبابا خد جزء صغير وقال لازم نرجع حاجة من اللي عملتوه معانا.
اتصدمت
وبصراحة اتضايقت شوية.
إنتي بتهزرِي؟ إحنا عملنا واجب
قاطعتني بهدوء عارفة يا طنط بس بابا قاللي لو ماعملناش كدة هيحس إنه
لسه بياخد بس وهو عايز يحس إنه بيرد حتى لو حاجة بسيطة.
سكت
الكلام لمس قلبي بطريقة غريبة.
بصيت ناحيتهم
لقيت
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
عم حسين واقف، باصصلي بتوتر مستني ردّي.
قربت منه ومدّيت إيدي بالظرف
وقلت بابتسامة أنا هاخده بس بشرط.
قال بسرعة أي شرط!
إنه يفضل مفتوح بينا يعني النهاردة إنتو، بكرة إحنا مفيش حد فينا محتاج التاني أكتر من التاني.
وشه ارتاح وابتسم.
بالليل
بعد ما الكل مشي
سلمى جت حضنتني وقالت ماما أنا فخورة بيكي.
ضحكت وقلت أنا اللي فخورة بيكي يا سلمى إنتي السبب في كل ده.
قالت وهي بتبص للباب تفتكري لو أنا ماجبتش ليلى يومها كان إيه اللي هيحصل؟
بصيت في الفراغ شوية
وقلت بهدوء كنا هنكمل حياتنا عادي بس ناقصنا حاجة كبيرة إحساس.
ومن ساعتها
كل ما حد يخبط بابنا
عمري ما بسأل هيكفينا ولا لأ؟
بسأل نفسي سؤال واحد
مين فينا محتاج التاني أكتر؟
وعمري ما بلاقي إجابة واضحة
لأن الحقيقة
إننا كلنا
محتاجين بعض وفي يوم كنت فاكرة إنه عادي زي أي يوم
صحيت بدري، حضرت الفطار، وببص من الشباك لقيت عم حسين واقف تحت، بس المرة دي مش مستني حد.
لابس هدوم نضيفة، ومظبط نفسه على غير العادة.
نزلت له بسرعة خير يا عم حسين؟ واقف كدة ليه؟
ابتسم ابتسامة هادية وقال مستنيكم النهاردة أنا اللي عازمكم.
ضحكت تلقائي
تعزمنا؟ على إيه بس!
رد بثقة غريبة تعالوا بس وهتعرفوا.
خدنا بعضنا وروحنا وراه
المكان ماكانش بعيد محل صغير في شارع جانبي.
يافطة جديدة متعلقة ولسه ريحة الدهان طالعة.
وقفت قدامها وبقرا الاسم
ورشة الأمانة للنجارة
بصيت له بدهشة ده ده بتاعك؟!
هز راسه بابتسامة فيها فخر أيوه ربنا كرمني وصاحب الورشة القديمة سابها، وأنا خدت المكان بالقسط وجوزك وقف جنبي وعلمني إزاي أرجع أشتغل واحدة واحدة.
سلمى صرخت بفرحة، وليلى كانت واقفة بتعيط وهي بتضحك.
دخلنا تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
المكان بسيط جدًا بس مترتب ونضيف وكل حاجة فيه بتلمع من الاهتمام.
عم حسين قال وهو بيبص حوالين المكان زمان كنت فاكر إني خلصت إن خلاص مفيش فايدة بس ربنا بعتلي ناس ترجعني من تاني.
وبصلي أنا وجوزي.
أنا حسيت بخجل لأن الحقيقة
هو اللي علّمنا حاجة أكبر.
قعدنا
وطلع أكياس أكل بسيطة مش زي أكلكم طبعًا بس على قدّي.
قلت بسرعة على قدك إيه بس ده أحلى عشا.
أكلنا كلنا مع بعض
بس المرة دي
ليلى كانت بتاكل بجد.
من غير ما تبص حوالين.
من غير ما تخبي حاجة.
ومن غير خوف.
قبل ما نمشي
عم حسين نده على ليلى هاتي الحاجة.
جريت جوه، ورجعت بصندوق صغير.
فتحته
وكان
فيه قطعة خشب معمولة بإيد، متصنّعة بعناية شديدة
مكتوب عليها
البيت اللي فتح بابه ربنا فتح له أبواب كتير
بصيت للكلام ودموعي نزلت تاني.
مش حزن
دي كانت دموع راحة.
وإحنا راجعين
سلمى مسكت إيدي وقالت ماما إحنا ماكناش بنساعدهم بس صح؟
ابتسمت وقلت لأ يا حبيبتي إحنا كنا بنتغير.
ومن يومها
اتعلمت درس عمري ما هنساهم
إن الخير
مش بس بينقذ اللي قدامك
الخير بيرجعلك
بس بشكل عمرك ما تتخيله والحكاية ما وقفتش عند كده
بعد افتتاح الورشة بكام أسبوع
بدأ اسم عم حسين يتسمع في المنطقة.
شغل نظيف أمانة ومواعيد مظبوطة.
واحدة جابت جيرانها والتانية قالت لقرايبها لحد ما الورشة الصغيرة بقت مش مكفّية الشغل.
وفي يوم
كنت واقفة في المطبخ، بجهز الغدا كعادتي
لقيت ليلى داخلة تجري وهي بتنهج
طنط! طنط! عندي خبر!
ضحكت إيه يا بنتي؟ مالك مخضوضة كده؟
قالت وهي مش قادرة تمسك نفسها من الفرحة أنا أنا اتقبلت في مسابقة أوائل المدرسة! وهسافر على مستوى المحافظة!
سيبت اللي في إيدي وجريتلها بجد؟! يا روحي!
حضنتها وهي بتضحك وبتعيط في نفس الوقت.
ده بفضل ربنا وبفضلكم أنا بقيت بعرف أذاكر وبقيت مركزة
سلمى دخلت
عليهم وهي بتسقف أنا قولتلك يا لولو!
وبالليل
عم حسين جه وهو شايل علبة حلو.
لازم نفرح النهاردة!
قعدنا كلنا سوا
والفرحة كانت مالية البيت.
بس فجأة
عم حسين سكت شوية وبعدين قال
أنا كنت عايز أقول حاجة
بصينا له كلنا.
أنا كنت ناوي أكتفي بكده شغل على قدّي وأعيش وخلاص بس لا أنا مش هقف هنا.
جوزي سأله ناوي على إيه؟
قال وهو بيبص لليلى ناوي أعلّم بنتي كويس لحد ما تبقى دكتورة وتعالج الناس اللي زيي واللي مش لاقيين.
ليلى بصت له بصدمة أنا؟ دكتورة؟!
ابتسم أيوه ليه لأ؟ مش إنتي شاطرة؟
أنا حسيت بقشعريرة
مش عشان الحلم
عشان الإيمان اللي في كلامه.
بعدها بشهور
ليلى بقت من أوائل المدرسة فعلًا.
والورشة كبرت
وجوزي وعم حسين بقوا شركا.
وأنا
بقيت كل مرة أبص حواليا
أفتكر أول يوم
البنت اللي كانت واقفة مكسوفة على باب البيت
وشنطتها اللي وقعت منها أسرارها.
وأبتسم.
وفي ليلة هادية
ليلى كانت قاعدة بتذاكر، وسلمى جنبها
سمعت ليلى بتقول
أنا لما أكبر هفتح عيادة بس مش للفلوس للناس اللي محتاجة زي بابا زمان.
سلمى ضحكت وأنا هبقى معاكي وأديرها!
ضحكت من جوايا
وقلت لنفسي
شايفة يا رب؟ اللقمة الصغيرة اللي اتقسمت عملت إيه؟
والحكاية خلصت؟
لأ
الحكايات اللي بتبدأ بالخير
عمرها ما بتخلص.
هي بس
بتكمل
في قلوب ناس تانية.

تعليقات
إرسال تعليق