شجاعة طفل
شجاعة طفل
بابا.. أختي الصغيرة لا تستيقظ. لم نأكل منذ ثلاثة أيام”، همس صبي صغير. هرع والده لنقلهم إلى المستشفى، ليكتشف الحقيقة حول مكان وجود والدتهم.
مكالمة من رقم مجهول
كان “روان ميرسر” جالساً في خضم اجتماع روتيني في مكتبه في ناشفيل عندما أظهر هاتفه فجأة رقماً لم يتعرف عليه. للحظة كاد يتجاهله، مفترضاً أنه بائع آخر يحاول الاتصال به قبل الغداء. هذا التردد القصير، العادي والذي لا يُنسى في تلك اللحظة، سيرافقه بقية حياته، كصمت الثانية الواحدة الذي يسبق تغير كل شيء.
أجاب أخيراً، مشتتاً ونصف مركز في المدــ,,ـــــادثة التي لا تزال تدور حول طاولة المؤتمرات.
“مرحباً؟”
لثانية لم يُسمع شيء سوى خشخشة خفيفة من السكون وصوت حركة ناعمة على الجانب الآخر. ثم سُمع صوت صغير عبر السماعة، مرتجفاً ومتعباً كما لا ينبغي لصوت طفل أن يبدو أبداً.
“بابا؟”
كان “روان” يدفع كرسيه للخلف بالفعل قبل أن يستوعب تماماً ما سمعه.
“مايكا؟ لماذا تتصل بي من هاتف آخر؟ ماذا حدث؟”
استنشق الطفل الهواء من أنفه، محاولاً تهدئة نفسه كما يفعل الأطفال عندما يكتمون مشاعرهم لفترة طويلة جداً.
“بابا، إلسي لا تستيقظ جيداً. لا تزال نائمة وجسمها ساخن جداً. ماما ليست هنا. و.. لم يتبق لنا شيء لنأكله.”
اختفت قاعة الاجتماعات من عقل “روان” على الفور. العرض التقديمي على الشاشة، الزملاء الذين ينتظرون رده، الهمس الهادئ لمدــ,,ـــــادثات العمل؛ لم يعد أي من ذلك يهم. تحرك كرسيه بحدة للخلف وهو ينهض، مما أثار فزع من حول الطاولة، لكن “روان” لم يتوقف ليشرح. لم يعتذر. لم يأخذ حتى سترته. ببساطة أمسك بمفاتيحه وهاتفه وركض نحو المصعد بينما كان يتصل بـ “ديلاني” (الأم).
مباشرة إلى البريد الصوتي. اتصل مرة أخرى.. البريد الصوتي.. مرة أخرى.. لا شيء.
بحلول الوقت الذي وصل فيه إلى موقف السيارات، كان قلبه ينبض بشدة لدرجة أن يديه كانتا ترتجفان على عجلة القيادة. في بداية ذلك الأسبوع، أخبرته “ديلاني” أنها قد تأخذ الأطفال إلى كوخ صديق بجانب البحيرة حيث الإشارة ضعيفة. ولأنهم كانوا يديرون جدول الحضانة المشتركة بعناية، صدقها “روان”.
الآن، وهو يتجه إلى المنزل الذي تستأجره في شرق ناشفيل، لم يكن يسمع في عقله سوى صوت “مايكا” وهو يقول إنه لم يتبق طعام. حاول الاتصال بـ “ديلاني” مرة أخيرة، وانتهت المكالمة بالطريقة نفسها. تمتم “روان” وهو يضغط على المقود: “هيا يا ديلاني.. أجيبي”. لم تفعل أبداً.
منزل في صمت
قاد السيارة في أقل من ثلاثين دقيقة. عندما توقف أمام الرصيف، كان الصمت هو أول ما بدا له غريباً. لا ألعاب متناثرة، لا موسيقى، لا حركة خلف النوافذ. صعد الدرجات راكضاً وطرق الباب بقوة: “مايكا، أنا بابا. افتح الباب”.
لم يأتِ رد. جرب المقبــ,,ـــــض وانفتح الباب فجأة. كان الصمت داخل المنزل كثيفاً لدرجة أنه أصاب معدته بالاضطراب. ثم رأى “مايكا”. كان الصبي جالساً على الأرض وهو يضغط وسادة على صدره. شعره الأشقر منكوش وبقع تراب تلطخ وجنتيه. أكثر ما أخاف “روان” هو السكون في جسد ابنه، ذلك الانتظار الصامت الذي يسقط فيه الأطفال عندما تنفد دموعهم.
رفع “مايكا” نظره ببطء: “ظننت أنك ربما لن تأتي”.
قطع “روان” الغرفة وجثا على ركبتيه بجانبه: “أنا هنا، أين أختك؟”.
أشار “مايكا” نحو الأريكة. كانت “إلسي” متقوقعة تحت بطانية، وجهها شاحب ومحتقن، شفتاها جافتان وتنفسها سطحي. وضع “روان” يده على جبهتها وشعر بموجة حرارة قوية. رفعها فوراً بين ذراعيه، ولم تبدِ أي مقاومة.
أجبر صوته على الهدوء من أجل “مايكا”: “سنرحل الآن. ارتدِ حذاءك. لا أسئلة. ابقَ قريباً مني”.
نهض “مايكا” بسرعة وسأل بخوف: “هل هي نائمة؟”.
بلع “روان” ريقه: “إنها مريضة يا صديقي. سنذهب لطلب المساعدة”.
بينما كان يحملها نحو الباب، لمح عينا “روان” المطبخ: صندوق حبوب فارغ على المنضدة، الحوض مليء بالأطباق، وداخل الثلاجة لا يوجد سوى زجاجة كاتشب نصف فارغة. لا حليب، لا فاكهة، لا شيء يمكن لطفل في السادسة استخدامه لإطعام نفسه أو أخته.
قاد نحو مستشفى الأطفال وأضواء الطوارئ تعمل. من المقعد الخلفي، جاء صوت “مايكا” خافتاً: “هل ماما غاضبة؟”.
رد “روان” بلطف: “لا، ماما ليست غاضبة منك. أنا هنا، أنتما معي الآن”.
سكت “مايكا” قليلاً ثم همس: “حاولت أن أصنع بسكويتاً لإلسي.. لكنها لم ترد أن تأكل”.
شعر “روان” بألم في حلقه: “لقد أحسنت فعلاً بالاتصال بي”.
الحقيقة المرة في المستشفى
وصل “روان” إلى طوارئ مستشفى “فاندربيلت”، وحمل “إلسي” الضعيفة بين ذراعيه وصرخ طالباً المساعدة. في غضون ثوانٍ، أحاط به الممرضون وأخذوا الطفلة إلى الداخل. كان “مايكا” متمسكاً ببنطال والده، وعيناه واسعتان من الخوف.
بينما كان الأطباء يعالجون “إلسي” من الجفاف الحاد والحمى الناتجة عن عدوى لم تُعالج، جلس “روان” مع “مايكا” في ركن هادئ. أعطته ممرضة عسيراً وبعض البسكويت، وبدأ الطفل يأكل بنهم كأنه لم يرَ طعاماً منذ دهر.
سأله “روان” بهدوء، وقلبه ينقبــ,,ـــــض: “مايكا، متى غادرت ماما المنزل؟”
توقف “مايكا” عن المضغ ونظر إلى الأرض: “قالت إنها ذاهبة لتشتري الحليب.. قبل أن يظلــ,,ـــــم الوقت بمدة طويلة. كانت ترتدي فستانها الجميل الذي يلمع”.
شعر “روان” ببرودة تسري في جسده. “الفستان الجميل” لا يُرتدى لشراء الحليب أو للذهاب إلى كوخ ريفي.
المواجهة
بعد ساعات، استقرت حالة “إلسي” وبدأت تفتح عينيها ببطء. في تلك اللحظة، رن هاتف “روان”. كانت “ديلاني”.
أجاب “روان” بصوت منخفض وحاد كالشفرة: “أين أنتِ؟”
جاء صوته ضاحكاً، وفي الخلفية صوت موسيقى صاخبة وضجيج: “روان؟ أوه، أنا في الكوخ.. الشبكة سيئة جداً كما أخبرتك. الأطفال نائمون الآن، ونحن نستمتع بوقتنا. لماذا تتصل كثيراً؟”
شعر “روان” بالغثيان من كذبها.
قال لها بهدوء مرعب: “ديلاني، أنا في المستشفى. إلسي بجانبي، ومايكا يجلس معي. لقد وجدتهما وحدهما في البيت منذ ثلاثة أيام. البيت كان فارغاً من الأكل، وإلسي كانت ستمــ,,ـــــوت من الجفاف”.
ساد صمت مفاجئ على الطرف الآخر، وتوقفت الموسيقى.
“أنا.. أنا لا أفهم.. لقد تركتهم مع..” تعثرت الكلمات في فمها.
قاطعها “روان”: “لم تتركيهم مع أحد. لقد تركتِ طفلين بمفردهما لتذهبي في رحلة مع أصدقائك. لقد انتهى الأمر يا ديلاني. لا تعودي إلى البيت، بل اذهبي مباشرة لمقابلة محاميكِ”.
اكتشاف الحقيقة
تبين لاحقاً أن “ديلاني” لم تذهب إلى أي كوخ ريفي. كانت قد سافرت إلى “ميامي” مع مجموعة من الأصدقاء للاحتفال، وظنت أن الأطفال سيتمكنون من تدبر أمورهم أو أن “روان” لن يلاحظ غيابها لأنه لم يكن موعد “دوره” في الحضانة. كانت قد وضعت صوراً على حساب خاص لها في “إنستغرام” وهي تشرب وتضحك على الشاطئ، بينما كان ابنها يحاول صنع “بسكويت” من الدقيق والماء لينقذ أخته من المــ,,ـــــوت جوعاً.
النهاية
حصل “روان” على الحضانة الكاملة للأطفال، ومُنعت “ديلاني” من رؤيتهم إلا تحت إشراف قانوني صارم. في الليلة الأولى التي عادوا فيها إلى منزل “روان”، طلب “مايكا” طلباً واحداً: “بابا، هل يمكننا ترك أضواء المطبخ مضاءة؟ لا أريد أن يظلــ,,ـــــم الوقت مرة أخرى”.
ضمهم “روان” إليه بقوة، وأقسم ألا يترك يدهم أبداً، وألا يثق بكلمة واحدة تقال على حساب سلامة أطفاله.
تمت.. مشيره محمد


تعليقات
إرسال تعليق