القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


سبع البرومبه 




سبع البرمبة

لم يكن الشك شعورًا عابرًا في حياتي…

كان كظلٍ ثقيلٍ يمشي خلفي أينما ذهبت.

في البداية حاولت أن أقنع نفسي بأن ما أشعر به مجرد أوهام.

ربما أنا حساسة أكثر من اللازم… ربما الضغوط اليومية جعلتني أرى الأمور بطريقة مظلمة… ربما عصام فقط يمر بفترة صعبة في عمله.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

زوجي… الذي كان في يوم من الأيام رجلاً يملأ البيت ضحكًا وضجيجًا… تحول مع مرور الوقت إلى شخص آخر تمامًا.

بارد.

قاسٍ.

غريب.

كان يكفي أن أفتح فمي بكلمة بسيطة حتى يعبس وجهه وكأنني ارتكبت جـ,ـريمة.

– “إيه؟! هو أنا مش فاضي لكلامك الفاضي ده!”

كان يرددها بنبرة متوترة كلما حاولت التحدث معه.

وفي الأيام الأخيرة… لم يعد حتى يكلف نفسه عناء الرد.

مجرد نظرة ضيق…

أو حركة يدٍ متململة…

وكأن وجودي نفسه أصبح عبئًا عليه.

كنت أجلس ليلاً على سجادة الصلاة بعد أن ينام…

أرفع يدي إلى السماء وأقول بصوتٍ خافتٍ يختلط بالبكاء:

“يا رب… لو في حاجة مستخبية عني… اكشفها لي.

لو في شر بيحصل وأنا مش شايفاه… خليني أعرف.”

لم أكن أعلم أن دعائي سيُستجاب بهذه السرعة…

وبهذه القسوة.

في تلك الليلة… حدث كل شيء.

كان الوقت يقترب من منتصف الليل.

كنت في المطبخ أغسل آخر الأطباق عندما دخل عصام إلى الغرفة متجهم الوجه كعادته.

وقف أمام خزانة الملابس يقلبها بعصبية.

ثم صرخ فجأة:

– “فين الشراب؟!”

توقفت عن الحركة ونظرت إليه باستغراب.

– “أي شراب؟”

التفت نحوي بحدة.

– “شرابي اللي كنت لابسه امبارح!”

اقتربت منه محاوِلة تهدئته.

– “ممكن يكون في الغسيل… هبص عليه.”

لكن قبل أن أكمل جملتي… حدث ما لم أتوقعه.

رفع يده وصفعني على وجهي بقوة.

تجمدت في مكاني.

لم أشعر بالألم بقدر ما شعرت بالصدمة.

لم يكن هذا أول خلاف بيننا… لكنه كان أول مرة يمد يده عليّ.

نظر إليّ بعينين مليئتين بالاحتقار وقال:

– “إنتِ لزمتك إيه هنا غير الخدمة؟!

الأكل… والغسيل… وتقضي طلباتي بس.”

ثم بصق الكلمات الأخيرة وكأنها سمّ:

– “غير كده… إنتِ ولا حاجة.”

وقف قلبي لحظة.

لم أستطع الرد.

لم أستطع حتى البكاء.

كنت فقط أحدق في وجهه… أحاول أن أستوعب أن هذا الرجل هو نفسه الذي قال لي يومًا إنه لا يستطيع العيش بدوني.

ارتدى حذاءه بعصبية، ثم خرج من الشقة مسرعًا وهو يردد:

– “أنا نازل!”

أغلق الباب خلفه بقوة.

وبقيت أنا وحدي… في صمت ثقيل.

جلست على الأرض ببطء.

وضعت يدي على خدي الذي ما زال يحـ,ـترق من أثر الصفعة.

ثم انفجرت بالبكاء.

لكن بكائي لم يدم طويلاً.

لأن شيئًا آخر جذب انتباهي.

كان هاتفه المحمول…

ما زال على الكرسي.

نسيه عندما خرج مسرعًا.

ترددت للحظة.

لم ألمس هاتفه طوال سنوات زواجنا.

كنت أؤمن أن الثقة لا تُبنى بالتجسس.

لكن تلك الليلة…

كل شيء بدا مختلفًا.

اقتربت من الكرسي ببطء… وكأن الهاتف قد ينفـ,ـجر إذا لمسته.

مددت يدي المرتجفة… والتقطته.

في نفس اللحظة…

صدر صوت إشعار.

أضاءت الشاشة.

لم أفتح الرسالة… لكنني رأيت الكلمة الأولى.

“حبيبي…”

ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالسخرية.

تمتمت لنفسي:

“تمام يا عصام…

بقى عندك حبيبة كمان.”

كنت أتوقع ذلك.

الغضب الذي في داخلي… لم يكن مفاجأة.

لكنني لم أكن أعرف أن الأسوأ لم يأتِ بعد.

حاولت فتح الهاتف… لكن كلمة المرور منعَتني.

جربت بعض الأرقام… فشلت.

كنت على وشك أن أتركه عندما وصل إشعار جديد.

هذه المرة… من رقم آخر.

نظرت إلى الشاشة.

وقرأت الرسالة.

وفي تلك اللحظة… شعرت وكأن الأرض انفتحت تحت قدمي.

كانت الرسالة تقول:

“الحقني يا عصام…

أنا حامل.”

تجمد الدم في عروقي.

لكن الرسالة لم تنتهِ هنا.

السطر الثاني كان أشد قسوة:

“ومستحيل المرة دي أسمع كلامك وأجهض نفسي.”

سقط الهاتف من يدي على الأرض.

لم أصدق ما قرأت.

لم تكن مجرد خيـ,ـانة.

بل جـ,ـريمة كاملة.

رجل يجبر امرأة على الإجهاض… ثم يهرب من مسؤوليته.

شعرت بالغثيان.

أردت أن أصرخ…

أن أكسر كل شيء حولي…

أن أذهب إليه وأفضـ,ـحه أمام العالم.

لكنني لم أفعل.

بدلاً من ذلك…

جلست على الكرسي ببطء.

أخذت نفسًا عميقًا.

ومسحت دموعي.

قلت لنفسي بصوتٍ هادئ:

“لا…

مش كده.”

الانتقام الحقيقي…

لا يكون بالصراخ.

بل بالخطة.

رفعت الهاتف مرة أخرى.

ونظرت إلى الرسائل بعينين مختلفتين.

هذه المرة… لم أكن زوجة مكـ,ـسورة.

كنت امرأة تفكر.

وبدأت فكرة… صغيرة جدًا… تتشكل في رأسي.

فكرة يمكنها أن تقلب حياة عصام رأسًا على عقب.

ابتسمت ابتسامة باردة.

ثم همست لنفسي:

“طيب يا عصام…

لو أنت سبع البرمبة…”

رفعت رأسي ونظرت إلى الباب المغلق.

وأكملت بصوتٍ حاسم:

“أنا هجمعكم كلكم… في أوضة واحدة.”

ثم بدأت أكتب أول رسالة.

“تعالي بكرة… لازم نتكلم عن عصام.”

حكايات أسما

سبع البرمبة

الفصل الثاني: بداية الخطة

جلستُ أمام الهاتف لدقائق طويلة أحدّق في الشاشة المضيئة.

كانت الرسالة ما تزال أمامي:

“الحقني يا عصام… أنا حامل… ومستحيل المرة دي أسمع كلامك وأجهض نفسي.”

شعرت بمرارةٍ حادة في صدري.

لم يكن الأمر مجرد خـ,ـيانة…

بل خـ,ـيانة مـ,ـلوثة بالجبن والقسـ,ـوة.

رجل يتهرب من مسؤوليته…

ويترك النساء خلفه يواجهن المصير وحدهن.

وضعت الهاتف على الطاولة، وأغمضت عيني للحظة.

ثم قلت لنفسي:

“البكاء لن يغير شيئًا.”

مسحت دموعي، وعدت أنظر إلى الهاتف مرة أخرى… لكن هذه المرة بعقلٍ بارد.

بدأت أفتح الرسائل.

كانت المحادثات كثيرة.

كثيرة لدرجة جعلت قلبي يتجمد.

امرأة تكتب له كلمات حب.

أخرى تطلب المال.

وثالثة تشتكي من تجاهله لها.

لم يكن مجرد خائن…

كان يعيش حياة كاملة خلف ظهري.

تنفست ببطء.

ثم بدأت أفكر.

“إذا أردت أن أسقطه… فلا بد أن أفعل ذلك بطريقة لا يستطيع الهرب منها.”

وببطء…

بدأت الخطة تتشكل في رأسي.

في صباح اليوم التالي…

تصرفت وكأن شيئًا لم يحدث.

استيقظ عصام متأخرًا قليلاً، وكان يبدو متوتراً كعادته.

دخل المطبخ ووجدني أعد الإفطار.

نظر إليّ لحظة… وكأنه ينتظر رد فعل.

ربما توقع أنني سأواجهه…

أو أبكي…

أو أصرخ.

لكنني لم أفعل.

ابتسمت بهدوء وقلت:

– “صباح الخير.”

ارتبك قليلاً.

– “صباح النور.”

جلس إلى الطاولة بصمت.

وبعد لحظة قال ببرود:

– “أنا كنت متعصب امبارح.”

رفعت حاجبيّ قليلاً.

– “عادي… بتحصل.”

لم يعلق.

لكنني رأيت الارتياح يمر في عينيه.

كان يظن أن الأمر انتهى.

لم يكن يعلم أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.

بعد أن خرج إلى العمل…

جلست مع الهاتف مرة أخرى.

بدأت أراجع الأرقام التي في رسائله.

كانت هناك ثلاث نساء يتحدث معهن باستمرار.

لكن واحدة منهن… كانت صاحبة الرسالة الأخيرة.

“أنا حامل.”

قرأت اسمها في الهاتف:

نادية

فتحت المحادثة مرة أخرى.

كانت رسائلها مليئة بالغـ,ـضب والخوف.

“أنت وعدتني إنك هتتجوزني.”

“مش هينفع أفضل مستخبية كده.”

“أنا مش لعبة.”

أغمضت عيني لحظة.

ثم كتبت رسالة.

لكن ليس باسمي.

كتبت من هاتف عصام.

“تعالي بكرة البيت… لازم نتكلم في موضوع مهم.”

ترددت قليلاً… ثم ضغطت إرسال.

لم تمر دقيقتان حتى جاء الرد.

“خير؟ في حاجة حصلت؟”

كتبت بسرعة:

“تعالي بس… وأنا هشرح.”

لكن نادية لم تكن الوحيدة.

كانت هناك امرأة أخرى اسمها سمر.

رسائلها كانت مختلفة.

كانت أكثر جـ,ـرأة… وأكثر ثقة.

“وحشتني.”

“إمتى هتسيب مراتك بقى؟”

ابتسمت بمرارة.

وكتبت لها نفس الرسالة.

“تعالي بكرة البيت… لازم نتكلم.”

أما الثالثة…

فكانت فتاة صغيرة اسمها ريم.

كانت رسائلها مليئة بالارتباك والخجل.

شعرت بشيء يشبه الشفقة تجاهها.

لكنني مع ذلك كتبت لها الرسالة نفسها.

انتهيت من إرسال الرسائل الثلاث.

ثم وضعت الهاتف أمامي على الطاولة.

ونظرت إليه طويلاً.

قلت لنفسي:

“غدًا… كل شيء سينتهي.”

في المساء…

عاد عصام إلى البيت كعادته.

دخل وهو يتحدث في الهاتف.

– “لا لا… بكرة نتكلم.”

توقف عندما رآني.

أغلق الهاتف بسرعة.

– “في أكل؟”

قلت بهدوء:

– “آه.”

جلس يأكل دون أن ينظر إلي.

لكنني كنت أراقبه بصمت.

كنت أراه لأول مرة كما هو حقًا.

رجل جبان.

رجل يعيش خلف أكاذيب كثيرة.

وفجأة شعرت بالهدوء.

هدوء غريب.

لأنني عرفت شيئًا مهمًا…

غدًا… لن يكون هذا الرجل جزءًا من حياتي بعد الآن.

في اليوم التالي…

استيقظت مبكرًا.

رتبت البيت.

نظفت الصالة بعناية.

وضعت الكراسي في شكل دائري.

ثم جلست أنتظر.

كانت الساعة تقترب من الرابعة مساءً.

وعصام لم يعد بعد.

لكنني كنت أعلم أن الضيوف سيأتون قبله.

رن جرس الباب.

نهضت ببطء.

فتحت الباب.

كانت امرأة في الثلاثينات تقريبًا.

عيناها متعبتان… لكنها تبدو قوية.

قالت بتردد:

– “أنا نادية… عصام قال لي أجي.”

ابتسمت ابتسامة هادئة.

– “اتفضلي.”

دخلت ونظرت حولها باستغراب.

– “هو فين؟”

قلت:

– “هيجي حالاً.”

جلست على الكرسي… وبدأ القلق يظهر على وجهها.

لكنها لم تكن تعرف أن المفاجأة الحقيقية لم تصل بعد.

بعد عشر دقائق…

رن الجرس مرة أخرى.

كانت سمر.

نظرت إليّ بتعجب.

– “أنتِ…؟”

قلت بابتسامة هادئة:

– “أنا زوجة عصام.”

اتسعت عيناها.

لكن قبل أن تتكلم…

قلت بهدوء:

– “ادخلي… في حد مستنيك جوه.”

دخلت وهي مرتبكة.

وعندما رأت نادية…

تجمدت في مكانها.

– “إيه ده؟!”

نظرت نادية إليها بحدة.

– “إنتِ مين؟”

قبل أن تبدأ المشاجرة…

رن الجرس مرة ثالثة.

ذهبت وفتحت الباب.

كانت ريم.

بدت صغيرة وخائفة.

– “عصام قال لي أجي.”

نظرت إليها لحظة.

ثم قلت:

– “اتفضلي.”

دخلت.

وعندما رأت المرأتين الأخريين…

بدأت الفوضى.

– “هو إيه اللي بيحصل هنا؟!”

لكنني رفعت يدي بهدوء.

وقلت:

– “اصبروا… عصام لسه ما وصلش.”

في تلك اللحظة…

سمعنا صوت المفتاح في الباب.

عاد عصام إلى البيت.

دخل وهو يخلع حذاءه.

ثم رفع رأسه…

ورآهن.

ثلاث نساء.

يجلسن في الصالة.

مع زوجته.

تجمد في مكانه.

وبدا على وجهه خوف لم أره من قبل.

اقتربت منه خطوة.

ثم قلت بهدوء قـ,ـاتل:

– “أهلاً يا عصام.”

نظر إليّ بصدمة.

– “إيه ده؟!”

ابتسمت.

وأشرت إلى الكراسي.

ثم قلت الجملة التي ستغير حياته إلى الأبد:

“اتفضل…

اقعد.”


حكايات أسما

سبع البرمبة

الفصل الثالث: لحظة السقوط

ظل عصام واقفًا عند باب الشقة كأنه تمثال من حجر.

عيناه تدوران بين الوجوه الثلاثة الجالسة في الصالة… ثم تعودان إليّ.

لم يكن يحتاج إلى شرح.

كل شيء كان واضحًا أمامه.

اقتربت منه خطوة أخرى، وقلت بهدوء:

– تفضل… اقعد يا عصام.

لم يتحرك.

ابتلع ريقه بصعوبة وقال:

– إيه الهبل ده؟! مين دول؟!

نظرت إليه بابتسامة هادئة.



– ما تعرفهمش؟

في تلك اللحظة وقفت نادية فجأة.

صوت الكرسي احتك بالأرض بقوة.

– يعني إيه ما يعرفناش؟!

اقتربت منه بخطوات سريعة.

– أنا نادية… اللي وعدتني بالجواز يا عصام!

اتسعت عينا سمر.

– جواز؟!

التفتت إليه بحدة.

– أنت قلت لي إنك منفصل عن مراتك أصلاً!

ثم أشارت نحوي.

– وده إيه بقى؟!

أما ريم فكانت تجلس في زاوية الكرسي وعيناها ممتلئتان بالدموع.

همست بصوت مرتجف:

– أنا… أنا ما كنتش أعرف إن في حد غيري…

أحسست بأن الغرفة امتلأت بالتوتر.

لكنني بقيت هادئة.

نظرت إلى عصام وقلت:

– واضح إن عندك شغل كتير تشرحه.

بدأ العرق يظهر على جبينه.

– بصوا… الموضوع مش زي ما أنتم فاهمين.

ضحكت سمر بسخرية.

– أيوه؟ أمال إزاي؟

رفعت نادية هاتفها أمام وجهه.

– الرسائل دي كلها كدب يعني؟!

لم يجد جوابًا.

في تلك اللحظة… شعرت بأن الرجل الذي كان يملأ البيت صراخًا وغرورًا أصبح صغيرًا جدًا.

صغيرًا لدرجة مثيرة للشفقة.

لكني لم أشفق عليه.

اقتربت من الطاولة وأحضرت الهاتف الذي تركه الليلة الماضية.

رفعته أمام الجميع.

– الحقيقة إنكم كلكم موجودين هنا بسبب الرسالة دي.

فتحت الرسالة وقرأت بصوت واضح:

– “الحقني يا عصام… أنا حامل… ومستحيل المرة دي أسمع كلامك وأجهض نفسي.”

سقط الصمت على الغرفة.

ثم نظرت نادية إليه بعينين مشتعلتين.

– يعني إيه؟!

همس عصام بتوتر:

– أنا… أنا كنت هحل الموضوع.

صرخت نادية:

– تحله بإيه؟! بالإجهاض تاني؟!

ارتجف وجه ريم.

– إجهاض؟!

التفتت إليه بصدمة.

– أنت عملت كده قبل كده؟!

لم يرد.

لكن صمته كان أوضح من أي جواب.

اقتربت سمر منه ببطء.

ثم رفعت يدها وصفعته.

صوت الصفعة ملأ الغرفة.

– دي علشان الكذب!

قبل أن يستوعب ما حدث…

صفعته نادية هي الأخرى.

– ودي علشان ابني اللي كنت عايز تمـ,ـوته!

تراجع خطوة للخلف.

– أنتم اتجننتم؟!

لكن صوته لم يعد قويًا كما كان.

كان خائفًا.

خائفًا حقًا.

جلست على الكرسي مرة أخرى.

راقبت المشهد بهدوء.

ثم قلت:

– الحقيقة يا عصام… إنك مش بس خـ,ـنتني.

رفعت الهاتف أمامه.

– أنت خنت ثلاث نساء.

ثم أضفت بهدوء:

– ويمكن أكتر.

خفض رأسه.

لم يكن لديه شيء يقوله.

وقفت نادية فجأة.

نظرت إليه نظرة أخيرة مليئة بالاحتقار.

– أنا مش هسكت.

ثم أشارت إلى بطنها.

– والطفل ده… هيتولد.

ومش ههرب من مسؤوليته.

ثم التفتت نحوي وقالت بصوت هادئ:

– شكراً إنك عرفتنا الحقيقة.

لم أتوقع تلك الكلمات.

لكنني هززت رأسي فقط.

ثم غادرت الشقة.

بعدها بلحظات…

وقفت سمر أيضًا.

– أنا ضيعت سنتين من عمري مع واحد زيك.

ثم ضحكت بسخرية.

– بس كويس إن النهاية كانت كده.

خرجت هي الأخرى.

بقيت ريم.

كانت ما تزال تبكي.

اقتربت منها وجلست بجانبها.

– أنتِ صغيرة.

رفعت عينيها إليّ.

– أنا آسفة… والله ما كنت أعرف.

وضعت يدي على كتفها.

– أنا عارفة.

ثم قلت لها بهدوء:

– امشي… وابدئي حياتك من جديد.

وقفت ببطء.

ثم خرجت.

أصبح البيت صامتًا مرة أخرى.

بقيت أنا… وعصام.

نظر إليّ بعينين متعبتين.

– أنتِ دمرتِ حياتي.

ضحكت بخفة.

– أنا؟

وقفت أمامه.

– لا يا عصام.

اقتربت خطوة أخرى.

– أنت اللي دمرتها بنفسك.

ثم قلت بهدوء:

– وعلى فكرة…

رفعت ملفًا من الطاولة.

– أوراق الطلاق جاهزة.

تجمد في مكانه.

– إيه؟!

– أنا كنت محضرة كل حاجة من الصبح.

ثم أضفت بابتسامة خفيفة:

– حتى المحامي مستني توقيعك.

جلس على الكرسي كأن الأرض انسحبت من تحته.

لم يعد “سبع البرمبة”.

لم يعد الرجل الذي يصـ,ـرخ ويضـ,ـرب ويهين.

كان مجرد رجل خاسر.

وقفت عند الباب.

ثم التفت إليه مرة أخيرة.

– فاكر لما قلت لي…

توقفت لحظة.

– “إنتِ لزمتك إيه غير الخدمة؟”

نظرت في عينيه مباشرة.

– دلوقتي هتعرف.

ثم فتحت الباب وغادرت.

وتركت خلفي…

بيتًا فارغًا…

ورجلاً سقط أخيرًا من عرشه الكاذب.

حكايات أسما

سبع البرمبة

الفصل الرابع: بعد السقوط

مرت سنة كاملة.

سنة غيرت حياتي بالكامل.

في البداية… لم يكن الأمر سهلاً.

الطلاق لم يكن مجرد ورقة تُوقع في المحكمة.

كان نهاية حياة كاملة.

ذكريات… سنوات… بيت كنت أظنه آمنًا.

لكن الحقيقة أن بعض النهايات… تكون بداية نجاة.

في الأشهر الأولى كنت أشعر بالفراغ.

كنت أستيقظ أحيانًا في الليل، وأنظر إلى السقف وأفكر:

“كيف وصلت حياتي إلى هنا؟”

لكنني في كل مرة كنت أتذكر تلك الليلة.

الليلة التي انكشف فيها كل شيء.

ليلة سقوط “سبع البرمبة”.

وكان ذلك كافيًا لأشعر أنني اتخذت القرار الصحيح.

بدأت أستعيد نفسي ببطء.

عدت للعمل الذي تركته منذ سنوات.

بدأت أخرج… أزور صديقاتي… أعيش حياتي من جديد.

لأول مرة منذ زمن طويل… شعرت أنني أتنفس.

لم يعد هناك من يصرخ في وجهي.

لم يعد هناك خوف من كلمة أو حركة.

كان السلام يعود إلى حياتي… خطوة بعد خطوة.

أما عصام…

فقد بدأت أخباره تصلني من هنا وهناك.

لم أكن أسأل عنه.

لكن الأخبار كانت تصلني رغم ذلك.

نادية رفعت عليه قضية نفقة.

المحكمة ألزمته بالاعتراف بالطفل.

عمله بدأ يتأثر بسبب مشاكله الكثيرة.

أما سمر…

فقد نشرت بعض رسائله على مواقع التواصل.

وبين ليلة وضحاها… أصبح حديث الناس.

الرجل الذي كان يتفاخر برجولته…

أصبح مثالًا للخداع والنفاق.

لكن رغم كل ذلك…

لم أشعر بالشماتة.

فقط شعرت أن العدالة… أخذت مجراها.

وفي مساء شتوي هادئ…

كنت أخرج من عملي متجهة إلى سيارتي.

كان الشارع مزدحمًا قليلاً.

والهواء باردًا.

وبينما كنت أفتح باب السيارة…

سمعت صوتًا خلفي يقول:

– أسما…

تجمدت في مكاني.

كان صوتًا أعرفه جيدًا.

التفت ببطء.

وكان هو.

عصام.

لكن…

لم يكن الرجل نفسه.

كان يبدو أكبر سنًا… وأكثر تعبًا.

وجهه شاحب.

ملابسه بسيطة.

وعيناه تحملان شيئًا لم أره فيه من قبل.

الانكسار.

وقف أمامي مترددًا.

– ممكن… نتكلم؟

نظرت إليه لحظة.

ثم قلت بهدوء:

– قول.

خفض رأسه قليلاً.

– أنا… غلطت.

لم أعلق.

أكمل بصوت متعب:

– خسرت كل حاجة.

صمت لحظة ثم قال:

– شغلي… وسمعتي… وحتى الناس اللي كانوا حواليا.

رفع عينيه إليّ.

– وأنا عارف إن ده كله بسبب اللي عملته.

كان ينتظر ردًا.

لكنني بقيت صامتة.

ثم قال:

– أنا بس… كنت عايز أقول لك… إني ندمان.

مرت لحظة صمت طويلة.

ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.

– كويس.

نظر إليّ بدهشة.

– بس…

توقفت لحظة ثم أكملت:

– الندم ما بيرجعش اللي راح.

خفض رأسه مرة أخرى.

– أنا عارف.

ثم قال بصوت خافت:

– كنت فاكر إني قوي.

نظرت إليه مباشرة.

– القوة مش إنك تكسر اللي حواليك.

سكت لحظة.

ثم أضفت:

– القوة إنك تحافظ عليهم.

لم يرد.

فتحت باب السيارة.

لكن قبل أن أدخل…

قلت له بهدوء:

– أتمنى إنك تتعلم من اللي حصل.

رفع رأسه ببطء.

– وأنا كمان.

ثم نظرت إليه للمرة الأخيرة.

لم يعد ذلك الرجل الذي كنت أخافه.

لم يعد “سبع البرمبة”.

كان مجرد إنسان…

تعلم الدرس متأخرًا.

دخلت سيارتي.

وأغلقت الباب.

وبينما كنت أقود بعيدًا…

شعرت بشيء غريب.

لم يكن غضبًا.

لم يكن حزنًا.

كان…

سلامًا.

السلام الذي يأتي عندما تغلق بابًا مؤلمًا في حياتك…

وتقرر أن تمشي للأمام.

فقط للأمام.

وهكذا انتهت قصة الرجل الذي ظن نفسه قويًا…

لكنه لم يكن قادرًا حتى على مواجهة الحقيقة.

أما أنا…

فقد تعلمت درسًا لن أنساه أبدًا.

أحيانًا…

أفضل شيء يمكن أن يحدث لك…

هو أن ينكشف الكذب.


تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close