القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 في سن الستين



في سن الستين


في سن الستين… تزوجت حب حياتي الأول. لكن في ليلة الزفاف، وبينما كان يساعدني على خلع فستاني الأبيض، تراجع فجأة إلى الخلف وكأن شيئًا صدمه بقوة… وعندها فقط أدركت أن الماضي الذي حاولت دفنه طوال سنوات حياتي لم يختفِ أبدًا، بل كان ينتظر تلك اللحظة بالذات ليظهر أمامنا من جديد.

اسمي سعاد عبد الرحيم، وعمري ستون عامًا. في هذا العمر، حين تنظر حولك تجد أن معظم الناس قد هدأت حياتهم واستقرت. البعض ينتظر التقاعد، والبعض يقضي وقته بين الأحفاد وزيارات الأقارب، والبعض الآخر يكتفي بالمشي الهادئ في الحدائق أو الجلوس أمام التلفاز لساعات طويلة. لم أكن أتخيل يومًا أنني سأكون من القلة التي تعود إلى منصة الزواج في هذا السن. بل إنني، قبل عامين فقط، كنت أعتقد أن قصتي مع الحب قد انتهت منذ زمن بعيد.

حين كنت في العشرين من عمري، كان هناك شاب اسمه محمود. كان أول حب في حياتي، وربما كان الحب الوحيد الذي عرفه قلبي بصدق كامل. كنا نعيش في حي بسيط في مدينة الإسكندرية، وكان كل منا يعرف الآخر منذ أيام المدرسة الثانوية. لم يكن بيننا شيء معقد أو مبالغ فيه؛ مجرد نظرات خجولة في البداية، ثم أحاديث طويلة على كورنيش البحر، ثم وعد صادق بأننا سنبني حياتنا معًا يومًا ما.

لكن الحياة، كما تعلمت لاحقًا، لا تسير دائمًا كما نخطط لها. في ذلك الوقت كانت عائلتي تمر بظروف صعبة للغاية. والدي كان مريضًا مرضًا شديدًا، وكان دخله البسيط بالكاد يكفي لتغطية نفقات العلاج. أما محمود، فكان شابًا طموحًا يحلم بمستقبل أفضل، لكنه لم يجد فرصة للعمل في مدينتنا. لذلك اضطر إلى السفر إلى القاهرة ليبدأ حياته المهنية هناك.

في البداية حاولنا الحفاظ على تواصلنا. كانت الرسائل الورقية تصل بيننا كل بضعة أسابيع، وكنا ننتظرها بشوق كبير. لكن مع مرور الوقت، بدأت المسافة تفعل فعلها. مسؤولياته في العمل كانت تزداد، ومرض والدي كان يزداد سوءًا. ثم حدث سوء تفاهم صغير بيننا، ربما بسبب رسالة وصلت متأخرة أو كلمة فُهمت بطريقة خاطئة. لم يكن خلافًا كبيرًا، لكنه كان كافيًا ليخلق صمتًا بيننا… صمتًا طال أكثر مما ينبغي.

وفي النهاية، انقطع الاتصال تمامًا.

بعد ذلك بفترة قصيرة، رتبت عائلتي زواجي من رجل آخر. كان اسمه عبد الرحمن، وكان رجلًا طيبًا ومحترمًا. لم يكن بيننا ذلك الشغف الذي شعرت به يومًا مع محمود، لكنني كنت أعرف أن الحياة لا تقوم على المشاعر وحدها. لذلك قبلت الزواج، وبدأت مرحلة جديدة من حياتي.

عشت مع عبد الرحمن ثلاثين عامًا كاملة. رزقنا الله بثلاثة أبناء، وكبرت مسؤولياتي يومًا بعد يوم. كنت زوجة وأمًا وربّة منزل، أقضي معظم وقتي بين المطبخ وغرف الأطفال والمدرسة. ومع مرور السنوات، تعودت على حياتي الجديدة. لم أكن تعيسة، لكنني أيضًا لم أنسَ ذلك الجزء من قلبي الذي كان يومًا مملوكًا لشخص آخر.

قبل سبع سنوات توفي زوجي بعد صراع طويل مع المرض. كانت فترة صعبة للغاية، لكنني حاولت أن أكون قوية من أجل أولادي. وبعد وفاته، بدأ كل واحد منهم يبني حياته الخاصة. تزوجوا وانتقلوا إلى مدن مختلفة بسبب العمل، وبقيت أنا وحدي في بيتنا القديم.

في البداية كنت أعتقد أن الوحدة ستكون قاسية. لكنها مع الوقت تحولت إلى هدوء غريب. كنت أستيقظ في الصباح، أصلي، أعد قهوتي، ثم أجلس في الشرفة المطلة على الشارع. أحيانًا أقرأ كتابًا، وأحيانًا أراقب الناس وهم يمرون في طريقهم إلى أعمالهم. كانت الأيام تمر ببطء، لكنها كانت هادئة.

حتى جاء ذلك اليوم الذي غير كل شيء.

قبل سنتين دعتني إحدى صديقاتي لحضور لقاء قدامى خريجي المدرسة الثانوية. في البداية ترددت كثيرًا. لم أكن معتادة على مثل هذه المناسبات، ولم أكن أشعر بالحماس لرؤية وجوه من الماضي. لكن صديقتي أصرت، وفي النهاية وافقت.

دخلت القاعة في ذلك المساء وأنا أشعر ببعض التوتر. كان المكان مليئًا بالوجوه التي تغيرت كثيرًا مع الزمن، لكن بعض الملامح ظلت مألوفة. وبينما كنت أتحدث مع إحدى زميلاتي القدامى، شعرت فجأة أن أحدًا يراقبني.

عندما التفت… رأيته.

كان يقف بالقرب من النافذة، ينظر إليّ بابتسامة هادئة.

محمود.

مرت لحظة صمت بيننا قبل أن يقترب. كان قد كبر في السن بالطبع. شعره أصبح أبيض تقريبًا بالكامل، وملامحه أصبحت أكثر حدة، وظهره انحنى قليلًا. لكن عينيه… كانتا كما عرفتهما دائمًا. دافئتين وصادقتين، تحملان نفس الشعور بالأمان الذي كان يطمئن قلبي منذ أربعين عامًا.

جلسنا معًا نتحدث. في البداية كان الحديث مترددًا، وكأننا نخشى أن نلمس شيئًا حساسًا في الماضي. لكن شيئًا فشيئًا بدأ الجليد يذوب بيننا. تحدثنا عن السنوات التي مضت، عن عائلاتنا، عن أحلامنا التي تحققت وتلك التي لم تتحقق.

أخبرني أن زوجته توفيت منذ أكثر من عشر سنوات، وأنه يعيش الآن وحيدًا في بيته الكبير في الإسكندرية. أما ابنه الوحيد فيعمل في مدينة أخرى ولا يزوره إلا نادرًا.

تلك الليلة التي كان من المفترض أن تكون مجرد لقاء عابر… تحولت إلى بداية جديدة.

بدأنا نلتقي من وقت لآخر. مرة في مقهى صغير على البحر، ومرة في حديقة عامة، ومرة أخرى في مكتبة قديمة كنا نزورها أيام الشباب. كنا نتحدث لساعات طويلة، وكأن الزمن الذي فرقنا كل تلك السنوات قد اختفى فجأة.

ثم في أحد الأيام، بينما كنا نجلس على مقعد خشبي يطل على البحر عند الغروب، أمسك محمود بيدي بلطف وقال بهدوء:

“ربما الحياة أعطتنا فرصة ثانية… فلماذا نضيعها هذه المرة؟”

ظللت صامتة للحظة. لم يكن القرار سهلًا. في هذا العمر، يصبح الإنسان أكثر حذرًا في قراراته. لكن في داخلي شعرت بشيء يشبه الطمأنينة القديمة.

وبعد تفكير طويل… وافقت.

وهكذا، في سن الستين، ارتديت فستان زفاف أبيض مرة أخرى. لم يكن حفلًا كبيرًا أو صاخبًا. حضر فقط أولادي وبعض الأصدقاء المقربين. كان حفلًا بسيطًا لكنه مليء بالمشاعر الصادقة.

وفي تلك الليلة، عندما دخلنا غرفة النوم، كنت متوترة كأنني فتاة صغيرة في ليلة زفافها الأولى. ضحك محمود من توتري وقال إنه يشعر بالأمر نفسه.

ساعدني على خلع فستان الزفاف ببطء، بحذر شديد وكأنه يخشى أن يمزقه. لكن فجأة…

توقف.

شعرت بيديه تتجمدان في مكانهما.

ثم تراجع خطوة إلى الخلف.

عندما نظرت إليه، رأيت الصدمة واضحة في عينيه. كان ينظر إلى ظهري بصمت، وكأنه رأى شيئًا لم يكن يتوقعه أبدًا.

في تلك اللحظة شعرت بوخزة ألم في قلبي. كنت أعرف ما الذي رآه.

على ظهري كانت هناك ندوب طويلة قديمة، آثار عملية جراحية كبيرة أجريتها قبل سنوات عديدة عندما كنت أعاني من مرض خطير في العمود الفقري. تلك العملية أنقذت حياتي، لكنها تركت علامات واضحة على جسدي.

لم أخبره عنها من قبل.

لم أخبره لأنني كنت أخشى أن يرى في تلك الندوب شيئًا يذكره بضعف الإنسان أو بقسوة الزمن.

لكن ما حدث بعد ذلك فاجأني.

اقترب محمود ببطء، ومد يده ولمس الندبة برفق شديد. ثم قال بصوت مبحوح:

“كنت خائفًا للحظة… ظننت أن الحياة قد آلمتك كثيرًا في غيابي.”

التفت إليّ، وكانت عيناه تلمعان بالدموع.

ثم أضاف بهدوء:

“لكنني أدركت الآن شيئًا واحدًا فقط… أنك ما زلتِ هنا. وما زلتِ معي.”

في تلك اللحظة فهمت أن الزمن يمكن أن يأخذ منا أشياء كثيرة… الشباب، الصحة، وحتى الفرص الضائعة. لكنه لا يستطيع أن يأخذ الحب الحقيقي عندما يعود في وقته الصحيح.

وهكذا، بعد أربعين عامًا من الفراق… بدأنا أخيرًا حياتنا التي تأخرت كثيرًا، لكنها لم تأتِ متأخرة أبدًا.


 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close