القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حفيدتي قالتلي 



حفيدتي قالتلي 


حفيدتي قالت لي: “إنتِ ولا حاجة”… وكل العيلة ضحكت. لكن في صباح اليوم التالي حصل شيء لم يكن أي واحد منهم يتوقعه.

حفـيدتي الصغيرة ليان، التي لم يتجاوز عمرها ثماني سنوات، رفعت رأسها من فوق الموبايل بملل، ثم لفّت عينيها بطريقة ساخرة وقالت بصوت واضح أمام الجميع:

“إنتِ ماينفعش تقعدي معانا… ماما قالت إنك عجوز تقيلة علينا.”

الصمت الذي نزل على الطاولة بعد تلك الكلمات كان ثقيلاً… ثقيلاً لدرجة أنني شعرت للحظة أن الهواء في الغرفة توقف.

لكن الصمت لم يستمر طويلًا.

بعد ثانيتين فقط…

انفجر الضحك.

ضحكت رانيا.

ضحكت حفيدتي مرة أخرى.

والأكثر ألمًا…

ضحك ابني محمود.

وقفت في مكاني.

لم أقل كلمة.

لم أصرخ.

لم أبكِ.

فقط وقفت ببطء… وكأن جسدي يتحرك وحده.

سحبت الكرسي إلى الخلف بهدوء.

ونظرت حولي للحظة واحدة فقط.

ثم تركت الغرفة ومشيت.

في تلك اللحظة كنت أشعر أن شيئًا داخلي قد انكسر… شيء لن يعود كما كان أبدًا.

اسمي فاطمة عبدالعزيز.

عمري خمسة وستون عامًا.

ولسنوات طويلة جدًا كنت أعتقد أنني أملك عائلة.

لكن الحقيقة التي اكتشفتها في ذلك اليوم كانت أبسط وأقسى بكثير.

أحيانًا… الأشخاص الذين ضحينا من أجلهم أكثر من أي أحد آخر… هم أنفسهم من ينسون قيمتنا أولًا.

كل شيء بدأ في يوم جمعة هادئ من شهر أكتوبر في بيتي القديم في الإسكندرية.

ذلك البيت الذي اشتريته أنا وزوجي الراحل عبدالعزيز منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

في ذلك الوقت كنا زوجين شابين نحلم بحياة بسيطة.

لم نكن أغنياء.

لكننا كنا نملك شيئًا أهم بكثير من المال.

كنا نملك الأمل.

كان عبدالعزيز يعمل في شركة ملاحة بحرية.

يقضي شهورًا أحيانًا في البحر.

أما أنا فكنت مدرسة لغة عربية في مدرسة حكومية.

لم تكن رواتبنا كبيرة.

لكننا كنا نوفر قرشًا فوق قرش.

حتى استطعنا بعد سنوات شراء هذا البيت.

كان بيتًا صغيرًا لكنه مليء بالذكريات.

ثم جاء محمود.

ابني الوحيد.

اليوم الذي وُلد فيه كان أجمل يوم في حياتي.

كنت أنظر إلى وجهه الصغير وأقول لنفسي إنني سأفعل أي شيء من أجله.

وأعني أي شيء.

كبر محمود.

وكبر معه حبنا له.

كل شيء في حياتنا أصبح يدور حوله.

تعليمه.

صحته.

مستقبله.

لم نحرم أنفسنا من أشياء كثيرة فقط… بل حرمنا أنفسنا من أشياء كثيرة جدًا.

كنت أستيقظ الفجر لأعطي دروسًا خصوصية قبل المدرسة.

وزوجي كان يقبل أي عمل إضافي في البحر.

كل ذلك فقط حتى يحصل محمود على أفضل تعليم.

مدرسة خاصة.

دروس.

رحلات.

ألعاب.

لم نرد له يومًا أن يشعر أنه أقل من أي طفل آخر.

مرت السنوات بسرعة.

وتخرج محمود من الجامعة.

ثم حصل على وظيفة.

ثم تزوج.

وفي البداية كنت سعيدة جدًا.

كنت أعتقد أن عائلتنا تكبر.

لكنني لم أكن أعرف أن الأشياء الجميلة يمكن أن تتغير ببطء… دون أن نشعر.

زوجته رانيا لم تحبني منذ اليوم الأول.

كنت أرى ذلك في عينيها.

ربما كانت ترى في وجودي تدخلاً في حياتها.

ربما كانت تريد أن يكون زوجها لها وحدها.

لا أعرف.

لكنني حاولت دائمًا أن أكون لطيفة معها.

ثم جاءت ليان.

حفيدتي.

حين ولدت شعرت أن الحياة أعطتني فرصة جديدة للفرح.

كنت أحبها كثيرًا.

أشتري لها الألعاب.

أهديها الملابس.

آخذها إلى الحديقة.

لكن شيئًا ما تغير مع الوقت.

رانيا بدأت تزرع في ليان فكرة أنني شخص مزعج.

شخص قديم.

شخص لا يجب الاستماع إليه.

وفي البداية لم ألاحظ.

لكن الأطفال يعكسون دائمًا ما يسمعونه في البيت.

وفي ذلك اليوم…

ظهر كل شيء بوضوح.

في صباح ذلك الجمعة كنت قد استيقظت منذ السادسة.

نظفت البيت بالكامل.

رتبت الصالة.

غسلت الستائر.

وضعت أجمل مفرش على السفرة.

ثم دخلت المطبخ.

قضيت ساعات طويلة أطبخ كل الأكلات التي كان محمود يحبها منذ طفولته.

محشي.

ملوخية.

فراخ مشوية.

رز بالشعرية.

سلطة طحينة.

وسلطة خضراء.

وحتى العيش خبزته بيدي.

أما التورتة فاشتريتها من محل حلويات مشهور في الحي.

تورتة شوكولاتة كبيرة.

طلبت منهم أن يكتبوا عليها الجملة التي كنت أكتبها له منذ أن كان طفلًا:

كل سنة وأنت طيب يا بابا.

حين انتهيت من كل شيء وقفت في المطبخ أتأمل الطعام.

وابتسمت.

شعرت بسعادة غريبة.

ربما لأنني كنت أشتاق لذلك الشعور القديم.

شعور العائلة.

عندما وصلوا الساعة الثانية ظهرًا كنت واقفة عند الباب.

فتح محمود الباب ودخل مبتسمًا.

قبلني على خدي وقال:

البيت ريحته حلوة قوي يا أمي.

في تلك اللحظة امتلأ قلبي بالأمل.

لكن رانيا دخلت خلفه بوجه متجهم.

لم تسلم.

لم تبتسم.

جلست على الكرسي وقالت:

في دايت كولا؟ أنا ما بشربش سكر.

ابتسمت وقلت:

طبعًا يا حبيبتي.

ودخلت المطبخ لأحضرها.

كنت دائمًا أحاول أن أكون مهذبة معها.

لكنني كنت أشعر أنني غير مرحب بي في حياتها.

أما ليان فجلست على الكرسي تمسك هاتفها.

آيفون جديد.

هاتف اشتريته أنا لها منذ شهر.

دفعت ثمنه من معاشي الصغير.

فقط لأنني أردت أن أراها سعيدة.

جلست بجوارها وقلت بلطف:

عاملة إيه في المدرسة يا ليان؟

رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليّ وكأنني شيء مزعج.

ثم قالت:

ما تكلمنيش… أنا باكل.

ضحك محمود وقال:

يا أمي… إنتِ عارفة الأطفال.

ابتسمت.

لكن في داخلي شعرت بوخزة صغيرة.

عندما انتهينا من الطعام ذهبت إلى المطبخ وأحضرت التورتة.

وضعتها في وسط الطاولة.

وأشعلت الشموع.

وقلت بابتسامة:

يلا نغني عيد الميلاد.

لكن ليان قالت:

لا بقى… الموضوع ممل.

قلت لها بلطف:

تعالي ساعدي تيتا.

وقفت.

ونظرت إليّ.

ثم قالت تلك الجملة التي لن أنساها ما حييت.

إنتِ ماينفعش تقعدي معانا.

ماما قالت إنك عجوز تقيلة علينا.

ثم ضحكوا.

جميعهم.

في تلك اللحظة فهمت شيئًا واحدًا فقط.

أنا لم أعد مرحبًا بي.

وقفت.

ومشيت إلى غرفتي.

وبكيت لأول مرة منذ سنوات طويلة.

في تلك الليلة لم أنم.

جلست في الصالة أتأمل البيت.

ذكريات ثلاثين سنة.

ذكريات زوجي.

ذكريات ابني وهو طفل يركض هنا.

وفجأة أدركت شيئًا مهمًا جدًا.

أنا لست عبئًا على أحد.

لكنني سمحت لهم أن يعاملوني كذلك.

عند منتصف الليل وصلني رسالة من محمود.

قال فيها:

يا أمي… الفلوس المفروض تتحول بكرة.

نظرت إلى الشاشة طويلًا.

ثم كتبت كلمتين فقط.

حلها بنفسك.

وفي صباح اليوم التالي…

اتخذت القرار الذي لم يتوقعه أحد منهم.

ارتديت ملابسي.

وأخذت أوراق البيت.

وذهبت إلى البنك.

ثم إلى المحامي.

وخلال أيام قليلة فقط…

بعت البيت.

لكنني لم أبعه لأي شخص.

اشتراه رجل كان يريد تحويله إلى دار رعاية للمسنين.

وعندما سألني لماذا أبيع البيت…

قلت له الحقيقة.

قلت إن بعض الناس لا يعرفون قيمة العائلة.

لكن هناك آخرين يحتاجونها أكثر.

بعد شهر…

اتصل محمود.

كان صوته غاضبًا.

قال:

إنتِ بعتِ البيت؟!

قلت بهدوء:

أيوه.

صرخ:

إحنا كنا محتاجين الفلوس!

سألته:

إحنا… ولا إنت؟

صمت للحظة.

ثم قال:

إنتِ دمرتي حياتنا.

ابتسمت.

وقلت له بهدوء:

لا يا محمود.

أنا فقط…

أنقذت حياتي.

وأغلقت الهاتف.

لأنني أخيرًا فهمت شيئًا مهمًا جدًا.

العائلة ليست مجرد دم.

العائلة هي الأشخاص الذين يحترمونك.

ومن لا يحترمك…

لا يستحق أن يبقى في حياتك.


 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close