القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت خمس سنوات كامل 




خمس سنوات 


بنتي عندها خمس سنين اسمها مليكة ومن يوم ما حصل الطلاق بقينا أنا وهي بس في الشقة الصغيرة اللي في الدور الرابع حياة هادية على قدنا أنا بروح شغلي الصبح وبرجع متأخر شوية بحاول أوفر لها كل حاجة وتبقى حاسة بالأمان رغم إننا بقينا لوحدنا مليكة طفلة حساسة وخيالها واسع قوي من النوع اللي يسمي لعبه ويقعد يحكيلها أسرار ولو زعلت مني تقول إن الدبدوب زعلان أول مرة سمعت اسم عم شريف منها كنت فاكر الموضوع لعبة من لعب الخيال قالتلي الصبح وهي بتفطر بابا هو ليه عم شريف بيقول إنك بتشتغل كتير ضحكت وسألتها مين عم شريف يا حبيبتي قالتلي عادي كده هو اللي بييجي بالليل لما تبقى نايم ماخدتش الكلام بجد وقلت لنفسي أكيد صاحب خيالي جديد وعدى الموضوع لكن بعد أسبوع وأنا بسرحلها شعرها قبل النوم بصتلي في المراية وقالت هو ليه عم شريف ما بيجيش غير وإنت نايم إيدي وقفت في نص الحركة وسألتها بهدوء هو بييجي إمتى قالت بالليل لما تبقى نايم عشان ميصحكش حسيت بقلبي اتقبض حاولت أبان طبيعي وقلت لها يا مليكة مفيش حد اسمه عم شريف في البيت بصتلي باستغراب وقالت لا فيه هو قال إنه بييجي يطمن عليا الليلة دي ماعرفتش أنام فضلت سامع أي صوت في الشقة تاني يوم راجعت كل الأقفال الشبابيك باب الشقة باب السطح حتى باب الحمام كل حاجة كانت مقفولة ومفيش أي علامة إن حد دخل أو خرج سألتها بعد الظهر وهو شكله إيه عم شريف قالت راجل كبير شوية ريحته زي الجراج وبيمشي على مهله الكلمة دي خلتني أتوتر أكتر مفيش حد في عيلتنا اسمه شريف ومفيش جار بالمواصفات دي وريحة الجراج دي جملة غريبة على طفلة في سنها الليلة اللي بعدها أول ما نامت ركبت كاميرا صغيرة فوق رف الكتب في أوضتها وقعدت في الصالة ماسك الموبايل مستني الساعة كانت اتنين وربع الفجر لما جالي إشعار حركة قلبي وقع فتحت التطبيق بسرعة وشوفت أوضة مليكة بالأبيض والأسود بنور الرؤية الليلية وهي نايمة حاضنة الدبدوب وفي زاوية الأوضة عند الدولاب كان في ظل واقف مش واضح ملامحه لكن باين إن في حاجة أطول من السرير شوية ثابتة في مكانها فجأة الظل اتحرك ببطء ناحية سريرها حسيت إني اتشللت ثواني وبعدين جريت على أوضتها فتحت النور بعنف الأوضة كانت فاضية تماما مليكة فتحت عينيها بنعاس وسألتني في إيه يا بابا بصيت حواليا مفيش حد رجعت للموبايل التطبيق بيعرض نفس الأوضة فاضية كأن مفيش حاجة حصلت قعدت جنبها وسألتها حد كان هنا قالت بهدوء ده عم شريف بس كان بيقولك متخافش كلمة متخافش خلتني أتوتر أكتر سألتها بيعمل إيه قالت بيقعد على الكرسي أو يقف عند الدولاب ويقول إنك زعلان عشان حاجات قديمة مش عايز تفتكرها كلامها دخل في صدري زي سكينة لأن فعلا في حاجات قديمة بحاول أنساها حادث حصل من سنين في الجراج تحت البيت فقدت فيه أخويا وكان اسمه شريف ريحة البنزين والزيت عمرها ما فارقتني ولا صوت الباب الحديدي وهو بيقفل بقوة في اللحظة دي ربطت كل الخيوط ريحة الجراج الاسم المشي البطيء زي ما كان أخويا بيعرج شوية بعد إصابة قديمة فضلت صاحي لحد الفجر وأنا بفكر يمكن مليكة سمعت الاسم مني في يوم وأنا بتكلم في النوم يمكن مخها ركب صورة من حكايات قديمة لكن سؤال مهم فضل جوايا ليه الظل كان ظاهر في الكاميرا أنا متأكد إني شفته تاني يوم جبت خبير كاميرات وراجع التسجيلات قال إن في احتمال يكون انعكاس ضوء عربية من الشارع لكن مفيش عربيات بتعدي في الوقت ده تحت البيت بدأت أراقب كل حاجة في الشقة غيرت الكالون رحت لإدارة العمارة سألت عن أي حد غريب محدش شاف حاجة مليكة بقت تسألني كل يوم هو إنت لسه زعلان يا بابا عم شريف بيقولك متزعلش كنت بسألها هو بيقولك إيه تاني قالت إنه بيقول إنك لازم تسامح نفسك فضلت أيام مش عارف أفرق بين خيال طفلة وبين حاجة تانية أكبر مني قررت أروح لطبيب نفسي للأطفال حكيت له كل حاجة قال إن ممكن يكون عندها صديق خيالي ظهر بسبب التوتر بعد الطلاق وإن الاسم ممكن يكون خرج من كلام قديم سمعته مني نصحني ما أجادلهاش وما أخوفهاش وأطمنها بس في نفس الوقت أكون متأكد من الأمان المادي للشقة رجعت البيت وحاولت أتصرف عادي لكن في ليلة بعد أسبوع كنت قاعد في الصالة والأنوار مطفية وسمعت خطوات بطيئة جاية من طرقة الأوض قلت يمكن مليكة صحيت قومت أبص لقيتها نايمة في سريرها رجعت للصالون وسمعت نفس الخطوات تاني قريبة من باب الشقة قربت بحذر وفتحت العين السحرية ملقتش حد بس ريحة خفيفة زي البنزين كانت في الجو نفس الوصف اللي قالته مليكة قلبي كان هيقف في اللحظة دي حسيت إن الموضوع مش خيال طفل بس قررت أواجه خوفي دخلت أوضتها وقعدت جنبها وهي نايمة وقلت بصوت واطي لو في حد هنا أنا مش زعلان أنا بس تعبان وعايز أربي بنتي في أمان مفيش رد طبعا لكن من الليلة دي مليكة بطلت تسأل عن عم شريف بطلت تقول إنه بييجي بالليل ولما سألتها بعد فترة هو فين عم شريف قالت مش بييجي تاني قلت لها ليه قالت عشان إنت مبقتش زعلان زي الأول يمكن الموضوع كله كان جوايا أنا يمكن حزني القديم اتسرب لخيال بنتي وشكل لها صورة رجل كبير ريحته جراج بيمشي على مهله يمكن الضمير ساعات بيلاقي طريقه لأبسط القلوب يمكن عم شريف ماكنش شخص في الأوضة لكن ذكرى في قلبي كانت محتاجة تتقفل صح من يومها بقيت أرجع من الشغل أبكر أقعد معاها أطول أضحك أكتر وأحكي عن أخويا شريف من غير وجع من غير خوف يمكن أول مرة أحس إن الشقة فعلا فاضية إلا مننا أنا ومليكة وبس


بعد ما اختفى اسم عم شريف من كلام مليكة بدأت أتنفس شوية لكن الحقيقة إن القصة ما انتهتش عند اللحظة دي بالعكس يمكن كانت البداية الحقيقية لحاجة أكبر جوايا أنا مش جواها هي لأن الأيام اللي سبقت اختفاء الاسم كانت كاشفة لي أكتر مما كنت مستعد أعترف بيه عن نفسي وعن خوفي وعن الماضي اللي كنت دافنه تحت طبقات من الشغل والانشغال والتجاهل

بقيت ألاحظ إن مليكة بقت أقرب لي أكتر من الأول كانت تقعد جنبي على الكنبة وتحط راسها على كتفي وتسألني عن طفولتي عن جدي وجدتها عن عمو شريف نفسه من غير ما تجيب سيرته كضيف ليلي لكن كذكرى حقيقية في حياتي في الأول كنت أتهرب أقول لها كان طيب وخلاص لكن مع إصرارها بدأت أحكي حكايات صغيرة عنه إزاي كان بيضحك بصوت عالي إزاي كان بيعرف يصلح أي حاجة في البيت إزاي كان بيحب ياخدني معاه الجراج لما كنا صغيرين ويفضل يعلمني أسماء الأدوات

وأنا بحكي لاحظت حاجة غريبة إن ريحة الجراج اللي كانت بتخنقني طول سنين بقت أخف كأن الحكي بيمسح جزء من الألم مش بيزوده مليكة كانت تسمع بتركيز وتسأل أسئلة بسيطة لكنها عميقة زي هو كان بيحبك قد إيه أو هو كان هيعمل إيه لو كان عايش دلوقتي وكنت ساعات ألاقي نفسي برد من غير ما أفكر إنه كان هيحبك قوي وهيفضل يجيب لك شوكولاتة كل يوم



في ليلة من الليالي بعد ما نامت قعدت لوحدي في الصالة من غير ما أمسك الموبايل ولا أفتح التلفزيون لأول مرة من زمان سبت نفسي أفكر بصدق في الحادث اللي حصل من سنين اليوم اللي أخويا مات فيه في الجراج تحت البيت كنت أنا السبب بطريقة غير مباشرة كنت أنا اللي استعجلته يقفل بسرعة لأن عندي مشوار مهم كنت أنا اللي طنشت صوت غريب في الموتور وقلت له بسيطة حصل اللي حصل بعدها في ثواني وفضلت سنين شايل ذنب جوايا رغم إن الكل قال إنه قدر

يمكن مليكة بحساسيتها التقطت الحزن ده من غير ما أفهم يمكن عقلها الصغير ترجم توتري وصمتي لضيف اسمه عم شريف بييجي بالليل عشان يطمن عليها ويقول لي متزعلش يمكن كانت بتحاول تصلحني بطريقتها من غير ما تقصد

مرت أسابيع والبيت بقى أهدى فعلا مفيش إشعارات حركة الساعة اتنين الفجر مفيش ظلال في الكاميرا لكن في مرة كنت براجع التسجيلات القديمة عشان أمحيها نهائي لاحظت لقطة صغيرة ما كنتش واخد بالي منها قبل كده مليكة وهي نايمة بتقلب على جنبها وبتتمتم بكلمة واحدة سامح نفسك الكلمة دي كانت طالعة من فمها هي مش من أي حد واقف في الأوضة

ساعتها حسيت إن الرسالة كانت واضحة طول الوقت مش عم شريف اللي كان محتاج ييجي مش حد غريب ولا روح ولا متسلل اللي كان محتاج يتحرك هو أنا محتاج أقف قدام نفسي وأسامحها وأبطل أعيش في دائرة اللوم

في اليوم اللي بعده أخدت مليكة وروحنا الجراج القديم لأول مرة من سنين كان مقفول ومليان تراب فتحت الباب الحديدي ببطء نفس الصوت اللي كان بيرعبني زمان لكن المرة دي ماجريتش خرجت مفتاح العربية القديمة اللي كانت لسه متغطية بقماش وحطيت إيدي عليها وقلت بصوت مسموع أنا مش زعلان خلاص

مليكة مسكت إيدي وقالت بابتسامة بسيطة كأنها فاهمة كل حاجة خلاص بقى البيت هادي صح يا بابا

هزيت راسي وقلت لها أيوه خلاص البيت هادي

ومن يومها فعلا مفيش أي ذكر لعم شريف مفيش ريحة جراج غريبة في نص الليل مفيش خطوات في الطرقة بس في حاجة اتغيرت جوة صدري بقيت لما أقفل النور وأدخل أنام مايبقاش في خوف خفي ولا إحساس إن في حاجة مستنية تتحرك في الضلمة

أدركت إن الأطفال ساعات بيشوفوا اللي إحنا مش عايزين نشوفه مش أشباح ولا كائنات لكن وجع مدفون حزن مكتوم ذنب متشال فوق الطاقة ومليكة يمكن كانت مرآة صافية عكست لي كل ده على هيئة راجل كبير ريحته جراج بيمشي على مهله

دلوقتي لما حد يسألني عن القصة أقول لهم إن مفيش عم شريف جه بالليل لكن كان في أب محتاج يصحى من كابوس قديم وبنت صغيرة ساعدته من غير ما تقصد

وأحيانا لما مليكة تنام أبص لها وأبتسم وأقول في سري شكرا يا شريف لأنك رجعتني لبنتي من غير ما تدخل الأوضة أصلا


عدّى شهور طويلة بعد اليوم اللي رحنا فيه الجراج، والحياة بدأت تمشي بإيقاع أهدى. مليكة بقت تضحك أكتر، وأنا بقيت أرجع من الشغل بدري على قد ما أقدر. بقيت أخصص يوم في الأسبوع نعمل فيه حاجة سوا، نطبخ مع بعض، نرسم، أو حتى نتمشى في الشارع من غير هدف. حسيت إن بينا مساحة كانت متقفلة واتفتحت.

لكن في ليلة من ليالي الشتاء، حصل موقف صغير رجّعني لحظة لنقطة البداية.

كنت قاعد بشتغل على اللابتوب في الصالة، ومليكة في أوضتها بترسم. فجأة نادتني: بابا ممكن تيجي شوية؟

دخلت عليها لقيتها قاعدة على الأرض وحواليها ألوان كتير. مدتلي ورقة وقالت: بص أنا رسمت إيه.

الرسمة كانت لينا إحنا الاتنين واقفين قدام البيت. وفي السما فوقينا نجمة كبيرة. وتحت النجمة مكتوب بخطها الطفولي: البيت بقى آمن.

ابتسمت وسألتها: ليه كتبتي كده؟

قالت بهدوء: عشان زمان كان في حاجة مخلياك زعلان، بس دلوقتي خلاص مفيش.

قعدت جنبها وسألتها: إنتي كنتي بتخافي؟

هزت راسها: كنت بحس إنك بتخاف من حاجة مش شايفاها، فكنت أنا بشوفها عشانك.

الكلام بسيط، بس عميق بشكل يخض. يمكن فعلاً كانت شايفة خوفي، ويمكن عم شريف ما كانش غير صورة لخوف متجسد في عقل طفلة بتحاول تحمي أبوها.

الليلة دي بعد ما نامت، قعدت أفكر في معنى الأمان. يمكن إحنا بنفتكر إن الأمان هو أبواب مقفولة كويس، وكاميرات مراقبة، وإنذار ضد السرقة. لكن الحقيقة إن الأمان الحقيقي هو إن الطفل يحس إن اللي جنبه قوي من جوه، مش بيهرب من ذكرياته، ولا عايش في ظل حاجة قديمة.

بعد فترة، مليكة بدأت تروح جلسات رسم في مركز قريب. هناك اتعرفت على أطفال تانيين، وبقت تحكيلي عنهم بحماس. مرة رجعت وقالتلي: بابا، المدرسة قالت إن كل واحد يرسم أكبر خوف عنده ويحكي عنه.

سألتها: وإنتي رسمتي إيه؟

قالت: رسمت راجل واقف في الضلمة، وبعدين شطبت عليه وكتبت تحته خلصنا.

وقتها حسيت إن فصل كامل اتقفل.

يمكن القصة ما كانتش عن شبح، ولا عن حد بييجي بالليل. يمكن كانت عن أب شايل حمل أكبر من طاقته، وطفلة بتترجمه بطريقتها. يمكن كانت رسالة إن الأطفال مش بس محتاجين حماية من العالم، لكن أحيانًا إحنا اللي محتاجين نتعلم منهم إزاي نواجه العالم.

دلوقتي، لما الساعة تيجي اتنين الفجر، الشقة بتبقى ساكتة. مفيش إشعارات حركة، مفيش ظلال، مفيش ريحة جراج.

بس في حاجة تانية موجودة.

راحة.

راحة إني عارف إن مفيش حد بييجي غيرنا إحنا الاتنين، ومفيش حاجة في الضلمة غير أفكار لو واجهناها بتختفي.

وفي بعض الليالي، قبل ما أطفي النور، مليكة تقول لي: تصبح على خير يا بابا… متخافش.

وأرد عليها وأنا بابتسم: وأنتي من أهله يا قلبي… خلاص مفيش حاجة نخاف منها.


تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close