القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ساعدت راجل عجوز بېموت وهو شايل حطب، 



ساعدت راجل عجوز

 

ساعدت راجل عجوز بېموت وهو شايل حطب، ومكنتش تتخيل أبدًا إنه صاحب أراضي القرية كلها. كان وقت نهاية الحصاد، والشمس حاړقة الأرض السمرا. أمينة، الأرملة اللي شايلة شيلة تقيلة من الفقر ومسؤولية طفلها، شافت حاجة القرية كلها اختارت تغمض عينيها عنها راجل عجوز نحيف وجسمه بيترعش تحت حزمة حطب أكبر منه بكتير.

في الوقت اللي كان فيه الرجالة بيضحكوا وبيقولوا سيبوه ېموت في الطريق، أمينة أخدت قرار كسر تريقتهم دي. مكنتش تعرف وقتها إنها وهي بترفع حزمة الحطب دي، مكنتش بس بتساعد غريب.. دي كانت بتشيل قدرها بإيديها. لأن الراجل ده مكنش شحات، والمكافأة على العمل الطيب ده هتغير حياة أمينة للأبد.

تاني يوم الصبح، وقبل ما الشمس تنشف الندى، خرجت أمينة من بيتها وشايلة على كتفها نفس مقطف القش اللي بتستعمله كل يوم. ابنها الصغير، اللي الفضول واكله، كان ماشي جنبها وبيسألها يا ماما، امتى هناكل عيش طازه تاني؟ أمينة اكتفت بابتسامة من غير رد. صورة وش الراجل العجوز مكنتش بتفارق خيالها، كأن فيه حاجة في ملامحه التعبانة لزقت في تفكيرها.

ولما لفت من ناصية الطريق الترابي، شافت نفس الجيران قاعدين ساندين على الصخر وبيضحكوا بصوت عالي كعادتهم. ناس موراهمش حاجة غير الكلام على غيرهم. واحدة منهم اسمها تونا، أكبر فتانة في البلد، شاورت وقالت بصوا هناك.. ست الحطب اهي، رايحة تدور على الراجل بتاعها تاني.

الباقيين قعدوا يسقفوا ويضحكوا، وكأنهم اكتشفوا كنز. أمينة عملت نفسها مش سامعة، رغم إن الډم كان بيغلي في عروقها. كملت مشيها وراسها مرفوعة، وهي عارفة إن الجدال مع الناس دي ضياع وقت، واللي عايش عشان يذل غيره بېموت وهو مش مرتاح.

افتكرت كلام أمها


من سنين طويلة لما كانت لسه بنت صغيرة لما تساعدي الضعيف، إنتي بتساعدي نفسك. الخير اللي بتعمليه مبيضيعش أبدًا، حتى لو العالم كله ضحك عليكي.

قدام شوية، لقت العجوز تاني. كان بيحاول يربط حزمة حطب جديدة، وصوابعه كانت ناشفة وميبسة زي الجذور. من غير ما تستناه يطلب، أمينة قربت وأخدت حبل القش وبدأت تربط الخشب عود عود.

الراجل العجوز بص لها ولأول مرة ابتسم وقال بنهجان إنتي تاني؟ مفيش حد غيرك رضي يساعدني.

أمينة ردت ببساطة ربنا اداني النهاردة صحة تكفي اتنين.

وهما شغالين، الشمس عليت وحړقت الأرض. رجالة القرية كانوا بيعدوا ويرموا إفيهات ويضحكوا على المنظر. قالوا الست دي اټجننت، مش لاقية تاكل ورايحة تساعد شحات!

أمينة شدت العقدة على الحبل وأخدت نفس عميق. بلعت الإهانة زي اللي بيبلع زلط. دموعها كانت هتخونها، بس حبستها في عينيها؛ مكنتش عاوزة ټعيط قدام ناس متعرفش يعني إيه رحمة.

لما خلصوا، العجوز حاول يشيل الحزمة لوحده وكان هيقع، فجرت عليه أمينة وسندت الحمل على كتفها وشالت معاه. مشيوا جنب بعض، بيتعثروا في التراب، لحد ضفة النهر. هناك، ضل الشجر كان خفيف والنسمة شايلة ريحة الشجر الناشف.

العجوز قعد بتعب على الشط وبص لصورته في المية وقال بصوت واطي بقالى كتير محدش قالي يا بابا.

أمينة، وهي مش عارفة تقول إيه، طلعت قلة المية اللي كانت جايباها لابنها وادتها له اشرب يا حاج، مية قليلة بس نضيفة.

شرب بالراحة وكأنه بيدوق طعم الحنية. همس لها مفروض متمشيش معايا يا بنتي، القرية كلامها مبيخلصش.

أمينة هزت كتافها وقالت لو كنت سيبت كلام الناس يمشي حياتي، كان ابني ماټ من الجوع من زمان.

سكتوا لحظة، ومكنش فيه صوت غير خرير المية بين

الصخر. أمينة بصت للسما البعيدة وافتكرت كل اللي

خسرته؛ جوزها اللي ماټ، الليالي البرد اللي من غير غطا، والخۏف من بكرة. ومع ذلك، كانت واقفة بتساعد إنسان تاني لأنها مؤمنة إن الخير مش تجارة.. الخير ده جدر في الأرض.

العجوز كان بيراقبها من ورا تجاعيد وشه، وعينيه كان فيها لمعة أمينة مخدتش بالها منها. قال لنفسه أكتر ما بيقولها إنتي عندك قلب مبيعرفش يقسى.

ابتسمت وهي بتتحرك عشان تمشي قلبي هو اللي فاضلي يا حاج، الدنيا أخدت كل حاجة تانية.

وهي ماشية، كانت شلة الفتانين لسه واقفة بتضحك وتتمنى تقع عشان يتفرجوا عليها. بس العجوز، وهو باصص لها من بعيد، هز راسه وتمتم بيضحكوا على اللي مش فاهمينه، واللي مش فاهمينه، القدر هيعلمهولهم بأصعب طريقة.

أمينة رجعت البيت ورجليها كلها تراب وجسمها مهدود، بس روحها كانت مرتاحة. كانت عارفة من جواها إن ضحكهم ده هو الجهل بعينه، وإن سكوتها أغلى من ألف رد.

بالليل، بعد ما ابنها نام، قعدت على عتبة الباب تتفرج على نور القمر وهو بېلمس الشجر. فكرت في إزاي الدنيا بتبقى صغيرة لما الواحد يعيش بس عشان يحكم على غيره. وبعدين همست بدعاء بسيط زي ما أمها كانت بتعمل

يا رب، اديني القوة أكمل من غير غل، واديني الإيمان إني أفضل أساعد حتى وهما بيضحكوا عليا.

على الناحية التانية من الغيطان، العجوز كان هو كمان باصص للقمر وبنفس اللمعة في عينيه. مكنش حد لسه يعرف، بس في اللحظة دي، قصصهم بدأت تتشربك في بعض بطريقة هتغير القرية كلها.

اليوم طلع والجو كان مغيم، والقرية كانت أهدى من العادي. ريحة الخشب المبلول في كل حتة. أمينة خرجت بدري وشايلة ابنها كوفي على ضهرها، مربوط بحتة قماش قديمة بهت لونها. مشيت لنفس

الطريق اللي العجوز بيلم فيه الحطب. مكنتش شافته من امبارح، وكان فيه قلق جواها ملوش اسم، حاجة بين الشفقة والاهتمام.

لقته هناك، قاعد على صخرة ونهجان، جسمه مهدود من التعب. أمينة قربت بالراحة، العجوز رفع عينيه وابتسم ابتسامة ضعيفة بس حقيقية، طالعة من القلب.

سألها بصوت واطي بالعافية مسموع جيتي تاني يا بنتي؟

ردت وهي بتحط المقطف بتاعها على الأرض مش مفروض تشيل الحطب لوحدك، النهاردة الشيلة عليا أنا كمان.

حاول يعترض بس هي كانت خلاص بترتب الخشب على كتفها. قسمت الحزمة لجزئين، ووازنتهم بأحسن طريقة تقدر عليها. العجوز كان بيراقبها في صمت، ونظرته كان فيها حنية وغرابة.

الطريق لحد النهر كان هادي، وصوت العصافير كان بيختلط بصوت تزييق الخشب. أمينة كانت بتعرق بس ماشية بخطوات ثابتة. لما وصلوا للشط، العجوز قعد بالراحة، وطلع من جيبه حتة عيش ناشفة ملفوفة في قماشة قديمة.

قالها وهو بيمد إيده بالعيش وصوابعه بتترعش ده كل اللي حيلتي.. اقسميه مع الواد، هو محتاجه أكتر مني.

أمينة بصت للعيش وبصت له، الحركة كانت بسيطة بس فيها عزة نفس كبيرة. ده القليل اللي عند راجل معندوش حاجة، ومع ذلك بيقدمه. ابتسمت ورجعت له العيش خلي عيشك معاك يا حاج، ربنا هيرزقنا إحنا التنين.

الراجل اتسمر مكانه لحظة، وعينيه دمعت، وحاول يتكلم بس الكلام هرب منه. تمتم بس وقال يوم من الأيام، العالم كله هيعرف إنتي مين بجد.

أمينة وطت عينيها بكسوف ومكنتش عارفة ترد تقول إيه. قعدت جنبه تتفرج على النهر وهو ماشي. وقالت له أنا مش عاوزة حد يعرفني، أنا بس عاوزة أرتاح. الدنيا أخدت مني كتير، بس لسه مخلياني قادرة أختار يا إما قلبي ينشف يا إما يفضل يحس.. وأنا اخترت إنه يحس.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

العجوز سمعها في صمت.

الست دي،

 

 

الفقيرة اللي القرية كلها ناسياها، بتتكلم بحكمة حد شايل شيلة الدنيا وفاضل جواه مكان للخير.

بعد شوية قام بالراحة وسند على غصن شجرة ناشف كأنه عكاز، وبص لها وقال الناس بتحكم على اللي مش فاهماه، بس فيه عيون ربنا بيباركها عشان تشوف الحاجات المستخبية.

الهوا شد وطير الشجر والتراب. أمينة فضلت واقفة تتفرج عليه وهو ماشي في الممر الضيق لحد ما اختفى وسط الشجر. وكلامه فضل يرن في ودنها زي الوعد.

لما رجعت القرية، لاحظت النظرات. الستات بتوشوش على الأبواب، والرجالة بيشاوروا، والعيال بيكرروا الكلام اللي بيسمعوه من غير ما يفهموا معناه.

كانوا بيقولوا دي اللي ماشية مع بتاع الحطب.. تلاقيها بتبيع نفسها عشان حتة لقمة.

أمينة سمعت كل ده وسكتت. كملت مشوارها وابنها بين إيديها وراسها فوق.

لما وصلت البيت، نيمت الواد وبصت للڼار الضعيفة اللي قايدة. أخدت آخر شوية دقيق عندها وعملت بيهم عصيدة. وهي بتقلب الحلة، فكرت في العجوز والعيش اللي كان عاوز يقسمه معاها. ابتسمت لنفسها وفكرت إن الغنى الحقيقي مش في اللي بتديه، لكن في اللي بتخليه معاك عشان التاني ميبقاش ناقصه حاجة.

لما الليل دخل، أمينة صلت ودعت بصوت واطي يا رب بارك في الراجل العجوز ده، واديني القوة أفضل أساعد، حتى لو العالم مش فاهمني.

الأيام بدأت تتكرر بنفس الروتين. كل يوم قبل ما الديك يصحى، أمينة تصحى، تربط راسها، وتروح للطريق. نفس الطريق التراب، نفس الشجر، نفس الصمت. وهناك دايما كانت بتلاقي العجوز قاعد في الضل، بيجهز حزم الحطب بصبر غريب.

أمينة بدأت تجيب له حاجات بسيطة حتة قلقاس مستوية، شوية درة، شوية مية نضيفة. ساعات كانت بتقسم أكل ابنها معاه وتقول لنفسها


الواد ياكل بكرة، بس العجوز ده معندوش وقت فاضل.

كانت بتعمل ده من سكات، من غير ما تستنى شكر. كان فعل طالع من القلب وبيرجع لها في صورة راحة بال.

بس القرية مكنتش بتسامح اللي بيعمل خير في صمت.

الكلام بدأ بوشوشة، وبعدين بقى همهمة، لحد ما بقى شتيمة عيني عينك.

الست دي عقلها فوتت، بتقضي يومها كله مع شحات وكمان بتدافع عنه.

وناس تانية أشرار ألفوا قصص تلاقيها بتبيع نفسها عشان كوم حطب قديم.

أمينة كانت بتسمع كل ده وهي معدية ومبتردش. كانت بتبص في الأرض وتكمل مشي. اتعلمت إن السكوت هو درع الطيبين، وإن لسان الناس مفروض ميمشيش قدر ست مؤمنة.

بالليل وهي راجعة هلكانة، ابنها يسألها يا ماما، ليه الناس الۏحشة بتضحك عليكي؟

وهي تطبطب على وشه وتقوله عشان مش فاهمين قيمة الخير، بس مسيرهم في يوم هيفهموا.

مع الوقت، الصداقة بينها وبين العجوز بقت حاجة القرية مش قادرة تسميها. كان بيحكي لها قصص قديمة، عن بلاد بعيدة، وعن زمن كان الناس لسه بيحترموا فيه بعض. أمينة كانت بتسمع بتركيز كأنها بتجمع حكمة من بين السطور.

العجوز كان بيقولها الدنيا بتتغير يا بنتي، بس قلب البني آدم هو اللي بيبين إذا كان العمر اللي ضاع ده كان يستاهل ولا لأ.

ساعات العجوز مكنش بيتكلم خالص. يفضل باصص للأفق وعينيه مليانة ذكريات. في اللحظات دي، أمينة كانت بتحس بۏجع كبير جواه، وحدة مفيش عيش ولا مية يقدروا يداووها. ومن غير ما تعرف ليه، كانت بتقعد جنبه في صمت، زي اللي بيصلي من غير كلام.

وأهل القرية فضلوا يتريقوا. العيال يقلدوا العجوز في الشارع وهو ماشي محڼي ويضحكوا. الكبار يوشوشوا لما يشوفوهم مع بعض. بس أمينة مكنتش بتتهز. كانت شايلة في قلبها يقين إن

الخير مش محتاج

سقفة عشان يكون موجود.

ساعات وهي بتساعده يشيل الحطب لحد النهر، كانت بتفكر في جوزها اللي ماټ وفي المرات اللي الناس حكموا عليها لمجرد إنها بتحاول تعيش.

كانت بتقول لنفسها يمكن ربنا بيبعتلي الاختبارات دي عشان يفكرني إن الإيمان هو اللي بيسند اللي مضلش معاه حاجة.

في يوم العجوز حاول يشكرها. وقف في نص الطريق وسند الحطب على الأرض وقال إنتي مش عارفة إنتي بتساعديني قد إيه. اللي بتعمليه ده مش صدقة، ده إحياء لروح بټموت.

أمينة ابتسمت وقالت كلامك حلو يا حاج، بس أنا بعمل اللي أمي علمتهولي. لما الدنيا بتبقى تقيلة، الأحسن إننا نشيل مع بعض بدل ما الحمل يقع بينا.

ضحك ضحكة تعبانة وقال عشان كده ربنا حارسِك.

والقرية فضلت تضحك عليها. ناس يسموها ست العجوز وناس يسموها أرملة الحطب. بس الوقت عدى وضمير أمينة فضل مرتاح. كانت عارفة إن الحنية مش محتاجة شرح. هي هدية بتتعاش حتى لو العالم مش فاهمها.

وفي آخر كل يوم، لما الشمس تبدأ تختفي ورا الجبل، أمينة والعجوز يريحوا جنب بعض. ريحة الخشب المحروق في الجو، وصوت النهر البعيد بيونس صمتهم. وفي الصمت ده كان فيه حاجة مقدسة، رابطة مفيش نظرة خبيثة تقدر تكسرها.

الليلة دي كانت باردة أكتر من العادي. الهوا كان بيدخل من شقوق السقف القش وبيخلي الڼار تترعش. أمينة كانت بتقلب العصيدة في صمت وابنها نايم في ركن المفرش. جسمها كان تقيل من التعب بس قلبها كان خفيف.

بس الراحة دي مكملتش.

تاني يوم الصبح، أول ما الشمس طلعت، شلة ستات كانوا بيوشوشوا بصوت عالي قدام بيتها عشان تسمع.

بيقولوا أمينة بتقضي العصر كله مع الشحات، وإن الموضوع مش حطب بس.

ضحكتهم انتشرت زي الڼار في الهشيم.


باكو، جوز أمينة، سمع كل حاجة. كان قاعد في الضل ومعاه كوباية نبيذ نخل، وعينيه نص مغمضة، وكرامته المچروحة بتغلي جواه. بقاله شهور مشتغلش، الأرض كانت بترفضه، وبدل ما يعافر استسلم للشرب. لما سمع الإشاعات، الډم غلى في دماغه.

رمى الكوباية على الأرض وقام يطوح ودخل البيت بخطوات تقيلة مليانة ڠضب قديم.

زعق قبل ما يخطى العتبة هو الكلام اللي بيتقال ده صح؟ إنتي ماشية مع الشحات القذر بتاع النهر؟

أمينة لفت بالراحة، ونظرتها كانت ثابتة ومش خاېفة أنا بساعد إنسان محتاج، العجوز ده ملوش حد.

باكو ضحك باستهزاء آه.. يعني بقيتي قديسة دلوقتي. ست القرية التقية.

قرب منها ومن غير مقدمات ضربها قلم لف وسطها. الصوت رن في البيت كله. الواد صحي بيعيط ومخضوض. أمينة حضنته جامد ووشها بيحرقها، بس صوتها فضل هادي يا باكو، متعملش كده قدام ابننا.

باكو كان بيطوح وعينيه حمرا بتكسري عيني قدام الناس وماشية مع شحات وتفضحي فيا وعاوزة احترام؟

ردت عليه أنا مكسرتش عينك يا باكو، الكسرة الحقيقية إنك تنسى يعني إيه تكون راجل.

كلامها كان أقوى من أي قلم. بص لها بغل بس كان فيه خوف جواه مش عارف يسميه. لحظة وكان هيتكلم بس لف وخرج وهو بيتكعبل في خياله.

أمينة فضلت مكانها والواد پيصرخ ووشها لسه سخن. الدموع اللي كانت حبساها نزلت بالراحة. مكنش ۏجع القلم بس، كان ۏجع إنها شايفة الراجل اللي حبته في يوم بقى غريب عنها.

الليل ده، أمينة ركعت قدام اللمبة ودعت بصوت واطي يا رب، اديني القوة مردش الغل بغل. يا رب خليه يلاقي طريقه قبل ما يضيع خالص.

دموعها بلت الأرض الطين. مكنتش بتطلب حقها، كانت بتطلب القدرة على التحمل.

تاني يوم وهي خارجة، شافت العجوز من بعيد قاعد

على الطريق كأنه مستنيها. جسمه محڼي

 

 

وعينيه طيبة. أمينة ترددت لحظة. كلام باكو كان لسه بيرن في ودنها زي الشوك.

بس بعدين افتكرت صوت أمها الخير هو الورث الوحيد اللي محدش يقدر يسرقه منك.

فراحت له.

قربت من العجوز اللي استقبلها بنظرة هادية. مسألش على حاجة بس عينيه شافت اللي كانت بتحاول تخبيه الوش الورمان والعلامات الحمرا اللي لسه باينة.

سألها بحنية وجعِك؟

أمينة بصت بعيد من ساعة ما خسر شغله وهو خسر قلبه كمان.

العجوز اتنهد وبان عليه إنه كبر سنين فوق سنه في لحظة الرجالة بتضيع لما بتخلي الكبرياء يسوق جوعهم. بس ربنا مبينامش.

قعدت جنبه وفضلوا ساكتين يتفرجوا على النهر. فكرت في حياتها وابنها والوحدة اللي بدأت تعشش جواها. بس الغريبة إنها في اللحظة دي حست براحة. العجوز محكمش عليها مسألش أسئلة كتير. كان موجود بس، كأنه ضل بيحميها.

لما الشمس بدأت تغيب، ودعته ورجعت البيت. وفي الطريق شافت الناس متجمعين في الساحة بيضحكوا عليها وبيشاوروا، بس أمينة كملت مشيها ووشها رايق. اتعلمت إن اللي بيعيش عشان يتكلم على غيره، مسيره يغرق في كلامه.

بالليل قبل ما تنام نيمت ابنها وبصت لسقف القش وفكرت في العجوز وكلامه والهدوء اللي بتحسه جنبه. وتمتمت بكلمة واحدة ربنا مبينامش.

مكنتش تعرف إن الجملة دي، اللي قالتها عشان تصبر نفسها، هتكون هي بذرة التغيير اللي هيقلب حال القرية كلها.

المطر كان شغال من الفجر، مطر هادي ورزين، من النوع اللي بيتقل الأرض ويغسل الۏجع من الجو. السقف القش كان بينقط في كذا حتة، وأمينة كانت بتحاول تلم المية بقلل وحلل في كل ركن. ابنها كان نايم تحت أتقل غطا عندهم. برا، الهوا كان بيخبط الشجر في حيطان البيت كأن الطبيعة عاوزة تفكرهم إنها لسه صاحية.



وفجأة سمعت خبط خفيف على الباب. تلات خبطات مترددة، كأنها مكسوفة.

أمينة اتسمرت مكانها. مفيش حد بيخبط في الوقت ده.

فتحت الباب بالراحة، واللي شافته حبس أنفاسها.

كان العجوز، مبلول من ساسه لراسه، وساند على عكازه الخشب. هدومه كانت بتنقط وعينيه رغم التعب كان فيها هدوء غريب.

قالها وهو بيترعش سامحيني يا بنتي إني جيت كده. المطر غفلني في الطريق ورجليا مبقتش تشيلني.

أمينة مترددتش لحظة. فتحت الباب على الآخر وقالت اتفضل يا حاج. البيت بيتك واللقمة مقسومة.

دخل العجوز وقلع هدومه التقيلة المبلولة. الڼار كانت بټموت، أمينة نفخت في الفحم وزودت خشب لحد ما النور والدفا رجعوا للمكان. العجوز قعد جنب الڼار، والواد صحي مخضوض بس لما شاف الضيف ابتسم ورجع نام تاني.

هنا العجوز شاف وش أمينة بوضوح تحت نور الڼار. العلامات الزرقا لسه موجودة، ذكريات إيد باكو العڼيفة. العجوز وطى عينه باحترام ومسألش.

بعد صمت طويل، قال بصوت هادي هو دايما كده؟

أمينة أخدت وقت عشان ترد. كانت بتقلب الڼار بخشبة وهي باصة في الأرض من ساعة ما خسر شغله خسر قلبه.. كان راجل طيب، دلوقتي بقى مجرد خيال مآتة.

هز العجوز راسه ساعات الفقر بيبقى اختبار، بس فيه ناس بتخسر الاختبار ده وتخليه سم.

كلامه نزل زي المطر جوا قلب أمينة. اتنهدت وقالت أنا بس بدعي ربنا إن ابني ميتعلمش من اللي بيشوفه.

العجوز فضل يراقبها. صوتها مكنش فيه غل، كان فيه تعب بس، تعب السنين اللي مبيدواش بس الإيمان لسه سانده. فضل باصص للڼار شوية وبعدين تمتم الچروح اللي مبيناش هي اللي بتوجع أكتر. بس ربنا حارس للطيبين. وفي السكوت، هو اللي بيكتب تدابير القدر.

أمينة سمعت الكلام ده ومكنتش فاهمة كل

معناه، بس الكلام لزق

في ذاكرتها. كان مختلف عن كلام أهل القرية، مكنش مجرد جبر خاطر، كان كأنه حقيقة قديمة.

الهوا شد وخبط الباب جامد. العجوز قام بالعافية.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

أمينة جريت تسنده، بس هو ابتسم وقالها إنتي ساعدتيني بمجرد إنك موجودة.

ظبطت له هدومه وحطت حتة قماش ناشفة على كتافه وادت له شوية عصيدة، بس هو رفض بالراحة كلي إنتي يا بنتي، أنا شبعت بمجرد إني شوفت حنيتك.

الواد وهو نص نايم سأل العجوز يا جدو، هو أنت عندك بيت؟

العجوز ابتسم وطبطب على شعره عندي يا صغيري، بس ساعات الواحد لازم يسيب بيته عشان يفتكر قيمة السقف اللي فوق راسه.

الوقت عدى بالراحة الليلة دي. المطر فضل ينزل بإيقاع ثابت. أمينة كانت ساندة على الحيطة وعينيها تايها في الڼار. العجوز نام وهو قاعد بس وشه كان مرتاح، كأنه شايل سر من نور.

الصبح العاصفة هديت. العجوز قام بالعافية وسند على عكازه لازم أمشي قبل ما الشمس تلاقيني لسه هنا.

أمينة كانت عاوزة تصرخ وتقوله يفضل، بس تعبير وشه خلاها تحترم صمته.

قبل ما يخرج، وقف على الباب وبص لها بحنان العالم ماشي أعمى، بس فيه عيون ربنا بيختارها عشان تشوف اللي غيرها بيكبر دماغه عنه. يا رب عينيكي متقفلش أبدا عن الخير، حتى والشړ بيوجعك.

ملاقتش كلام تقوله. اكتفت إنها هزت راسها وقلبها مقبوض.

العجوز مشي بالراحة في الطريق المبلول لحد ما اختفى وسط الشجر. أمينة فضلت تتفرج عليه لحد ما غاب. وبعدين قفلت في صمت. مكنش عياط ۏجع، كان عياط حاجة مش عارفة تسميها، خليط من الشفقة والإحساس بإن فيه حاجة هتحصل.

اليوم ده، ولأول مرة، لاحظت حاجة في عين العجوز. مكنش مجرد شكر، كانت نظرة مليانة هدف، نظرة حد شايل قدر، ويمكن سر الدنيا كانت

خلاص هتكشفه.

الأيام اللي جت كانت ساكتة بشكل غريب.

أمينة اللي اتعودت تشوف العجوز على الطريق، حست بفراغ كبير. المكان اللي كان بيقعد فيه بقى فاضي، والهوا بقى يمر منه أبرد وأنشف. أول يوم غاب فيه، افتكرته تعبان. تاني يوم، قالت المطر حپسه. بس تالت يوم، قلبها بدأ ينقبض.

الطريق كان فاضي. مفيش أثر للعجوز. مفيش حزمة حطب. مفيش حتى أثر رجلين على الأرض المبلولة.

أمينة فضلت واقفة شوية تتفرج على التراب وهو بيطير مع الهوا. حاجة جواها كانت بتهمس إن الأحوال اتغيرت، وإن السكوت ده وراه خبر.

ومع ذلك رجعت لشغلها وبتحاول تشغل بالها. بس كانت عارفة إن غيابه ساب فجوة أكبر مما هي عاوزة تعترف.

الأسابيع عدت والإشاعات بدأت تنتشر. ناس قالوا ماټ لوحده في الغابة. وناس قالوا راح يدور على قرايب ليه بعيد. بس محدش كان عارف الحقيقة.

واللي كانوا بيتريقوا عليه زمان بقوا يضحكوا بصوت أعلى العجوز فص ملح وذاب وساب الست المچنونة بتكلم نفسها في الهوا.

أمينة عملت نفسها مش سامعة، بس كل كلمة كانت بتقطع في قلبها.

جوزها باكو، اللي مكلمهاش من أيام، لاحظ هو كمان الاختفاء. وفي ليلة وهو سکړان، قال باحتقار العجوز بتاعك مشي يا أمينة، تلاقيه زهق من صدقاتك.

مردتش عليه. اكتفت إنها بتغسل المواعين وعينيها في الأرض عشان ميبانش ۏجعها.

باكو ضحك ضحكة فاضية في يوم يا ولية قلبك ده هيكون هو سبب موتك.

أمينة رفعت وشها وقالت بهدوء أحسن ما أموت وأنا معنديش روح.

كلامها سكتُه لحظة بس لف واداها ضهره.

الأسابيع اللي جت روتين أمينة اتغير. مابقاش فيه سبب تروح للنهر. بس ساعات كانت بتعدي من نفس الطريق عشان تبص بس. تقعد على نفس الصخرة اللي كان

بيقعد عليها وتبص للبعيد. ساعات كانت بتكلم الهوا كأنه لسه سامعها أنت

 

 

فين يا حاج؟ يا رب تكون مرتاح.

في يوم وهي في الغيط، سمعت ستين بيتكلموا عند البير.

واحدة قالت بيقولوا العجوز ده مكنش مجرد شحات، كان فيه حاجة غريبة، كأنه حد مهم.

التانية ضحكت مهم؟ ده مكنش حيلته صندل في رجله.

أمينة مثلت إنها مش مهتمة بس قلبها دق جامد. الجملة دي فضلت ترن في ودنها. معقولة؟

الليلة دي حلمت بالعجوز. كان واقف وطويل ولابس أبيض ومبتسم. مقالش حاجة بس بص لها. لما صحيت كانت لسه حاسة بنظرته، نفس النظرة اللي شافتها آخر ليلة مطر. حست إنها رسالة، كأنه ممشيش بجد، كأنه مستني اللحظة الصح عشان يرجع.

الأيام جرت والقرية حالها فضل زي ما هو. من غير العجوز، عالم أمينة صغر.. بيت، غيط، عيال، سكت. بس جواها كان فيه حاجة بتكبر. قوة هادية تشبه الإيمان. مش الإيمان اللي بيتقال بالكلام، بس الإيمان اللي بيتولد لما كل حاجة تضيع والقلب لسه عنده أمل.

وفي يوم وهي بتغسل هدوم على النهر، سمعت صوت كأنه جاي من جواها متعيطيش على اللي ربنا خباه شوية.

بصت حواليها ملقتش حد. ابتسمت. يمكن ده الهوا، يمكن دي ذكرى. بس حست إنها أخف.

والوقت عدى. وضحك أهل القرية هدي. والفضول نشف. وغياب العجوز بقى مجرد قصة بتتحكي في الوشوشات.

بس عند أمينة، الفراغ ده فضل صاحي، بينبض في صدرها زي الشوق.

مكنتش تعرف إن القدر بيجهز للمقابلة الجاية.. المقابلة اللي هتحول ضحكهم لسكوت وندم. لأن فيه غياب مبيبقاش وداع.. بيبقى استراحة محارب.

وبتاع الحطب، اللي سموه نكرة، كان على وشك يرجع.. مش كذكرى، لكن كحقيقة هتهز البلد كلها.

كان يوم سوق، والقرية كانت زحمة وصوت الناس مالي المكان. ستات بتبيع درة ورجالة بيفاصلوا في تمن المعيز. الشمس كانت حامية والڼار مأكلة الجو.


وكل حاجة كانت ماشية عادي.

لحد ما سمعوا صوت جاي من بعيد. صوت طبول.

دقات تقيلة وهادية ومنتظمة. الطبول دايما معناها حاجة كبيرة ضيوف، حفلة، أو مۏت حد مهم. بس الإيقاع ده كان ليه هيبة تانية، هيبة بتخلي الأرض تترعش.

في دقايق، القرية كلها وقفت. الرجالة سكتوا، الستات نزلوا مقاطفهم، والعيال وقفوا مكانهم.

ومن الطريق الشمالي، بدأت غبرة تطلع. وواحدة واحدة ظهر موكب رجالة لابسين توب أبيض، حراس معاهم رماح دهب، وفي النص هودج متغطي بقماش أبيض غالي.

ولما قربوا، واحد من الحراس زعق بصوت قوي كبير البلاد وصل!

وشوشات انتشرت في كل حتة. محدش كان يعرف إن الحاكم القديم ماټ، ولا إن فيه حد جديد اتعين. الكل جرى على الساحة الكبيرة بفضول.

الموكب وقف تحت الشجرة المقدسة اللي بيتقال عندها كل الأخبار المهمة.

وبعدين ستارة الهودج اتفتحت، والسكوت اللي حصل كان رهيب، لدرجة إن الهوا نفسه كان مسموع.

نزل منه راجل لابس توب أبيض وساند على عكاز خشب منحوت. الوش كان معروف، بس الرفعة بتاعة الراس، والوقفة المظبوطة، والنظرة اللي كلها هيبة خلته ميتعرفش.

كان هو.

بتاع الحطب.

نفس الراجل اللي كان بيجرجر حزم الخشب في التراب، اللي اتريقوا عليه وقالوا شحات وعالة.

بس دلوقتي، قدامهم كلهم، واقف بهيبة ملك.

شعره لسه أبيض بس نضيف ومتسرح. جلده اللي كان متغطي تراب بقى بيلمع تحت الشمس. وفي رقبته عقد من خرز دهب.

همهمة بدأت تعلو ده بتاع الحطب!.. ازاي ده حصل؟.. ده كان شحات!.. لأ ده الحاكم الجديد!

أمينة كانت واقفة في طرف الساحة وابنها ماسك إيدها. لما شافته قلبها كان هيوقف، وجسمها كله ساب.

ابنها سألها يا ماما، مش ده جدو بتاع

الحطب؟

هزت راسها وهي مش قادرة تنطق.

الزمن

كأنه وقف.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

العجوز بص حواليه، كان بيراجع وشوش الناس اللي استحقروه زمان. فيه اللي وّطى عينه، وفيه اللي مثل إنه متفاجئ. محدش جرأ يقرب.

إلا أمينة اللي فضلت واقفة مكانها ودموعها نازلة من سكات.

رفع العكاز بتاعه واتكلم. صوته كان هو هو، بس بقى أقوى وأثبت وكله سلطة يا أهل القرية دي، أنا النهاردة رجعت مش شحات، أنا رجعت الحاكم بتاعكم. عشت وسطكم في صمت، لابس وش الفقر، عشان أشوف بعيني مين اللي لسه شايل رحمة في قلبه.

رعشة مشيت في الكل. الكل بص للتاني وهو بيفتكر إزاي ضحكوا عليه، وإزاي رفضوا يساعدوه، وإزاي ادوله ضهرهم.

كمل العجوز كلامه شوفت ناس كتير بتتريق، وناس كتير بتبعد. بس كمان شوفت ست قسمت القليل اللي حيلتها معايا، وهي مش مستنية حاجة في المقابل.

الكلام كان واضح هو يقصد مين.

كل الرؤوس لفت ناحية أمينة، اللي رجعت خطوة لورا وهي مخضۏضة ومكسوفة.

قال العجوز الست دي مش بس شالت معايا حطب، دي شالت قدر القرية دي كلها. والنهاردة، اللي كان مستحقر زمان، هيترفع شأنه قدام الكل.

محدش نطق كلمة. فيه اللي عيط، وفيه اللي دارى وشه. باكو، جوزها، كان واقف وسط الناس وراسه في الأرض وقلبه تقيل من الخزي.

العجوز بص لأمينة مباشرة، ولحظة كأنهم لوحدهم في العالم يا أمينة، إنتي شيلتي أكتر من حطب في اليوم ده. إنتي شيلتي أمانة، والنهاردة ربنا بيرد لك حقك.

الكل سكت. الطبول سكتت. وقلب أمينة كان بيدق زي الطبل. كلام العجوز كان كأنه جاي من السما.

لف العجوز للناس وقال بصوت زي الرعد السلطة الحقيقية مش في الغنى ولا القوة. السلطة في الخير. واللي بيعرف يعمل خير والدنيا قاسېة عليه، هو اللي يستحق يحكم القلوب.

القرية كلها وطت راسها قدام الحقيقة.

بتاع

الحطب رجع، بس كرسول للعدل. وحركة أمينة البسيطة اللي اتريقوا عليها، بقت هي اللي منورة الأرض اللي شافت ذلها زمان.

الشمس كانت في نص السما، والحرارة كانت بتلمع في ساحة القرية والعجوز قرب من الشجرة المقدسة. الناس كانوا لسه في صدمة وبيتفرجوا في صمت. الطبول وقفت، والهوا وهو بيحرك الشجر كان كأنه بيهمس بحقايق قديمة.

رفع العجوز عكازه واتكلم بصوت ثابت وواضح بقالي سنين عايش وسطكم من غير ما أقول أنا مين. مشيت حافي في نفس طرقكم، دقت ترابكم، وعطشت زيكم. عملت كده عشان أشوف بعيني اللي الذهب والسلطة مبيورهوش قلب الناس اللي هيورثوا الأرض دي.

الناس بصوا لبعض، فيه اللي وطى راسه من الكسوف، وفيه اللي مثل الفضول عشان يداري ذنبه.

كمل العجوز شوفت فقر وغنى، كبر ورحمة. واكتشفت إن الفقر الحقيقي مش في قلة الأكل، الفقر هو غياب الحنية.

سكت لحظة، والسكوت اللي حصل كان مهيب.

وبعدين لف نظره لأمينة.

وسط الزحمة دي كلها اللي ادتني ضهرها، ست واحدة بس هي اللي شافتني. لما وقعت على الطريق وقفت. لما الجوع هزني قسمت عيش ابنها معايا. لما الكل ضحك عليا مدت إيدها. مش عشان مصلحة ولا خوف، عشان هي طيبة.

وشوشة انتشرت في الساحة. الستات وشوشوا، والرجالة هزوا راسهم وهما بيحاولوا يداروا خيبتهم. أما أمينة ففضلت مكانها، مش مصدقة إن الكلام ده عليها. ابنها كوفي كان باصص للعجوز وعينيه واسعة وماسك في جيبة أمه.

العجوز مشي بالراحة ناحيتها، وعكازه بيخبط في الأرض بإيقاع موزون.

قالها يا بنتي، فاكرة العيش اللي رفضتيه لما عرضته عليكي؟ الحركة دي ورتني إن الغنى مش باللي معاك، الغنى باللي إنت مستعد تديه لغيرك.

وطت راسها ودموعها نزلت

بلت الأرض.

ردت بصوت بيترعش أنا بس عملت اللي أي حد قلبه طيب يعمله.

ابتسم العجوز

 

 

بحنان لأ يا أمينة، إنتي عملتي اللي قليلين بيعملوه. لما الإنسانية بتسكت، الطيبين هما اللي بيتكلموا بأفعالهم.

لف للناس تاني ورفع عكازه القرية دي اتبنت على أرض خصبة، بس قلوب كتير نشفت وبقت زي الحجر. نسيتوا إن العظمة مش بالقوة، العظمة بالرحمة. عشان كده النهاردة، قدام الكل، بقول أراضي القرية دي ملك للي لسه بيعرفوا يحبوا من غير حساب.

حالة هرج حصلت وسط الناس. فيه اللي ركع على ركبه، وفيه اللي حاول يعترض بس نظرة العجوز سكتت الكل.

قالهم اتريقتوا على راجل عجوز تعبان، بس الوقت بيبين مين اللي يستاهل التقدير. عشت فقير عشان ألاقي اللي لسه فاكر يعني إيه يكون بني آدم. ولقيت الذكرى دي في قلب ست كانت منبوزة ومتواضعة.

أمينة خبت وشها بإيديها. حست إنها صغيرة قدام الخبر ده.

ابنها حضڼ رجليها وقالها يا ماما، ده بيتكلم علينا.

كمل العجوز أنا مأخترتش أمينة عشان شفقة، أنا اخترتها عشان هي الحقيقة. علمتني إن السلطة من غير رحمة ملهاش قيمة، وإن الخير المستخبي هو بذرة العدل. النهاردة، اللي كان بيتريقوا عليه بقى مثل. واللي كانوا بيحتقروه بقى مراية ليهم.

كلامه رن في كل ركن، ودخل قلوب اللي بيسمعوا. رجالة كانوا شواف حالهم بقوا بيعيطوا. ستات كانوا بيتنمروا بقوا باصين في الأرض


بخزي. حتى العيال اللي اتعلموا يضحكوا على أمينة، فهموا هيبة اللحظة دي.

رفع العجوز عينه للسما وقال فيه ناس بتقول إن ربنا مستخبي في المعابد، بس أنا بقول إنه بيبان في الحركات البسيطة، في القلوب الطيبة. ولما المظلومين بيتهانوا، الزمن نفسه هو اللي بيرفعهم.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

الناس ركعوا، وطلعت أغنية من وسطهم، لحن قديم عن السماح والبداية الجديدة. الهوا طير تراب دهبي من الأرض، والعجوز غمض عينه لحظة كأنه بيشكر ربنا.

أمينة بصت له وقالت أنت اديتني أكتر مما كنت أحلم.

رد عليها بحنية مش أنا يا بنتي، ده عدل ربنا اللي استنى الوقت الصح عشان يبان.

وفي اللحظة دي، القرية كلها فهمت. الشحات اللي استحقروه زمان كان مراية للي جوه كل واحد فيهم، ودليل إن الخير الحقيقي مبيضيعش أبدا.

الشمس كانت بتبدأ تغيب ورا الجبل لما العجوز، اللي بقى الحاكم دلوقتي، اتكلم تاني. الساحة كانت لسه مليانة ومحدش جرأ يمشي. الجو كان فيه خليط من الكسوف والهيبة. أمينة فضلت واقفة ودموعها على وشها وابنها ماسك إيدها. باكو، جوزها، كان بيتفرج من بعيد، مستخبي وسط الرجالة وبيحاول يختفي.

أخد العجوز نفس عميق وقال في الوقت اللي عشته وسطكم، اتعلمت إن عدل البشر بيبقى ضعيف لما القلب بيبقى قاسې. بس عدل ربنا مبيفشلش أبدا.

لف لمجلس

القرية وأمرهم هاتوا قدامي الراجل اللي أهان وضړب الست اللي بنكرمها النهاردة.

وشوشة سادت المكان. باكو وشه بقى أصفر. الحراس لافوه وجرجروه لنص الساحة. حاول يقاوم بس قوتهم غلبت الكبرياء اللي كان سنده.

لما وقفوه قدام الحاكم، عيون أمينة اتملت ۏجع.. مش ڠضب، بس شفقة.

العجوز فضل باصص لباكو ثواني طويلة قبل ما يتكلم. صوته كان هادي وموزون يا راجل، إنت عارف الست دي؟

وطى باكو راسه وتمتم أيوه.. دي مراتي.

وعارف إنت عملت فيها إيه؟

تردد باكو والعرق نازل على وشه قلت عليها كلام وحش.. وضړبتها.

ليه؟

عشان الكبرياء عماني.. وعشان الفقر خلاني حاقد.

هز العجوز راسه بالراحة الفقر حجر في الطريق، فيه اللي بيبني بيه سلم، وفيه اللي بيرميه على جاره. إنت اخترت توجع لما كان ممكن تحمي.

سكوت تقيل نزل على الكل.

وبعدين رفع العجوز عكازه الراجل اللي يرفع إيده على ست، بيرفع إيده على الخالق اللي أداله سر الحياة من خلالها. واللي يكسر خاطر نفس طيبة، بيكسر خاطر القرية كلها.

باكو حاول يتكلم بس الكلام هرب منه.

الحاكم طلع حكمه من النهاردة، هتخسر حقك في بيتك وهتشتغل في غيطان القرية لحد ما العرق يعلمك قيمة الاحترام.. مش كعقاپ، بس كدرس. ولما روحك تفهم إيه اللي دمرته، يمكن تلاقي السماح.

الناس

وافقوا بالهمهمة. فيه اللي هز راسه وفيه اللي عيط. باكو وقع على ركبه وإيده بتترعش. بص لأمينة بس هي متهزتش. بصت له بهدوء حد اتوجع كتير ومبقاش شايل غل.

لف العجوز لأمينة وقالها يا بنتي، يا اللي اتهانتي قدام الكل.. النهاردة إنتي دليل إن العدل يمكن يتأخر بس مسيره يوصل. الإيد اللي ۏجعتك هي اللي هتتعب في الأرض اللي بقت ملكك.

حارس جاب لفة ورق واداها للحاكم. فتحها بالراحة وقرأ منها بالحق والجدارة، الأراضي دي بقت ملكك يا أمينة، وليكي ولعيالك من بعدك. حافظي عليها زي ما حافظتي عليا.. بصبر وإيمان ورحمة.

أمينة رجعت لورا وهي مذهولة أنا؟ أنا مستاهلش كل ده.

ابتسم العجوز وصوته كان حنين الطيبين دايما بيفتكروا إنهم مستاهلوش. بس عشان كده بالذات ربنا بيأمنهم على أغلى ما عنده.

تصفيق حاد طلع من الناس.. بدأ هادي وبعدين كبر وملى الجو زي الريح. ستات كانوا مستحقرينها بقوا يقربوا يلمسوا إيديها وعينيهم بتطلب السماح. رجالة كانوا بيتريقوا وطوا راسهم. حتى العيال بقوا يجروا حواليها بفضول.

باكو وهو على ركبه كان بيعيط سامحيني يا أمينة، أنا عمري ما شوفت الست اللي كانت جنبي.

قربت منه بالراحة وبصت في عينيه وقالت السماح مش نسيان يا باكو، السماح هو إن الواحد يسيب اللي فات. ربنا يعينك تلاقي الراجل اللي ضاع جواك.

 


 

تعليقات

التنقل السريع
    close