القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 بين الخوف والنجاه حكايات اسما السيد



بين الخوف والنجاه حكايات اسما السيد



مراتي بتستحمّ مرتين كل ليلة قبل ما تنام على السرير. الأول كنت فاكرها نظافة زايدة… لكن اللي اكتشفته طلع أنيل من كده. زوجتي تستحمّ مرتين كل ليلة قبل أن تأتي إلى السرير… وقد اكتشفت أخيرًا السبب. في البداية، ظننتُ أن الأمر لا يتعدّى رغبتها في الشعور بالنظافة. زوجتي لي لي كانت دائمًا بهذه الرقة. رقيقة في حركتها، رقيقة في صوتها، وحتى في الطريقة التي تضع بها الأشياء، كأن كلمة قاسية قد تُسقطها أرضًا. كنّا متزوجين منذ خمسة أشهر فقط، وكل ليلة كانت تتبع الإيقاع نفسه: تتناول عشاءها، تضحك بخفوت، تعبث قليلًا بهاتفها، ثم تذهب لتأخذ حمّامها الثاني في اليوم. حتى في الأيام التي لا تخرج فيها من البيت، وحتى حين لا تكون بيننا أي لحظة حميمية، وحتى عندما أتوسّل إليها أن تبقى، كانت تخرج من الحمّام كأنها بطلة إعلان عطر: بشرة ندية، منشفة ملفوفة بإتقان، ورائحة الكركديه والفانيليا تتبعها أينما خطت. ثم تنزلق إلى السرير، دائمًا مستديرة بظهرها نحوي وتهمس: «تصبح على خير يا حبيبي» وتنام قبل أن أمدّ يدي نحوها. كنت أقنع نفسي بألا أضغط عليها، ربما تحتاج إلى وقت. لكن الحقيقة أنني كنت خائفًا… خائفًا من أن أفسد ما بيننا.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

اسمي زيد، عمري 31 عامًا. أعمل في تصميم المطابخ لكسب رزقي. لستُ ثريًا، لكنني أعرف كيف أجعل المرأة تشعر بالأمان. هذا كل ما رغبت به دائمًا: شخص أعود إليه، شخص لا يجعلني أشعر أنني أكثر مما يجب… أو أقل. وعندما دخلت لي لي حياتي، ظننت أنني وجدته أخيرًا. التقينا في معرضٍ للأثاث. عندما التقيت بها لأول مرة، كانت تقف أمام مجموعة من الكراسي الخشبية المصمّمة بعناية، تمرّر أص*ابعها فوق الحواف المنشّفة بدقة، كأنها تختبر ملمس العالم. كنتُ هناك أراجع تفاصيل مطبخ لأحد العملاء، لكن شيئًا ما شدّني إليها، ربما هدوؤها الذي يسحب الضجيج من المكان، أو نظرتها التي تجمع بين الفضول والخوف. لم تكن كثيرة الكلام، بالعكس، كلم*اتها قليلة لكنها تصيب مكانها. سألتني يومها عن نوع الخشب، ولم يكن السؤال مهمًا بقدر الطريقة التي قالته بها بصوت خافت لكنه ثابت، كأنها تريد أن تظهر أنها تعرف ما تبحث عنه، رغم أن عينيها كانت تقول شيئًا آخر. ابتسمتُ يومها، وبدأ الحديث بيننا… حديث بسيط لكنه بقي داخلي وقتًا أطول مما يجب.



لم أكن أعرف أنها ستصبح زوجتي. ولا كنت أعرف أن وراء هذه الرقة عالمًا كاملًا تحاول إخفاءه. بعد زواجنا، بدأت ألاحظ أمورًا صغيرة… صمت أطول مما يجب، نظرة سريعة نحو الباب قبل أن تغلقه، الطريقة التي تنتفض بها حين ألمس كتفها بلا قصد، كأن جلدها اعتاد على حماية نفسه. كنت أقول لنفسي إنها تحتاج وقتًا. خمس سنوات من العزلة قبل لقائنا، ماضٍ لم تتحدث عنه كثيرًا، عائلة تعيش خارج البلاد. تخيّلت أنها فقط خجولة، أو حذِرة. لكن لم يخطر ببالي يومًا أن يكون هناك سبب يدفعها للاستحمام مرتين كل ليلة، بنفس الهدوء… بنفس الطقوس.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

في إحدى الليالي، تأخرتُ بالعمل حتى العاشرة. عندما عدت إلى المنزل، وجدتها جالسة أمام التلفاز المطفأ، تحدّق في العتمة كأنها ترى شيئًا لا أراه. سألتها إن كانت بخير، هزّت رأسها وقالت: «نعم… فقط متعبة». لكن صوتها لم يكن متعبًا… بل خائفًا. تلك الليلة، عندما أخذت حمّامها الثاني، وقفتُ أمام باب غرفة النوم، أستمع لصوت الماء المتساقط. كان منتظمًا… كأنها تغسل عن نفسها شيئًا لا يُرى. شيئًا لا يذهب بسهولة. وعندما خرجت، كانت عيناها متورمتين قليلًا رغم محاولتها إخفاء ذلك بابتسامة.



مرت أسابيع وأنا أراقب بصمت، وكلما اقتربتُ منها، ابتعدت. كلما لمست يدها، سحبتها بلطف وابتسمت كاعتذار. وكنت أُقنع نفسي بالصبر… لكن الصبر حين لا تعرف على ماذا تصبر، يتحول إلى وجع. في إحدى الليالي، وبينما كنت نصف نائم، شعرت بها تغادر السرير. رأيتها تتحرك في الظلام بخفة، كأنها تعرف الطريق دون ضوء. دخلت الحمّام وأغلقت الباب بصوت يكاد لا يُسمع. هذه المرة… لم أستطع منع فضولي. نهضتُ، واقتربت من الباب ووضعـت أذني عليه. صوت الماء كان مسموعًا كالعادة… لكن صوتها كان يعلو عليه. كانت تبكي. تبكي بكاءً مكتومًا… بكاء شخص يحاول ألّا يسمعه أحد. بكاء يقطع القلب.


في الصباح التالي، سألتها بطريقة لطيفة: «إنتِ بخير يا لي لي؟ شكلك مرهقة؟» نظرت إليّ قليلًا، ثم قالت: «بخير… لا تقلق». لكن ملامحها كانت تخفي كتابًا كاملًا خلف ظهرها. قررت أن أفهم بطريقتها. في ليلة أخرى، بعدما دخلت الحمّام، أمسكتُ هاتفها. لم يكن فيه شيء… إلا تطبيق مقفل بكلمة سر. ترددت، ثم أعدت الهاتف مكانه. شعرت بذنب شديد. كنت أحبها، وأخاف عليها… لا منها.


لكن تلك الليلة تغيّر كل شيء. عندما خرجت من الحمّام، لم تلاحظ أنني مستيقظ. كانت ترتجف قليلًا، وضعت منشفتها وجلست، تنظر إلى يديها وتلمس جلدهما كأنها تبحث عن شيء. ثم فتحت درج الكومود، وأخرجت زجاجة صغيرة بلا ملصق. شمّتها قليلًا… ثم خبّأتها مجددًا.


في الصباح، فتحت الدرج. الزجاجة كانت فارغة. هنا بدأت الشكوك تنهش عقلي. هل هناك شخص آخر؟ هل هي مريضة؟ لكن بكاءها… رعشتها… خوفها… لم يشبه امرأة تخون. بل يشبه امرأة تهرب من شبـ . ــح.


بعد أسبوع، وبينما كانت في عملها، قررت أن أبحث. في دولابها، في أدراجها… حتى وجدت صندوقًا صغيرًا أسفل الملابس الشتوية. فتحته. كان مليئًا برسائل… كلها بخط رجل. وبينها… عقد زواج قديم ممزق. زوجتي لي لي… كانت متزوجة. ولم تخبرني. لكن الرسالة الأخيرة كانت الأكثر رعبًا: «لن تكوني لأحد غيري. حتى لو هربتِ، سأجدك. علامتك لن تختفي… مهما غسلتِ.»


في تلك اللحظة فهمت كل شيء. المياه… الروائح… الحمام الليلي… كانت تحاول أن تغسل شيئًا تركه رجل آخر على جسدها. عندما واجهتها ليلًا، نظرت إليّ وقالت بهدوء: «كنت ناوية أحكيلك… بس خفت.» سألتها: «من إيه؟» قالت: «من إنه يلاقيني.» سألتها: «مين؟» قالت: «جوزي الأول.»


رفعت كمّها… وظهرت ندبة طويلة على معصمها. قالت: «ده عمله… لما حاولت أسيبه.» ثم أكملت بصوت مكسور: «ما اتط.لقتش… هربت.» شعرت أن الأرض تميد بي. لي لي ليست مط.لّقة… بل هاربة. قالت وهي تبكي: «كنت فاكرة إنه مش هيلاقيني.» سألتها: «وليه بتستحمي كل ليلة؟» قالت: «يمكن… الندبة تختفي.» ثم همست: «يمكن… ريحته تروح.»


في تلك الليلة… سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. ثلاث دقات. فتحت… لم يكن أحد. لكن لاحقًا… وصلتنا رسالة أسفل الباب: «الغسيل… ما يغيّرش اللي ملكي.»


لي لي  انهارت. وفي منتصف الليل، سمعت صوتًا على النافذة. كفّ كبيرة مرسومة بالبخار… من الخارج. ثم همسة: «لي لي…» وقف شعر جسدي. قررنا الهرب. وعندما وصلتُ للسيارة… كان واقفًا أمامنا. طويل. نحيف. وجه باهت. عينان سوداوان. قال بصوت منخفض: «لي لي… لسه مراتي؟» صرخت: «مش هرجعلك!» مدّ يده وضر.ب الزجاج. انط.لقت بالسيارة.


ذهبنا للشرطة. أخذوا بلاغًا رسميًا. وبعد ساعات، قال شرطي: «في حد بيقول إنه أبوها… وعايز يشوفها.»  تجمّدت. وعندما خرج الشرطي… قال: «اختفى.»


نُقلنا لمكان آمن. نامت لي لي لأول مرة دون استحمام. ثم أخبرت الطبيبة النفسية بكل شيء. الطبيبة قالت: «هو مش قوة خارقة… هو رجل مؤذٍ يعرف خوفك.»


بعد ثلاثة أيام… قبـ . ــضوا عليه. كان مختبئًا في مخزن. له قضايا كثيرة مفتوحة.


لكن قبل المحكمة، قالت لي لي لي شيئًا حطم قلبي:


«هو… مش بس جوزي الأول. هو… أبويا.»


كانت ضحيــ .ــة زواج قسري منذ طفولتها.


وكان يقول لها دائمًا: «ريحتي فيكي… مهما غسّلتي.»


في المحكمة، واجهته أخيرًا. قال لها: «عمرك ما هتهربي… ريحتي في دمك.»


لكنها ردت بثبات لأول مرة:


«الريحة… كانت خوف. والخوف ما.ت.»


خرجنا من المحكمة، لي لي تبتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية. قالت:


«عايزة أعيش… من غيره.»


قلت: «وهتعيشي.»


قالت: «ومن غير الغسيل.»


قلت: «ومن غير الخوف.»


أمسكت يدي وقالت:


«زيد… إنت رجّعتني لنفسي بحبك جدا.»


وفي تلك اللحظة…


كانت لي لي أخيرًا حرّة.


… تمت


تعليقات

التنقل السريع