الفخ الصامت
الفخ الصامت
كنت مركبة كاميرات مراقبة مخفية في بيت ستي الله يرحمها اللي في البلد. ولما قعدت أراجع التسجيلات في الآخر، شوفتها.. ببرود أعصاب يحسدها عليه إبليس، وهي بتدلق كلور في مخزن الغلال بتاع ستي، وبعدها بتمد ايدها وتسرق علبة المجوهرات وتخبيها في الجاكت بتاعها كأنها بتعمل كدة من يوم ما إتولدت.
ما واجهتهاش.. ولا نطقت بحرف.. نصبت لها فخ صامت، وسلمت المحضر والسي دي للشرطة زي ما هو، وقعدت استنيت. الساعة 8 الصبح تاني يوم، تليفون جوزي رن.. والصوت اللي كان على الناحية تانية..
سمعت صوتها قبل ما أشوفها.
يا حبيبتي ما تقلقيش، هي مش هتاخد بالها لو كام بيضة نقصوا، دي مشغولة أوي وهي بتمثل دور الست هانم صاحبة الأملاك في المكان ده صوتها كان بيتسحب من شباك المطبخ الموارب زي الدخان، بيلف حوالين براد الشاي اللي في إيدي، وبين الدولاب الخشب القديم، وستاير الشاش اللي لسه ريحتها فانيلية من اللي كانت ستي الله يرحمها بتحطها في الهدوم. في الأول قولت يمكن متهيألي، عقلي رفض يصدق إنها تقصد المكان ده.. بيت ستي.. الأرض اللي عاشت فيها تلات أجيال من ستات عيلتي.
بعدين ضحكت.
ضحكة رنانة، متكلفة، وعينيها كانت ميتة ما بتضحكش
وقالت العشة دي.. وكنت حاسة ب بوزها وهو بيتلوي وهي بتنطق الكلمة.. أنسب مكان الواحد يرمي فيه الزبالة بتاعته.
سكتت شوية، وكملت بصوت واطي كأنها بتقول
سر خطير وشكلها مصدقة نفسها أوي، ومفتكرة إن المكان له قيمة.
إتسمرت مكاني.. إيد ماسكة كوباية الشاي
الدافية، وإيد تانية عند سكرية البورسلين. قلبي ما وقعش بس، ده حسيت ب فراغ في صدري كأن الروح طلعت منه.
زبالة !!! ..
ما كانش المفروض أتفاجئ. حماتي طول عمرها لسانها بينقط سم، بس عندها قدرة غريبة إنها تغلف القسوة دي بريحة البرفان الغالي وعقد اللولي اللي في رقبتها. بس إنها تقول كدة هنا؟ في البيت ده؟ وعلى الأرض دي؟ ده كان كأنها بتدوس ب جزمتها على قبر ستي.
ما اتزحزحتش من مكاني.. ولا جريت على الشباك.. فضلت واقفة في مطبخ ستي وبسمع.
بصراحة يا فوزية، ما يصحش تقولي كدة، ده كان صوت أختها.. جاي بعيد ومكتوم عشان كانت فاتحة ال سبيكر. طبعاً، حماتي عفاف تعشق المنظرة والجمهور.
ردت عفاف يا اختي سيبك، ده إنتي لو شوفتي المنظر.. فراخ، ودهان مقشر، وبرطمانات مش عارفة فيها إيه مرصوصة في الخزين، كأنها بتحاول تعمل فيها ست بيت ريفية أصلية. حاجة تشفق والله. لو ابني حازم عنده دم، كان باع الخرابة دي من أول يوم الست الكركوبة دي ماتت فيه.
الكوباية اتهزت في إيدي.. ضغطت عليها بكل قوتي الكركوبة دي كانت ستي.
كان اسمها ست أبوها.
هي اللي علمتني أعجن العيش، وأقلم شجر الورد، وأعرف من أول نقرة إن الفرخة خلاص هتبيض. هي اللي كانت بتحط إيدها الساقعة على قورتي لما أسخن، وتخبي لي بسكويت النشادر في جيبها لما أمي تزعق
لي. هي اللي سابت لي البيت ده، كأنها قامت من قبرها مخصوص عشان تحط المفتاح في إيدي.
المكان ده غالي.. غالي لدرجة إن صدري بيضيق من كتر الحب أول ما بخطي عتبته
وحماتي
كانت واقفة في الممر اللي بره وبتقول عليه مقلب زبالة !!!
سمعت صوت كعب جزمتها على الطوب، وحفحة الجاكت بتاعها. قالت بتناكة على العموم أنا بعمل فيهم ثواب.. بأكل الفراخ وأبص بصه على المكان. المفروض تشكرني بدل ما هي عايشة في وهم إنها صاحبة طين وأطيان.
ما كنتش عارفة إني كاتمة نفسي لحد ما حسيت بنار في صدري. طلعت النفس براحة، وجسمي كله بيترعش. فكرت للحظة أفتح الباب وأطردها شر طردة وأقولها ما تعتبيش البيت ده تاني.
بس ما عملتش كدة.
حطيت الكوباية بالراحة على الرخامة، وسيطرت على أعصابي، وكملت سمع.. اسمي اتذكر كام مرة، واسم حازم جوزي اتذكر كتير. كانت بتتكلم عني كأني فترة مؤقتة في حياة ابنها، حاجة كدة حازم هينساها بمجرد ما هي تشاور له بس.
لما صوتها بعد، وعرفت من صوت كعبها إنها راحت ناحية العشة، سندت إيدي على التربيزة وغمضت عيني.
اسمي ليلى.
متجوزة حازم من أربع سنين. وقت كفاية يخليني أفهم إن رضا الهانم عفاف ده عملة نادرة، بتوزعها بمزاجها وبتسحبها وقت ما تحب عشان تكسرك. وقت كفاية يخليني أعرف إني عمري ما كنت من المحظوظين برضاها.
في فرحنا همست في ودني حاولي تشغلي باله يا حبيبتي.. الرجالة بتمل بسرعة.
ضحكتها في الصور طالعة دافية،تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بس لو دققت في الصور، هتشوف صوابعها وهي مغروزة في كتفي بغل.
هي من نوع الستات اللي تحضنك بإيد، وبالإيد التانية تنفض غبار وهمي من على كتفك عشان تطلع فيكي عيب. تقولك شكلك زي القمر، وتكمل في نفس النفس بس الفستان
جريء شوية على واحدة في حجمك.
لما ورثت بيت ستي أو الكوخ زي ما هي بتسميه ابتسمت بصفار وقالت يالا، أهو على الأقل تلاقي حتة تروحيها لما تحبي تشمي هوا. طبعاً حازم مش هيستحمل يقعد هناك كتير.. الرجالة بيحبوا العز والرفاهية.
ساعات بسأل نفسي، هي كانت هتعمل إيه لو عرفت إن حازم بينام هنا بنوم عميق ما عرفش يذوقه في أي حتة تانية؟ وإنه في أول ليلة بعد جنازة ستي همس لي دلوقتي بس عرفت إنتي بتعشقي المكان ده ليه.
بس حازم دايمًا بيشوف الوش الحلو في الناس.. وخصوصاً أمه.
هو اللي اقترح إنها تروح تقضي يومين هناك لوحدها، بعد ما جار لنا اشتكى إن فيه حركة غريبة حوالين البيت. إحنا بنعيش في القاهرة طول الأسبوع وبنيجي هنا في الإجازات، بس الفراخ والزرع محتاجين مراعاة كل يوم.
قال لي هكلم ماما تروح.. هي بتحب تحس إن ليها لازمة. وهيفرحها أوي إنك وثقتي فيها في بيت جدتك.
قالها وهو كأنه طفل بيحاول يصالح أبويه المتخانقين.
ترددت، وبعدين وافقت يومين بس يا حازم.
جزء مني صدق إنها ممكن تكون بداية صلح. يمكن لما تقعد هنا تشوف اللي أنا شايفاه. يمكن تمشي تحت شجر المشمش وتحس بروحانية المكان، وتفتح المخزن وتشوف الخير اللي فيه بدل
ما تشوفه كركبة.
ما ركبتش الكاميرات عشانها مش بشكل مباشر يعني.
بس بعد كلام الجار، قلبي قبضني. ما حبيتش فكرة إن حد غريب يدخل البيت وإحنا مش فيه، وذكريات ستي لسه مالية كل ركن. عشان كدة، في نفس الأسبوع، جيت أنا وحازم وركبنا كاميرا صغيرة في ركن الصالة، وواحدة تانية عند الباب
الوراني اللي قصاد المخزن.
قال لي وهو واقف على السلم يمكن مفيش حاجة.. شوية عيال بيتحرشوا بالبيت أو قطط. بس كدة عشان قلبك يطمن، تمام؟
وفعلاً، قلبي اطمن.
لحد ما جه صباح يوم الاتنين.. اليوم اللي كان المفروض الهانم ترجع فيه شقتها في المهندسين. فتحت الموبايل وكأني بفتح باب جهنم. التسجيل كان واضح لدرجة إن ريحة الغل كانت طالعة من الشاشة.
شوفتها وهي بتفتح صندوق مجوهرات ستي اللي كان مخفي ورا برطمانات السمنة وبتبص للفصوص الألماظ القديمة بعينين جعانة. شوفتها وهي بتدلق مية نار مخففة على شجر الورد اللي ستي كانت بتسقيه بدموعها، وبتقول لنفسها عشان تموت ريحة الفلاحين دي من هنا خالص.
في اللحظة دي، مابكيتش. البرود اللي شوفته منها اتنقل لي.
الساعة 8 الصبح، حازم كان نايم جنبي، وتليفونه رن. كان الصول إبراهيم من نقطة الشرطة اللي في البلد.
حازم رد وهو لسه بنومُه أيوة يا صول.. فيه حاجة؟ أيوة والدتي إيه؟! اتقبض عليها؟ بتهمة إيه؟
حازم قام اتنفض من السرير، ووشه بقى أصفر زي الكركم. بص لي وهو مش فاهم حاجة ليلى.. بيقولوا قبضوا على أمي وهي طالعة من البيت.. ومعاها حاجات مش ملكها، وبلاغ بتخريب متعمد!
قمت ببرود، لبست روبي، وقولتله وهو عيني في عينه
والله يا حازم، الكاميرات مابتكذبش. والصول معاه الفيديو لايف وهي بتعبي دهب ستي
في شنطتها، وهي بتبوظ الزرع اللي مالهوش ذنب.
حازم صرخ إنتي اللي مبالغة؟ دي أمي يا ليلى!
رديت عليه وصوتي طالع من حتة بعيدة أوي
دي اللي قالت على بيت ستي مقلب
زبالة.. واللي قالت على ستي كركوبة.. واللي جاية تسرقني في عزي وتخرب أرضي. الأم اللي تسرق وتخرب مابتستناش حد يحميها يا حازم. انزل النقطة، هتلاقيها هناك.. بس المرة دي الجمهور اللي كانت بتعشقه، هيكون عساكر ومحاضر.
خرجت وسيبته واقع في نص الأوضة مش عارف يصدق ولا يكدب، دخلت المطبخ، وعملت كوباية شاي بالنعناع، وفتحت الشباك. حسيت ريحة اللافندر بتاع ستي رجعت تملا المكان تاني، وكأن روحها بتطبطب على كتفي وبتقولي عاش يا بنت قلبي.. الأرض مابتخونش اللي بيصونها.
دخلت نقطة الشرطة وأنا ماشية بخطوات واثقة، كعب جزمتي بيخبط في الأرض الرخام كأنه دقات ساعة الحساب. حازم كان واقف بره وشه في الأرض، مش قادر يبص لي ولا قادر يدافع عن أمه اللي متلبسة صوت وصورة.
أول ما دخلت المكتب، شوفتها.. الهانم عفاف.
كانت قاعدة على كنبة خشب متهالكة، عقد اللولي لسه في رقبتها بس مطفي، والروج الأحمر اللي كانت بتسم ببه ب قرف كان ممسوح وسايح على جناب بوقها من العياط والتوتر. أول ما شافتني، قامت وقفت ونفضت جاكتها ب كبرياء زائف وصوتت
أهي.. أهي الحرباية وصلت! قولي لهم يا ليلى إن الحاجة دي بتاعتي.. قولي لهم إنك إنتي اللي اديتيني علبة الدهب دي هدية!
الظابط بص لي بهدوء يا مدام ليلى، الست دي بتقول إن الدهب ده ملكها، وإني إنتي اللي طلبتي منها ترش المواد دي في المخزن عشان الحشرات..
ده حقيقي؟
سحبت كرسي وقعدت قصادها بالظبط، حطيت رجل على رجل، وبصيت في عينيها اللي كانت بتبرق بالغل والخوف. طلعت الموبايل
بتاعي، وفتحت الفيديو اللي هي فيه بتقول لو حازم عنده دم كان باع الخرابة دي.
قولت للظابط بصوت هادي ومسموع
يا فندم، الست دي كانت ضيفة في بيتي، والضيف بيتحط فوق الراس.. طالما هو إنسان. بس اللي يمد إيده على ورث ميت، ويخرب زرع وشجر عمره سنين، يبقى مش ضيف.. يبقى حرامي ومخرب.
عفاف صرخت أنا حرامية يا جربعة؟ أنا يا بت بتوع الفطير والمشلتت؟
رديت عليها بابتسامة باردة
الجربعة هي إنك تسرقي دهب فلاحين عشان تداري بيه فقرك الأخلاقي يا طنط. والبيت اللي سميتيه مقلب زبالة هو اللي كشفك على حقيقتك. الكاميرات سجلت كل حاجة.. من أول ما فتحتي الدرج بالمفك، لحد ما كنتي بتدلقي السم في الأرض.
قربت منها وهمست بحيث هي بس اللي تسمع
الدهب هيرجع مكانه في المخزن، وإنتي مكانك هنا.. وسط الجمهور اللي كنتي بتدوري عليه. حازم عرف كل حاجة، وشاف فيديو الكركوبة.. تفتكري لسه فاضل لك عنده رصيد؟
وشها بقى لونه أزرق، ووقعت على الكنبة وهي بتنهج. بصيت للظابط وقولتله
أنا متمسكة بالبلاغ يا فندم. القانون ياخد مجراه.. عشان ستي ترتاح في تربتها، وعشان الخلايا النايمة اللي زيها يعرفوا إن بيوتنا ليها أسياد يحموها.
خرجت من المكتب، لقيت حازم واقف ورا الباب. بص لي بكسرة وقال خلاص كدة يا ليلى؟تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
طبطبت على كتفه ببرود وقولتله
البيت نضف يا حازم.. والزبالة اللي كانت فيه، اترمت في المكان الصح.
حازم جري ورا ليلى لحد باب العربية،
مسك إيدها وهو صوته مخنوق
ليلى.. دي أمي! مهما عملت، هتفضلي حابسة أمي؟ الناس هتقول علينا
إيه؟ والفضايح اللي هتحصل في العيلة؟
ليلى وقفت وبصت له نظرة خلت جسمه يقشعر، نظرة فيها قوة ستي ست أبوها وهي واقفة في غيطها
الناس يا حازم؟ إنت خايف من كلام الناس ومش خايف من اللي عملته فيا وفي ذكرى ستي؟ أمك ما فكرتش في الناس وهي بتمد إيدها على دهب مش بتاعها.. ما فكرتش في الناس وهي بتموت شجر عمره أربعين سنة عشان بس تكسر قلبي.
حازم نزل راسه في الأرض أنا عارف إنها غلطت.. بس دي ست كببرة، السجن هيموتها.
ليلى فتحت باب العربية وقعدت، وقبل ما تقفل الباب قالت له بكلمات زي الرصاص
السجن مش هيموتها يا حازم.. اللي هيموتها هو إنها عرفت إن ليلى الفلاحة طلعت أذكى منها، وإن العشة اللي كانت بتتريق عليها طلعت هي المصيدة اللي كشفت وسخها. أنا مش هتنازل.. ده حق ستي، وحق البيت. لو عايز تروح لها، الباب مفتوح.. ولو عايز ترجع البيت اللي بجد، يبقى تنسى إن ليك أم خاينة للأمانة.
طلعت ليلى بالعربية وسابت حازم في نص الطريق، بين نار أمه ونار مراته اللي اكتشف إنها مابتتكسرش.
رجعت ليلى البيت في البلد.. دخلت المطبخ، وبصت على علبة المجوهرات اللي الظابط رجعها لها حرز مؤقت لحد ما القضية تخلص. فتحتها وبصت لخاتم ستي الألماظ القديم.. لبسته في إيدها، وحست بدفا غريب بيسري في جسمها.
طلعت الجنينة، ووقفت قدام شجر المشمش اللي عفاف حاولت تموته.. سقت الأرض مية صافية، ومسحت على الجذع المبلول وهي بتقول
معلش يا غاليين.. شوية عفارة ودخلت البيت وكنسناها. بكرة الزهر يطلع
تاني، والريحة الحلوة هتملا المكان.. والبيت ده هيفضل طاهر زي
ما ستي سابته.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق