زوجت أعمى
قلم امانى سيد
جوزونى راجل أعمى وقالولى انتى وحشه وده أعمى مش هيشوفك أصلا وهتعيشى سعيده معاه
رضيت بنصيبى واتجوزته ووقفت جمبه
وشجعته عشان يعمل عمليه ويفتح مره تانيه
كان بيقولى انا بحبك ولو هعمل العملية هعملها بس عشان أشوفك
مرت الايام وعمل العملية ووقفت معاه كنت ممرضه وداده وخدامه وزوجه كنت بسهر على راحته واديله الأدوية فى معادها كنت اروح معاه عياده الدكتور وانتظر بالساعات على مايجيى الدور
وفعلاً جوزى عمل العمليه ونجحت
وبعد فتره شال الشاش وفتح وشافنى
لحظة الصمت اللي كانت بيننا بعد ما شال الشاش كانت أصعب من كل سنين التعب.. كنت واقفة قدامه ونبضات قلبي مسموعة في الهدوء اللي حلّ فجأة.كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد كنت مستنية كلمة، نظرة انبهار، أو حتى حض,,ن يطمن قلبي اللي كان خايف من اللحظة دي طول العمر.
بص لي بتركيز، عينيه اللي كانت مطفية سنين، بدأت تتحرك وتتأمل ملامحي حتة حتة. كنت شايفة فيهم لمعة غريبة، بس مكنتش اللمعة اللي حلمت بيها. مكنتش نظرة حب، كانت نظرة “تقييم”، كأنه بيراجع كلام أهله عني في سره.
سكت شوية، وبعدين ضحك ضحكة باهتة مفيهاش أي روح، وقال بصوت واطي هز كياني:
“هما كان عندهم حق.. بس ليه مقالوش إن الحقيقة أصعب؟”
الكلمة نزلت عليا زي المطر التلج. الدموع اتحجرت في عيني وأنا شايفة الراجل اللي سهرت عليه الليالي بيتحول لواحد تاني خالص. في يوم وليلة، الممرضة والزوجة والسند بقوا مجرد “ذكرى” لمرحلة عجز كان عايز ينسى كل تفاصيلها، وأنا كنت أول تفصيلة لازم تترمي ورا ضهره.
بدأ يتعامل معايا ببرود، نظراته بقت تتهرب مني، وبدل ما كانت إيده بتدور على إيدي عشان يتسند عليا، بقى يزق إيدي لو حاولت أقرب منه، وكأني بقيت “عاهة” في حياته الجديدة اللي بقى شايف فيها كل حاجة.. إلا قلبي.
بعد كام يوم من البرود ده، لقيته فجأة بيقولي: “قومي البسي، هنروح نزور أهلك”. قلبي دق.. افتكرت إنه هيدخلهم في الموضوع عشان يصلح ما بيننا، أو يمكن ندم على اللي قاله. لبست أحسن حاجة عندي، وخرجنا. طول الطريق مكنش بيبص لي، ولا حتى كلمة واحدة اتقالت.
وصلنا بيت أهلي، واستقبلونا بالترحاب والزغاريط، فرحانين إنه فتح وبقى بيشوف. قعدنا، وأبويا بدأ يسأله عن صحته، وفجأة، لقيت نبرة صوته اتغيرت تماماً.
بص لأبويا وقال ببرود يجمّد الدم: “أنا جيت النهاردة عشان أشكركم.. وعشان أرجع لكم الأمانة دي”. شاور عليا بإيده وهو بيبص لي باحتقار، وكمل: “أنا كنت أعمى، بس ربنا نصرني وشافني.. ودلوقتي أنا بقيت شايف، وشايف كويس أوي”.
أمي شهقت وقالت: “في إيه يا ابني؟ حصل إيه؟”.
رد عليها وهو بيضحك ضحكة صفرا: “حصل إيه؟ حصل إني شفت اللي مكنتش بشوفه.. شفت اللي كنتوا مخبينه ورا الستارة. مكنتوش بتقولوا إنها وحشة وبس، لا دي “مسخ” يا حاج.. دي واحدة لا وش ولا قفا، ولا ملامح ولا طول ولا عرض. أنا لو كنت أعرف إن دي خلقتها، مكنتش رخصت نفسي واتجوزتها أبداً”.
الدنيا دارت بيا، وسمعت أبويا بيزعق فيه ويقوله: “الزم حدودك يا جدع إنت! دي بنتنا اللي وقفت جنبك لما كنت عاجز”.
بس هو متهزش، وقام وقف وقال بصوت عالي سمّعه كل اللي في البيت: “وقفت جنبي عشان كانت عارفة إن دي فرصتها الوحيدة تتجوز، إنها تلاقي راجل يسترها وما يشوفش قبحها. كانت بتخدم عشان خايفة لا أفتح وأمشي.. وفعلاً، أنا فتحت، وعيني بقت حرة، ومستحيل أعيش يوم واحد تاني مع “العاهة” دي”.
البيت كله بقى عبارة عن صوت سكات قاتل بعد ما مشي. الكلم,,ات اللي قالها فضلت متعلقة في الجو، زي الدخان الخانق. أنا فضلت واقفة في مكاني، مسمرة، مش قادرة أتحرك ولا حتى أعيط. حاسة إن جبل هَد فوق نفوخي.
بصيت لأبويا، لقيته موطي راسه في الأرض، ووشه جايب ألوان، مش قادر يبص لي. أمي كانت قاعدة على الكنبة، حاطة إيدها على بوقها وبتبكي بصهقة مكتومة، بس عيونها كانت بتقول كلام كتير أوي.. كلام مكنتش عايزة أسمعه.
فجأة، أمي قامت ووقفت قدامي، وبدأت تصرخ بصوت عالي: “عاجبك كده؟ عاجبك الفضيحة اللي عملتيها لنا؟ مش قولنا لك اقعدي وخدميه وارضي بنصيبك؟ ليه خليتيه يعمل العملية؟ ليه؟ عشان يشوفك ويمشي؟ أهو شافك وطلقك، ورمى عليكي يمين الطلاق في وسط بيتنا!”.
أبويا حاول يهديها: “خلاص يا ولية، اللي حصل حصل، مش وقته الكلام ده”.
بس هي مكنتش قادرة تسكت، كملت وهي بتشاور عليا بص,,ابعها: “الناس هتقول إيه دلوقتي؟ بنتنا اتطلقت بعد كام يوم من جوازها عشان جوزها شافها ولقاها وحشة؟ دي فضيحة ما بعدها فضيحة! إنتي ضيعتي نفسك وضيعتينا معاكي”.
كلام أمي كان أشد قسوة من كلام جوزي. مكنتش متخيلة إن أهلي، اللي المفروض يكونوا سندي، هيلوموني على حاجة ماليش ذنب فيها. حاسة إني وحيدة في الدنيا دي، ماليش حد، لا جوز ولا أخدت شطنتي وخرجت من البيت، مش عارفة رايحة فين، بس عارفة إني مش قادرة أقعد في البيت ده ولا دقيقة تانية. كنت محتاجة أبعد عن الكل، عن نظراتهم، عن كلامهم، عن كل حاجة بتفكرني باللي حصل.
قفلت الباب ورايا، وصوته وهو بيترزع كان كأنه بيعلن نهاية فصل أسود في حياتي، وبداية مجهول أنا مرعوبة منه. نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع، رجليا كانت بتخبط في بعضها، وحاسة إن الهوا تقيل مش قادرة أتنفسه. كل خطوة كانت بتفكرني بكلام أمي: “فضحتِينا.. ضيعتِينا”.
خرجت الشارع. الدنيا كانت ليل، والجو برد بس أنا مكنتش حاسة بيه، الن,,ار اللي في قلبي كانت كفيلة تح,,رق بلد. الشوارع كانت فاضية، مفيش غير صوت جزمَتي وهي بتخبط على الرصيف، وصوت شهقاتي المكتومة اللي مكنتش قادرة أسيطر عليها.
بصيت لشنطتي الهدوم الصغيرة اللي في إيدي.. دي كل ثروتي من جوازة دمرتني. لفيت وشي وبصيت لبيت أهلي للمرة الأخيرة. البيت اللي كبرت فيه، واللي كان المفروض يحميني، هو هو البيت اللي طردني بنظرات اللوم والقسوة. حسيت بوجع في قلبي ميتوصفش، وجع الخذلان من أقرب الناس.
مشيت ومش عارفة رايحة فين. مكنش قدامي غير بيت واحدة صاحبتي، “منى”، الوحيدة اللي كانت عارفة حكايتي من الأول وكانت ديماً بتشجعني أصبر. وقفت تاكسي وركبت وأنا ميتة من الخوف.. الخوف من بكرة، والخوف من كلام الناس، والخوف من إني أكون فعلاً “وحشة” زي ما قالوا، وإن ماليش مكان في الدنيا دي غير في الضلمة.
وصلت لبيت “منى”، وقفت قدام الباب وأنا بترعش، مش عارفة هقولها إيه ولا هبدأ منين. خبطت خبطات ضعيفة، وكأني مكسوفة حتى من خبطة إيدي. فتحت لي وهي لسه بالبيجامة، وأول ما شافت منظري والشنطة في إيدي، وشها اتقلب وشدتني لجوه بسرعة.
“في إيه يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟ وشك ماله؟ والشنطة دي بتعمل إيه هنا؟”
مقدرتش أنطق، ارتميت في حض,,نها وانفجرت في العياط. عياط كان مكتوم جوه ص,,دري من ساعة ما شال الشاش. حكيت لها كل حاجة.. حكيت لها عن نظرة “التقييم” اللي في عينيه، عن كلامه السم في بيت أهلي، وعن أمي اللي شافتني “فضيحة” بدل ما تشوفني “بنتها المكسورة”.
منى فضلت تسمعني وهي بتجز على سنانها من الغيظ، وقالت لي بحدة: “وحشة؟ هو اللي عينه كانت عمية، ودلوقتي قلبه هو اللي عمي! إنتي ست الستات يا شيرين، والوسخ ده ميسواش ضفرك.. والزمن دوار يا صاحبتي، والعملية اللي عملها بفلوسك وتعبك وسهرك، بكرة يندم عليها دم بدل الدموع”.
مسحت دموعي بإيدي اللي بتترعش وقلت لها بصوت مخنوق: “أنا مش هقدر أرجع البيت ده تاني يا منى.. مش هقدر أبص في وش أمي وهي شايفة إني عالة وفضيحة، ولا هقدر أستنى لما أسمع خبر جوازه من واحدة ‘حلوة’ زي ما هو عايز”.
منى مسكت إيدي وقالت لي بقوة: “ومين قال إنك هترجعي؟ إنتي هتقعدي هنا، وهتتغيري.. مش عشان حد، عشان نفسك. إنتي ممرضة شاطرة وليكي اسمك، وبكرة الدنيا تضحك لك وهو اللي يجي يزحف تحت رجليكي عشان تسامحيه”.
في الليلة دي، وأنا نايمة على كنبة في صالة منى، غمضت عيني وقررت إن “شيرين القديمة” م,,اتت مع رمية الشاش في الزبالة. وقررت إن بكرة لازم يكون بداية لقصة تانية خالص، قصة مفيهاش ضعف ولا كسر.. قصة فيها “رد اعتبار”.
مرت الأيام والشهور، وشيرين اللي كانت بتعيش في الضلمة عشان خايفة من نظرة الناس، قررت تطلع للنور بس بشروطها هي. بمساعدة منى، قدرت ترجع لشغلها في التمريض، بس المرة دي كانت ممرضة في عيادة تجميل كبيرة.. كانت بتشوف الستات وهما بيغيروا شكلهم، بس هي كانت مهتمة أكتر بترميم روحها من جوه.
في يوم، وأنا واقفة في العيادة براجع الكشوف,,ات، سمعت صوت عارفاه كويس.. صوت كان بيحسسني بالأمان زمان، ودلوقتي بيحسسني بالغثيان. رفعت عيني ببطء، ولقيته واقف قدامي، لابس أشيك لبس وعينه بتلف في المكان بزهو، وجنبه واحدة “ملكان” حرفياً، بس باين عليها التكبر.
ما عرفنيش في الأول.. يمكن عشان النضارة الطبية اللي كنت لابساها، أو يمكن عشان الثقة اللي بقيت بمشي بيها، أو يمكن ببساطة لأنه عمره ما “شافني” بقلبه.
دخل المكتب عشان يحجز لمراته الجديدة عملية تجميل، ووقفت أنا قدامه بكل ثبات: “أهلاً يا أستاذ.. تحب أحجز للمدام عند مين من الدكاترة؟”
بص لي باستغراب، عينيه بدأت تدقق في ملامحي، وفجأة شفت الصدمة وهي بتترسم على وشه.. اللون هرب من خده، ولسانه اتمسك. “شيرين؟” قالها وهو مش مصدق.
ابتسمت ببرود وقولت له: “أيوة، شيرين اللي كانت ‘وحشة’ لدرجة إنك طلقتها في بيت أهلها.. خير، المدام محتاجة تجميل في إيه؟ أصل عيادتنا هنا بتصلح القشرة اللي بره، بس للأسف معندناش دكاترة بيعالجوا عمى القلب والقذارة اللي جوه”.
مراته بصت له باستنكار: “مين دي يا حبيبي؟ وإيه الأسلوب ده؟”
هو مكنش قادر يرد، كان بيبص لي بذهول، وكأنه شايف “جوهرة” كانت في إيده ورماها في التراب، ودلوقتي هي اللي بتلمع وهو اللي مطفي.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أول ما عينه جت في عيني، شفت الرعب. الرعب مش بس الصدمة، لا، ده كان خايف “البرستيج” اللي راسمه قدام مراته الجديدة يتهد. وشه بقى أصفر زي الليمونة، وبدأ يفرك في إيده بتوتر وهو بيبص يمين وشمال كأنه بيدور على مخرج.
مراته بصت له باستغراب وقالت له: “مالك يا إيهاب؟ وقفت مكانك ليه؟ فين الممرضة اللي هتحجز لنا؟”
بص لي بنظرة كلها رجاء، كأنه بيقولي “ابوس إيدك متفضحنيش”، وقال بصوت مرعوش: “أيوة يا حبيبتي.. ثواني. يا آنسة، ممكن تشوفي لنا ميعاد مع الدكتور؟”
اتعاملت معاه ببرود تام، وكأنه زبون غريب تماماً: “تمام يا فندم، الاسم إيه؟”
قال بصوت واطي: “إيهاب..”
سجلت الاسم وبصيت في الكشف وقلت له: “الدكتور هيشوف المدام بعد نص ساعة، اتفضلوا في الاستراحة.”
طول النص ساعة كان قاعد على ن,,ار، مش عارف يودي عينه فين، وكل ما عينه تيجي في عيني يلف وشه بسرعة. خلصوا الكشف وخرجوا، وهو ماشي كان بيسحب مراته بسرعة عشان يهرب من المكان.
بعد ساعة، العيادة هديت والناس مشيت، وكنت بلم حاجتي عشان أمشي. فجأة لقيت باب العيادة بيتفتح، ودخل هو.. لوحده، ونهجه عالي كأنه كان بيجري.
وقف قدامي وهو بيلهث وقال: “شيرين! أنا مش مصدق إني لقيتك.. أنتي روحتي فين؟”
بصيت له بطرف عيني وكملت لم حاجتي: “وإنت يهمك في إيه روحت فين؟ مش أنا كنت ‘المسخ’ اللي رخصت نفسك بجوازك منها؟”
قرب مني ودموعه بدأت تلمع في عينيه (دموع تماسيح طبعاً): “والله العظيم كنت غبي.. كنت أعمى بجد المرة دي. شيرين، أنا قلبت عليكي الدنيا، روحت لأهلك وطردوني وقالوا لي منعرفش عنها حاجة ومنعرفش طريقها.. بقالي شهور بدور في كل مستشفى وكل عيادة، لحد ما الصدفة جابتني هنا.”
ضحكت بسخرية: “والصدفة دي برضه هي اللي جابتك تحجز لمراتك ‘الحلوة’ عملية تجميل؟”
نزل على ركبه قدامي وبدأ يترجاني: “دي كانت غلطة.. والله غلطة. أنا اكتشفت إني مكنتش شايف غير القشرة، لكن الحب والسند والروح كانت معاكي أنتي. شيرين، ارجعي لي.. أنا مستعد أطلقها دلوقتي حالا وأعملك كل اللي تتمنيه، بس سامحيني.”
بصيت له وهو واطى تحت رجلي، وافتكرت اللحظة اللي رماني فيها في بيت أهلي وكسر قلبي قدامهم..
بصيت له وهو مرمي تحت رجلي، المنظر اللي كنت بحلم بيه ليل نهار عشان أشفي غليلي، بس الغريبة إني محستش بالفرحة اللي كنت متخيلاها.. حسيت بشفقة وقرف. الراجل اللي كنت شيفاه جبل، بقى قدامي زي ورقة شجر دبلانة ومكسورة.
سحبت إيدي من بين إيديه ببرود وقلت له: “قوم يا إيهاب.. قوم عشان شكلك بقى وحش أوي، وأنا مابحبش أشوف المناظر الوحشة.”
قام وقف وهو بيمسح دموعه بكم قميصه، وصوته لسه بيرتعش: “يعني سامحتيني يا شيرين؟ قولي إنك لسه فاكرة العشرة، قولي إنك لسه بتحبيني زي ما كنتي بتسهري تداوي عيني.”
ضحكت ضحكة وجع، وقلت له: “كنت بداوي عينيك عشان كنت فاكرة إنك لما تشوف النور، هتشوفني أنا أول واحدة.. لكن إنت أول ما شفت، شفت ‘القشرة’ اللي بره وعميت عن اللي جوه. العشرة دي إنت اللي دبحتمها بسكي,,نة تلمة قدام أهلي، والحب.. الحب ده م,,ات وشبع م,,وت يوم ما قولت عليا ‘مسخ’.”
قرب مني خطوة وهو بيحاول يلمس كتفي: “والله كنت غبي، الشيطان غواني، والناس فضلت توش في ودني إنك وحشة لحد ما صدقتهم.. بس لما عيشت مع غيرك عرفت إن الجمال جمال الروح، عرفت إن مفيش حد شالني زيك.”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
في اللحظة دي، باب العيادة اتفتح فجأة ودخل “دكتور مراد” صاحب العيادة، استغرب المنظر وبص لإيهاب بشك وقال: “في حاجة يا آنسة شيرين؟ الأستاذ ده بيضايقك؟”
إيهاب ارتبك ورجع لورا خطوة، وأنا بصيت لدكتور مراد وابتسمت ثبات: “لا يا دكتور، ده زبون قديم كان بيستفسر عن عملية ‘ترميم’.. بس للاسف طلع حالته متأخرة ومفيش جراح في الدنيا يقدر يرجعه زي ما كان.”
بصيت لإيهاب للمرة الأخيرة وقلت له بكلم,,ات زي الرصاص: “امشي يا إيهاب.. وبدل ما تدور عليا، روح دور على كرامتك اللي ضيعتها تحت رجلي النهاردة. أنا شيرين اللي ممرضة ودادة وخدامة، بس دلوقتي أنا شيرين اللي مبيكسرهاش راجل، ولا بتهزها كلمة ‘وحشة’.. لأن عيني شافت الحقيقة، والحقيقة إنك إنت اللي وحش أوي من جوه.”
ساب المكان وخرج وهو حاني راسه، وطلعت أنا من العيادة، شامة هوا نضيف لأول مرة، وحاسة إني مش محتاجة أثبت لأي حد إني جميلة.. كفاية إني شفت نفسي حلوة في مراية كرامتي.
مرت الأيام والشهور، وكل يوم كان بيعدي كان بيبني في “شيرين” الجديدة حتة حتة. الشغل في العيادة مكنش مجرد لقمة عيش، كان المكان اللي استرديت فيه ثقتي في نفسي. بقيت ممرضة شاطرة جداً، والكل بيحلف بشطارتي وحسن تعاملي، والأهم من ده كله إني بدأت أشوف “جمالي” في عيون المرضى اللي كنت بخفف عنهم، وفي عيون “منى” اللي فضلت سندي، وحتى في مرايتي اللي بطلت أخاف منها.
في العيادة، كان فيه دكتور اسمه “حسام”، جراح تجميل بس من نوع خاص.. كان دايماً يقول إن أصعب عملية هي ترميم “الروح”. حسام كان بيراقبني من بعيد لبعيد، كان بيشوف صبري، وإخلاصي، وقوتي اللي بتداري وراها رقة مكسورة.
في يوم، بعد ما خلصنا يوم شغل طويل، لقيت حسام بيقرب مني وبيقولي بهدوء: “يا شيرين، أنا بقالي فترة عايز أكلمك في موضوع شخصي.. أنا معجب بيكي جداً، مش بس عشان شطارتك، لا.. عشان النور اللي طالع من عينيكي، النور اللي بيخلي أي حد يقرب منك يحس بالراحة.”
بصيت له بصدمة، وكلمة “وحشة” رنت في ودني زي الجرس، نزلت راسي وقلت له بصوت واطي: “بس يا دكتور.. أنا.. أنا مريت بتجربة صعبة، واتقال فيا كلام يهد أي ست.”
رفع راسي بصباعه وقال لي بثقة: “اللي قال عليكي كلمة وحشة كان أعمى بجد يا شيرين، حتى بعد ما فتح. الجمال اللي أنا شايفه فيكي ده، فيه ناس بتدفع ملايين عشان توصله بالشرط والمبضع وما بتعرفش.. تقبلي تبدأي معايا صفحة جديدة؟”
وافقت بقلب بيدق من الفرحة والخوف مع بعض. واتجوزنا.. وعملنا فرح بسيط بس كان فيه كل الحب اللي اتحرمت منه. يوم الفرح، كنت لابسة فستان أبيض، وكنت حاسة إني أميرة، مش عشان الفستان، لا، عشان شفت في عين حسام نظرة الانبهار اللي كنت مستنياها طول عمري.. نظرة بتقول “إنتي أجمل ست في عيني”.
وفي يوم، وأنا ماشية مع حسام في المول، لمحته.. “إيهاب”. كان واقف لوحده، لبسه مبهدل، وشكله كبر عشر سنين. أول ما شافني، وقف مكانه مذهول. بص لحسام وهو ماسك إيدي وبص لي، النظرة المرة دي كانت “حسرة” قاتلة.
حسام حس بتوتر إيدي، بص له وبعدين بص لي وسألني: “تعرفيه يا حبيبتي؟”
ابتسمت أجمل ابتسامة عندي، وبصيت لإيهاب بنظرة مفيهاش ذرة وجع، وقلت لحسام: “لا يا حبيبي.. ده كان حد ‘عابر’ في حياتي، زمان لما كنت لسه مش شايفة نفسي كويس.”
كملنا طريقنا وضحكتنا مالية المكان، وسبته ورايا واقف في مكانه، أعمى من تاني.. بس المرة دي أعمى بالندم على الكنز اللي رماه بإيده عشان يدور على سراب.
تمت

تعليقات
إرسال تعليق