رواية فى ظلال الوادى الفصل الحادى عشر 11 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية فى ظلال الوادى الفصل الحادى عشر 11 بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
الفصل الحادي عشر.
"بتشبه عليا مش فاكر عنيا...والشوق والغرام"
في إحدى المدن الفرنسية ذات الطابع الكلاسيكي، جلست چيني فوق أريكة عصرية، تضع قدمًا فوق الأخرى في غرور وثبات أثارا دهشة صفية، التي كانت تغلي قهرًا من أوامرها التي لا تنتهي، وعلى مقعد قريب جلست والدتها "لويز" منهمكة في طلاء أظافرها، بينما كانت صفية تجلس عند قدميها، تمسك بصينية معدنية صغيرة تضم عدة ألوان من طلاء الأظافر وبعض الأدوات الأخرى.
انتبهت صفية إلى زفرة حادة أطلقتها چيني وهي تلقي هاتفها جانبًا، ثم قالت بلهجتها الفرنسية المتذمرة:
-لا أعلم ما الذي أصاب عاصم، لماذا يرفض عودتي؟
رفعت لويز عينيها ببطءٍ شديد عن أظافرها، وقالت بلا اكتراث:
-ألم يُرسل لكِ المال بعد؟
هزت چيني رأسها بالإيجاب وقالت بغيظ واضح:
-بلى، ولكنه أرسل القليل، وكأنه يتعمد ذلك...أمي، أنا أريد العودة؛ هناك أستطيع أن أحصل منه على مبالغ عديدة دون أن يشعر، أما بهذه الطريقة فلن أستطيع العيش، المال الذي أرسله لا يكفي حتى لمشترياتي!
ثم التفتت نحو صفية بنظرة حاقدة، وتمتمت بصوت خافت وصل إلى والدتها:
-ولا أستطيع أن إسكات تلك الغبية الجالسة عند قدميك، ولا أقضي سهراتي كما أريد!
زمت لويز شفتيها مفكرةً، ثم قالت بحزم:
-إذًا، اتصلي بوالدك العزيز، فالأمر طاريء ويستدعي تدخله.
ابتسمت چيني بسخرية مريرة، وأسندت ظهرها إلى الأريكة قائلة:
-والدي؟ سيطلب مني الصمت والعيش كما يريد عاصم، حقًا لا أعرف لماذا وقف في صف ذلك المتجبر ولم يختر....
توقفت لحظة وخشيت أن تفهمها صفية، فتحولت إلى العربية بلكنة مكسرة:
-صفية حبيبتي، سيبي الحاجات دي، وادخلي نامي.
نظرت إليها صفية بنظرة غامضة متفحصة، أثارت في نفس چيني قلقًا خفيًا، لكنها سرعان ما أخفت مشاعرها واعتدلت في وقفتها قبل أن تسأل بجمود:
-هو عاصم باشا وافق نرجع ولا لا؟
حركت چيني رأسها نفيًا وقالت بابتسامة مقتضبة:
-لا، وادخلي ومتسألنيش تاني.
دخلت صفية على مضض، وأغلقت الباب خلفها بهدوء مثقل بالضيق، فانتظرت چيني لحظات حتى تأكدت من ابتعادها، ثم اقتربت من والدتها وهمست بحماس خافت:
-أبي يؤكد لي فشله في اختياراته كل مرة، وتحديدًا عندما اختار الوقوف في صف عاصم وترك موسى.
رفعت لويز عينيها إليها وحدقت بها لثوانٍ قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة ماكرة، ثم مالت نحوها قائلةً بنبرة مشوبة بالفضول:
-لا تقولي لي أنكِ رأيتِ موسى؟
تراجعت چيني قليلًا، وهزت رأسها نفيًا لكنها التزمت الصمت، فاشتد صوت والدتها قليلًا وقالت بحدة:
-چيني! هل رأيتِه؟ يبدو أنكِ فقدتي صوابك! أين؟ وكيف؟ ومتى؟
تنهدت چيني ببطء وكأنها تُسلم بسر ثقيل، ثم قالت بنبرة هادئة:
-نعم رأيته في العام الماضي، في أقصى الوادي، هناك سور عظيم يفصل بين الوادي وتلك البلدة التي يسكنها موسى، وبينما كنت اسير وحدي، لمحته يتجول في الجهة الأخرى ممتطيًا حصانه...
زفرت بقوة ورفعت يدها لتُعيد خصلات شعرها إلى الخلف، ثم تابعت بحماس امتزج بإعجاب واضح:
-آه يا أمي، كان وسيمًا جدًا، بصورة لا تصدق، وحصانه يشبهه في القوة والهيبة، كان يقوده كفارس حقيقي، لقد رأيته من بين الفواصل الحديدية، وقد خطف بصري حقًا، وندمت حينها على اختياري لعاصم.
ابتسمت والدتها بتهكم واضح، وهي تضع زجاجة طلاء الأظافر جانبًا، ثم قالت بهدوء ثابت:
-چيني يا حبيبتي، لقد قلتِ الكلام ذاته من قبل عن عاصم، ووصفتيه حينها كأنه نجم سينمائي أو انتظري ماذا قلتِ
تحديدًا؟ دعيني اتذكر جيدًا.
توقفت لحظة ثم بدأت تحرك يدها مقلدة ابنتها بسخرية:
-آه يا أمي! يشبه رئيس مافيا، يمتلك قوة وملامح عربية حادة خطيرة ووسامة شديدة الجاذبية، ثم ماذا يا چيني؟ كيف انطفأ ذلك الانبهار فجأة؟
زفرت چيني بضيق وعقدت حاجبيها قائلة بصوت خافت غلب عليه الحزن:
-كنت أظن أنه سيحبني...سيبادلني مشاعري، ولكنه كجبل جليدي لا يتحرك ولا يشعر بشيء، حين ينظر إليّ أشعر بفراغ هائل، وحتى نبرة صوته معي لا تختلف عن حديثه مع خدمه، جفاؤه قتل حبي نحوه.
قاطعتها لويز بهدوء بارد، زاد من استفزازها:
-تقصدين إعجابك لا حبك، على أي حال نمط حياتك يختلف عنه تمامًا، كما يختلف عن ذلك الآخر...ما اسمه؟ لا يهم حقًا، ولكني اذكر جيدًا أن والدك حذرك من الاقتراب منه، ووصفه بأنه عدو خطير وشرس، ووالدك لا يطقيه أبدًا، ونصيحتي لكِ لا تخلقي عداوة مع زوجك أبدًا وخاصةً في هذا الوقت.
أنهت والدتها حديثها ونهضت متجهة إلى غرفتها، تاركة چيني وحدها تغرق في دوامة أفكارها، فكان داخلها صراع مرير؛ خوف مبهم من عاصم، وانجذاب غريب نحو موسى، فما زالت كلماته تتردد في عقلها بوضوح وكأنه لقائه بها حدث بالأمس.
**
سارت چيني متعمدة الابتعاد عن الخدم والحراس، وخاصة صفية التي فرضها عاصم عليها فرضًا، ورغم أن صفية تدين لها بالولاء، وتملك چيني القدرة على إسكاتها متى شاءت، فإنها لم تكن تطيقها، بل في الحقيقة لم تكن تطيق أحدًا في الوادي بأسره، ولولا ضغط والدها وإفلاسهما هي ووالدتها، لِمَ قبلت بهذه الحياة الهادئة الخالية من الصخب، البعيدة كل البعد عما اعتادت عليه.
لم تنتبه كم سارت ولا متى مر الوقت، لكن الهواء العليل وعبق الورود من حولها بثا في نفسها شعورًا غريبًا بالراحة، ورغم إدراكها أنها ابتعدت عن القصر، ووصلت إلى أقصى أطراف الوادي، فإن فضولها دفعها للاستمرار في الاستكشاف.
كانت تسير بمحاذاة السور العظيم تتخلله فواصل حديدية متباعدة، تُلقي من خلالها نظرات خاطفة إلى الجهة الأخرى، تلك الأرض المحرم عليها الاقتراب منها.
وفجأة لمحته، شاب قوي البنية، يتطاير شعره بعنف مع الريح، يمتطي فرسًا مهيبًا يركض به بخفة وثقة، توقفت مكانها تحدق به بإعجاب صريح، حتى لاحظ اقترابه منها، ترجل عن فرسه وسار به نحو السور، ثم ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال بلطف:
-ازيك؟
ارتبكت وابتلعت ريقها، وألقت نظرة سريعة حولها لتتأكد من خلو المكان، لكنه سبقها قائلًا:
-متخافيش مفيش حد، لو جه حد، أكيد هقولك، ما أنا مرضاش بنت عمي تتأذي.
ثم مد يده من بين الفواصل الحديدية، وقال بابتسامة جذبت انتباهها:
-أنا موسى عزام، ابن عمك.
تأملت يده لثوانٍ قبل أن تمد يدها وتصافحه، وقالت برقة ولهجة عربية متكسرة:
-اسمي چيني.
رفع حاجبيه ساخرًا من براءتها، وضغط على كفها قليلًا وهو يقول:
-ما أنا أكيد عارفك، عمال أقولك بنت عمي ومرضاش تتأذي، أكيد عارفك يا چيني.
هزت كتفيها بلا مبالاة متعمدة، وسحبت يدها قائلة:
-بس أنا مكنتش أعرفك، ولا عمري شوفتك قبل كدم.
استند إلى السور وقال بنبرة ساخرة لم تفهمها تمامًا:
-ده عشان عمي ربنا يسامحه قاطع صلة رحمه، بس أنا مسامحه ومش زعلان، معقول زعلان منه وهو حسن انتاج العيلة وجبلنا بنات قمر كده.
اقتربت من السور أكثر وقالت بجرأة وابتسامة مشاكسة:
-ومش خايف موسى أقول لعاصم عليك وإنك بتـ.....
تعثرت في إيجاد الكلمة المناسبة، فضحك بصوتٍ عالٍ، زاد من إعجابها به وقال:
-بعاكسك؟ ويزعل عليه؟ في حد يبقى قدامه حد بالجمال ده ويكتم إعجابه بيه، ده حتى يبقى حرام، وبعدين أنا بود صلة رحمي وبجبر بخاطرك عشان شكل خاطرك مكسور أوي.
عقدت حاجبيها بعدم فهم وسألته:
-يعني إيه خاطري مكسور؟
ابتسم قليلًا وقال بنبرةٍ خبيثة:
-يعني مفيش حد قالك كلمة حلوة بقالك فترة، فبقيتي عمالة زي الوردة الدبلانة وانتي متستحقيش تكوني كده، انتي جميلة...جميلة اوي على إنك تنطفي بالسرعة دي.
ثم تنهد وقال متعمدًا الاستياء:
-بس أقول إيه الله يسامحه عمي، اختارلك غلط مع أنه كان يقدر يحطك في المكان الصح وسط ناس بيفهموا ويقدروا الجمال ده كله.
ابتعد قليلًا عن السور.وامتطى فرسه بمهارة، ثم نظر إليها بعين لامعة وقال بثقة:
-بس أنا دايمًا بقول مفيش جمال يتجمع في واحدة إلا لما تكون ذكية وعارفة قيمة نفسها كويس، وهيجي الوقت اللي تختاري لنفسك المكان الصح ووقتها رشيد هتفتحلك أبوابها ويعاملوكي زي الملكة بالظبط.
ثم ابتعد بفرسه قليلًا قبل أن يلوح بيده عاليًا، ويقول بحماس ونبرة مرحة:
-سلام، يا كوين چيني.
بقيت چيني واقفة في مكانها، كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة، لم تكن الكلمات وحدها ما أثر فيها بل الطريقة، والنظرة...والثقة التي تحدث بها، فشعرت بشيء يتحرك داخلها، شيء لم تشعر به من قبل.
*** *
عادت إلى واقعها فجأة، كأن أحدهم انتزعها من تلك الذكرى انتزاعًا، تنهدت بعمق وهي تتذكر لقبه لها، فاشتعل الغيظ داخلها وقالت بحنق واضح:
-أوووف، لماذ لم يختره أبي؟ أنا أريده حقًا، هو يمتلك الوسامة نفسها والقوة ذاتها والمال أيضًا، ولكنه أكثر شاعرية أكثر من ذلك الفظ المتبلد!
كانت كلماتها تخرج محملة برغبة لم تحاول حتى إنكارها، لم يكن الأمر مجرد مقارنة عابرة، بل ميل حقيقي بدأ يتشكل في داخلها، يضعها على حافة صراع خطير، فهي دون أن تدري، لم تعد تنظر إلى حياتها كما كانت، ولم يعد عاصم في نظرها سوى قيد ثقيل، بينما بدا موسى كاحتمال مفتوح… كنافذة تطل على حياة أخرى أكثر حيوية وإغراء.
لكن تلك الرغبة ورغم سحرها، كانت تحمل في طياتها خطرًا خفيًا؛ فبعض الطرق مهما بدت جميلة في بدايتها، قد تقود إلى نهايات لا تُحمد عقباها!!
***
اندفعت عائشة إلى الخلف اندفاعًا عنيفًا، حتى فقدت توازنها تمامًا، فسقطت فوق أريكة كبيرة كانت خلفها، وقد ارتج جسدها من شدة الضربة التي تلقتها توًا، فكانت الصفعة التي وجهها إليها عمها فهمي السوالمي قاسية بما يكفي لتترك أثرها ليس على وجنتها فحسب، بل في أعماق روحها المرتجفة، ارتفعت نبرته بغضب يتخللها غيظ دفين، وقد بدت ملامحه متجهمة قاسية، خلت من كل معاني الرحمة والرأفة، رغم حالتها البائسة التي كانت تثير الشفقة في أي قلبٍ سليم.
كانت عائشة ترتجف وقد تملكها خوف شديد منهم جميعًا، حين بدأت تدرك بوضوح مؤلم أن قدومها إليهم بملء إرادتها لم يكن إلا خطأً فادحًا ارتكبته بحق نفسها، خطأً لم تحسب عواقبه، وها هي الآن تدفع ثمنه كاملًا.
صاح فهمي بحدة وقد ازداد صوته خشونة:
-إيه القطة كلت لسانك يا فـ****، اتجوزتي في السر يا بت من غير علم أهلك.
رمشت عائشة بأهدابها المثقلة بالدموع، التي انهمرت بغزارة فوق خديها، حتى ابتل وجهها بالكامل، فهمست في بادئ الأمر، وقد بدت الصدمة جلية في صوتها:
-اتجوزت؟!
لكن سرعان ما بدأت تستوعب خطورة ما يُرمى إليها من اتهامات، فاستجمعت ما بقي لديها من تماسك، وقالت بسرعة نافية وكأنها تحاول النجاة من طوفان جارف:
-لا أنا متجوزتش...
لم يمهلها عمها فرصة لالتقاط أنفاسها إذ اندفع نحوها بعنف، وأمسك برأسها بقوة مؤلمة، وأجبرها على رفع وجهها نحوه، وهو يهتف بعصبية أفزعتها:
-امال إيه يا بت جبتيهم في الحرام؟!
وفي تلك اللحظة ارتفعت صرخة عمتها كوثر، وقد ضربت صدرها بيدها في حركة مبالغ فيها، ثم راحت تضرب وجهها مرارًا وسط ذهول عائشة، التي لم تستوعب ما يحدث حولها، حتى زادت دهشتها حين قالت كوثر بصوت مليء بالشماتة:
-يالهوي على خيبتك يا أخويا الله يرحمك خلفتك تعر، وعاملة فيها دكتورة ومحترمة وانتي دايرة على حل شعرك.
كان لكل كلمة وقع كالسياط على قلب عائشة، التي لم تعد قادرة على تحمل هذا السيل من الإهانات، فنهضت من مكانها رغم ارتجافها، وقالت بغضب مشوب بمرارة وكراهية واضحة، موجهة حديثها نحو عمتها التي طالما أذاقتها صنوف القسوة:
-لو سمحتي أنا مسمحلكيش، أنا محترمة غصب عن أي حد.
تقدم عمها الأصغر جمال بخطوات هادئة تختلف تمامًا عن عنف الآخرين، وقال بنبرة أقرب إلى التروي لكنها لم تخلُ من الاتهام:
-امال تفسري بإيه جوازك من عاصم عزام؟
اتسعت عيناها على نحو ملحوظ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة سرعان ما تلاشت، حين استكمل فهمي حديثه بنبرة أشد قسوة:
-ومخلفة منه عيلين ولد وبنت! ليكي عين يا بجحة تنكري أصلاً.
ساد الصمت للحظة وكأن الزمن توقف، بينما راحت عائشة تفكر بسرعة، تدرك أن كل كلمة ستنطق بها قد تقرر مصيرها، كان الموقف بالغ الخطورة؛ فإن أنكرت زواجها من عاصم، ربما اكتشفوا ما هو أخطر، وإن اعترفت بالحقيقة فقد تخسرهم إلى الأبد، وقفت حائرة تتنقل بنظرها بينهم، فوجدت في أعينهم قسوة وترقبًا.
وفجأة لكزها فهمي في ذراعها بعنف وهو يقول بغلظة:
-ما تنطقي يا بت اتجوزتيه امتى؟ وفين؟ استغلك عشان يكسرنا.
ما إن دوى رنين جرس الباب في أرجاء القصر، حتى بدا الصوت وكأنه طوق نجاة أُلقي إليها في اللحظة الأخيرة، فساد الصمت فجأة وانقطعت الأصوات، وتبادلت الوجوه نظرات مشوبة بالترقب والدهشة، توقفت الكلمات على الشفاه، كأن الجميع قد أُجبروا قسرًا على الترقب.
تحركت إحدى الخادمات بخفة واتجهت نحو الباب لتفتحه، بينما بقي الآخرون في أماكنهم، تتعلق أبصارهم بالممر المؤدي إلى المدخل، وما إن انفتح الباب حتى ظهر موسى، مستندًا إلى الحائط المجاور في هيئة يغلفها الاستهتار واللامبالاة، وكأن المكان ملك له!
تجمد الجميع في أماكنهم، وقد بدت الصدمة جلية على وجوههم، خاصة حين رفع صوته قائلًا بنبرة ساخرة:
-كده تتأخروا عليا؟
لم ينتظر ردًا بل اندفع إلى الداخل بخطوات واثقة، تمرد فيها على كل قواعد الذوق والاستئذان، وجال ببصره في الوجوه واحدًا تلو الآخر، وكأنه يقيمهم أو يسخر منهم في آن واحد.
اقترب من عائشة التي كانت لا تزال جالسة فوق الأريكة، وقد سلبتها المفاجأة قدرتها على الحركة، خاصة حين أدركت أن هذا الرجل بجنونه الواضح قد يكون سبب انكشاف سرها في أية لحظة.
وقف أمامها وانحنى قليلًا ثم قال بعبث مستفز، تعلو شفتيه ابتسامة ساخرة:
-يرضيكي يا دكتورة عيلتك يكونوا عاملين حفلة ومحدش يعزمني.
عقدت كوثر حاجبيها في استنكار واضح، ولم تستطع كبح فضولها، فقالت بنبرة مشوبة بالتهكم:
-حفلة إيه لا مؤاخذة؟
جلس موسى إلى جوار عائشة في أريحية متعمدة، ووضع ساقًا فوق الأخرى، ثم نظر إلى كوثر نظرة متعالية، وقال بغرور مستفز:
-عينكي جريئة اوي يا حجة كوثر، حطي واطي شوية.
لم يعجب ذلك فهمي لكنه أشار إلى أخته بالصمت، محذرًا إياها من التمادي، ثم رفع صوته مناديًا على الخادمة لتقديم الضيافة لموسى محاولًا احتواء الموقف.
فاستغل موسى انشغالهم ومال نحو عائشة، مقتربًا منها حتى كاد يهمس في أذنها، وعيناه تلمعان بعبث غريب، وبدأ يدندن بصوت خافت:
-بتشبه عليا مش فاكر عنيا، مش فاكر يا غالي الشوق والغرام، لو عامل نسيني هات عينك في عيني...
تسللت قشعريرة باردة إلى جسدها، ليس من الكلمات بل من نبرته المريبة فقطعت دندنته وهمست بحدة مكتومة:
-انت اهبل؟ شوق وغرام إيه؟ هو أنا أعرفك أصلاً.
وضع يده على صدره في حركة تمثيلية، وضغط على شفتيه بحزن مصطنع وقال مستاء:
-أموت في نكران الجميل ده، دكتورة وحلوة وناكرة الجميل هعوز إيه أكتر من كده في حياتي!!
لكن لحظتهما تلك لم تدم طويلًا، إذ دوى صوت فهمي الغليظ، قاطعًا حديثهما بنبرة حادة:
-ما تشركونا يا جماعة كلامكم.
ابتعدت عائشة فورًا وكأنها أفلتت من قبضة خفية، وقالت ببرود واضح:
-كلام إيه أنا معرفوش أصلاً..
ثم التفتت إلى موسى ونظرت إليه نظرة تحمل تهديدًا مبطنًا، وأضافت بصوت خافت يغلي بالغضب:
-أنا أعرفك؟!
هز رأسه نافيًا وقد ارتسمت على وجهه براءة زائفة، وقال:
-ولا عمري شوفتك...يا دكتورة.
ازدادت غيظًا وضغطت على أسنانها بقوة حتى كادت تُسمع صريرها، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة تحمل من الاستفزاز أكثر مما تحمل من المرح، خاصة حين تدخل جمال قائلًا بنبرة يغلب عليها الشك والريبة:
-امال عرفت ازاي إنها دكتورة؟
تنهد موسى ببطء ثم أجاب بصوت هادئ على نحو غريب، هدوء لم يكن إلا وقودًا إضافيًا لصب التوتر في النفوس:
-تصوروا مين اللي قالي؟! عاصم، كتر خيره اتصل عليا وقالي إنكوا خطفتوا الدكتورة، فأنا ميرضنيش تخطفوا حد من غير ما تعرفوني، وحقيقي زعلت منكم اوي، عشان كده جيبت الحق عليكم.
ثم التفت إلى عائشة ونظر إليها نظرة يقطر منها التهكم، وقال بلهجة لاذعة:
-أصل أنا في الحق معنديش يا ما ارحميني، غشيم مبفهمش.
ضحكت عائشة بسخرية مماثلة، وردت بجرأة لم تكن معهودة منها وكأن التحدي قد أشعل في داخلها قوة خفية:
-انت هتقولي يا ...قولتلي اسمك إيه؟
شدد على حروف اسمه ونطق به ببطء متعمد، كأنه يُرسّخه في الأذهان:
-موسى عزام.
زفر فهمي بضيق وقال بحدة مشوبة بالغيظ:
-احنا مخطفناش حد، دي بنت أخويا وبنربيها انت متعرفش هي عملت إيه؟ لو عرفت الحق هيبقى معانا احنا!
ابتسم ابتسامة خفيفة بدت أقرب إلى التسلية وقال بعبث:
-عملت إيه احكولي؟
ضم جمال شفتيه بضيق، ثم قال بنبرة متعمدة الإهانة، وهو يرمقها بنظرات ممتلئة بالاحتقار:
-طلعت متجوزة عاصم عزام عدونا، ومخلفة منه عيلين.
اتسعت عينا موسى متظاهرًا بالدهشة، وقد بدا تمثيله متقنًا لدرجة أربكت عائشة نفسها، التي كانت تراقب كل حركة منه بحذر، تخشى أن يفشي سرها أو يخطو خطوة غير محسوبة:
-والله؟ بجد؟ لا دي صدمة، ازاي قدرتي تعملي كده في أهلك، وخلفتي منه عيلين؟!
رمقته بنظرة تحمل تهديدًا مبطنًا لكنه تجاهلها عمدًا، وحول انتباهه إلى أعمامها، وقال بنبرة يختلط فيها الخبث بالترقب:
-وناويين تعملوا إيه؟
أجابه فهمي وقد بدأ يدرك مغزى حديثه، بصوت حذر:
-نعمل إيه في إيه؟
أشار موسى إليها بإيماءة لا مبالية، فدفعت يده بعيدًا عنها بحدة، لكنه تابع حديثه ببطء وكأنه يستمتع بإلقاء المفاجآت واحدة تلو الأخرى:
-فيها؟ وفي عاصم اللي جاي دلوقتي؟
انتفض جمال فزعًا ونظر إلى أخيه ثم إلى شقيقته، التي حركت فمها بحركة شعبية تدل على التوتر والقلق، وقد أدركت أن كارثة وشيكة تقترب، فعاصم لا يأتي إلا مصحوبًا بالخراب:
-هو عاصم عزام جاي رشيد؟ من امتى وهو بيدخلها؟
أشار موسى إلى نفسه بشيء من الفخر، فهو صاحب القرار المطلق، وقال وهو يتلذذ برؤية الخوف المتخفي خلف قشور القوة لديهم:
-أنا سمحت له، قالي هيولع فيكوا واحد واحد، لو حد لمس الدكتورة، وأنا خوفت عليكم وقولت الحقكم، حاولوا تداروا وشها، خدها منور وهو مضروب كده.
أحست عائشة بإهانة لاذعة تخترق صدرها، فاشتعلت في داخلها رغبة عارمة في أن تنهض وتغرس شفرتها في منتصف وجهه البغيض، إلا أنها كبحت جماح نفسها بصعوبة بالغة، وابتلعت غضبها القاتل حتى لا تمنحهم نشوة الانتصار عليها، وفي تلك اللحظة التفت إليها موسى، وقد ارتسمت على ملامحه ملامح استخفاف متعمد، وسألها بنبرة باردة تحمل بين طياتها سخرية خفية:
-مين ضربك؟!
لم يكن سؤاله بدافع التعاطف، بل كان أشبه بإلقاء حجر جديد في بحر مضطرب، وقبل أن تجيب اندفع فهمي بغضب عارم، وقد احمر وجهه واشتدت نبرته، وقال بصوت مرتفع يقطر غلًا:
-وهو له عين يجي رشيد وياخدها مننا بعد اللي عمله؟ هو مفيش عهد بينا لا يتجوزوا مننا ولا نتجوز منهم؟
كانت كلماته مشحونة بتاريخ طويل من العداء، وكأنها تستحضر نزاعًا أقدم من الجميع، أما عائشة فقد وجدت في تلك اللحظة دافعًا غريبًا للشجاعة، فرفعت رأسها وقالت بحدة قاطعة، رغم الخوف الذي كان ينهش أعماقها:
-أنا مش منكم عشان كلامكم يمشي عليا.
ابتسم موسى ابتسامة جانبية، وأشار إليها وكأنه يستمتع بتأجيج الصراع، ثم قال بنبرة ملؤها التسلية:
-اهي قالتلكم مش منكم، بأي حق تخطفوها؟!
انتفض جمال بسرعة وقد بدا عليه القلق من أن تُلصق بهم تهمة الخطف، فقال مدافعًا بنبرة متوترة:
-احنا مخطفناش حد يا موسى باشا، هي اللي جاية برجليها.
مال موسى برأسه قليلًا نحو عائشة، وحدق فيها بعينين تلمعان بخبث واضح، ثم سألها بنبرة تحمل استخفافًا صريحًا:
-انتي اللي جاية فعلاً؟
تجاهلت نظرته المتفحصة وكأنها ترفض منحه أي سلطة عليها، ثم التفتت إلى أعمامها وقالت بحسم ظاهر، رغم ارتجاف صوتها الخفي:
-اه، بس مكنتش اعرف هما عايزني في إيه؟ انتوا أصلاً بتتدخلوا في حياتي ليه؟ انتوا بعيد عني؟ ولا أنا منكم ولا انتوا تهموني في حاجة؟ ولا عشان رجعت وسكنت في البيت اللي انتوا باصين عليه؟!
لم تكد تنهي كلماتها حتى انقض عليها فهمي بعنف كاسح، ورفع يده عاليًا وهو يزمجر بغضب منفلت:
-انتي يا بت يا قليلة الادب ما تتظبطي يا بت عشان مدفنكيش مكانك.
لكن قبل أن تهوي يده انطلق صوت حاد كالسيف، قاطعًا حديثهم بأكمله:
-اعملها واضربها وأنا اللي هدفنك مكانك.
ساد صمت مفاجئ وتجمدت الحركة في المكان، إذ لم يكن الصوت سوى صوت عاصم، الذي دخل من الباب الموارب للقصر دون استئذان، وكأن المكان ملك له، فوقف بطوله المهيب، بثقة متغطرسة واضعًا كلتا يديه في جيبي سرواله، يتأملهم ببرود مستفز، وكأنه لا يواجه خصومًا، بل مجرد ظلال باهتة لا وزن لها.
التفت فهمي نحوه بصدمة واضحة، واتسعت عيناه بعدم تصديق، فوجوده هنا يخالف كل القوانين غير المكتوبة والمكتوبة بينهم، أما عاصم فقد لاحظ تلك النظرات، فارتسم على وجهه تعبير ساخر وقال باستهجان غليظ:
-متبصليش كده، عندك اعتراض؟
تدخل جمال وقد اشتعل الغضب في عينيه، والتفت إلى موسى بنظرة اتهام، ثم قال بصوت خشن:
-من امتى وحد من الوادي مسمحوله يجي رشيد؟ ويدخل بيوتنا ويستبيح حرمتها عادي؟
رفع عاصم حاجبيه بسخرية واضحة، ثم تقدم خطوة إلى الأمام، وأطلق ضحكة قصيرة تحمل قدرًا كبيرًا من الاستخفاف، وقال:
-بس وأنا داخل مشوفتش حد فيكوا خالع راسه؟ جرى إيه يا موسى هما مالهم الناس اللي واقفين في صفك خابوا في عقلهم ولا إيه؟
حرّك موسى ساقه ببطء وظل محتفظًا بهدوئه المستفز، ثم قال بنبرة باردة وكأنه يصف أمرًا تافهًا:
-معلش صدمة وجودك طيرت نفوخهم.
ثم أدار بصره نحو رجال السوالمي، وقد ارتسم على وجهه ذلك التهكم اللاذع، وقال بنبرة لا تخلو من الاحتقار:
-جبتولنا الكلام من اللي يسوى وميسواش، ما كان من الأول واخدين مراته ليه؟
كانت كلماته كصفعة جديدة تُلقى في وجوههم، لكنها لم تكن سوى تمهيد لما هو أشد، إذ سرعان ما التفت إلى عاصم، وقد تلألأت في عينيه نظرة خبيثة، وقال بنبرة عابثة تتدلى من طرفها ابتسامة ماكرة:
-أصلهم قالولي إن الدكتورة ضحكت عليهم واتجوزتك في السر من وراهم وهما هيتجننوا واللي جننهم أكتر إنهم عرفوا إن ولادك...عمر وليلة صح؟ اسمهم كده متهيألي ولادكم انتوا الاتنين سوا سوا!!
ثم انفجر ضاحكًا بضحكة عالية، أقرب إلى ضحك المجانين، ضحكة حملت في طياتها سخرية جارحة وعبثًا خطيرًا، مما زاد من توجس عائشة التي شعرت بأن شيئًا مظلمًا يختبئ خلف كلماته، شيئًا لا يمكن التنبؤ به، فكان موسى في تلك اللحظة لغزًا حيًا؛ لا أحد يعلم ما الذي يدور في أعماقه، ولا إلى أي مدى قد تصل نواياه.
أما عاصم فكان على النقيض تمامًا، إذ بدا وكأنه يفهم كل حرف يقصده موسى، ويقرأ ما وراء السطور، فشد قبضته بقوة، واشتبكت نظراته بنظرات موسى في صمت مشحون، متجاهلًا وجود الجميع، وكأن العالم قد انحصر في تلك المواجهة الخفية بينهما، لم يكن ما قيل يهمه بقدر ما كان يهمه ذلك الاستفزاز المبطن، تلك السخرية التي لا تُقال صراحة، لكنها تُشعل في داخله نارًا لا تُطفأ.
وبعد لحظات قليلة حول عاصم نظره نحو عائلة السوالمي، وقال بنبرة متعمدة الاستفزاز:
-وفيها إيه مفهمتش مضايقين ليه؟
ثم تقدم خطوة نحو فهمي واقترب منه حتى بات يطل عليه من أعلى نظرًا لفارق طوله، وقال باستياء ساخر:
-انت معترض إني أتجوز الدكتورة بنت اخوك؟ لو معترض فـبله واشرب ميته، ميهمنيش...
توقف لحظة قصيرة ثم خفض صوته، لكن نبرته ازدادت قسوة وحدة، حتى بدت كأنها تهديد صريح:
-أنــــــا عــــــاصـــــم عـــزام أعمل اللي أنا عايزاه، أتجوز من اللي تعجبني وفي أي وقت وفي أي مكان، لا يهمك ولا يهم أي حد من العيلة الـ**** دي، ولا يهم رشيد باللي مدورها، نقطة وانتهينا.
كانت كلماته كوقع صاعقة، فشهقت عائشة في داخلها، واتسعت عيناها من جرأته التي تجاوزت كل الحدود، توقعت أن يثور عمها فهمي غضبًا، أن ينفجر في وجهه لكنه وقف صامتًا على نحو مريب، وكأن الكلمات قد شلت قدرته على الرد.
التفتت عائشة وقد ازداد اضطرابها، نحو موسى تبحث في ملامحه عن تفسير، فوجدت ابتسامة داكنة تنزلق على شفتيه، ابتسامة لا تبشر بخير، ثم مال قليلًا نحوها وهمس بصوت خافت يحمل إعجابًا ساخرًا:
-شرس اوي عصوم..
لم تكد تستوعب كلماته حتى شعرت بيد قوية تجذبها بعنف، فانتفضت في مكانها، عندما وجدت عاصم قد اندفع نحوها كوحش هائج، أمسك بيدها دون تردد، وسحبها نحوه أمام أعين الجميع، في جرأة صادمة لا تعرف التراجع، فكانت حركته حاسمة وجسده كله مشدود، وعيناه تلمعان بغضب مكتوم.
شرع في سحبها نحو الخارج، غير آبهٍ بأحد، وكأنه يعلن بوضوح أنها تخصه وحده، لكن خطواته توقفت فجأة عندما ارتفع صوت موسى خلفه، بنبرة تهكمية مقصودة:
-ابقى حطلها مرهم يهدي خدها، أصل عمها ضربها قلم أو قلمين معرفش الصراحة، ابقى أسألها.
في تلك اللحظة شعرت عائشة بقبضة عاصم تشتد على يدها بقوة، حتى كادت تؤلمها فأدركت حجم الغضب الذي يعتمل في داخله، لذا سارعت تهمس له بصوت خافت، محاولة تهدئته قبل أن ينفجر الوضع أكثر:
-بلاش مشاكل ويلا بينا زمان الولاد خايفين عشان أنا مش موجودة.
توقّف قليلًا وكأن كلماتها اخترقت جدار غضبه، ثم خفف من قبضته تدريجيًا، دون أن يفلت يدها قبل أن يلتفت مرة أخيرة نحو أعمامها، وقال بنبرة لا مبالية تخفي تحتها تهديدًا واضحًا:
-أكيد لو كانوا يعرفوا إن أنا جاي مكنوش قدروا يعملوا كده، هعديها المرة دي وهعتبر إنها تخاريف حكم السن، وهديك فرصة تأدب ناسك كويس ويحترموك أكتر من كده.
ثم غادر عاصم المكان كطاووس مزهو بريشه، يخطو بثقة متعالية، وخلفه عائشة التي كانت تكاد تواكب اندفاعه، يجرها معه بخطوات سريعة، كأنما يخشى أن تتلاشى من بين يديه إن أبطأ، ومع ذلك وعلى الرغم من حدة الموقف، كانت قبضته عليها قد لانت قليلًا، تحمل في طياتها حذرًا خفيًا، وكأنها شيءٌ ثمين يخشى عليه من السقوط أو الانفلات.
في تلك الأثناء نهض موسى من مكانه، وتحرك خلفهما بخطوات وئيدة، يكسوها ذلك المرح الغامض، وكأنه طفل عثر على لعبة جديدة تثير فضوله، فلم يكن في ملامحه ما يدل على توتر أو قلق، بل على العكس كان يبدو مستمتعًا بكل تفصيلة مما يحدث، كأن ما حدث بأكمله قد أُعد خصيصًا لإرضاء نزعة خفية في داخله.
وقف عند بوابة قصر آل السوالمي وأسند جسده قليلًا، يتأمل ابتعاد عاصم وعائشة، وعيناه تلمعان ببريق غير مفهوم، ثم فجأة رفع صوته قاصدًا أن يقطع ذلك الصمت المشحون، فقال بنبرة عالية ساخرة:
-لا لا أنا كده ازعل، معقولة كل مرة تيجي رشيد متاخدش ضيافتك.
توقف صالح الذي كان ينتظر خروج عاصم بفارغ الصبر، والتفت نحو مصدر الصوت، وقد بدت على وجهه علامات الدهشة والترقب.
أما عاصم فلم يلتفت ولم يمنح الكلمات أي اعتبار، بل واصل سيره بثبات يليق بغروره المعروف، وكأن شيئًا لم يُقال، ومع ذلك كان واضحًا أنه سمع كل حرف إذ ازدادت صلابته، واشتد صمته وكأنه يضغط على أعصابه حتى لا يمنح موسى ما يريده من رد الفعل.
لكن موسى لم يكتفِ بذلك، بل رفع صوته مرة أخرى، بنبرة أكثر إلحاحًا واستفزازًا، وهو يتلذذ بقدرته على إثارة ذلك الصمت المتوتر:
-طيب اقعد حتى اشرب شاي.
اقترب صالح من موسى وانحنى نحوه قليلًا، وهمس في أذنه بنبرة يغلب عليها الاستغراب والريبة:
-انت بتعزم على مين يا موسى باشا يشرب شاي؟!
رمش موسى بعينين بريئتين ببراءة زائفة، تخفي خلفها خبثًا واضحًا، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وقال وكأنه يذكر أمرًا بديهيًا:
-ابن عمي، عاصم عزام، مالك يا صالح انت كويس؟
نظر إليه صالح نظرة طويلة، محملة بعدم الفهم وكأن كلماته لم تزد الأمر إلا غموضًا، فكانت تصرفات موسى تتجاوز حدود الغرابة حتى باتت تثير القلق لا الدهشة فقط.
تنهد موسى تنهدًا خافتًا ثم خفض صوته، متصنعًا حزنًا رقيقًا لا يليق بملامحه القاسية، وقال بنبرة وعظية زائفة:
-لا لا كله إلا صلة الرحم يا صالح، اتعلم تبقى بار بأهلك
زيي كده.
قبل أن يهم بمغادرة ذلك القصر الذي طالما شهد صراعات النفوس وتقلبات الأهواء، فوجئ بعائلة السوالمي تقف في طريقه، وقد اخترقت دائرته الخاصة دون استئذان منه، فكانت وجوههم متجهمة وعيونهم مشتعلة بلهيب العتاب والاتهام، حتى بادره فهمي بصوت يختلط فيه الغضب بالخذلان، قائلاً باستياء واضح:
-مكنش العشم يا موسى باشا تقف مع عدونا وتخليه ياخد بنت اخونا من بيتنا وكأنه هو اللي بيحكمنا، والله مبقتش عارف مين كبير رشيد؟!
تقدم موسى بخطوات ثابتة ووقف أمامه في هدوء يفيض ثقة، ثم أشار إلى نفسه بإيماءة تحمل من الكبرياء بقدر ما تحمل من الحزم، وقال بنبرة عميقة:
-أنــــا، موسى عزام اللي بحكم رشيد، وعشان انت راجل كبير وأنا واحد محترم ومتربي مش هعلمك الأدب على صوتك العالي، ولا إنك جاي تشيلني خيبتك وخيبة بنت اخوك، فوق لنفسك يا حج فهمي، أنا زعلي وحش.
كان التوتر قد بلغ ذروته، فتقدم جمال مسرعًا يحاول احتواء الموقف قبل أن ينفجر، وقال بنبرة مترددة يغلفها القلق:
-يا موسى بيه، فهمي أخويا أكيد ميقصدش، انت كبيرنا وحبيبنا، بس اللي حصل ضايقنا ومعرفناش نحمي بنت اخويا من عاصم وانت عارف ممكن يعمل فيها إيه؟
رمقه موسى بنظرة حادة، وكأنها تخترق ما وراء الكلمات، ثم قال بسخرية خفيفة:
-ما تخليك صريح يا جمال وقولها، أنكم مقهورين من وقت لما بنت اخوك رجعت وقعدت في البيت، انتوا اللي يهمكوا البيت باللي فيه، وحقيقي أنا كمان يهمني، بس طالما انتوا غدرتوا وفكرتوا وروحتوا لعمتي تستنجدوا بيها، يبقى اشربوا من البحر، اللي يستنجد بالحريم لا مؤاخذة مالوش عندي دية.
ساد صمت من قبلهم للحظة كأن الكلمات وقعت كالصاعقة على مسامعهم، ثم عاد جمال يتكلم وقد بدا عليه شيء من الامتعاض:
-ما انت مش راضي تشوفلنا حل معاه، وحسستنا إن طريق التواصل بينكم مقطوع، ولا مؤاخذة اللي شوفناه منكم عكس كده.
اشتد بريق الغضب في عيني موسى، وتقدم خطوة أخرى حتى باتت المسافة بينهما تكاد تتلاشى، وقال بلهجة قاطعة لا تحتمل النقاش:
-انت متتدخلش ولا ليك الحق أنك حتى تقولي كده، أنا حُر أكلم عاصم في الوقت اللي يريحني واقفل الباب في وشه في الوقت اللي يريحني بردو، انت مال أهلك؟
تجمد المكان للحظات وكأن الزمن نفسه قد توقف احترامًا لحدة المواجهة، فكانت الكلمات تتطاير كشررٍ قابل للاشتعال، أما موسى فقد بدا كجبل لا تهزه الرياح، بينما وقفت عائلة السوالمي على حافة الانفجار بين كرامة مجروحة وخوف دفين مما قد تحمله الأيام القادمة إذا استمرت ابنة أخيهم في البقاء داخل منزلها واكتشفت المستور!
حاولت كوثر التدخل بكلامها المعسول، وتهدئة الموقف المشتعل، فتقدمت خطوة وقالت بهدوء مصطنع:
-يا موسى باشا اخواتي مفيش أطيب منهم.....
قطع موسى حديثها بصوت حاسم، لا يقبل جدالًا وقال بنبرة تحمل نفاد صبره:
-بس ولا كلمة، أنا لغاية هنا وطاقتي معاكم خلصت، بس هقولكم نصيحة، الحاجة فايزة صح وخطتها حلوة، استغلوها بقى واهي جتلكم واحدة منكم وقاعدة في بيتها وفي قلب الوادي، ومحدش هيقدر يمشيها، ولا في عهد يتنفذ عليها بردو، لو بتفكروا صح هتعملوا اللي انتوا عايزينه.
تبادلوا نظرات متوترة، قبل أن يتقدم أحدهم بخطوة مترددة، وقال بصوت يختلط فيه الاعتراض بالحيرة:
-تفرق دلوقتي يا موسى باشا، البت متجوزة عاصم عزام نفسه، متجوزة عملنا الأسود.
لم يتغير وجه موسى كثيرًا بل بقيت ملامحه ثابتة، وكأن ما قيل لا يحمل في نظره ما يستحق الانفعال، ثم أجاب بهدوء قاطع وخبث دفين:
-وفيها إيه احتضنوا بنتكوا، كله إلا صلة الرحم يا جماعة.
تسللت كلمات موسى إلى أعماقهم، وطرقت أبوابًا كانت بعيدة التفكير بها، فتراجعت حدة التوتر بينهم شيئًا فشيئًا.
****
جلست عائشة في سيارة عاصم في المقعد الأمامي إلى جواره، بينما جلس فايد في المقعد الخلفي غارقًا في صمت طال أمده، حتى بدا وكأن الكلمات قد جفت على شفتيه، إلى أن لم تعد عائشة تحتمل ذلك الصمت المطبق، فقررت أن تكسره بصوت خفيض يحمل بين نبراته اعتذارًا صادقًا لم تتكلف في إظهاره، فقالت برقة ممزوجة بشيء من الحرج:
-أنا أسفة يا أستاذ عاصم على اللي حصل وعلى أهلي بس....
لم تكمل جملتها؛ إذ توقفت السيارة فجأة، فتقطع حديثها كما انقطع سير السيارة، كان توقف عاصم حادًا وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا لينفجر بما كتمه طويلًا، فأدار رأسه نصف التفاتة نحو الخلف، ونظر إلى فايد بعينين جامدتين، ثم قال بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
-انزل انت روح شوف وراك أيه.
أومأ فايد بصمت مطبق كعادته، ثم فتح الباب وهبط من السيارة دون أن ينبس ببنت شفة، تاركًا خلفه فراغًا زاد من حدة التوتر بين الاثنين في الأمام.
التفتت عائشة حولها بقلق واضح، وكأنها تحاول أن تستوعب المكان الذي توقفت فيه السيارة، ثم سألت بصوت متوجس:
-احنا في الوادي صح؟
هز عاصم رأسه بإيجاب دون أن ينطق، فتنهدت هي بارتياح كبير، كأن ذلك الجواب قد بدد بعضًا من خوفها الداخلي، أما هو فقد اعتدل في جلسته، ووجه إليها نظرة حادة اخترقت سكونها، ثم سأل بصوت أجش يفيض بالحدة:
-انتي علاقتك إيه بأهلك؟
ارتبكت عائشة من سؤاله المفاجئ، ورمشت بعينيها عدة مرات، تحاول أن تفهم ما يقصده، أو ما الذي يريد الوصول إليه من وراء هذا السؤال، لكن حين لمست الغضب الكامن في صوته والصرامة التي لم يحاول إخفاءها، أدركت أن الأمر يتجاوز مجرد فضول عابر.
رفعت يدها ببطء وأشارت إلى خدها الذي ما زالت آثاره تحمل ما حدث، ثم أبعدت خصلات شعرها عن وجهها، وقالت بسخرية مُرة:
-اديك شايف.
ما إن أنهت كلماتها حتى ساد صمت قصير، يحمل في طياته ألمًا لم تُفصح عنه، وحزنًا بدا وكأنه أعمق من أن يُختصر في جملة، ولكن عاصم لم يكتفِ بذلك، بل تابع بنفاد صبر واضح، وقد اشتد صوته وأصبح أكثر حدة:
-ايوه هما عملوا كده عشان افتكروا إنك مراتي؟ ولا....
لم تمنحه الفرصة لإكمال حديثه، فقاطعته سريعًا وقد ارتسم الاستياء على ملامحها بينما غمر الأسى نبرتها:
-لا أنا علاقتي بأهلي زفت من زمان، حكاية يطول شرحها، الموضوع بعيد عنك.
خفضت عينيها قليلًا وكأنها تفر من مواجهة ذكريات ثقيلة بدأت تزحف إلى ذهنها بلا استئذان، ثم أضافت بصوت خافت يكاد يُسمع:
-هما شكلهم اضايقوا لما أنا رجعت وقعدت في البيت تاني، كانوا عايزين ياخدوه مني.
ساد صمت قصير قطعته عائشة بسؤال بدا عاديًا في ظاهره، لكنه كان محملًا بشيء أعمق من مجرد الفضول:
-انت متضايق منهم ليه؟ بتكرهم زي ما بتكره اللي اسمه موسى ده؟
حاول أن يُخفي حدة نبرته، وأن يُحجم مشاعره الغاضبة التي كانت تتلاطم في داخله، وقد نجح ظاهريًا في ذلك، إذ ثبت نظره أمامه في شرود، ثم تمتم دون وعي كامل بما يقول:
-أي حد من رشيد أنا بكرهه وبعتبره عدوي.
عاد الصمت يلتف أجواء السيارة، ولكنه صمت خالٍ من الراحة، كأنما انقطع فيه عن العالم، وغاص في فراغ مظلم لا قرار له، فكان يشعر بالغضب والغل يغليان في صدره، كمرجل على وشك الانفجار، فيما كانت رغبة الانتقام تدفعه دفعًا نحو هاوية لا عودة منها.
وفي خضم ذلك التيه، شعر بيد رقيقة تستقر فوق يده الموضوعة على المقود، فالتفت قليلًا ووجد عائشة تنظر إليه بعينين يفيض منهما الحنو، وهمست برقة صادقة:
-متسيبش نفسك للكره، الكره نهايته وحشة، وطريقه كله مشاكل وهلاك، وانت انسان كويس وابن ناس، حاول تعيش وتتبسط بحياتك وتحمد ربنا على النعم الكتير اللي ادهالك، نعمة الستر والمال والصحة والولاد...هتعوز إيه أكتر من كده.
تعلق بصره بها وكأن كلماتها قد لامست شيئًا عميقًا بداخله، رآها تبتسم لكن ابتسامتها كانت ممزوجة بحزن دفين، ولمعت عيناها بدموع خرجت من أعماق ماضٍ مؤلم،
فتابعت بصوت يحمل صدق التجربة ووجع الذكرى:
-لو في حد شاف اللي أنا شفته، أكيد مكنش هيبقى كده، أكيد كان هيكون جواه سواد وقلبه مليان غل، محدش داق اللي دوقته من أهلي، بس ربنا كافئني بعمر وليلة فقررت انساهم وانسى أي أذى منهم، واكمل حياتي صح عشان خاطر هدية ربنا ليا عمر وليلة.
شعر عاصم بأن شيئًا داخله يتضخم، كأن مشاعره تضاربت فجأة بين ما اعتاد عليه من قسوة، وما تفرضه عليه كلماتها من لين لم يألفه، لم يستطع أن يقاوم رقتها ولا دفء حنانها، ولا تلك الطيبة التي تسربت من بين حروفها بلا تكلف، فبدت له جميلة على نحو مختلف، وهي تحاول أن تُخفف عنه، رغم جهلها بمدى ظلمة ذلك الوادي الذي يقفان على أطرافه؛ واد ابتلع من الدماء ما يكفي ليصنع تاريخًا من الخطيئة، وامتدت جذور فساده إلى زمن جده عزام الكبير، الذي غرس أول بذور الشر فواصل أحفاده السير في الطريق ذاته، فوق أنقاض أحلام الآخرين ودموعهم.
انتبه عاصم من شروده على حركتها، وهي تُعيد خصلات شعرها إلى الخلف وتجمعها بعفوية، ثم التفتت إليه بحماس مفاجئ، كأنها تخلت فجأة عن كل ذلك الحزن، وسألته بنبرة مشرقة:
-ها الولاد اتبسطوا لما باتوا معاك؟ وانت كمان عملت معاهم إيه؟
تنهد بهدوء وأدار محرك السيارة من جديد، ثم قال بنبرة يشوبها توتر لم يعتده:
-محتاجك تصالحيني عليهم.
اتسعت عيناها بدهشة صريحة وقالت بعتاب خفيف:
-يا خبر أنت زعلتهم في أول يوم يروحوا معاك؟
هز رأسه قليلًا وقد بدا عليه الارتباك، وقال محاولًا التوضيح:
-لا أنا مزعلتهمش، هما اللي زعلوا لوحدهم وكنت بحاول اصالحهم ومعرفتش.
ابتسمت له بهدوء وقالت بنبرة مطمئنة:
-خلاص رجعني ليهم ونحل الموضوع ده.
أومأ برأسه في صمت وركز نظره على الطريق، لكن فكرة ما ظلت تُلح عليه، حتى لم يستطع كتمانها فقال بعد تردد قصير:
-دكتورة، أنا لما وافقت إن عيالي يفضلوا معاكي، مكنتش اعرف إن ليكي صلة بأهلك، لكن لو هتفضلي تروحي رشيد وتتكلمي معاهم، يبقى تختاري ما بين ولادي وهما، أنا مش عايز أي حد منهم يحتك بولادي، عشان لو فكروا بس مجرد التفكير إنهم يلمسوهم، هولع فيهم.
التفت برأسه نحوها يحاول أن يستشف أثر كلماته على ملامحها، وأن يقرأ ما تركه حديثه في عينيها من صدى، لكنه ما إن التقت عيناه بعينيها، حتى أدرك فورًا أنه قد تجاوز الحد؛ فقد بدت عليها علامات الرعب الواضح، وارتسم الخوف في نظرتها، خاصة من نبرته الحادة وتهديده الصريح الذي لم يُحسن إخفاءه.
تغيرت ملامحه على الفور وكأنما أفزعه انعكاس صورته في عينيها، فقال بسرعة وهو يحاول التراجع، وقد تسلل التوتر إلى صوته رغم محاولته السيطرة عليه:
-يعني اقصد اضايقهم، مقصدش اولع فيهم بالمعنى اللي فهمتيه.
ظل ينظر إليها مترقبًا، وكأنه ينتظر أن تخف وطأة الخوف في عينيها، أو أن تمنحه إشارة بأنه لم يخسر ما بينهما بسبب لحظة اندفاع، وبعد لحظات قصيرة لكنها بدت له أطول مما ينبغي، رآها تتنهد بعمق وكأنها تُخرج ما علق بصدرها من توتر ثم هدأت ملامحها تدريجيًا.
رفعت نظرها إليه من جديد، وقد استعادت شيئًا من تماسكها وقالت بنبرة ثابتة تحمل وعدًا صريحًا:
-أنا عمري ما هختار حد على حساب ولادي، هما في المرتبة الأولى والأخيرة عندي.
توقفت قليلًا ثم أردفت بنبرة قلقة لم تستطع إخفاءها:
-المهم هما مش هيقدروا يوصلولي تاني صح؟
لم يتردد هذه المرة.بل أجابها بثقة واضحة، وكأنه يمنحها طمأنينة يحاول هو نفسه التمسك بها:
-لا طول ما انتي في الوادي وتحت عيني عمرهم ما يقدروا يدخلوه أبدًا.
أغمضت عينيها للحظة وكأنها تستقبل ذلك الأمان الذي وُعدت به، ثم فتحتهما وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة ممزوجة بالارتياح، وقالت:
-طيب الحمد لله وديني بسرعة للولاد عشان وحشوني.
أومأ برأسه دون أن يتكلم، لكنه هذه المرة ضغط على عجلة القيادة بثبات، وانطلقت السيارة تشق طريقها وسط صمت مختلف؛ صمت لم يعد مثقلًا بالتوتر، بل مملوءًا بشيءٍ خفي ربما كان بداية ثقة.أو هدنة مؤقتة بين قلبين أنهكتهما الحياة.
***
زفرت غالية بحنق واضح، وقد ضاقت ذرعًا بطول الانتظار داخل تلك الغرفة في ذلك القصر الواسع، الذي بدا في عينيها أشبه بمكان موحش يختبئ خلف فخامته رعب خفي، فلم يُبهرها ما يحيط بها من مظاهر الثراء، بل على العكس كانت كل زاوية فيه تزيد من توترها، وكل تفصيلة تُعمق شعورها بعدم الأمان.
كانت تجلس على حافة المقعد تهز ساقيها بعصبية لا إرادية، بينما تعيد ترتيب كلماتها في رأسها مرة تلو الأخرى، حريصة على ألا تنزلق منها هفوة واحدة أمام ذلك الماكر موسى، الذي سمعت عنه ما يكفي ليجعلها على أهبة الحذر.
وفجأة قطع الصمت صوت رنين هاتفها الذي أخفته بعناية داخل صدرها، فارتبكت للحظة ثم أخرجته بسرعة، وما إن رأت اسم أختها فريدة يضيء الشاشة، حتى ردت على الفور بصوت منخفض متوتر:
-الو، فريدة اقفلي دلوقتي مش فاضية.
لكن فريدة لم تُطعها بل سارعت بالكلام، وقد تجسد الخوف في همسها المرتجف:
-لا غالية استني عشان خاطري، في واحد شكله شارب موجود في البيت عند ام *** والواد ده عمال يفتش في اوضتها على فلوس وميعرفش ان انا هنا، وأنا خايفة اوي، تعالي بسرعة.
تسارعت أنفاس غالية فجأة وكأن قلبها بدأ يدق بعنف داخل صدرها، انطلقت مخيلتها ترسم أسوأ الاحتمالات، وتخيلت أختها محاصرة بالخطر وحدها دون من يحميها، فلم تتردد لحظة وقالت بسرعة حاسمة:
-اقفلي على نفسك كويس وانا جايلك.
لكنها لم تخطُ خطوة واحدة خارج الغرفة، حتى اعترض طريقها أحد الرجال وصاح بها بحدة آمرة:
-انتي رايحة فين يا بت؟ وازاي تجرؤى تخرجي كده، ادخلي جوه تاني.
لم يكن لديها وقت للجدال ولا رفاهية التفكير، نظرت حولها بسرعة خاطفة، فوقع بصرها على مزهرية كبيرة موضوعة على طاولة قريبة، ودون تردد التقطتها بكل ما فيها من قوة، ورفعتها ثم هوت بها فوق رأس الرجل في حركة مفاجئة، كأنها لم تفكر بل اندفعت بدافع غريزي.
تراجع الرجل مترنحًا من شدة الصدمة ثم سقط أرضًا وسط صوت عالٍ ارتد صداه في أرجاء المكان، فاتسعت عيناها من وقع ما فعلت، لكنها لم تتوقف وكادت تندفع للأمام، لولا أنها تجمدت فجأة في مكانها، فكان هناك يقف أمامها موسى.
كان واقفًا بهدوء مريب، يتابع ما يحدث وكأنه عرض ترفيهي أُقيم خصيصًا له، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، ثم أطلق صفيرًا خافتًا يدل على إعجابه، قبل أن يميل برأسه قليلًا نحو صالح، الذي بدا مذهولًا مما حدث وقال بنبرة ساخرة ممتزجة بإعجابٍ واضح:
-دي أدتني ضربة كسرت قلبي قبل ما تكسر دماغه، ناقص تطلع مطوة وتكملها بكلمتين حلوين!!
ثم ضيق عينيه وهو يتأملها بنظرة فاحصة، وأضاف بنبرة أخفض لكنها أكثر خطورة:
-مين دي يا صالح؟!
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق