القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

خادمة عمرها 13 سنة دخلت القصر… ثم صُدمت عندما رأت صورتها معلقة على الجدار!

 خادمة عمرها 13 سنة دخلت القصر… ثم صُدمت عندما رأت صورتها معلقة على الجدار!



خادمة عمرها 13 سنة دخلت القصر… ثم صُدمت عندما رأت صورتها معلقة على الجدار!


تقدّمت فتاةٌ ريفية في الثالثة عشرة من عمرها للعمل خادمةً، لكنها صُدمت حين رأت صورتها نفسها داخل القصر.

تحية طيبة لكم يا متابعي السلسلة. واليوم نفتح صفحةً جديدة تحمل عنوان الصورة في القصر.

لم يخفَّ الثقل الجاثم على صدر ليرا وهي تخطو خارج بيتهم الصغير المصنوع من الخشب وسعف النخيل. كانت تشعر ببرودة الصباح، لا من نسيم الهواء وحده، بل من وطأة القرار الذي أجبرها على ترك والدها مؤقتًا. كان يجلس على مقعدهم الخشبي القديم أمام البيت، يضع على كتفيه بطانية، ويتنفس بصعوبة.

قال الرجل العجوز بصوتٍ أجش وهو يتابعها بعينيه

يا ابنتي، أمتأكدة أنتِ؟

هزّت ليرا رأسها، وحاولت أن ترسم ابتسامةً رغم أن الدموع كانت تترقرق في عينيها.

نعم يا أبي، لا بدّ من ذلك حتى نشتري دواءك.

أمسك والدها بيديها. كانتا لا تزالان دافئتين، رغم أن قبضته باتت واهنة.

احرصي على نفسك هناك. لا تدعي أحدًا يخدعك، وتذكّري أنه مهما حدث فلكِ بيت تعودين إليه هنا.

تنهدت ليرا ثم عانقته بقوة، كأنها أرادت في تلك العناق أن تنقل إليه كل ما تملكه من حبّ وقوة. لم تكن تعلم متى سيريان بعضهما مجددًا، لذا حاولت أن تحفظ في ذاكرتها كل تفصيلة من ملامح وجهه؛ عينيه الغائرتين، وابتسامته الخفيفة رغم المړض، وتجاعيد جبينه التي حفرتها سنوات الكدّ والتعب.

وعندما وصلت الدراجة الڼارية ذات العربة الجانبية التي ستقلّها إلى البلدة، أمسكت حقيبتها الصغيرة بإحكام. لم تكن ثقيلة؛ لم يكن فيها سوى بضع قطع من الملابس، وبعض الأرغفة، وزجاجة ماء صغيرة. لكن داخل تلك الحقيبة كان الشيء الوحيد الذي لا تستطيع أن تفقده العقد القديم الذي تضعه الآن في عنقها.

وأثناء سير المركبة في الطريق الضيق عبر القرية، رفعت ليرا نظرها إلى السماء. كانت الشمس تبدأ بالتسلل

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

بين أشجار جوز الهند، والطيور تُسمع زقزقتها من بعيد كأنها هي الأخرى تودّعها. أغمضت عينيها لحظة، محاولةً أن تمنع نفسها من البكاء.

وحين وصلوا إلى البلدة، ظهر أمامها موقف الحافلات. كان بعض الناس قد اصطفوا هناك وهم يحملون أمتعتهم. جلست على مقعد خشبي، قابضةً على أجرة الطريق. لم تكن تعرف كيف تبدو مانيلا، ولا كم هي كبيرة أو صاخبة، لكنها كانت تحاول ألّا تستسلم للخوف.

وبعد قليل وصلت الحافلة. اقتربت منها، دفعت الأجرة، ثم دخلت. اختارت مقعدًا قرب النافذة. وما إن تحركت الحافلة حتى أخذت تحدّق من الزجاج، تراقب المشاهد المألوفة وهي تتلاشى شيئًا فشيئًا حقول الأرز الذهبية تحت ضوء الشمس، والأطفال الذين يلعبون على جانب الطريق، والدكاكين الخشبية التي اعتادت التردد عليها.

وفي ذهنها كانت تردد مرارًا

سأدّخر المال. سأعود بسرعة. لن أترك أبي طويلًا من دون رفيق.

ومع سير الحافلة، رفعت ليرا يدها ولمست العقد المعلّق في عنقها. كان باهت اللون، وفي وسطه خدوش خفيفة، لكنه بالنسبة إليها لا يقدّر بثمن.

همست لنفسها

لقد كان لأمي.

كان والدها قد أخبرها أن أمها أعطته هذا العقد قبل أن تفارق الحياة. ولم يكن لديها أي ذكرى أخرى عنها. لم يبقَ لها من أمها سوى ذلك العقد، وبعض الحكايات التي كان أبوها يرويها، فكانت تلك الحكايات الجسر الوحيد الذي يصلها بماضٍ لا تعرفه.

ابتسمت لها امرأة عجوز كانت تجلس إلى جوارها، ثم سألتها

أنتِ وحدكِ يا ابنتي؟

أجابت ليرا بخفوت

نعم.

سأذهب إلى مانيلا لأعمل.

قالت العجوز

يا للهول، ما زلتِ صغيرة. احذري هناك. في المدينة خير كثير، لكن لا يخلو الأمر من أناس يستغلون غيرهم.

أومأت ليرا شاكرة. وشعرت بشيء من السلوى من تلك العناية البسيطة الصادرة من غريبة.

ومع امتداد الرحلة، بدأت الأشجار

وحقول الأرز تختفي شيئًا فشيئًا، لتحل محلها المباني الكثيرة والسيارات والضجيج. ومع ذلك، كان في صدرها شيء من الترقب، كأن المدينة تناديها لسبب لا تستطيع تفسيره. وفي آخر نظرة ألقتها من النافذة، رأت الجبال في البعيد، كأن الضباب يبتلعها ببطء. ربما كانت تلك آخر مرة ترى فيها موطنها الريفي لوقت طويل.

في ذهنها كانت الخطة واضحة ستعمل بإخلاص، وتدخر المال، ثم تعود بسرعة إلى أبيها. لكنها لم تكن تعلم أن القصر الذي تقصده لن يكون مجرد مكان للعمل، بل سيكون بداية ظهور أسئلة ظلت مخبأة طويلًا، وكشف سرّ سيبدل حياتها كلها.

كانت مانيلا حارة وصاخبة، مختلفة تمامًا عن القرية التي غادرتها ليرا. وما إن نزلت من الحافلة حتى استقبلتها رائحة الدخان، وأصوات السيارات التي لا تكف عن إطلاق الأبواق. وعلى جانب الطريق كان هناك من يبيع الفاكهة، والحلوى الشعبية، والأقمشة البالية. كانت تمسك حقيبتها الصغيرة بقوة حتى كادت أن تتجعد من شدة العرق المتجمع في كفيها.

اقترب منها رجل يرتدي زيّ الوكالة.

أأنتِ ليرا؟

أجابت بخفوت

نعم.

قال

تعالي، سأوصلك إلى صاحبة العمل. إنها صارمة، لكن إن كنتِ مجتهدة فستبقين. 

ركبت معه في سيارة فان. وفي داخلها لم تكن ليرا مرتاحة؛ كانت ملتصقة بالنافذة، تراقب المباني العالية وأضواء الشوارع حتى في وضح النهار. ومع سير السيارة بدأت العربات الصغيرة والدكاكين المتناثرة تختفي، لتحل مكانها المباني الكبيرة والأسوار الرخامية.

قال الرجل

لقد اقتربنا.

ولم تمضِ لحظات حتى توقفت السيارة أمام بوابة تكاد تعلو بطول رجلين. كانت من الحديد المزخرف بنقوش ملتفة، وفي وسطها حرف F محفور. وعلى الجانب وقف حارس بزي رسمي، تقدم مباشرة وحيّاهم.

وحين فُتحت البوابة، بدا لليرا كأنها ترى عالمًا آخر. حديقة

واسعة تعجّ بأنواع شتى من النباتات والزهور، ونافورة توحي بأنها آتية من بلاد بعيدة، وممر من الرخام الأبيض يمتد نحو الداخل.

همست لنفسها

هذه أول مرة أرى فيها شيئًا كهذا.

وعندما اقتربوا من باب القصر، انفتح الباب تلقائيًا من الداخل، وهناك رأت للمرة الأولى السيدة دونيا فيلينا. كانت تجلس على كرسي خشبي محفور عليه شكل الورود. شعرها مصفف بعناية، وثوبها بدا كأنه من أفخر الأقمشة. لكن ما لفت النظر أكثر من كل ذلك هو عيناها؛ كانتا باردتين وحادتين، كأنهما تكشفان كل شيء عنك قبل أن تتكلم.

نظرت إلى ليرا من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم قالت ببرود

أنتِ ما زلتِ صغيرة. لكنك ستتعلمين.

لم تعرف ليرا هل تبتسم أم تشكر، فاكتفت بالانحناء وإيماءة خفيفة.

نادت السيدة

ميلا.

فخرجت من جانب الصالة امرأة ذات وجه طيب وابتسامة وديعة.

نعم يا سيدتي.

قالت دونيا فيلينا

هذه هي ليرا. ستكونين مسؤولة عنها. علّميها كل الأعمال.

اقتربت ميلا من ليرا وابتسمت لها.

تعالي يا ابنتي. أنا ميلا. أعمل هنا منذ زمن طويل، فلا تخجلي.

أجابت ليرا

شكرًا لكِ.

وشعرت بشيء من الطمأنينة.

ومن خلف الباب المؤدي إلى الحديقة، أطلّ رجل مسنّ. كان شعره أبيض، وظهره محنيًا قليلًا، لكن هيئته بقيت متماسكة. كان هذا هو مانغ أندريس، البستاني. لم يتكلم، لكنه أومأ لها بتحية بسيطة، ثم عاد إلى عمله.

وقبل أن تصعد ليرا مع ميلا، تكلمت دونيا فيلينا مرة أخرى

وأمر آخر. هنا لا نطرح الأسئلة. ما يُؤمر به يُنفَّذ، هل هذا واضح؟

أجابت ليرا بسرعة

نعم.

قالت

جيد. لا أحب أن أكرر كلامي.

صعدت ليرا الدرج بصمت، لكنها شعرت، حتى وهي تدير ظهرها، بأن السيدة لا تزال تحدق إليها. كأنها تبحث في ملامحها عن شيء ما، أو ربما تتذكر أمرًا قديمًا.

وفي الطابق الثاني، أشارت لها ميلا

إلى بعض الغرف.

هنا ستنامين. الغرفة صغيرة لكنها مرتبة. لكِ خزانة


وسرير. وليس عليكِ أن تفعلي هنا شيئًا سوى الراحة بعد العمل.

أومأت ليرا، ثم وضعت حقيبتها فوق السرير.

وأضافت ميلا

تذكّري، سيدتي صارمة. لكن إن أديتِ عملكِ جيدًا فلن تكون هناك مشكلة. فقط لا تسألي عن أمور لا تخصكِ.

ابتلعت ليرا ريقها.

نعم. سأفعل كل ما بوسعي.

ابتسمت ميلا.

هذا هو الكلام. غدًا ستبدئين بتنظيف الصالة. أما الليلة فاستريحي.

وقبل أن تغادر ميلا، ألقت ليرا نظرة من أعلى الدرج. كانت دونيا فيلينا لا تزال في الأسفل، جالسةً، تنظر نحوها. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما، شعرت ليرا ببرد نافذ في صدرها؛ نظرة متفحصة، باردة، كأن وراءها سؤالًا لا يُقال، وجوابًا تنتظره السيدة منذ زمن طويل.

وفي صباح أحد الأيام، أُمرت ليرا بأن تنظف غرفة في الطابق الثاني ظلت مغلقة منذ وقت طويل. كان الغبار كثيفًا، ورائحة الخشب العتيق تملأ المكان. وبينما كانت ترتب الصناديق، لمحت خزانة قديمة الطراز. فتحتها، فوجدت فيها بعض الملابس واللعب القديمة. وفي أسفلها كان صندوق صغير موضوعًا بعناية.

فتحته، فإذا بصورة قديمة داخل إطار ذهبي. كانت الصورة لفتاة صغيرة تكاد تكون نسخة منها.

اتسعت عيناها، ورفعت يدها إلى وجهها بذهول.

من هذه؟ ولماذا توجد صورة كهذه في هذا البيت؟

أعادت الصورة سريعًا إلى الصندوق، لكنها عند الباب لمحَت ظلّ شخصٍ كان يراقبها. أنزلت الصندوق ببطء، وحاولت أن تتظاهر بأنها لم ترَ شيئًا. كانت تشعر بنسمة باردة تدخل من النافذة المفتوحة، لكن ما جعلها ترتجف أكثر هو إحساسها بذلك الحضور القريب.

سألت بصوت خاڤت يكاد يُسمع

هل هناك أحد؟

لم يجبها أحد. كل ما سمعته كان خطوات خفيفة تبتعد عن الباب.

ارتبكت، لكنها أجبرت نفسها على متابعة التنظيف. وبينما كانت تمسح الغبار عن سطح الطاولة،

لم تستطع أن تمنع نفسها من إلقاء نظرات متكررة نحو الصندوق. ظل وجه الطفلة في الصورة يطفو في ذهنها؛ شعر طويل، فستان أبيض، وملامح مألوفة على نحو غريب، كأنها رأتها من قبل.

همست

أهي ميلا؟

لكنها كانت تعرف أن ذلك مستحيل. مع هذا، كان الشبه بينها وبين تلك الطفلة واضحًا إلى حدّ مخيف.

وبعد قليل دخلت ميلا تحمل خرقةً ووعاء ماء.

آه يا ليرا، أنتِ هنا؟ حسنًا أنك فتحتِ هذه الغرفة. لم تُنظَّف منذ وقت طويل.

نظرت إليها ليرا وسألت

أخت ميلا، لمن كانت هذه الغرفة؟

ترددت ميلا لحظة، ثم أشاحت بنظرها.

كانت تخصّ أحد أقارب العائلة لكنه رحل منذ زمن.

سألت ليرا مرة أخرى

أكان طفلًا؟

فقالت ميلا بسرعة

لماذا تسألين؟

هزت ليرا رأسها، وحاولت أن تبتسم.

لا شيء. فقط من باب الفضول. فهناك ألعاب كثيرة.

لكن في داخلها كانت الأسئلة تشتعل. لم يكن الأمر مجرد فضول، بل كان كأن شيئًا في أعماقها يدفعها لمعرفة من تكون تلك الطفلة.

وأثناء مواصلة التنظيف، لاحظت ليرا أن ميلا كانت تنظر إليها من حين لآخر، كأنها تراقب كل حركة تصدر عنها. وبعد أن انتهيا، قالت ميلا

يا ليرا، لا تفتحي الصناديق مرة أخرى. هناك أشياء هنا من الأفضل ألا تعبثي بها.

أومأت ليرا، لكن ذلك لم يزدها إلا رغبةً في معرفة السر.

وفي تلك الليلة لم تستطع النوم. في غرفتها الصغيرة خلف المطبخ، ظل وجه الطفلة في الصورة يعود إلى ذهنها مرارًا. أرادت أن تعود إلى تلك الغرفة، لكنها عرفت أنها ستُضبط إن فعلت ذلك في الليل. وقبل أن تغفو سمعت خطوات خفيفة في الممر. ظنت في البداية أنه أحد الخدم، لكنها عندما ألقت نظرة من باب غرفتها، رأت دونيا فيلينا نفسها واقفةً في آخر الممر، تحدّق نحو الغرفة التي نظفتها في النهار. وحين التقت أعينهما، استدارت السيدة بسرعة

ومضت مبتعدة.

بقيت ليرا تحدق في الفراغ بدهشة.

لماذا تبدو صاحبة القصر وكأنها تخفي سرًّا متعلقًا بتلك الغرفة؟

وفي صباح اليوم التالي، بينما كانت تقدم الفطور، عادت لتجلس مع ميلا. في البداية كان الصمت يخيّم عليهما، لكن ليرا لم تستطع أن تكتم فضولها.

أخت ميلا هل هناك من يشبهني في هذا البيت؟

نظرت إليها ميلا مندهشة.

لماذا تقولين ذلك؟

قالت ليرا

لا أدري فقط، كأنني رأيت أمس شيئًا

ولم تُكمل جملتها، إذ دخلت دونيا فيلينا المطبخ فجأة.

عمّ تتحدثان؟

قالت ميلا بسرعة

لا شيء يا سيدتي. فقط عن أعمال البيت.

وبدا القلق واضحًا على وجهها.

نظرت دونيا فيلينا إلى ليرا طويلًا قبل أن تخرج، كأن شيئًا لم يحدث. لكن ثقل تلك النظرة بقي في ذهن ليرا، وأدركت أن هناك سببًا أعمق من مجرد الصرامة يجعل السيدة تراقبها بهذا الشكل.

طوال النهار شعرت ليرا أن هناك من يتتبعها. حتى حين تكنس الحديقة أو تغسل الصحون، كانت تلمح أحيانًا ظلًّا عند النافذة أو الباب. يظهر للحظة ثم يختفي سريعًا، لكنها كانت واثقة أن ذلك ليس من نسج خيالها. ومع كل مرة، كانت رغبتها في العودة إلى الصندوق والصورة القديمة تزداد.

همست لنفسها

لا بدّ أن أعرف من تكونين، ولماذا أشعر كأنكِ أنا.

وفي المساء، بينما كانت تغسل الأطباق، سألت ليرا ميلا عن الطفلة التي في الصورة. توقفت ميلا فجأة، ونظرت حولها بحذر قبل أن تهمس

إنها ابنة دونيا فيلينا ضاعت وهي لا تزال رضيعة.

تجمدت ليرا.

كيف ضاعت؟

قالت ميلا، وصوتها يرتجف قليلًا

كانت هناك خادمة في ذلك الوقت حاولت الهرب بالطفلة. ومنذ ذلك اليوم لم يُعثر عليها أبدًا.

سكتت ليرا، لكن حيرتها ازدادت عمقًا. لم تستطع أن تفسر لماذا تشعر بوجود صلة بينها وبين تلك الطفلة، خصوصًا وأن كلتيهما تحملان ندبة

صغيرة فوق الحاجب الأيمن.

وبينما كان الماء البارد ينساب على يديها أثناء غسل الصحون، كان البرد الحقيقي في صدرها.

لماذا نشبه بعضنا إلى هذا الحد؟ أهو مجرد مصادفة؟ وإن كانت ابنة دونيا فيلينا فعلًا، فأين أصبحت الآن؟

اقتربت ميلا منها، ووضعت الأكواب المبللة على الرف بهدوء، ثم نظرت إليها مباشرة وقالت

ليرا، اسمعيني جيدًا. لا تذكري لدونيا فيلينا شيئًا عن تلك الصورة مرة أخرى. الأمر خطړ.

سألتها ليرا هامسة

ماذا تعنين؟

أجابت ميلا

لا أعرف القصة كاملة. لكن منذ اختفاء ابنتها وهي شديدة القوة والصرامة مع كل من في البيت. وقد طردت خدمًا من قبل لمجرد أنهم طرحوا أسئلة. لا أريد أن يصيبك مكروه.

ظلت ليرا صامتة، تخفي خلف ذلك الصمت ڼار الفضول المتقدة داخلها. لم تفهم السبب، لكن بدلًا من أن تخاف، صارت أكثر رغبة في البحث عن الحقيقة. كان هناك شيء ما يدفعها إلى الاستمرار.

وبعد أن انتهت من أعمالها، صعدت إلى غرفتها الصغيرة خلف المطبخ. ومن خلال الستارة الخفيفة كانت ترى الحديقة الهادئة المضيئة بأنوار ناعمة. وفي وسطها رأت دونيا فيلينا جالسة على مقعد من الحديد، تحمل كأسًا من الشراب، وتحدق في البعيد، كأنها تحمل في صدرها حملًا ثقيلًا.

ظلت ليرا تراقبها لحظات، وعاد إلى ذهنها وجه الطفلة في الإطار الذهبي.

إن كنتُ أنا تلك الطفلة، فذلك مستحيل لكن لماذا أشعر بهذا الشعور؟

وفي صباح اليوم التالي، بينما كان أصحاب البيت يتناولون فطورهم، كانت ليرا منشغلة بصبّ القهوة لدونيا فيلينا. لم تنظر إليها السيدة، لكن حين سكبت القهوة التقت عيناهما لحظة. فتجمدت دونيا فيلينا لثانية قبل أن تعود إلى صحيفتها.

ثم قالت

ميلا.

نعم يا سيدتي.

تأكدي ألا يدخل أحد إلى الغرفة في الطابق الثاني، خصوصًا إلى الخزانة

القديمة. لا أحد ېلمس شيئًا هناك.

أجابت ميلا فورًا

نعم يا سيدتي.

لكنها لم تستطع

 أن تمنع نفسها من إلقاء نظرة سريعة على ليرا.

شعرت ليرا بقشعريرة باردة تسري في ظهرها.

هل تعرف السيدة أنها عبثت بالأشياء هناك؟ أم أنها فقط شعرت بأن أحدًا فتح تلك الغرفة؟

وبعد الفطور، طلبت منها ميلا أن تنظف جزءًا آخر من البيت. لكن بينما كانت تكنس قرب الدرج، سمعت دونيا فيلينا تتحدث مع مانغ أندريس في الشرفة.

قال مانغ أندريس بصوت منخفض

حتى الآن لا يوجد أي خبر. ربما ربما لم تعد موجودة أصلًا.

فردت دونيا فيلينا بحزم

لن أتوقف. أعلم أنها ما زالت على قيد الحياة. لن أصدق بسهولة أنها اختُطفت ثم اختفت هكذا.

ورغم أن ليرا لم تسمع الحديث كاملًا، إلا أن ما سمعته كان كافيًا ليزيد اضطراب ذهنها. فقد باتت تملك شذرات متناثرة من الحقيقة، لكن الصورة الكاملة ما زالت غائبة.

وفي الليل، قبل أن تنام، أخرجت من حقيبتها العقد الباهت الذي حملته معها دومًا. فتحته ببطء وهي تسترجع ماضيها. لم تكن تملك ذكريات كثيرة عن أمها. وكان والدها يقول إنها ماټت وهي لا تزال رضيعة، ولم يترك لها الزمن منها شيئًا سوى هذا العقد.

فتحت المعلّقة الصغيرة، فوجدت فيها قصاصة ورق صغيرة كانت تعرف منذ زمن أنها موجودة هناك، لكنها لم تفتحها قط. وربما لأنها كانت تخاف من معرفة ما فيها. لكن تلك الليلة، شعرت وكأن قوة خفية تدفعها إلى فتحها.

أخرجت الورقة برفق، ورأت كتابة صغيرة طمستها السنون، لكن حرفًا واحدًا ظل واضحًا

F

شدّت ليرا العقد في يدها.

ف فيلينا؟

ابتلعت ريقها، وقلبها يخفق بسرعة. إن كان حدسها صحيحًا، فإن ذلك الحرف قد يكون مرتبطًا بصاحبة القصر التي تعمل لديها الآن.

عادت إلى ذهنها صورة الطفلة في الخزانة، والندبة عند الحاجب، ونظرة دونيا فيلينا إليها في اليوم الأول، والآن ذلك الحرف F. شعرت أن الإجابة

تقترب منها، لكنها في الوقت نفسه كانت تخاف منها أكثر.

وفي الأيام التالية، بدأت ليرا تلاحظ أن دونيا فيلينا كثيرًا ما ترمقها بنظرات خاطفة، خاصة عندما تظن أنها لا تراقبها. أحيانًا، وهي تمسح الطاولة في غرفة الطعام الكبيرة، كانت تشعر بنظرة باردة حادة من صدر المائدة. لم تكن تلك مجرد نظرة سيّدة إلى خادمة؛ بل كان فيها تفحّص، كأنها تبحث عن شيء في وجهها.

وفي إحدى المرات قالت لها دونيا فيلينا، وهي جالسة تحمل فنجان شاي

ليرا.

نعم يا سيدتي.

قرّبي هذا المصباح من هنا، المكان مظلم.

ففعلت ليرا ما أُمرت به، لكن السيدة باغتتها بسؤال

أين نشأتِ تحديدًا؟ تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

لم تجب ليرا فورًا، ليس لأنها لا تعرف، بل لأن السؤال بدا وكأنه يحمل ثقلًا آخر.

ثم قالت

في الريف يا سيدتي، مع أبي. أما أمي فقد ماټت منذ زمن.

ظلت دونيا فيلينا صامتة، ولم ترفع عينيها عنها. وبعد لحظات غيّرت الموضوع، لكن ليرا بقي معها شعور بأن السيدة كانت تحاول أن تكتشف فيها شيئًا مخفيًا.

وفي عصر ذلك اليوم، بينما كانت تسقي النباتات في الحديقة، صادفت مانغ أندريس. كان في العادة قليل الكلام، يكتفي ببضع كلمات ثم ينصرف. لكن في ذلك اليوم بدا أكثر نفورًا من المعتاد.

قالت له

مساء الخير.

أومأ فقط، ثم استدار سريعًا ليعود إلى تقليم الشجيرات. لكن قبل أن يبتعد، سمعته ليرا يهمس لميلا التي كانت تقترب من الجانب الآخر من الحديقة

إنها تشبهها فعلًا.

توقفت ليرا فجأة، ودق قلبها بقوة.

من تقصدان؟

اقتربت منهما بسرعة، فتبادل كل من ميلا ومانغ أندريس نظرة ارتباك، كأنهما ضُبطا متلبسين بسرّ.

قالت ميلا بسرعة

لا شيء.

ثم انحنت تتظاهر بإزالة بعض الأوراق اليابسة من الأصيص. أما مانغ أندريس فدخل إلى البيت مباشرة دون أن ينطق بكلمة أخرى.

وفي

طريقها إلى المطبخ، لم يفارق السؤال ذهن ليرا

لماذا يبدو وكأنهما يعرفان شيئًا لا أعرفه أنا؟ ولماذا أشعر أن المقصودة في حديثهما هي أنا؟

حلّ الليل، وعادت إلى غرفتها الصغيرة في مؤخرة البيت. وما إن تمددت على السرير حتى بدأت تلك المشاهد تتلاحق في رأسها نظرة دونيا فيلينا، همس مانغ أندريس، والأسئلة التي لا تجد لها جوابًا. وكلما مر يوم، ازداد الغموض عمقًا. كان كل من في البيت، كما يبدو، يخفي شيئًا، وهي بدأت تشعر بأنها في قلب ذلك السر.

وفي إحدى الليالي، هطلت أمطار غزيرة، وكان البرق يلمع مرارًا، ويتبعه الرعد كأنه يشق السماء شقًّا. كانت ليرا في المطبخ ترتب الأكواب والصحون حين تذكرت أنها لم تنقل بعد الشاي إلى دونيا فيلينا. رفعت رأسها نحو الساعة المعلقة على الجدار.

الساعة السابعة والنصف مساءً.

فكرت

لابد أنها تبحث عنه الآن.

وضعت الشاي على الصينية بسرعة، وأضافت إليه صحنًا صغيرًا من البسكويت، ثم صعدت إلى الطابق الثالث. كان لذلك الطابق هدوء غريب؛ لم يكن يُسمع فيه سوى وقع المطر على النوافذ، وصوت نعليها الخفيف فوق الأرضية اللامعة. وعلى جانبي الممر كانت صور قديمة معلقة صور عائلية، وولائم فاخرة، وبعض الصور الملتقطة في حديقة القصر.

وعندما وصلت إلى آخر الممر، وجدت باب غرفة دونيا فيلينا مواربًا. طرقت الباب بلطف وقالت

سيدتي، هذا هو الشاي.

جاءها صوت السيدة من الداخل

ادخلي.

دخلت بهدوء. كانت الغرفة واسعة، تفوح منها رائحة عطرية ناعمة، وتمتلئ بالأثاث الفاخر. كانت دونيا فيلينا جالسةً قرب النافذة، تنظر إلى الخارج وتمسك كتابًا لا يبدو أنها كانت تقرؤه حقًا.

وضعت ليرا الصينية على الطاولة الصغيرة بجانبها، لكنها في أثناء ذلك لم تنتبه إلى أن منديلًا أبيض سقط من جيب

تنورتها. لاحظت دونيا فيلينا الأمر، فانحنت والتقطته. وفي تلك اللحظة نفسها، لمحت شيئًا صغيرًا لامعًا يتدلى من عنق ليرا.

اتسعت عيناها فجأة، وكأن برودة اجتاحت الغرفة كلها.

قالت بلهجة مشدودة

من أين حصلتِ على هذا؟

وكانت تحدق مباشرة في العقد المعلق في عنق ليرا.

تفاجأت ليرا، ووضعت يدها على العقد كأنها تريد إخفاءه.

هذا؟

قالت السيدة بصرامة

نعم.

ترددت ليرا لحظة، وشعرت ببرودة في راحتيها.

كان لأمي قبل أن ټموت. تركته لي.

ساد الصمت. وتحولت ملامح دونيا فيلينا من الشدة إلى شيء يشبه الصدمة والألم. ثم أعادت نظرها ببطء نحو النافذة، كأنها تجمع ما بقي من قوتها لتتكلم.

قالت بصوت خفيض

غدًا سنتحدث.

لم تقل ليرا شيئًا، وإنما أومأت فقط. ثم حملت الصينية وخرجت. لكنها وهي تنزل الدرج لم تستطع أن تُخرج من رأسها ملامح السيدة في تلك اللحظة. كان واضحًا أن ذكرى قوية ومفاجئة قد انبعثت في ذهنها.

وفي غرفتها الصغيرة في مؤخرة البيت، بقيت ليرا ساهرة تتأمل العقد مرارًا. كان دائرة صغيرة، محفورًا عليها رسم وردة، وحروفًا كادت تمحوها الأيام. لم تتذكر متى كانت آخر مرة فتحته فيها، وفي الحقيقة كانت تخشى ذلك.

وقالت في نفسها

لماذا كان ردّ فعلها هكذا؟ كأنها تعرف هذا العقد وكأنها كانت تبحث عنه منذ زمن.

وفي الخارج استمر المطر في الانهمار، وكانت طرقاته على السقف تغمر القصر كله. ومع كل ومضة برق، كانت كلمات دونيا فيلينا تتردد في رأسها

غدًا سنتحدث.

كانت معلقة بين الخۏف والفضول. ولم تشأ أن تسترسل في الظنون، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من التساؤل

هل لهذا العقد صلة بصورة الطفلة التي رأيتها؟ تلك الطفلة ذات الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيمن الندبة نفسها التي أملكها أنا؟

وفي صباح اليوم التالي،

استُدعيت ليرا إلى مكتب السيدة. كان الجو في القصر ثقيلًا منذ الصباح

 

الباكر، كأن سرًّا معلقًا يضغط على الجدران. مشت ليرا بصمت في الممر الطويل، وكان كل وقع لخطواتها كأنه يقرع في صدرها.

ولما فتحت باب المكتب، رأت دونيا فيلينا جالسة خلف مكتب كبير، رافعة حاجبها، تنظر إليها مباشرة. وعلى الجانب كان مانغ أندريس واقفًا، يبدو عليه التوتر، كأنه يضيق بالتنفس.

جلست ليرا على الكرسي المقابل للمكتب. وحتى قبل أن يبدأ الحديث، كانت تشعر بثقل الصمت المشحون بين الثلاثة.

سألتها دونيا فيلينا من جديد، بصوت منخفض لكنه ثقيل

ما الاسم الكامل لأمك؟

أجابت ليرا بتردد

لا أعرف لقبها يا سيدتي. كل ما أعرفه هو اسمي أنا. وقد كانت أمي روزا هي التي ربتني. لكنني لم أعش معها طويلًا لأنها ماټت مبكرًا.

بادرت السيدة بالسؤال

وكيف حصلت عليكِ؟

قالت ليرا

لا أعلم. كنت صغيرة جدًا. منذ وعيت على الدنيا وأنا معها. ولا أتذكر أحدًا غيرها.

ارتجف صوتها وهي تتكلم.

ساد الصمت لحظة، ولم يُسمع سوى صوت الساعة القديمة على الجدار.

وفجأة تكلم مانغ أندريس بصوت مرتعش

سيدتي إنها هي.

التفتت إليه دونيا فيلينا، وعيناها تشتعلان

أأنت متأكد يا أندريس؟

أومأ الرجل العجوز، ثم قال بعد نفس عميق

أنا من رأى الخادمة في تلك الليلة وهي تهرب بالرضيعة. كان ذلك قبل أكثر من ستة عشر عامًا. تبعتها حتى المرفأ، لكنها أفلتت مني قرب الرصيف وسقطت على قارب أحد الصيادين. رأيت تلك الطفلة بعيني وهي هي نفسها.

شعرت ليرا كأن الډم انسحب من وجهها. بردت يداها وقدماها، وأخذ صوت نبضها يعلو في أذنيها. لم تستطع الكلام.

أتكون هي نفسها تلك الرضيعة؟

كيف؟

أهذا ممكن؟

همست بصعوبة

لا ربما أنت مخطئ.

هزّ مانغ أندريس رأسه.

لست مخطئًا. ما زلت أذكر وجهها بوضوح. كانت تحمل ندبة عند الحاجب الأيمن مثل ليرا تمامًا.

رفعت ليرا يدها

إلى حاجبها، كأنها لم تنتبه من قبل إلى تلك الندبة الصغيرة التي ترافقها دائمًا.

وقالت دونيا فيلينا بصوت بارد يرتجف

إن كان ما تقوله صحيحًا يا أندريس فهذا يعني

وتوقفت، لكنها لم تكن بحاجة إلى إكمال الجملة. فالمعنى كان واضحًا.

وقفت ليرا، وهي ما تزال ترتجف.

يا سيدتي، أنا لا أفهم ما تقولونه. كل ما أعرفه أنني نشأت في بيت بسيط مع أمي روزا، ولم يخبرني أحد قط أنني اختُطفت.

قاطعتها دونيا فيلينا بسرعة وهي تشير إلى العقد في عنقها

وكيف تفسرين هذا إذن؟ هذا العقد كان ملكًا لابنتي يوم اختفت.

قالت ليرا

لكن أمي قالت إنه كان لها.

فقالت دونيا بحزم

لا. أعرف هذا العقد جيدًا. أنا من اخترته بنفسي قبل أن تولد ابنتي. لا يمكن أن يكون الأمر مصادفة.

شعرت ليرا أن بصرها بدأ يضطرب، وأن الغرفة تدور من حولها. كانت الكلمات التي تسمعها أشبه بقطع متناثرة من أحجية يستحيل تركيبها.

قالت دونيا فيلينا

ستتذكرين كل شيء مع الوقت. لكن قبل ذلك أريد أن أعرف منكِ كل ما تعرفينه عن أمك روزا. من تكون؟ من أين جاءت؟ وكيف عرفتك؟

أغمضت ليرا عينيها وهزّت رأسها.

لا أعرف شيئًا أكثر. كنت صغيرة حين أخذتني إلى البلدة. ولم أعرف أحدًا غيرها.

وتدخل مانغ أندريس مرة أخرى

سيدتي، أتذكر أن الخادمة في تلك الليلة لم تكن وحدها. كان معها رجل يرتدي السواد، وكانا يسرعان نحو القارب. إن استطعنا الوصول إلى ذلك الرجل، فسنكشف الحقيقة كاملة.

قالت دونيا فيلينا بصوت خاڤت لكنه حاد

إن كان كلامك صحيحًا، فنحن مدينون لهذه الفتاة منذ زمن طويل.

ثم نظرت إلى ليرا نظرةً مثقلة بالألم.

ولم تستطع ليرا أن تظل صامتة أكثر، فقالت

لماذا؟ من أكون أنا حقًا؟ ماذا تقصدون؟

أجابت دونيا فيلينا بصرامة

غدًا ستعرفين. عليّ أولًا أن أتأكد من كل شيء.

وخيم

الصمت على الغرفة من جديد. كانت ليرا تشعر بأن هناك سرًّا على وشك الانفجار، لكن السيدة ما زالت تكبحه، كأنها تقيس ما إذا كانت الفتاة مستعدة لتحمل الحقيقة.

وعندما خرجت ليرا من المكتب، لم تغادر ذهنها نظرة السيدة ولا عبارة

ابنتي المفقودة.

كأن قوة خفية بدأت تجذبها إلى ماضٍ لم تعرفه يومًا.

وفي صدرها بدأ يتشكل سؤال واحد لا تجد له جوابًا

أأنا حقًا تلك الطفلة؟

وبعد ما قاله مانغ أندريس، لم تضيع دونيا فيلينا الوقت. استدعت فورًا طبيبًا من المدينة لإجراء فحص الحمض النووي. بقيت ليرا جالسة في زاوية الأريكة بصمت، تعبث بطرف تنورتها القديمة. كانت تشعر بثقل العيون الموجهة إليها دونيا فيلينا، وميلا، ومانغ أندريس. كان الجميع ينتظر شيئًا سيغير كل ما تعرفه عن نفسها.

قالت دونيا للطبيب، وصوتها بارد لكنه مرتجف

هل يمكننا أن نبدأ؟

أومأ الطبيب وأخرج أدواته.

سنأخذ فقط عيّنة مسحة من داخل فم الفتاة، ومثلها من حضرتكِ يا سيدتي.

أمسكت دونيا فيلينا بيد ليرا. كانت يدها دافئة وفيها رجفة خفيفة.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

لا تخافي. لن يستغرق الأمر وقتًا.

لم تجب ليرا. كانت كأنها معلقة في الهواء، تفكر كيف تبدلت حياتها كلها منذ اللحظة التي رأت فيها تلك الصورة القديمة.

أدخل الطبيب عود المسحة القطني المعقم في فم ليرا، وأداره برفق. شعرت ببرودة غريبة من الأداة. ثم فعل الشيء نفسه مع دونيا فيلينا.

قال الطبيب وهو يضع العينات في وعاء مغلق بإحكام

يمكنكِ الاطمئنان، كل شيء سيبقى سريًا. وقد تستغرق النتيجة من ثلاثة إلى خمسة أيام.

وحين غادر الطبيب، عاد الصمت يهيمن على الصالة. لم يرغب أحد في الكلام، لكن الجميع كانوا يدركون أن كل ثانية من الانتظار ستبدو كأنها عام كامل.

وفي الأيام التالية، لم تعرف ليرا طعم الراحة. كانت تستيقظ

صباحًا، وتؤدي أعمالها في القصر؛ تكنس، وتنظف، وترتب المائدة. لكن قلبها لم يكن حاضرًا مع كل ذلك. كان ذهنها يعود دائمًا إلى الريف، إلى البيت الخشبي الصغير، إلى صوت الرجل الذي سمّته أباها منذ طفولتها.

وكانت تهمس في نفسها صباحًا وهي تكنس الفناء

إن كان ما يقولونه صحيحًا فهل يعني ذلك أنه ليس أبي الحقيقي؟

اقتربت منها ميلا، وربتت على كتفها.

يا ابنتي، تناولي الطعام أولًا. لا يصح أن تعملي بلا توقف.

ابتسمت ليرا ابتسامة شاحبة.

شكرًا يا أخت ميلا.

لم تستطع أن تقول لأحد ما يدور في داخلها، حتى لميلا التي أصبحت قريبة منها. كانت تخشى أن ينطق لسانها بشيء فيتغير كل شيء نهائيًا.

وفي إحدى الليالي، بينما كانت مستلقية في غرفة الخدم الصغيرة، كانت تسمع صوت المطر وهو يقرع السقف. ظلت تحدق في السقف طويلاً وهي تفكر في ما سيحدث عندما تظهر النتيجة.

إن صحّ الأمر، فهذا يعني أنني كنت مفقودة عنهم كل هذا الوقت. لكن كيف وصلت إلى أبي؟

أغمضت عينيها، لكن الدموع انهمرت رغمًا عنها. كانت كل قطرة مطر توقظ ذكرى الليالي التي كان أبوها يضمها فيها حين تخاف من الرعد، والصباحات التي كانا يعدان فيها الفطور معًا، وضحكاتهما البسيطة تحت الشمس.

ومرت ثلاثة أيام.

ومنذ الصباح بدا الهواء في القصر أثقل من المعتاد. اجتمع الجميع في مكتب دونيا فيلينا ليرا، وميلا، ومانغ أندريس. كان المكان ساكنًا، لا يُسمع فيه سوى صوت عقارب الساعة القديمة.

ثم طُرق الباب. دخل رجل من العيادة يحمل ظرفًا أبيض عليه ختم المستشفى. ناوله لدونيا فيلينا، فتناولته بيدين مرتجفتين.

قالت باقتضاب

شكرًا.

ثم خرج الرجل، تاركًا وراءه صمتًا أشد وطأة.

جلست دونيا فيلينا تنظر إلى الظرف، وكأنها تريد فتحه مرات كثيرة لكنها تفتقر إلى الشجاعة. وأخيرًا،

شقت طرفه ببطء وأخرجت الورقة.

كانت تقرأ، ومع كل سطر كانت ملامح وجهها تلين.

 

ثم سقطت دمعة أولى، وتبعتها أخرى. أغلقت عينيها لحظة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت

تسعة وتسعون فاصلة تسعة بالمئة أنتِ ابنتي يا ليرا.

ساد سكون أشبه بتوقف العالم.

ظلت ليرا تحدق فيها وهي لا تزال تمسك طرف ثوبها. لم تستطع أن تتحرك أو تنطق. اقتربت دونيا فيلينا منها فجأة، واحتضنتها بقوة.

يا ابنتي لقد بحثت عنكِ طويلًا. ظننت أنكِ رحلتِ إلى الأبد.

لكن ليرا بقيت واقفة بلا حراك. لم تكن مستعدة بعد لاحتضان الحقيقة. كان بينهما جدار من الارتباك والخۏف والأسئلة التي لا جواب لها.

همس مانغ أندريس، وقد بدا أنه يكبح دموعه

إذن هي حقًا.

قالت دونيا فيلينا

لم يعد هناك شك.

وفي الدقائق التالية تطايرت الكلمات في الغرفة شروح، واعتذارات، وقطع من الماضي بدأت تتجمع ببطء. لكن في قلب ليرا لم تتشكل صورة واضحة بعد. التفتت نحو النافذة بصمت. في الخارج بدأ المطر يخف، غير أن السماء بقيت داكنة، كأنها مرآة لما يعتمل في نفسها.

وفي الأيام التي تلت تأكيد فحص الحمض النووي لكل شيء، بدا العالم كله مختلفًا بالنسبة إلى ليرا.

في السابق، كانت تستيقظ كل صباح في القصر وهي تتوقع أن تجد قائمة طويلة من الأعمال المنزلية بانتظارها كنس الحديقة، ومسح الأرضيات، وغسل الستائر. أما الآن، فلم يعد يُطلب منها أيٌّ من ذلك. بل صار هناك خدم آخرون يتولّون تلك الأعمال بدلًا منها. وكانت يداها اللتان اعتادتا الكدّ والعرق كأنهما لم تعودا تعرفان ما تمسكان به.

في اليومين الأولين، شعرت بغربة شديدة. فإذا رأت كأسًا متسخة على المائدة حملتها تلقائيًا إلى المطبخ، لكن إحدى الخادمات كانت تستوقفها قائلةً بأدب

اتركيها لي يا آنسة ليرا.

فتكتفي بابتسامة باهتة. لكنها في داخلها لم تكن تصدق أن

أحدًا يناديها الآن بالآنسة.

وفي كل ليلة، حين كانت تستلقي على السرير الوثير المعطر الذي يغوص فيه جسدها من نعومته، لم تكن تستطيع أن تمنع نفسها من تذكّر الغرفة البسيطة في بيتهم في القرية. هناك كانت رائحة الأرز والتراب تملأ المكان، خاصة حين يهطل المطر. وكان فراشها هناك رقيقًا، فيه رقع وشقوق، لكنه كان الفراش الذي عرفت عليه النوم.

وكان يشتد حنينها إلى صوت أبيها كل صباح، وهو يستخرج الماء من المضخة اليدوية

صباح الخير يا ابنتي، هيا تعالي لنتناول الفطور.

عبارة بسيطة، لكنها كانت تكفي لتملأ يومها دفئًا.

وفي صباح من تلك الصباحات، كانت تجلس قبالة دونيا فيلينا على مائدة الإفطار الفخمة. كان الصمت يملأ المكان، لا يقطعه إلا رنين خفيف صادر عن الملاعق والأكواب. وكانت المائدة طويلة، عليها مفرش فاخر، وفي وسطها مزهرية مليئة بورود طازجة، تفوح منها رائحة تدل على أنها ليست من تلك التي تُشترى من الأسواق العادية. وقدّم الخدم لهما شوكولاتة ساخنة وخبزًا طازجًا محشوًّا، بدا ألذّ من كل ما سبق أن تذوقته ليرا في البلدة.

قالت دونيا فيلينا برفق وهي تراقبها من الطرف الآخر للطاولة

ليرا ألا ترغبين في البقاء هنا؟

توقفت ليرا عن الأكل، ونظرت إليها بتردد.

لست أدري يا سيدتي

ثم أضافت بصوت منخفض

لكن أبي هناك. هو الذي ربّاني. لا أستطيع أن أتركه هكذا ببساطة.

انعقد حاجبا دونيا قليلًا، ثم سرعان ما لانت ملامحها.

أفهم ما تقولين. لكنك ابنتي يا ليرا. وبعد كل هذه السنوات، وجدتُك أخيرًا. أريد أن أعوّضك عن كل ما فات. سأوفر لك كل ما تحتاجينه، ولن تكوني مضطرة إلى العمل بعد الآن.

خفضت ليرا نظرها، تبحث عن الكلمات المناسبة.

أعرف أن نيتك طيبة، وأنا ممتنة جدًا لكل

ما تفعلينه. لكنني لا أستطيع أن أنسى الحياة التي نشأت فيها. هناك تعلمت الاجتهاد، وهناك تعلمت الحلم. وهناك قلبي.

لم تقل دونيا فيلينا شيئًا بعد ذلك، لكن الحزن كان واضحًا في عينيها.

وبعد الإفطار، خرجت ليرا تتمشى في حديقة القصر. كان المكان أشبه بحلم لم ترَ مثله من قبل؛ مروج واسعة، وأزهار وردية وصفراء وبيضاء تزداد بريقًا تحت ضوء الشمس، ورائحة الفل والورد العطري تسري في الهواء. لكن رغم كل هذا الجمال، كانت تشعر أن شيئًا ما ما زال ناقصًا.

ليرا!

التفتت، فرأت مانغ أندريس واقفًا في ظل شجرة مانجو.

نعم يا مانغ أندريس؟

اقتربت منه ببطء.

قال لها

قرارك بأن تعودي إلى أبيك أولًا قرار صائب. لا حاجة بك إلى استعجال كل شيء. أعرف أن ما حدث لك تغيير هائل. لكن سيأتي وقت تكونين فيه أنت وحدك القادرة على تقرير أين مكانك حقًا.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

شكرًا لك يا مانغ أندريس. أحيانًا أشعر أنني لم أعد أعرف من أكون.

قال الرجل العجوز تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

يا ليرا، ليس الاسم ولا المال هما ما يحددان هوية الإنسان. إنما قلبه وما يقدّره. وإذا كنت تحبين أباك، فلا خطأ في أن تختاريه.

وفي تلك الليلة، جلست ليرا على طرف السرير وفتحت صندوقًا صغيرًا كان أبوها قد أعطاها إياه منذ زمن. وجدت فيه الشريط القديم الذي كانت تربط به شعرها يوم دخلت المدرسة لأول مرة، وصورةً لها معه تحت شجرة المانجو في ساحة بيتهم. عندها انهمرت دموعها، لأنها فكرت

ماذا لو تغيّر كل شيء إذا بقيت هنا؟ ماذا لو لم أعد أستطيع الرجوع إلى تلك الحياة البسيطة أبدًا؟

وفي صباح اليوم التالي، استدعتها دونيا فيلينا إلى مكتبها. كانت الغرفة تعجّ بالأثاث الفاخر، والصور، والقطع الأثرية التي بدت كأنها من زمن قديم. وعلى منتصف

المكتب كان هناك ظرف أبيض.

قالت دونيا وهي تمدّه إليها

خذي هذا. إنه أجرة عودتك إلى القرية، وفيه أيضًا مبلغ إضافي لأبيك. أعلم أن هذا لا يكفي ليعادل الحب الذي منحك إياه، لكنني آمل أن يساعدكما.

ظلّت ليرا تنظر إلى الظرف لحظات، قبل أن تقول بصوت منخفض

شكرًا لكِ يا سيدتي بل يا أمي.

لمعت عينا دونيا فيلينا عند سماع تلك الكلمة، لكنها لم تقترب منها.

وقالت بصوت مخټنق

عودي إليّ يا ابنتي هذا كل ما أرجوه.

وفي صباح اليوم التالي، أوصلها مانغ أندريس إلى موقف الحافلات. كان الطريق من القصر إلى البلدة صامتًا. وكانت ليرا تنظر من النافذة إلى الحقول، والدكاكين الصغيرة، والأطفال الذين يلعبون عند جوانب الطريق. وكانت كل تلك المناظر تبدو أقرب إلى قلبها من الأرضيات الرخامية اللامعة في القصر.

وقبل أن تنزل، قال لها مانغ أندريس

لا تظني أنك مدينة لنا بشيء يا ليرا. أنت ابنة السيدة، نعم، لكن قبل ذلك كله أنت إنسانة طيبة. وأينما اخترتِ أن تكوني، فذلك وحده هو الذي سيحدد شكل الحياة التي ستسلكينها.

أومأت وهي تحاول أن تبتسم.

شكرًا لك يا مانغ أندريس. لن أنسى أبدًا كل ما فعلتموه لأجلي.

وفي الحافلة العائدة إلى القرية، ظلت تنظر من النافذة. وكانت السحب في الأفق ثقيلة، كأنها تحمل كل ما يثقل قلبها. ومع كل كيلومتر تقطعه الحافلة، كانت تشعر بمزيج من الفرح والخۏف. فقد أدركت أنه سيأتي يوم تضطر فيه إلى الاختيار بين الحياة التي نشأت فيها، والحياة التي لم تعرفها إلا الآن. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا لديها في تلك اللحظة

إنها لم تكن مستعدة بعد.

ومع ذلك، كانت تعرف أن يوم المواجهة سيأتي. وستقف فيه أمام ذلك القرار، حاملةً معها كل الذكريات، وكل الحب، وكل الدروس التي

انطبعت في قلبها.

وبعد أسبوعين، كان الصباح مشرقًا حين صعدت

 ليرا مع أبيها الذي ربّاها إلى سيارة الأجرة العامة المتجهة إلى البلدة. لم يكن في أيديهما متاع كثير، لكن كليهما كان يشعر بثقل المشاعر في القلب. جلست ليرا بصمت تنظر من النافذة إلى المشاهد المألوفة التي تمرّ بهم الحقول، وأشجار جوز الهند، والبيوت الصغيرة التي كانت تراها كل يوم من قبل. ولم تستطع أن تفسر لماذا كان كل منظر منها يحمل لها معًا شيئًا من الفرح وشيئًا من الحزن.

كان إلى جوارها الأب إرنستو، مرتديًا قميصًا نظيفًا يبدو كأنه كُوي للتو. ومن حين إلى آخر كان يبتسم لها، ويضغط على يدها برفق، كأنه يطمئنها أنه لن يتركها مهما حدث.

وحين وصلا إلى البلدة، ركبا السيارة التي أرسلتها دونيا فيلينا لتقلّهما. كانت السيارة كبيرة، ومقاعدها ناعمة، ورائحتها زكية. وظل الثلاثة صامتين، ليرا وأبوها والسائق، حتى لاحظت ليرا كيف بدأ المشهد خارج النافذة يتغير سريعًا؛ من الطرق الضيقة في القرية إلى الشوارع الواسعة المعبدة في المدينة.

وبعد دقائق، ظهرت أمامهم بوابة القصر الكبيرة. لم تعد تلك البوابة لغزًا بالنسبة إلى ليرا كما كانت من قبل. لكن الإحساس هذه المرة كان مختلفًا تمامًا. ففي السابق دخلت هذا المكان بوصفها خادمةً تحمل في قلبها الخۏف والرهبة. أما الآن، فهي تعود إليه بصفتها ابنة صاحبته.

وحين انفتحت البوابة، سارت السيارة ببطء في الممر المحاط بأشجار النخيل. ورأت ليرا البيت الكبير المهيب، وفي أعلى الدرج كانت دونيا فيلينا واقفة، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون كريمي، لكنها بدت كأنها أعدّت نفسها بعناية لهذا اليوم الخاص.

ولما نزلت ليرا من السيارة، كانت ما

تزال ممسكة بيد أبيها إرنستو.

قالت دونيا فيلينا وعيناها تمتلئان بالدموع

ليرا إرنستو

لم يعد في صوتها ذلك الجفاء القديم، بل حلّ مكانه دفء وانكسار.

اقتربت من ليرا، وربّتت برفق على خدها، ثم قالت

من الآن فصاعدًا، لن تعملي هنا. أنت ابنتي.

اهتز قلب ليرا عند سماع هذه الكلمات، وشعرت كأن الجدران التي كانت تفصلها عن الحقيقة قد اڼهارت دفعة واحدة. ومن طرف عينها، رأت أباها إرنستو يبتسم، رغم أن عينيه كانتا حمراوين من التأثر.

قالت ليرا بصوت متهدج

شكرًا يا يا أمي.

فشهقت دونيا فيلينا، ثم جذبتها إلى حضنها بقوة. كان ذلك الحضن أشبه بحضن انتظرته سنوات دون أن تعرف. حضڼ غريب ومألوف في آنٍ واحد، كأن الډم الذي يجري بينهما بدأ أخيرًا يجد طريقه إلى القلب.

أما الأب إرنستو فلم يستطع أن يمنع نفسه من الابتسام وسط دموعه.

وقال

شكرًا لكِ يا سيدتي بل يا ماما فيلينا على قبولك لها.

فابتسم الجميع من طريقته المتعثرة في نطق الاسم الجديد.

ثم دعتهم إلى الدخول. وعندما دخلوا الصالة، وقعت عينا ليرا مرة أخرى على تلك الصورة الكبيرة المعلقة على الجدار؛ صورة الطفلة التي حيّرتها يومًا ما. كانت في السابق تنظر إليها بدهشة وأسئلة لا تنتهي. أما الآن، فقد عرفت أخيرًا أنها هي تلك الطفلة.

وفي تلك النظرة، رأت حياتها كلها من فتاة ريفية بسيطة، إلى من تكتشف هويتها الحقيقية بعد كل تلك السنوات.

قالت دونيا فيلينا وهي تشير إلى الصورة

إن أردتِ، يمكننا أن نرسم صورة جديدة لنا معًا. لكنني أريد أيضًا أن تبقى هذه الصورة هنا كتذكار.

أومأت ليرا وقالت

فلنتركها هنا يا أمي. فهي تذكّرنا بأن

الإنسان قد يضيع لكنه قد يُعثر عليه من جديد.

وعند مائدة الطعام، جلس الثلاثة يتناولون غداءً فاخرًا دجاجًا مطهوًا، وحساءً حامضًا بالروبيان، وحلوى ليتشي فلان التي كانت ليرا تحبها. وأثناء الطعام، لم تعد دونيا فيلينا رسمية كما كانت من قبل. أخذت تسأل ليرا عن حياتها في القرية، وعن كيف تعلمت غسل الملابس في النهر، والزراعة في الحقل، والطهو بالحطب. وكانت تصغي إلى كل كلمة كأنها كنز تعثر عليه للمرة الأولى.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

قالت ليرا بعد لقمة من الأرز

يا أمي، حتى لو بقيت هنا، أريد أن أعود أحيانًا إلى القرية. هناك أصدقائي، وهناك ذكريات أمي.

وضعت دونيا فيلينا يدها على يدها وقالت

نعم يا ابنتي، لن أمنعك أبدًا. المهم أن تعرفي أين هو البيت الذي تعودين إليه كلما احتجتِ إلى مأوى.

وكان الأب إرنستو يبتسم.

ألم أقل لكِ يا ليرا؟ أينما ذهبتِ، هناك من يحبك. وأنا سعيد لأن هناك الآن من سيحبك أكثر.

وبعد الغداء، أخذت ليرا تتجول في القصر. لكن كل غرفة كانت تراها في ذلك اليوم بدت مختلفة. في السابق كانت الجدران باردة وبعيدة، أما الآن فقد شعرت أنها صارت جزءًا من الذكريات الكامنة في ذلك المكان.

وفي غرفتها الجديدة، وجدت سريرًا جديدًا، وستائر، وطاولة. لكن الخزانة الصغيرة التي رأتها أول مرة حين كانت تعمل في القصر بقيت كما هي. وكأن أمها فيلينا تعمّدت ألا تزيلها، لتظل شاهدًا على البداية.

وقبل أن تغادر القرية صباحًا، كانت الجارة ألِينغ روزا قد أعطتها أصيصًا صغيرًا فيه نبتة غوماميلا. والآن وضعت ليرا ذلك الأصيص قرب النافذة وقالت في نفسها

حتى لا أنسى رائحة بيتنا في القرية.

وفي

المساء، جلست مع أمها فيلينا وأبيها إرنستو في الصالة، ومرّ نسيم بارد خفيف. وكان الصمت بينهم هادئًا، لا ثقل فيه، بل يحمل طمأنينة وسکينة.

ثم قالت أمها فيلينا، قاطعة الصمت

يا ليرا، لقد أمضيت سنوات طويلة أبحث عن جواب لا أجده بشأن اختفائك. وكم من ليلة دعوت الله فيها أن تكوني ما زلت حية. لم أتخيل أبدًا أنك ستعودين إليّ بهذه الطريقة. سامحيني لأنني لم أعرفك من أول لحظة.

هزّت ليرا رأسها وقالت

ليس عليكِ أن تعتذري يا أمي. فلو لم أصل إلى القرية، لما تعلمت قيمة الأشياء البسيطة. ولولا أبي إرنستو، لما تعلمت كيف أحبّ دون انتظار مقابل.

ابتسمت أمها فيلينا، ثم نظرت إلى إرنستو.

شكرًا لك. لا أعرف كيف أكافئك على تربيتك لليرا.

فأجاب الرجل العجوز

لا حاجة إلى مكافأة. فقط أحبيها هذا كل ما أريده.

عندها اتسعت ابتسامة ليرا، وهي تنظر إلى الشخصين الأهم في حياتها الآن. في الماضي، كانت تشعر وكأنها بلا مكان حقيقي في هذا العالم. أما الآن، فقد صار لها بيتان تعود إليهما القرية والقصر.

وفي الليل، قبل أن تنام، وقفت مرة أخرى أمام صورة الطفلة المعلقة في الصالة. لكنها هذه المرة لم تعد تتساءل من تكون تلك الطفلة، لأنها باتت تعرف الجواب. لم تعد الصورة مجرد صورة لطفلة مفقودة، بل صارت صورة لطفلة تم العثور عليها من جديد.

وفي قلب ليرا، كان العالمان يعيشان معًا الحياة البسيطة في القرية، والبيت الفخم في المدينة. وللمرة الأولى، لم تعد مضطرة إلى الاختيار أيهما أهم، لأن كليهما صار جزءًا من هويتها.

وفي تلك الليلة، نامت وعلى شفتيها ابتسامة، مستعدة لبدء فصل جديد من حياتها.


وهنا أُسدل الستار على الفصل المعنون

الصورة في القصر.

 

تعليقات

التنقل السريع
    close