القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية صياد النـايـا آل حـانَـا الفصل السادس عشر 16بقلم آية العربي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات

 

رواية صياد النـايـا  آل حـانَـا الفصل السادس عشر 16بقلم آية العربي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات






رواية صياد النـايـا  آل حـانَـا الفصل السادس عشر 16بقلم آية العربي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات





 


رواية جديدة صياد النايا آل حنايا لآية العربي - الفصل 16 - 


الأوراق تبدو خفيفة، ولكنها تستطيع أن تحمل بداخلها أثقالًا وأسرارًا وصراعات وجبال من آلامٍ وانهيارات


الأوراق بارعة في كتم الأسرار، وجيدة في الفضفضة، 


تستجيب لقلمك وممحاتك، تبدع في نزع انكساراتك، وتتقبل منك غيماتك.


فإن لم تجد حبيب، ولا قريب أو طبيب، فاتخد منها طبقاتٍ عدة ولا تُحمّل قلبك همومًا لن تطيب.. 


بقلم آية العربي 



❈-❈-❈



عادت إلى غرفتها ونامت بها ليلة أمس ، خاصة بعد عودة فرحة ، تحمد ربها أنها لم تشعر بمشاعر سلبية حينما دلفتها ونامت بها  . 



تُرى هل لأنه ليس هنا ؟ حيث نام هو وأيوب مع الجد زيدان يتناوبان عليه خشيةً من تركه بمفرده  . 



لقد هجم الحزن على القصر بشكلٍ مفاجئ ، وتراه حزينًا يكبح وجعه ليساند الجميع ، ولكنها تعري ضعفه حينما تطالعه  . 



لقد اشتاقت له كثيرًا ، اشتاقت لاحتوائه ، تحتاجه وتحتاج مشاعره بشدة .. 



تنفست تنظر حولها، ثم ترجلت واتجهت نحو خزانتها تبحث داخلها عن عباءة منزلية مناسبة لتستحم وترتديها  . 



انتشلتها وانتشلت مرفقاتها وعادت تضعهم على السرير، ثم تحركت نحو الحمام بحفنة جيدة من النشاط ، يجب أن تمده بالقوة والدعم هو وعائلته  .. 



كان في تلك اللحظة يخرج من غرفة جده بعدما أطعمه القليل من حساء اللبن بالفتات ، تحرك نحو المطبخ ليناول والدته الطبق ، فالتقطته منه تتساءل بملامح مرهقة حزينة  : 



- نام يا ولدي ؟ 



أومأ يتنفس ونطق وهو يلف وجهه عنها  : 



- نام ، جعد يوصيني ع العيلة وعلى فرحة وأيوب ونام بعديها ، ربنا يعديها على خير ياما  . 



- يارب  . 



نطقتها منصورة والتفتت ولكنه عاد يناديها فعادت تطالعه بترقب فمال عليها كي لا تسمعه أسماء ونطق متذكرًا  : 



- الفطير اللي عمتي چيباه فين ؟ 



انتبهت منصورة فقد نست أمره ، لذا نظرت حولها حتى استقرت على السلة الموضوعة جانبًا ونطقت وهي تشير نحوها  : 



- أهو يا ولدي ، أنا نسيته ، احطلك انت ومرتك؟ 



هز رأسه واستطرد بحذر  : 



- ماتحطيش منيه لحد واصل  . 



قطبت جبينها بعدم فهم فتابع يوضح بهدوء  : 



- إنتِ خابرة زين حالة نوارة ياما، ماريدش وكل من برا واصل ، لو من دار خالي ماشي غير إكده لاء ، الحذر واچب بردك  . 



أومأت بتفهم ولكنها استفسرت بحيرة  : 



- بس يا يونس ده من خالتك، وإنت خابر إنها بتحب نوارة چوي يا ولدي  . 



أردف بتريث  : 



- مابجولش على خالتي ولا على حد واصل ، بس بردك لازمًا نحطاط يا أم يونس ، دار خالتي فيها سچود ، وفيها راضي اللي كان رايد نوارة ، مابتهمش حد ، بس لازمن نحرص زين  . 



أومأت بشرود مؤيدة ثم نطقت وهي تشير نحوه عينيها  : 



- حاضر، من عيني ، بس لو نوارة سألت عليه اجولها إيه؟ 



- سيبي نوارة عليا ، هي فين دلوك ؟ 



سألها بترقب فأجابته  : 



- رچعت على أوضتكو لما فرحة چت ، تلاجيها دلوك نايمة يا حبة عيني  . 



انفرجت أساريره بعودتها إلى الغرفة ، فقد نسي عودة فرحة ، لذا نطق متحمسًا : 



- حروح اصحيها  . 



قالها والتفت يتحرك نحو الأعلى، طرق باب غرفته، ودلف يبحث بعينيه عنها فلم يجدها، ولكنه اشتم رائحتها المنعشة، ورأى عباءتها المطبقة التي تضعها على الفراش ، وملابسها الداخلية . 



ابتسم بخبث ، هو بحاچتها الآن ، يريد أن يشتت معها أفكاره السلبية وحزنه على حالة چده ، يريد أن تعطيه حبًا يتلهف إليه  ..



خلع عنه رداء الإمام وارتدى ملحفة الزوج العاشق وهو يتقدم بخطواتٍ حذرة نحو الحمام ، وكاد أن يمد يده ليفتح الباب ولكنها سبقته وفتحته لتجده أمامها ، ملتصقًا بها ، فشقهت وكادت أن تتعثر ، فأسرع يلف ذراعيه حولها ويجذبها إليه  . 



كانت فقط تلف منشفة حول جسدها ، وأخرى حول خصلاتها ، ووجهها وكتفيها مبتلان بقطرات المياه التي تفحصها وربما أحصى عددها بعينيه الثاقبتين قبل أن يرفعهما إليها وينطق ببحة رجولية متحشرجة من زحام مشاعره  : 



- وحشتيني يا بجلاوة  . 



ابتسمت بتورد ، وبادلته تهمس  : 



- وانت كمان وحشتني جوي  .. 



أسعدته جملتها ، وأدرك أنها توقع له على معاهدة عشقٍ اشتهاها منذ أيام ، فرفعها عن مستوى الأرض ، وخطا بها نحو الأريكة ، خوفًا من فشل المفاوضات على هذا السرير . 



مددها وحاوطها، نظراته عليها كانت كفيلة لتؤهلها لعقد قمة طارئة تحدد مصير مشاعرهما المتناحرة الآن، وتقابلا كلٍ منهما عند شفتي الآخر، لتبدأ المباحثات بين كل طرف، يقدم أفضل ما لديه للآخر، لينتقل بعد دقائق للمرحلة الثانية وهو منغمسٌ في قبلاته ، ليهمس بهيام وتيه في حضرة احتوائها : 



- مش البجلاوة كانت بتجرمش بردك ، دلوك طرية ليه؟



ضحكت بخفة تحلق بمشاعرها ، فابتسم بانتشاء يسترسل بحب  :



- بس إكده أكلها أحلى..



عاد يلتهم بقلاوته بنهم ، سُكّرها يسكره ، وبين طياتها خجلًا مغمسًا بالاستسلام يأسره ، بكفوفٍ صغيرة تعبث في خصلاته جعلته يتوه في متاهتها ، إلى أن أعلنا السلام والاستسلام  ..



تمدد واحتواها وهي تتوغل داخله بخجل وسعادة يشاركها إياها ، يقبض على كفها ويتلاعب بأصابعها ثم بدأ يقبلهم على حدا  ، ودلفا في صمتٍ عن الكلام دام لدقيقتين قبل أن ينطق بحب وترقب : 



- نوارة ؟ 



- امم . 



نطق بترقب ليتابع  : 



- أني جولت لامي تتخلص من الفطير اللي چه امبارح ، ماريدكيش تاكلي أي حاچة من عند حد غير أهلك ، أي حاچة تانية لاء . 



لم تفهم عليه لذا ارتفعت قليلًا تحدق به وتساءلت  : 



- يعني إيه يا يونس ؟ مهو من عمتي ، إنت شاكك في حاچة ؟ 



تلاعب بخصلاتها الرطبة ونطق بهدوء  : 



- حذر يا جلبي مش شك ، حذر ولازما منه  ، بردك ماتشليش من راسك إن خالتي كانت ريداكي لراضي ولدها ، ومهياش في بيتها لحالها ، فهماني ! 



شردت قليلًا ، لا تتخيل أو تشك للحظة بأن عمتها الفاعلة ، ولكنها تثق به لذا زفرت تومئ بهدوء  : 



- تمام يا يونس  . 



ارتفع يقبلها سريعًا فعادت ترتكز على صدره فتساءل  : 



- إنتِ زينة ؟ حاسة بأي حاچة ؟ 



يقصد أي مشاعر سلبية ، وفهمت عليه لذا هزت رأسها بلا ، فتنهد بارتياح ونطق يحث


ها على النهوض  : 



- طب يالا جومي نسبح علشان الحق اروح الچامع جبل ما الظهر يطلع  . 



أومأت تنهض وتعيد المنشفة حولها بخجل ثم نطقت  : 



- طب اسبح انت لاول  . 



سحبها من كفها نحو الحمام ونطق بتصميم وغمزة أودت بها داخل جنبات عشقه  : 



- اللي الشيخ يجولك عليه تسمعيه يا بجلاوة  . 



❈-❈-❈



متكورة على نفسها في غرفتها ، تستعيد كلمات جدها لها ولشقيقها ، هل يمكن أن يكون هناك خطأ ؟ 


هل نيران انتقامها التي تغذت عليها لسنوات ليس لها أي أساس ؟ وكيف وهو على فراش الموت يخبرهما بأنه علم للتو أن شقيقها مؤمن قتل غريبًا قبل موته بعامين ؟ 



عقلها يكاد أن يتوقف ، وليت هذا يحدث ، ويتوقف قلبها أيضًا وتُرحم من هذه الصراعات . 



شقيقها مؤمن ليس بريئًا ؟ هل خدعها حينما كان يعلمها الحلال والحرام ؟ أهناك مذنبًا يتعامل بهذه العاطفة مع شقيقته ؟ 



طرقات على بابها عرفت صاحبها لذا اعتدلت تجلس ونطقت وهي تمسح وجهها المحتقن  : 



- ادخل  . 



دلف أيوب وأغلق الباب وتحرك يجلس أمامها ويتطلع عليها، ملامحه مشدوهة ، والحزن يرسم بريقه في عينيه ، لينطق بترقب  : 



- بتفكري في حديت چدك صوح ؟ أني مانمتش طول الليل ، حاسس إن نفوخي حيضرب  . 



زفرت تنظر للا شيء بصمت ، ليستطرد مترقبًا  : 



- ماتنطجي يا فرحة ؟ بتفكري في إيه ؟ بردك كل اللي چدك جاله مايغيرش حجيجة إن الكلب ده جتل أخويا . 



نطقت بتخبط  : 



- بس لو جتله وهو بيدافع عن نفسه تفرج يا أيوب ، أني مابجتش فاهمة أي حاچة . 



شرد قليلًا ، هو لا يريد هذه الحقيقة ، لا يتقبل فكرة تغيير قناعة تغذى عليها لسنوات ، لا يريد زعزعة صورة شقيقه داخله لذا نطق حينما خطرت على عقله  : 



- سمية . 



صمتا لبرهة ، يتطلعان على بعضهما ثم استطرد  : 



- هي اللي حتجولك اللي حُصل صوح . 



هزت رأسها بلا وأجابته بوهن : 



- جالت وسمعناها يا أيوب ، حتجول إيه تاني ؟ 



- نسمعها تاني وتجول تاني ، أني متأكد إن أخويا اتجتل غدر ، وچدك بيجول إكده لاجل الصلح ، ولجل ما تكملي حياتك لأنه حاسس إنه حيموت . 



لم تعد تحتمل لذا صاحت بقهر  : 



- هملني لحالي دلوك يا أيوب ، بزياداك ضغط عليا ، أني مابجتش متحملة ، نفسي أموت وارتاح من العذاب ده . 



حزن على حالتها فتنفس بعمق ، وتذكر ما خططاه سويًا لذا عاد يتساءل  : 



- هو انتِ مانفذتيش اللي اتفجنا عليه ليه ؟ 



حدقت فيه ، وخشت أن تخبره بأنها لم تستطع ، لذا راوغت تنطق بثباتٍ زائف  : 



- كلمتك لاجل ما اشوفك فين ، لجيتك جولتلي خبر چدي ، ماعرفتش اعمل أي حاچة بعديها ، وجفّل ع السيرة دي يا أيوب ، أني أهم حاچة عندي دلوك إن چدي يجوم بالسلامة . 



باغتها بنظرة مشككة فوجدها تحيد عينيها عنه لذا زفر باختناق ونهض يتجه نحو الخارج ويصفع الباب خلفه وتركها تطالع أثره وتعاود التفكير بتخبط جعل الصداع يسكن رأسها .. 



❈-❈-❈



عاد إليها فوجدها تجلس منكبة على نفسها ، تعيش حزنها الآن بأريحية بعدما انفصلت عنه ، تعلن عن قهرها وانهيارها أمام عمها الذي اتجه وجلس جوارها يردف بترقب  : 



- لساتك بتعيطي يابتي ؟ كل اللي انتِ رايداه حُصل ، ارفعي راسك اكده واصلبي طولك ، مافيش حاچة تستاهل تنحني عشانها . 



رفعت رأسها تطالعه ، وكأن ملامحها ازادات عمرًا فوق عمرها ، ونظرتها منكسرة وهي تبوح بما يعتليها من ألم  : 



- مهران اتحرم عليا يا عمي ، خلاص إكده ، بجى لواحدة تانية غيري . 



ضمها إليه يحتويها بذراعه ، يدرك أن ألم المحب لا يضاهيه ألمًا ، ويدرك مدى عشقها له والذي بسببه صممت على الانفصال عنه ، لذا لا يعلم بماذا ينطق الآن، ربما هو أشد بؤسًا منها ويتظاهر بالثبات، فهو لم يستطع بأن يطيب القلوب، ولكنه اليوم تأكد من حب ابنه لها ، وليت الحب وحده يكفي . 



ابتعدت قليلًا تمسح وجهها ونطقت حينما تذكرت  : 



- انتخابات إيه يا عمي اللي جولت عليها دي ؟ 



التفت يطالعها ويوضح  : 



- انتخابات البرلمان ، أبوكي ملهوف عليها جوي ، واني شايفه طايح وعمال يدوس عليكي ماجاش في بالي وجتها غير إني اجوله اكده ، بس ده مهواش كلام، أني فعلًا حجدملك في الانتخابات، ويبجى يوريني حيعمل إيه  . 



هزت رأسها بلا ونطقت بنبرة متعبة  : 



- لا ياعمي ، ماريداش الحوار ده، أني ماعرفاش أي حاچة عنيه ، وحتى لو اعرف ماحجفش جدام ابويا مهما حُصل ، ادخل وياه في حرب ليه ؟ طالما هو ملهوف عليها يرشح نفسه وينچح حلال عليه، إنما أني حعاند أبويا واعاند عادات أهل النچع كلياتهم عشان إيه؟ مش حطلع من توبي يا عمي. 



يدرك أنها محقة ، ولكنه تمنى لو يهبها مكانة تستحق أن تكون بها لذا نطق معللًا  : 



- أني خابر زين إن ليكي حج تخافي، لو على حسنين أني في ضهرك، ولو ع النچع حنعملك دعاية صوح وتبجي أول نايبة فيه وفي النجوع اللي حوالينا كمان، عمك حبايبو كتير وماحدش حيرفض لي طلب  . 



نظرت له بامتنان كبير، فهو بالفعل خير سندٍ لها، ولكن لا يمكنها سلك طريق الانتخابات، هي لا ترغب في ذلك ، لذا نطقت بتأنٍ  : 



- بلاش يا عمي، السكة دي مش سكتي، مرايداش ادخل في منافسة مع حد وبالخصوصي أبوي، أني حدور على شغل واشتغل بعيد عن النجع، وماحبجاش عالة على حد ، وأني خابرة زين إني زي نوارة عنديك، بس بردك حكون مرتاحة لما اشتغل، غير إكده بعدني عن موضوع الانتخابات ده واصل  . 



زفر باستسلام يومئ لها ثم نطق وهو ينهض  : 



- ماشي يابتي، اللي انتِ رايداه  ..



استرسل بهدوء  :



- أني وصابحة رايحين نطمن ع الحاچ زيدان وحنرچع علطول ، لو احتجتي حاچة كلميني  . 



أومأت فتحرك يغادر وهو يفكر في أمرٍ ما إن حدث ربما سيغير الأمور للأفضل، ولكن عليه أن يفكر جيدًا .. 



توجه إلى غرفته ليجد صابحة تجلس فوق فراشها تبكي، وحينما رأته رفعت نظرها إليه تنطق بعتاب  : 



- طلجتهم يا عبده ؟ خلاص إكده ؟ تسيب ولدك يبعد عنينا ويروح لواحدة زي دي ؟ مالكش حج في اللي عملته ده ، ماعرفاش چالك جلب تفصل بينهم كيف   .. 



اتجه يجلس بجانبها، واستند على عصاه، ينظر أمامه بشرود، ماذا كان بوسعه أن يفعل؟ هل يكمل ما بدأه حسنين وابنه ويظلمها؟ هل يكسر خاطرها كما فعل ابنه؟ هل يضغط عليها لأجل عادات وتقاليد ظالمة بسببها فقدن الكثير حياتهن، وأخريات تعِشن جسدًا بلا روح ، وغيرهن اتبعن سبيل الظلم فبتن أشد توحشًا ممن ظلمهن ؟ 



لم يكن أمامه سبيلًا إلا أن ينصفها ، لأنه سيحاسب على كل شعور تعيشه وتشعر به في هذا المنزل، فهو من أتى بها إلى هنا ظنًا منه أن هذه العلاقة ستكون الأفضل، خاصة وأن ابنه الكبير كان يمتلك ضميرًا حيًا لا ينام، ولكن يبدو أن إحداهن نجحت في جعله يغفو  .. 



حينما رأت صابحة حالته لم تزِدها عليه ، بل تنفست ونهضت ترتدي حجابها ونطقت تستعد  : 



- جوم يا حاچ أني چاهزة . 



❈-❈-❈



دلف منزله كالثور الهائج ، وابنه يشاركه الغضب . 



جلسا سويًا في المندرة ليردف الأول  : 



- حجتلها ، اللي زي دي موتها حلال  . 



صاح ابنه بغضب عاصف  : 



- والجلم اللي نزل على وشي؟ أني لازمًا اخد حجي يا بوي، عمي زودها جوي وهو اللي مجويها  . 



حك ذقنه وتساءل بجنون  : 



- يعني إيه يطلجها؟ بيعمل اكدة ليه؟ أكيد وراه مُصلحة، فيه إن من ورا اللي حُصل ده  . 



جاء راجح على صوتهما وجلس يستفهم  : 



- إيه اللي حُصل؟ 



نطق سيد بنبرة متوحشة  : 



- اختك اطلجت من چوزها، وعمك اللي طلجها، جال إيه عشان اتچوز عليها، ولطشني جلم جدام ولده والناس الغريبة، بس مابجاش سيد إن مارديت حجي جدام النچع كله 



فرغ فاهه ونظر لوالده الشارد الذي نطق بغل  : 



- لو فعلًا اترشحت جدامي في الانتخابات يبجى حخلص عليها، ويبجى يوريني عبد الوهاب حيعرف يحميها مني كيف، كنت بجول على ولده عبيط، طلع هو اللي دماغه خربانة، واتاري الناس مخدوعة فيه، ماشي يا عبد الوهاب، الصبر حلو بردك ، مابجاش حسنين ان ماسحبت البساط من تحت رچليك  .. 



كانت ولاء تقف في الداخل وتستمع إلى حديثهم بصدمة ، هل تطلقت شقيقتها؟ وهل تزوج مهران؟ وهل يودون قتلها ؟ يجب أن تحذرها ، أو تستفسر منها عما حدث .. 



أسرعت نحو غرفتها تبحث عن هاتفها ، وجدته فوق السرير فالتقطته وكادت أن تتحدث إليها ولكنها توقفت تفكر ، لمَ لا تستغل الفرصة وتتحدث إلى عمار تخبره بما يخططونه ؟ 



ابتسمت وهي تعبث بالهاتف ، وطلبت رقمه وانتظرت إجابته ، ولكنه لم يجِب ، حاولت مرة أخرى وحصلت على نفس النتيجة ، لذا زفرت ورطمت الهاتف بغيظ ، ونهضت تتحرك نحو الخارج قائلة  : 



- يولعوا في بعض  . 



❈-❈-❈



دلف شقته وتحرك يجلس على الأريكة ويضع المفتاح على الطاولة بإهمال ، أعاد رأسه للخلف وتكتف وأغمض عينيه وسبح في فكرٍ بعيد . 



انتهت قصته معها ؟ طلقها ؟ انفصلا ؟ لم يعد من حقه أي شيءٍ خاص بها ؟ 


ليجيبه صوتًا آخر في عقله ، ألم تكن هذه رغبته ؟ ألم يراها قد فُرضت عليه ؟ ألم يشتكي من عدم شعوره بالارتياح معها ؟



ألم تتزوج ممن اخترتها ؟ ماذا تريد يا مهران ؟ 



تذكر هيأتها وهي تحتمي بوالده من والدها وشقيقها، وأدرك أنها لم تعد تشعر بالأمان نحوه، هل فقد حبها للأبد؟ لقد سحبته دوامة مواجهته مع والده واعترافه بزواجه إلى نقطة لم يكن يريد الوصول إليها حينما نطق أمام الجميع أنها لم تكن اختياره ، وأنه أجبر عليها ، هل هذا ما آلمها وجعلها تصمم على الطلاق ؟؟ 



حسنًا لتشعر بالارتياح الآن ، لقد تخلصت ممن أُجبرت عليها، ومعك الآن من اخترتها برغبتك، ولن تقصر في حق طفلك ، عش حياتك الآن، وأوجد لك بابًا للسعادة تفتحه ، ألا يكفيك كل هذا العناء؟ 



زفر بقوة ، وفتح عينيه ينظر أمامه ، وترددت على عقله كلمات والده ، أيعطيه النصائح بعدما تسبب في كل هذه الفوضى داخله ؟ هل يحاول أن يشككه في قراراته ؟هل يظن أن تيا تخدعه ؟ وأنها تستغله ؟ وأنها لا تحبه ؟ أيرى الحب كثيرًا عليه ؟



ابتسم بألم ، ونظر إلى هاتفه الذي أعلن عن اتصال من تيا ، فالتقطه يجيب بهدوء  :



- نعم يا تيا  . 



- مش هتيجي الشركة يا مهران ؟ أنا قلقت عليك. 



صمت لبرهة، ثم تنفس وشعر بعدم رغبته في الذهاب إلى أي مكان لذا أردف  : 



- ماجدرش يا تيا، دماغي تجيلة، حنام شوية. 



- مالك بس يا حبيبي، إيه اللي حصل مع باباك؟ 



مسح على وجهه يخبرها بهمٍ وتعب  : 



- أني طلجت نهاد، حجفل دلوك ولما تخلصي تعالي  . 



أغلق معها ومر على مقلتيه وميضًا لامعًا ، فزفر بقوة ونهض يتحرك نحو غرفته ومنه إلى خزانة الملابس، يستل منها بدلة رياضية و يتحرك داخل الحمام  . 



دقائق حتى خرج يرتديها واتجه إلى الفراش يتمدد عليه ويتلحف بالغطاء كليًا، وينام أو يهرب .. 



❈-❈-❈



دلفت صابحة أولًا فاستقبلتها منصورة بترحابٍ حافل، لتخبرها قائلة  : 



-  عبد الوهاب برا يا منصورة   . 



ابتهجت ونادت بعلو على زوجها الذي خرج من غرفته يرحب بصابحة، ويتحرك نحو الخارج ليستقبل عبد الوهاب  . 



دلف معه بعد ثوانٍ يرحب بشقيقته، ثم تحركوا نحو غرفة الجد زيدان.. 



وجدا عنده يونس ونوارة التي نهضت ترحب بهما باشتياق، وكذلك زوجها الذي أسرع يحضر مقاعد، وزيدان الذي نطق بين الغفوة والصحو  : 



- خطوة عزيزة يا حاچ عبد الوهاب انت والحاچة، اتفضلوا. 



نطقها وعاد يغفو لثوانٍ ثم عاد يطالعهما، وهما ينظران نحوه بحزنٍ ويتمنان له الشفاء . 



نظر إلى يونس ونطق  : 



- خد مرتك واطلعوا يا يونس دلوك.. 



نظرا لبعضهما ثم أومأ وتحرك معها نحو الخارج لينطق زيدان بشكلٍ مباشر  : 



- عبد الوهاب ، أني عارفك حجاني ومابتجبلش الظلم، بت ابني أمانة عنديك انت ومرتك ، خدو بالكوا منيها، هي مافيش أحن ولا اطيب منيها ، بس جلبها لساته مكسور ، خد بالك منيها الفترة الچاية يا عبد الوهاب، ماحتتحملش الفراج، ومافيش غيركو أأمنهم عليها  ،أني خابر زين إن ولدك بيحبها وانك ماحتظلهماش، أني اتحدت وياها هي واخوها، وجولتلهم يرموا الماضي ومايفتحوش في الجديم لاجل مايتوچعوا أكتر ويعرفوا حكايات ملهاش عازة، أني خلاص معادي جرُب ولازمن أوصيهم واوصيك عليهم   . 



عاد يغفو بعدما شعر بالإرهاق من حديثه ، أوربما يتهرب مما عرفه منذ يومين، وربما هذه الصدمة كانت سببًا في وعكته ، لا يصدق أن حفيده يفعل سوءًا ، هل كان قاتلًا ؟ هل تعاطى المخدرات قبل موته ؟



مد عبد الوهاب يده وربت على كفه ينطق بحزن  : 



- ارتاح انت دلوك يا حاچ زيدان وبلاه الحديت الماسخ ده، إنت حتجوم وتبجى زين وتفرح بخلفهم يا راچل يا طيب، بس أني عاتب عليك جوي، يعني إيه ماترضيش تروح المستشفى ؟ ينفع إكدة بردك ؟ 



التقط نفسًا صاخبًا ثم نطق بتيه  : 



- حموت على فرشتي ، ماريدش اتبهدل في المستشفيات  . 



سمعته فرحة التي دلفت لتوها تحمل صينية الضيافة ، وتقدمت منهما تضعها على الطاولة الجانبية وتحمل منها كأسا العصير وتناولهما إياهما قائلة بملامح منكسرة  : 



- اتفضلوا.. 



التقطتها منها صابحة وهي تناظرها بعيون متفحصة ، وكالعادة رق قلبها لها لذا نطقت  : 



- تسلمي يابتي  . 



كذلك نطق عبد الوهاب واتجهت تجلس عند رأس جدها من الجهة الأخرى وترنو منه مقبلةً إياه قبلات عدة ثم تساءلت  : 



- اجبلك حاچة يا چدي؟ 



امسك بكفها يقبله بجهد، ثم هز رأسه بلا وعاد يغفو، لتسقط منها قطرة يمتصها جلبابه ، لذا نهضت تلحق الأخرى بإصبعها ، لا تحب أن تُظهر ضعفها لأي مخلوق  ..



لينطق عبد الوهاب بترقب  : 



- ماعرفاش تجنعيه ناخده ع المستشفى يا فرحة ؟ يمكن يسمع منك  . 



تنفست مطولًا وهزت رأسها بحزن تردف  : 



- حاولت ، مهواش جابل واصل ، كلنا حاولنا بس بردك بيجول انه مرتاح إكدة، مع إن الدكتور جال لازمن يتنجل الطوارئ ، بس ماعرفاش اعمل إيه . 



نطقتها وعادت الدموع تخونها فكادت أن تغادر لولا أنهم سمعوا صوت سيارة إسعاف تقتحم القصر ، فهرولت إلى الخارج ظنًا منها أن شقيقها قد فعلها ، ولكنها صُدمت حينما وجدت عمار يتحرك مع المسعفين نحو الداخل ويطالعها بنظرات مطمئنة ثم توقف أمام حسان الذي استقبله يردف  : 



- خليهم ينجلوا چدي يا عم حسان ، أني اتحدت ويا دكتور معرفة ، وجال ناخده على المستشفى وهو حيعمل اللازم  . 



ربت حسان على كفه ، ونطق يومئ وهو يتحرك معه نحو الداخل والمسعفين يتبعونه  : 



- خير ما عملت يا ولدي ، اتفضلوا  ... 



تحركوا تحت أنظارها ليأخذوه إلى المشفى ، ووقفت تفكر لم لم تتخذ هي هذه الخطوة ؟ أو رجلًا من العائلة ؟ أو شقيقها ؟ لم خيم الحزن عليهم وجعلهم لا يفكرون بشكلٍ سليم بدلًا من أن تصبح مدينة لعمار بهذا التصرف الرجولي ، لم دومًا هو من يربح أمامها ؟ 



تغلبوا على رفضه واستطاعوا حمله على النقالة ، وتوجهوا به نحو الخارج تحت أنظار الجميع ، فأسرعت تنظر له ناطقة بتصميم  : 



- أني حروح وياه . 



أومأ لها ونطق وهو يدفعها من ظهرها بلمسة حنونة حينما تفحص ملابسها وحجابها  : 



- يالا اركبي  . 



أسرعت تستقل سيارة الإسعاف معه ، بينما هو استقل سيارته وجاوره يونس وخلفهما حسان وعبد الوهاب الذي أمر سائقه بأن يعيد صابحة إلى القصر  ... 



قاد خلف سيارة الإسعاف وعقله منشغلٌ بها، لا ينكر أنه يحاول فعل أي شيء ليكسب حبها، برغم حزنه على الجد بالفعل، إلا أنه يتمنى لو تتراجع عن قرارها ،وتفتح له جزءًا ضئيلًا في قلبها . 



❈-❈-❈



وقفت تهدهد صغيرها في سريره لينام ، تنظر له وتبتسم وهو يستعد ليغفو ويبادلها ابتسامة ناعمة. 



عقلها لا يهدأ ، انتقمت لكرامتها، ثأرت لكبريائها، ألا يحق لها أن تنهار الآن؟ وبعيدًا عن الجميع؟ 



كلما تذكرت نظرات والدها وشقيقها وكلماتهما لها انتابها شعورًا بالاختناق، بالانكسار، فبرغم جبر ودعم عبد الوهاب لها إلا أنهما يتحملان السبب الأعظم فيما فعله مهران بها  . 



مهـــــــــران  ، وآهٍ من مهران، لم يعد هناك زوج تنتظره، أو تضع رأسها على صدره، أو تشترى من أجله الزينة والملابس وتتزين ليراها جميلة، أكان حبها مشوهًا لهذه الدرجة؟ 



ظنته أملًا لها ونجاةً من حياةٍ بائسة، ظنته حنانًا بعد قسوة، ظنته رجلًا يستطيع أن يداوي الجراح، ولكنه خيب ظنونها جميعها به، برغم أن قسوته كانت تكمن في بروده وتجاهله ونكرانه لحبها ،وما هدم حصون كبرياءها هي كلمته التي لن تنساها حينما نطق بأنها لم تكن اختياره  . 



لتعود بذاكرتها ليوم زفافها ، وتتذكر أول حديث دار بينهما ، تستعيد نظراته الأولى لها، كلماته، ولمساته؟ كيف كان مجبرًا؟ كان بإمكانه مصارحتها، ليته تركها في ذلك اليوم، ليته ابتعد عنها ولم يعطِها ذلك الإحساس الذي تعلقت به لسنوات قبل أن تنقطع القشة وتغرق أمامه دون أن يرف له جفن  . 



وعت إلى نفسها بعد دقائق من التفكير ، وتطلعت للصغير الذي غفا بالفعل، ثم نظرت لملابسها التي غرقت في الدموع، لتعاود النظر إلى الأعلى وتدعو ربها بألمٍ لا يعلمه سواه  : 



- إنت اللي علجتني بيه يارب وانت اللي جادر تنزعه من جلبي، خليه يبجى جدام عيني وماحسش بأي حاچة ناحيته كانه هوا ، لا اتأثر بيه ولا بريحته ولا بحديته ولا اتوچع الوچع ده تاني يـــــــــــارب، وماتخليهوش يلاجي الحب مع غيري، يتمناه ومايلجيهوش يارب. 



❈-❈-❈



وكأن توارد الأفكار اتخذ قراره بألا يرحمه بعدما رأى معاناتها، لذا توغل داخل أحلامه يؤرقه بعدما غفا، يراها بثوب زفافها وطرحتها المنسدلة على وجهها،ليبتسم ويقترب ويمد يده يرفع الغطاء عنها،ولكنه صُدم حينما وجدها تقابله بظهرها،ولم ترِد النظر إليه ،لينطق بصوتٍ مختنق  :



- بصيلي يا نهاد  .



نطقت وهي تبتعد وتحرمه من رؤيتها،يسمع فقد صوتها يهمس من بعيد  :



- فات الآوان  .



رحلت وتركته يتمنى عودتها،ولكنه مقيد بسلاسل صمته القوية وأقفال عناده المتينة.



استيقظ يفتح عينيه وينظر أمامه دون أن يحرك ساكنًا، وعقله يعاود تكرار حلمه، ليعود بذاكرته إلى ليلة زفافه، يسترجع أول ليلة له معها.... 



قبل عامين 



( دلف غرفته وأغلق الباب ووقف يحدق بها، حيث كانت تجلس على طرف الفراش تنتظره، ترتدي فستان زفافها، وطرحتها منسدلة على وجهها ولكنها تراه من أسفلها ،تتطلع عليه بنظراتٍ براقة معبأة بالسعادة . 



تنفس بقوة وتحرك باتجهاها، ووقف مترددًا ومتخبطًا بين إجباره وتقبله لها. 



ضميره يخبره بأنها ضحية، وعقله يخبره بأنه ليس مسؤولًا عن ذلك وليس عليه أن يفعل  . 



حينما وجدته ثابتًا في مكانه خيم الحزن فوق ملامحها، ولكنها قررت أن تواجهه، لذا نهضت وتقدمت تقف قبالته ثم مدت يديها ترفع الطرحة عن وجهها وتطالعه. 



تبادلا النظرات لثوانٍ، ليشعر كما لو كان يراها للمرةِ الأولى، وهو بالفعل كذلك، لم يكن يتفحصها من قبل، لم يكن ليهتم. 



لا ينكر بأنها جميلة جمالًا ملفتًا، بعينين لامعتين بوميض البراءة التي تنادي كل من ينظر لهما، ليجد نفسه صامتًا لا يحمل حروفًا ينطقها، فنطقت هي عنه بنبرة هادئة : 



- جول اللي بتفكر في يا مهران، يمكن ماعرفناش نتحدت ويا بعض جبل سابج، بس دلوك نجدر نتحدت وكل واحد يجول اللي عنده للتاني  . 



إنها أكثر منه جرأة، تعبر عما بها بثبات، وهما في هذه النقطة مختلفان كليًا، فهو لا يستطيع شرح ما يشعر به فيلجأ للصمت  . 



ولكنه نطق مكتسبًا سؤالًا من حديثها  : 



- وهو فيه عندك حاچة رايدة تجوليها؟ 



أومأت مرارًا ونطقت  : 



- عندي حاچات كتير، بس أني رايدة اسمع منك لاول  . 



كيف يبوح لها بكل ما يعتليه؟ خصوصًا في هذا اليوم؟ وهو يراها سعيدة؟ لذا زفر ولف وجهه عنها ثم عاد يردف بابتسامة هادئة  : 



- هو اللي بيتجال إيه في يوم زي ده؟ 



- بحبك . 



نطقتها تجيب على سؤاله وتخبره بمشاعرها التي جعلت نبضاته تتعارك ويصمت لبرهة قبل أن يحك فكه بتوتر ويومئ قائلًا يستنكر اعترافها  : 



- صوح ، المفروض إن ده اللي يتجال، بس إنتِ خابرة زين إن چوازنا مهواش مبني ع الحب يا نهاد  . 



تألمت، إذ لم يستطع أن يكذب فليس عليه أن يكون قاسيًا ، ليتحمحم بعدها ويسترسل حينما لمح حزنها  : 



- كل حاچة بتيچي مع الوجت، وإحنا حندي للعلاجة دي فرصة، وانتِ ليكي عندي إني اراعي ربنا فيكي، وأني ليا عنديكي طلب واحد مافيش غيره  . 



تأهبت وقطبت جبينها تستفسر  : 



- اللي هو؟ 



تجلى كرهه لعمه في نظرته وهو يردف  : 



- ماتدخليش في اللي بيني وبين أبوكي، خليكي انتِ في خانة بعيدة عن علاجتي بيه، وأني من ناحيتي حعتبر إنك مش بته، وحتعامل معاكي على الأساس ده، اتفجنا؟ 



أدركت أن والدها سيقف حائلًا بين علاقتهما، كيف سيحدث ما يقوله؟ هي في نهاية المطاف ابنته،وإن لم تتدخل هي فسيفعل هو، لذا نطقت توضح بانكسار  : 



- ماتجلجش، هو أساسًا رماني إهنه وبعد اكده لا حيهمه ميتة ولا عايشة، أني بالنسباله حمل تجيل جوي وارتاح منيه  . 



انزعج حينما بدأت تتحدث عنه، وزفر يومئ ويلتفت نحو صينية الطعام ثم نطق ليغير دفة الحديث  : 



- خلاص يا نهاد انسيه دلوك وتعالي نتعشى.. 



أومأت تبتسم وتزيح الحزن عنها، لتفكر في الجيد، إنها الآن زوجة حبيبها مهران ومعه، وهذا يكفيها  .. 



جلسا يتناولان الطعام، يمد لها ويحاول جعلها تأكل حيث تشعر بالخجل والسعادة التي جعلت معدتها ممتلئة، ولكنها تناولت القليل من أجله  . 



انتهيا ونظر لها ثم مد كفه يحتوي وجهها ويتأملها، يسعى ليزيح من ذاكرته أنها ابنته، لذا ابتسم ونهض يسحبها إليه فنهضت تقابله وبدأت نبضاتها تتعالى أمامه  . 



اتخذ خطوة جريئة ووضع كفه على صدرها حينما شعر بصخب نبضاتها التي تقرع كالطبول، فانسحبت أنفاسها وأسبلت جفنيها عنه، فأحب هذا الشعور منها، وبيده الأخرى رفع وجهها إليه وتساءل بهمس  : 



- بينّه ملكي ولا إيه ؟ 



أومأت مرارًا تصارحه بحبٍ فائض  : 



- ملكك، ولا دخله جبلك ولا حيدخله بعدك يا مهران  . 



برغم انتشائه بأن إحداهن تكن له كل هذا الحب، إلا أن الخوف نبش جدران عقله، خاصةً وأنه منذ قليل في الأسفل كان يباغت والده بنظرات العتاب على هذا الزواج،والعبوس تملك منه بين الحضور،وكان يقرر ألا يعطيها اهتمامًا اليوم ، ولكن مخططاته تبعثرت حينما باتت أمامه، لذا يحاول أن يبدو حنونًا فابتسم وتساءل  : 



- من زمان الحديت ده؟ 



- من لما وعيت ع الحب، شوفت فيك كل حاچة زينة، وكان عندي ثجة إن إنت الفارس اللي حيچي ينشلني من ظلم أبوي واخواتي  . 



سيرتهم تؤرقه، لذا قربها وقبل رأسها يواري ضيقه، ثم أبعدها بهدوء، يطالعها بنظرة ثاقبة فوجدها متوردة، خجولة، تخفض عيناها عنه  .



ليزفر بحرارة، وتستهدفه الرغبة بها،لذا لف خلفها ومد يده يفك سحاب فستانها بلمساتٍ حنونة، فتمسكت به تخشى سقوطه، فعاد إليها يتساءل بتوترٍ تملك منه  : 



- لو حابة تغيريه إنتِ عرفيني. 



كادت أن تهز رأسها بلا، ولكنها خجلت لذا أومأت فابتعد يشير لها نحو الحمام يهديء من رغبته قائلًا : 



- ادخلي غيري في الحمام ، واتوضي  . 



- حاضر  . 



تحركت نحو الحمام تختفي فيه، لتحاول خلع فستانها وهي ترتعش بخجل وتوتر وحماس أيضًا، بعد قليل ستصبح زوجة من تمنته ليلًا ونهارًا ودعت ربها بأن يحبها، سيحبها، ستجبره مشاعرها نحوه على حبها، وسيعترف أنه لم ولن يحب سواها كما فعلت هي الآن  . 



أما هو فوقف حائرًا في أمره، كان يصعد إلى غرفته ينوي تجاهلها، ولكنه حينما رآها وواجهها لم يستطع إلا أن يتقبلها، ومن ذا الذي يرفض امرأةً مثلها،وحلاله ؟؟ 



ازدرد ريقه وتحرك نحو غرفة الملابس ليبدل ثيابه وينتظرها ليؤديا ركعتي الزواج  .. 



بعد حوالي 15 دقيقة، سلما والتفت يطالعها، فوجدها تناظره بهدوء وسكينة، ملامح ناعمة، وعينين عاشقتين يفيض منهما الحب له، وشفتين متوردتين تجبران القديس على الوقوع في الخطيئة  . 



وكان هو ذلك القديس حينما اقترب ووقع في خطيئته الكبرى، التي جعلته أكثرهم ظلمًا لها  . 



نهض يحملها ويتحرك بها إلى سريرهما، يضعها عليه بتمهل، ولكنه تناسى كل شيء حينما همست باسمه بخجلٍ بكر .. 



تناسى الكره والغضب والضيق والإجبار، ولم يتذكر سوى أنه الآن يعيش نعيمًا جديدًا عليه، وبين يديه امرأة تريه العشق في حيائها وتوترها ولمساتها البريئة التي جعلته يتساءل بعقلٍ ثمل، عن مصدر هذه المشاعر؟ وسببها؟وكيف بإمكانها أن تجعله يعيش هذه الحالة؟



إن كانت كل هذه المشاعر الجديدة والممتعة يعيشها مع امرأة لا يكن لها حب ، فكيف إن كان يحبها؟) 



عودة للحاضر  .. 



نهض قليلًا يرفع جذعه ويفتح درج الكومود يلتقط منها حبة دواء لصداع الرأس، قبل أن يعاود النوم مرةً أخرى،تاركًا خلفه كل شيء كالعادة  ... 



❈-❈-❈



بعد عدة أيام  .. 



انتهت المحاضرات وغادر الطلاب الجامعة. 



خرجت مودة من المدرج والتقت به في الممر فتوقفا سويًا يطالعها بعدما تخلت عن نقابها، إن تُرك الأمر له لم يكن ليرغب في أن تخلعه، خاصةً وأنه على قناعة بأن النقاب صُنع لذوات الحُسن مثلها، ولكن في نهاية الأمر هي يجب أن ترتديه عن قناعة لا عن إجبار  . 



تحدث بهدوء والطلاب يمرون من حولهما  : 



- خلينا نروح دلوقتي على محلات المفروشات نشوف الناقص إيه ونچيبه . 



أومأت مبتسمة بهدوء ، وتحركت معه نحو الخارج ومنه إلى السيارة تحت أنظار سجود التي تتوسط مجموعة من البنات، ووقفت تطالعهما بحقد لتنطق وهي توزع نظراتها بينهن  : 



- شوفتوا؟ مش جولتلكم بكرة توجعه ، وأهو حُصل، أصلًا أني سمعت حديت إكدة إن كان فيه بينها وبين الدكتور علاجة، ولولا إن أبوها خلاه يكتب عليها جبل مايموت ماكنش عبرها  . 



نطقت إحداهن مستنكرة : 



- بس كلنا إهنة كنا حاسين إن الدكتور نوح كان مهتم بيها يا سچود وهي اللي ماكنتش معبراه  . 



ضحكت باستهزاء تردف  : 



- مهي عرفت توجعه بالحركات دي يا أذكى اخواتك ، اسمعوا مني أني عارفة عنها حكاوي كتير، ده حتى أخوها جض من عمايلها، وبكرة نوح يجض هو كمان، اصبروا وحتشوفوا  . 



نظرن لبعضهن يتغامزن ، فهن يدركن أن سجود تُعرف بحقدها وغيرتها، وبرغم ذلك لم تستطع إحداهن أن تواجهها، بل صمتن وتركنها تشيع الأخبار الكاذبة بين الطلاب . 



❈-❈-❈



توقفا بعد قليل عند أحد محلات بيع المفروشات 



ترجلا سويًا وتحركا داخل المحل ليبدئان في شراء ما يلزمهما، كان حريصًا على أن يجعلها تختار كل ما تريده  ، وهي لم تختر الكثير. 



خرجا بعد ذلك وساعدهما العامل في وضع المشتريات في السيارة ثم عاد إلى الداخل، ليعود نوح خلفه ويراضيه ببعض النقود  . 



كادت أن تخطو لتركب ولكنها تفاجأت بشقيقها كان يمر بسيارته الجديدة ولمحها  . 



حينما رآى وجهها أصابه الجنون وأسرع يتوقف جانبًا، ثم ترجل يعبر إليها وبدون مقدمات قبض على ذراعها بقسوة ونطق معنفًا  : 



- انتِ خلعتي النجاب ؟ دانتِ وجعتك سودة . 



أسرع نوح نحوهما ، ينزع يده عنها ويبعدها خلفه ويقف يواجهه قائلًا  : 



- انت مجنون ؟ اتكلم معاها كويس  . 



باغته بنظرة عدائية وصاح يحتد بأسلوب فظ وهو يلوح بيده  : 



- وعاملي فيها دكتور وصاحب مبدأ ، وانت طلعت ديوث ، اخص ع الرچال . 



نجح في إثارة غضب نوح ليجد نفسه لأول مرة في حالة متأهبة حيث دفعه يصيح  : 



- خد بعضك وامشي يالا بدل ما اقل منك قدام الناس  . 



التفت بعدها يفتح باب السيارة ويدخلها بحماية وعاد يلتفت إلى ذلك الذي طالعه بكره وأومأ ينطق بوعيد  : 



- ماشي ، حمشي يا دكتور ، بس اللي حُصل ده ماحيعديش إكدة بالساهل، ومش علشان كتبت كتابك عليها حجبل إنها تمرمغ سمعتي في الوحل ، هتشوفي يا مودة  . 



قالها واندفع يغادر وتركها ترتعش داخل السيارة وتبكي، فزفر نوح باختناق حيث استفزته كلماته، والتفت ينظر حوله ليجد البعض يطالعه لذا لف يستقل السيارة ويصفع الباب ، ثم نظر لها فوجدها في حالة بائسة لذا أردف مقترحًا بغضب : 



- لو تحبي نطلع دلوقتي على القسم ونبلغ عنه ماعنديش أي مشكلة ، حقيقي بيخرج الواحد عن شعوره  . 



هزت رأسها بلا وازدردت ريقها تردف  : 



- خلينا نروح يا نوح، ياريتني ماكنت جلعته، حجك عليا في اللي جاله  . 



برغم صعوبة تلك الكلمات إلا أنه أردف بقناعة  : 



- لو طلع العيب من أهل العيب مايبقاش عيب يا مودة، سيبك من اللي قاله أنا عارف نفسي كويس ، وإنتِ ماعملتيش أي حاچة غلط، واوعي تخافي من تهديده أنا چنبك ومش حسمحله يقرب منك أبدًا  . 



حاولت أن تهدأ فهي تثق فيه ثقة كبيرة، وحاول كذلك أن يفتت غضبه لأجلها، فانتشل محرمة ورقية من أمامه ومال قليلًا يمد يده ويجفف دموعها ثم ابتعد يبتسم وينطق ممازحًا كي تبتسم  : 



- اضحكي بقى وكفاية عياط، الناس ممكن تفكرني بعمل فعل فادح في الطريق العام. 



نجح في جعلها تبتسم بخجل، ثم التقطت منه المحرمة وبدأت تجفف دموعها وتحاول أن تهدأ، ولكن قلبها يخشى تهديده، فهى تعرفه جيدًا ،وتتمنى أن يمر الأمر بسلام  ... 



❈-❈-❈



يجلس في غرفته ، يوصد بابه جيدًا ، يفتح النافذة قليلًا كي تخرج منها رائحة السيجارة التي يدخنها والتي يبتاع بعضها من أحد معارفه . 



يتحدث عبر الهاتف مع أحدهم بنبرة خافتة  : 



- حشوفلك أني حتة تجيلة بس الرك ع اللي يوزن، أني رايد حجي فوري. 



أجابه الطرف الآخر  : 



- شوفلنا انت بس كام عروسة على حتتين وش وأني حجولهم يتوصوبك ، وابجى اتكلم مع چعران اصل وصلهم أخبار إن فيه مجبرة لسة ماتفتحش، اعرف الحوار أساسه إيه وكلمني  . 



أردف راضي بعدما نفث دخان سيجارته باستمتاع  : 



- حشوف واجولك ، يالا اجفل دلوك  . 



أغلق معه وجلس يقلب السيجارة بين يديه ويتطلع عليها بعلاقة حبٍ سامة، ثم عاد يرتشفها ويفكر، سيحصل على الأموال وحينها سيغادر هذه البلاد دون رجعة، سيذهب إلى أوروبا، وهناك سيتزوج أوربية، ويخلع هذا الثوب الذي لم يعد يطيقه  .. 



طرقت نجوى بابه تصيح بعدما حاولت فتحه عبثًا  : 



- واد يا راضي؟ جافل على نفسك ليه دلوك؟ جوم الوكل چاهز  . 



أسرع يطفئ السيجارة جانبًا ثم حمل المطفأة وانحنى يخفيها أسفل سريره، واتجه ينتشل المنشفة من فوق ظهر الكرسي، ويلوحها في الهواء نحو النافذة كي يطرد أثر الرائحة وهو ينطق  : 



- طيب ياما حفوج واچي وراكي  . 



عادت تطرق بعنف، فقد تملكها الشك في أمره، لذا احتدت بصياح  : 



- تفوج إيه؟ افتح بدل ماكسر الباب فوج نفوخك، بتعمل إيه چوة؟ 



جاء زوجها من خلفها ينطق بملل من تكرار صياحها  : 



- زورك بجى كيف البلاعة، ماتعرفيش تتحدتي من غير زعيج؟ 



حدجته بنظرة مرعبة فانتفض يسترسل وهو يتحرك نحو طاولة الطعام  : 



- أعوذ بالله، خلاص زعجي كيف مابدك  . 



فتح راضي الباب ووقف يدعي النعاس قائلًا  : 



- في إيه ياما هي الحرب جامت  ؟ 



أزاحته للخارج ودلفت تتفحص الغرفة بحواسها، لم تجد أي شيء ولكن أنفها التقطت الرائحة من بعيد فتجهمت وعادت إليه تسأله وهي تقبض على تلابيبه: 



- إنت شارب إيه يجطع خبرك ؟ 



هز كتفيه بتأفأف ونطق مستنكرًا وهي تلوحه  : 



- شارب المر من عمايلك ياما  . 



باغتته بغضب واقتربت منه قليلًا تستشعر بأنفها رائحته، وحينما وصلت إليها جحظت تحدجه بنظرة مماثلة بثت فيه الرعب لذا اهتز جسده يترجاها  : 



- احب على رچلك بلاش النظرة العفاريتي دي، أني جتتي مش متحملة، خلاص ياما آخر كانت سيجارة وراحت لحالها. 



نطقت وهي تحركه كالورقة  : 



- چبتها منين؟ انطج شاريها من مين وبجد إيه؟ 



تلعثم ولكنه أجابها  : 



- بشتريها بمتين چني من الواد عطوة. 



إذا عطوة هو الهدف الجديد لأعمال السحر الخاصة بها، لذا نفضته ونطقت وهي تدفعه  : 



- مد جدامي وحسابك معايا بعدين  ... 



❈-❈-❈



تجلس أمامه، تقرأ القرآن بصوتٍ خافت، وهو يتمدد على فراشه يتنفس بعلو. 



يأتي الجميع لزيارته كل يوم،ولكن وحدها من صممت ألا تفارقه، تبيت معه في نفس الغرفة وتستيقظ من نومها مراتٍ عدة لتتأكد من أنه بخير  . 



يمر عليها عمار مساءً بشكلٍ يومي بعد أن يتأكد من ذهاب أيوب، يأتي بالطعام والشراب من أجلها، ويرى الجد ويغادر مجبرًا خاصةً مع التزامها الصمت  . 



ربما تخبره بكلمات قليلة حالة الجد،ثم تصمت صمتًا مؤلمًا  .. 



سمعته ينادي فرفعت نظرها إليه لتجده يتمتم بشيء، لذا صدقت وأغلقت مصحفها تضعه فوق الكومود ثم اقتربت منه تتساءل  : 



- اچبلك حاچة يا چدي؟ 



- مية  . 



نطقها بصوتٍ يكاد أن يُسمع، لتلتفت على الفور وتحضر كوب الماء والملعقة الصغيرة وتبدأ في ملئها ثم إطعامه على مهلٍ حتى أشار لها بعينيه أن تتوقف ففعلت وانحنت تقبل جبهته فابتسم لها وأشار لها بأن تنحني مجددًا ففعلت فقبّل وجنتها  . 



اعتدلت تطالعه بحبٍ وحزن، وخانتها دموعها لذا ابتعدت عنه قليلًا، وأرادت أن تغسل وجهها فتحركت نحو الحمام وتركته يتمتم ناطقًا الشهادتين  .. 



عادت بعد دقيقتين تجلس جواره مجددًا وتستعد لتكمل قراءتها ولكنها مدت يدها تتلمس صدغه حينما شعرت بأنه لا يتنفس، لتتوغل إليها البرودة ، لتتسائل داخلها بصدمة ، دقيقتان فقط يا چدي؟؟



هبت واقفة وانحنت عليه تستمع إلى أنفاسه ولكنها لا تسمع شيئًا  . 



اعتدلت تهزه وتناديه بقلبٍ يشبه قلب عصفورٍ مذعور  : 



- چدي؟ فتح عيونك وبصلي إكدة، چدي  ؟ 



لم تتلقَ منه أي رد فعل ولكنها تتعلق بأملٍ كاذب لذا أسرعت تهرول نحو الخارج وتصيح  : 



- الحجني يا دكتـــــــــور.. 



لمحها الطبيب فتحرك نحوها وخطا يعود معها إلى الجد ليتفحصه بدقة لدقيقة قبل أن يرفع نظره إليها بأسفٍ وينطق  : 



- البقاء لله . 



وقفت تحدق به بصدمة سُحبت الدماء من وجهها الذي شحب قبل أن تهز رأسها رفضًا وتسرع تنحني على جسده تعانقه بقوة وتصرخ بقهر عظيم  : 



- چـــــــــــدي، ســـيبتي لمين يا چـــــــــــدي  . 



❈-❈-❈



منذ أيام وهو يمكث في المنزل ، وبالتحديد في سريره، لم يذهب إلى الشركة، حيث كان يشعر بألم حاد في ظهره ورقبته، ويلجأ للنوم باستمرار  . 



حاول عمار عبر الهاتف أن يستقطبه إلى الشركة، ولكنه أخبره بعدم رغبته في التواجد الآن، فرضخ عمار لرغبته بحزنٍ على الحال الذي وصل إليه من الكسل والإهمال  . 



وحالته هذه نتيجة طبيعية وعلمية للحزن الذي ينكره على انفصاله عن نهاد وتهديد والده له آنذاك، مازال يكابر بأن ما يتعرض له هو أمرًا طبيعيًا بعد عملٍ مرهق لسنوات  . 



كانت تيا ترى حالته وتقلباته وهروبه للنوم بانزعاجٍ وملل ، ولكن خبر انفصاله جعلها تحاول تقديم كل وسائل الرفاهية والراحة له، مقتنعة أنها ستنسيه نهاد وأي شيء يخصها  . 



لا تنكر غيرتها، وأحيانًا نوبات جنونها حينما كان يهذي ليلًا بكلمات تعبر عن رفضه الابتعاد عنها ، ولكنها ارتدت ثوب الذكاء، فلم تظهر له استياءً أو تخبره عن تلك الهلاوس،بل تتعمد أن تغرس فيه حبها عنوةً  . 



استيقظ اليوم ينوي نفض هذه الحالة عنه، هو يثبت صحة كلمات والده له، عليه أن ينهض ويثبت أنه بخير، عليه أن يكون بخير حقًا، وعليه أن يرى صغيره فقد اشتاق له كثيرًا  . 



وقف أمام مرآته، يشعر بالإجهاد، ينظر لملامح وجهه الباهتة، يحاول هندمة نفسه ورفع ذراعه بصعوبة. 



لتأتي تيا من خلفه وتناوله كوبًا من الحليب مردفة بنظرات متفحصة ونبرة اهتمام واضحة : 



- اشرب دي يا مهران، وشك اصفر خالص، مش عارفة ليه بتعمل في نفسك وفيا كدة، بتوجع قلبي عليك ليه بس؟ 



تناول منها الحليب وابتسم يردف بنبرة مطمئنة  : 



- أني عملت إيه دلوك؟ شوية تعب وراحو لحالهم، يمكن بسبب التكييف  . 



نطقت وهي تضع كفيها على صدره وتتحسسه بدلال واستعطاف : 



- قفلته خالص ومش هشغله تاني، المهم إنت تبقى بخير لإن تعبك دي بيتعب قلبي، بجد بتمنى اللي فيك يبقى فيا أنا  . 



ارتشف القليل من الحليب ثم طالعها ينطق بهدوء  : 



- بعد الشر عنك، ومتشكر ع الحليب  . 



- العفو يا حبيبي  . 



قالتها تبتعد عنه قليلًا، فتركها وتحرك يجلس على الأريكة ويكمل ارتشافه تحت أنظارها حيث استرسلت  : 



- بس انت لبست بدري ليه؟ حنروح الشركة دلوقتي  ؟ 



وضع الكوب فوق الطاولة ثم نظر لها ونطق بهدوء: 



- لاء يا تيا، حروح اشوف حمزة الأول، اتوحشته چوي  . 



لم تستطع كبح غيرتها أمامه، فرآها تتكون في نظرتها عكس نبرتها حينما نطقت  : 



- تمام، يعني هتروح القصر؟ 



نهض يتقدم منها ويؤكد بمغزى  : 



- أكيد يا تيا، ابني وعيلتي هناك  . 



- ونهاد هناك بردو يا مهران  . 



نطقتها بترقب ليقطب جبينه مستفهمًا، فتابعت بمقلتين لامعتين تخفي خبثها عنه  : 



- أنا حقيقي مضايقة منها جدًا، لإن هي السبب في الحالة اللي كنت فيها دي، بس أنا بسكت علشان خاطرك، مش قادرة استوعب إزاي واحدة بتحب تقدر تعمل كدة في اللي بتحبه  . 



جعلته يفكر بها، ويتساءل هل تيا محقة؟ 



حينها زفرت بضيق، وأسرعت تغير دفة الحوار قائلة بتمكن : 



- خلاص انسى، اعمل اللي يريحك طبعًا، وأكيد حمزة مالوش علاقة بكل اللي حصل ده، إنت معاك حق  . 



تحدث بتروٍ متجنبًا الاندماج معها في هذا الحديث  : 



- روحي إنتِ ع الشركة وأني ححصلك على هناك  . 



طالعته بترقب ثم أرادت أن تبخ سمومها مجددًا فنطقت  : 



- خليني استناك نروح سوا أحسن، بصراحة أنا بقيت اضايق من تصرفات عمار معايا، كإنه بيتعمد يقلل مني قدام الموظفين . 



انزعج من شقيقه الذي يدرك جيدًا أسباب معاملته لها، وكاد أن يخبرها بالمواقف التي سيتخذها معه، ولكن هبت على عقله نسائم كلمات والده له آنذاك، أنت لست مفغلًا  . 



تكررت الجملة على عقله، وعاد يفكر بالقليل مما يدركه عنها وعن شقيقه ، لذا نطق بنبرة متفهمة وحنونة في آن وهو يحتوي كتفيها : 



- ماتحاوليش تستفزيه يا تيا، عمار أخويا أني خابره زين، طول مانتي بعيدة عنيه ماحيجربلكيش واصل، همليه لحد ما يعرف زين إنك چدعة وحنينة وبتحبي أخوه صوح، وجتها حيعاملك زين  . 



اسدلت رأسها لا تنظر له، خشت أن تفعل فيرى نظرة الغيظ والسخرية منها لذا تنفست مطولًا وأومأت في صمت فقبل رأسها ثم ابتعد قليلًا ينتشل أغراضه وهاتفه ويتحرك نحو الخارج  .. 



❈-❈-❈



في مكتب عبد الوهاب 



يجلس وأمامه عمار الذي سرد له أمس أحوال مهران وغيابه عن الشركة، اختلط ما يحدث مع ابنه بما يفكر به منذ أيام ليصل إلى قرارٍ يعد الأصعب ولكنه الأفضل، خاصةً بعدما رفضت نهاد الترشح للانتخابات، لذا تساءل عمار بترقب  : 



- خير يا حاچ، بتفكر في إيه؟ 



نظر إليه بثقب ونطق  : 



- أني رايد تشغل نهاد معاك في الشركة يا عمار. 



ألجمته الصدمة لثوانٍ قبل أن ينطق باستفهام  : 



- نهاد؟ اشمعنى الشركة يا ابوي؟ حتبجى جدام مهران ومرته؟ 



تنفس بحرارة ونظر أمامه بشرود ثم أومأ يوضح بغموض  : 



- ملهاش صالح بيهم، هي حتبجى وياك إنت، وشغلها حيبجى تبعك، بس لازمن بنت عمك تشتغل وتلاجي نفسها بدل ماهي غرجانة في حزنها إكدة. 



وجده صامتًا يفكر هل هذا القرار صائبًا أم لاء، ليستطرد بتأكيد  : 



- شوفلها بس إنت وظيفة زينة ومكتب خاص بيها وخليها تحت حمايتك  . 



ازدرد ريقه وتساءل  : 



- ونهاد موافجة على الجرار ده؟ 



تقدم بصدره يستند على المكتب وهو يجيبه  : 



- لسة ماتعرفش، حتكلم معاها دلوك، وحتوافج  . 



طالعه بتعجب وابتسم ينطق  : 



- واثج يا حچ يعني  . 



بادله عبد الوهاب ابتسامة هادئة واردف  : 



- بتشكك في جدرات أبوك ولا إيه يا عمار؟ ضبط إنت بس مكتب زين إكدة وماتجولش لحد واصل، ولما تشتغل خد بالك منها، ماتسمحش لأي حد يضايجها بكلمة  . 



قالها بمغزى، فتنهد مطولًا ونهض ويردف بهدوء  : 



- ماشي يا حچ، طلباتك أوامر، بس لو نهاد ماجبلتش عرفني  . 



- حتجبل  .. 



نطقها عبد الوهاب فطالعه عمار بثقب، فأحيانًا يبدو والده متسلطًا بعض الشيء، ولكنه يدرك أن خلف قراره هذا خططًا وأهدافًا كثيرة  .. 



كاد عمار أن يتحرك نحو الخارج، ولكنه توقف حينما رن هاتفه، التقطه يجيب فأخبره أحدهم بوفاة الحاچ زيدان، لذا نطق وعقله انشغل على الفور بحالتها  : 



- لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وانا إليه راچعون  . 



أغلق ونظر إلى والده يخبره  : 



- الحاچ زيدان اتوفى  . 



- لا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، طب يالا يا ولدي نروح  . 



نطقها وتحركا خارج الغرفة ليجدا صابحة تطالعهما بترقب فاسترسل زوجها  : 



- الحاچ زيدان اتوفى يا صابحة ، چهزي حالك وخدي مروة وروحوا لمنصورة اجفوا معاها، واحنا حنطلع ع المستشفى  . 



أومأت له تردد بملامح حزينة  : 



- إنا لله وإنا إليه راچعون  ... 



❈-❈-❈



بعد حوالي ساعة  . 



ترجل من سيارته داخل القصر، وتحرك يحمل أكياس الألعاب التي اشتراها لصغيره، تقدم وهو يفكر هل سيراها أم أنها ستمكث في الأعلى حيث لا تريد أن تراه؟ 



لينهر عقله الذي ما زال يفكر بها، لم يفكر بها؟؟ 



دلف من باب القصر يترقب النظر، ليجد حسناء تخطو صوب المطبخ وحينما رأته ابتسمت ونطقت وهي تتقدم منه  : 



- حمدالله ع السلامة يا سي مهران  . 



- الله يسلمك، أومال أمي فين؟ وحمزة؟ 



تساءل وعينيه تبحث في الأرجاء فنطقت  : 



- الكل راح على جصر الحوامدية ، اصل تعيش انت الحاچ زيدان اتوفى. 



فاجأه الخبر فنطق  : 



- إنا لله وإنا إليه راچعون  . 



زفر وفكر سريعًا هل يذهب إليهم ويعود بعدها ليرى صغيره، أم يراه أولًا، ليجدها تشير نحو الأعلى وتنطق  : 



- وحمزة مع ست نهاد فوج، كان بينادي عليك بجالو يومين  . 



باغتها بنظرة ثاقبة، يدرك أنها تبالغ، لن ينسى أنها السبب فيما فعلته زوجته آنذاك، لذا زفر ونطق  : 



- شوفي إنتِ كنتِ رايحة فين يا حسناء  . 



ازدردت ريقها تومئ بصمت ، والتفتت تخطو داخل المطبخ، ليهز رأسه  ثم نظر نحو الأعلى، عقله يخبره ألا يصعد، ولكنه لم يطعه، وتقدم بخطواتٍ حذرة نحو الدرج وصعد، خاصةً وأنها الآن بمفردها  .. 



يتبع

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةمن هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا






تعليقات

التنقل السريع