رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل التاسع وخمسون 59بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل التاسع وخمسون 59بقلم سيلا وليد حصريه
سيلا وليد
الفصل التاسع والخمسون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
في عمق الليل، حين يسكن الصمتُ كل زاوية، يطل وجع الحب علينا بلا استئذان، يزرع في القلوب شوقًا لا يهدأ، وذكريات لا تموت.
فأحيانا يأتي الفراق كريحٍ عاتية، يحفر في الروح أودية من الحنين والندم، ويتركنا نترنح بين ما كان وما لن يعود.
أما الغربة، فهي قسوةٌ لا تُرى، لكنها تثقل النفس بوحشةٍ صامتة، تجعلنا غرباء حتى بين أرواحنا.
لكن رغم كل ذلك، يبقى السؤال: هل سيهزمنا الألم، أم سنحتضنه، ونحوله إلى نور خفي يضيء الطريق داخلنا؟
الحياة، في نهاية المطاف، ليست إلا تجربة، وكل وجع فيها رسالة، وكل غياب فيها فصل من قصة لم تُكتَب بعد.
فكيف ستكون نهاية حكايتنا؟
تحرَّكت رولا خلف معتز على صرخات الرجل، لكن رنين هاتفها شقَّ تحرُّكها فجأة. توقفت بضيق، أخرجت الهاتف… وجدت اسم بلال يلمع على الشاشة.
زمَّت شفتيها بحدَّة وهمست بانفعال:
_هوَّ إنتَ عايز منِّي إيه بقى؟ روح اسمع كلام مامتك وابعد عنِّي.
ضغطت على زرِّ الإغلاق بعصبية…لكن قبل أن تُعيد الهاتف، ظهرت رسالة.
تردَّدت لحظة…ثم فتحتها دون وعي.
_رولا…أنا عملت حادثة، أنا عند..وذكر المكان.
تجمَّدت..كأنَّ الدم انسحب من عروقها دفعةً واحدة، بينما ارتفعت دقات قلبها بعنف.
لم تفكِّر، لم تسأل، فقط اندفعت..
تركض نحو سيارتها، غير عابئة بصوت معتز الذي ينادي خلفها، واستقلَّت السيارة وانطلقت بسرعةٍ جنونية.
قبل قليل في مكانٍ آخر…
كان بلال يقود سيارته في الاتجاه المعاكس نحوها.
رفع الهاتف إلى أذنه، يتحدث مع الرجل الذي يراقبها:
_وصلوا يا دكتور للبرج…بس في حاجة غريبة.
ردَّ بلال بصوتٍ متوجِّس:
_غريبة إزاي؟
البرج شكله جديد ومتشطَّب…بس واقف برَّه اتنين تلاتة كأنهم مستنيين حد، الموضوع مش مريح.
صمت لثوانٍ…ثم قال بلال بصوتٍ حاسم:
_خليك وراهم، لو حصل أي تدخُّل… ادخل فورًا..أنا لسة قدامي شوية.
_تمام.
أغلق بلال المكالمة، ثم حاول الاتصال برولا مرةً أخرى…لكن بلا جدوى.
زفر بضيق، ثم اتجه للاتِّصال بوالده:
_بابا، وصلت لحاجة عن الراجل اللي سلَّم رولا الشغل؟
جاءه صوت أرسلان جادًّا ومقلقًا:
_أيوه…واللي عرفته مش مطمِّن خالص..خلِّيها تبعد عنه، الراجل وراه لعب كبير، وأنا اتفاجأت إنه راح لآسر، يعني مش صدفة لا دا مقصود..
وعارف اللي جالك يشتكي من العمود الفقري، دا المحامي بتاعه، يعني خلي بالك
تجمَّد بلال للحظة…ثم ضغط على الفرامل فجأة.
انحرفت السيارة بعنف، وكادت تنقلب، لتنصدم السيارة بسيارةٍ أخرى أمامها، أوقفها بعنف كاد أن يقلب السيارة مرةً أخرى، ولكن محاصرة سيارة أخرى خلفها سيطر على الوضع، ولكن تمَّ تدمير جزء كبير من سيارة بلال.
صرخ أرسلان على الطرف الآخر:
_بلال! في إيه؟!
لحظات بل دقائق كالسيف على العنق وأرسلان يصيح باسم ابنه.
التقط بلال أنفاسه بصعوبة، وهمس بصوتٍ متحشرج:
_أنا كويس يا بابا…شردت شوية والعربية دخلت في الرصيف متقلقش.
_إنتَ كويس ولَّا بتقول كدا؟.
اقترب بعض المارَّة من سيارته، فردَّ سريعًا:
_كويس حبيبي هقفل علشان سايق.
_كده موِّتني يا بني!
قالها ارسلان بصوت مرتعشًا، كأنه فقد السيطرة على قلبه للحظة.
أغمض بلال عينيه، يسحب نفسًا متعبًا، ثم قال بصوتٍ منخفض:
_أنا كويس يا بابا…متقلقش، بس لازم أقفل دلوقتي.
_خلِّي بالك من نفسك يا حبيبي…
_حاضر...قالها وأغلق الهاتف.
نظر أرسلان في هاتفه الذي أُغلق، ارتجف قلبه برعب، لم يفكِّر كثيرًا، قام الاتصال على من كلَّفه بحراسة بلال.
_نعم أرسلان باشا.
_الدكتور فين؟.
_أنا كنت مع رولا هانم، الدكتور قالِّي آخد بالي منها.
جزَّ على أسنانه وصاح بغضب:
_وأنا قولت لك إيه، إنتَ مبتفهمش.
تردَّد الرجل وأجابه:
_والله يا باشا حضرته اللي طلب منِّي.
_اسكت، فورًا تشوفه فين وتطمِّني.
_تمام حضرتك..
بدأ القلق يتحول إلى خوف يتسرَّب إلى قلبه، جلس يمسح على وجهه بعنف، استمع إلى رنين هاتفه، رفعه سريعًا ظنًّا أنه ابنه:
_أيوة.
_إسحاق باشا، وصل لمكان الدكتور يوسف يا باشا، وزي ما حضرتك توقَّعت.
_إسحاق...كنت متأكد إنَّك هتروح له من غير ما ترجع لي، يا ترى حسن نية ولَّا بتخطَّط لحاجة يا إسحاق.
نهض متّّجهًا إلى منزل أخيه، توقَّف وهو يرى سيارة تحمل بعضًا من العمال:
_رايحين فين دول يا بني؟!
_هيشتغلوا في بيت الدكتور.
أومأ له ثم أشار:
_خليك معاهم، إلياس باشا مش هنا ولَّا إيه؟
_لسة مرجعش.
_طيب روح شوف شغلك.
عند بلال..
أغلق الخط، وألقى الهاتف بجواره، ثم أرخى رأسه للخلف مستندًا على المقعد.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف…كأنَّ الموت مرَّ بجواره منذ لحظات وترك أثره داخله.
مرَّر يده على جبينه، لم يهتم بالدماء التي سالت، وكأنَّ الألم الجسدي لا يُقارن بما يشعر به.
_إنتَ كويس يا بني؟.
تساءل بها أحد المارَّة، أومأ له وقال بخفوت:
_الحمد لله..فتح باب السيارة بصعوبة، ليقترب أحد الشباب ويساعده بالخروج من السيارة:
_لازم تروح مستشفى.
_لا لا..الموضوع بسيط مش مستاهل، قال آخر:
_إنتَ اتكتب لك عمر جديد، شوف العربية عاملة إزاي، ربنا يعوَّض عليك.
خطا إلى أحدى الأرائك المصفوفة للمارَّة بالطريق، وجلس وهو يمدِّد ساقيه بصعوبة.
_متصاب يا بني؟
_لا يا حج الحمدلله، دا بس من ضغطي عليها علشان أتفادى انقلاب العربية.
_الحمدلله يا بني، متنساش تفدي نفسك..
لو محتاج تروح مستشفى عربيِّتي موجودة.
_شكرًا لحضرتك، لا فيه حد هيجي لي.
انسحب الجميع، بينما ظلَّ هو بمكانه،
رفع الهاتف مرَّةً أخرى…حاول الاتصال بها.
مرة…واثنين…وثلاثة…
لا رد.
أغلق عينيه بقهر، ثم كتب لها رسالة سريعة، بأنامل مرتجفة وأرسلها، نهض بخطواتٍ غير ثابتة، متجاهلًا دماء جبينه…وألم صدره حيث ضرب صدره بقوة بمقود السيارة اثناء انجرافها
سحب نفسًا بصعوبة، ثم رفع الهاتف مجدَّدًا، واتَّصل بالرجل:
_أيوه…الأخبار إيه؟ قالها بصوتٍ متعب.
_مدام رولا ركبت عربيِّتها فجأة ورجعت، حتى الراجل نادى عليها، مسمعتش.
سكنت ملامحه لثوانٍ…ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، دافئة، وكأنَّ شيئًا داخله اطمأن.
اتجه نحو السيارة وفتح الباب يجذب منها محارم ورقية:
_طيب ارجع وكمِّل شغلك، عايز كلِّ حاجة عن الراجل ده..
_بس ارسلان باشا طلب مني ارجع
_اسمع اللي بقولك عليه
_تحت أمرك يا دكتور.
أغلق المكالمة، ثم عاد وجل مستندا برأسه للخلف، مغمض العينين، ينتظرها، دقائق مرَّت كأنها عمر…حتى لمح سيارتها، توقَّفت فجأة بالقرب منه.
ترجَّلت رولا بسرعة، دارت عيناها بنظراتٍ مضطربة، تدور حولها كأنها فقدت السيطرة.
سألت أحدهم بسرعة…ثم التفتت فجأة.
وقعت عيناها على سيارته.
اتَّسعت عيناها بفزع، واندفعت تركض نحوه بكلِّ ما فيها من خوف:
_بلااال!
أشار بيده لها أن تهدأ، لكنها لم ترَ شيئًا.
كانت تركض فقط نحوه.
وفجأةً كادت سيارة تمرُّ وتصدمها.
اتَّسعت عينا بلال، واندفع إليه رغم ألمه، وقال بصوتٍ صارخ:
_ رولااا، حاسبي، ولكنها لم تهتم لتمرَّ بسرعة متحديةً كلَّ شيء سوى قلبها، لحظات معدودة، لتصبح بين ذراعيه.
ارتطمت بصدره وهي تبكي بانهيار، تتشبَّث به بأقوى مالديها..
فمن يرى سيارته…يدرك أنَّ الحادث لم يكن بسيطًا أبدًا.
ابتعدت عنه فجأة، عيناها تلتهمان ملامحه بقلق، احتضنت وجهه:
_إنتَ كويس، حصلَّك إيه؟ طب يلَّا نروح المستشفى حالًا!
لم يترك لها فرصة.
سحبها إلى أحضانه مرةً أخرى، ضمَّها بقوة، كأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها:
_اهدي، أنا كويس.
انفجرت باكية داخل حضنه:
_إيه اللي حصل؟!
لم يُجب..كان فقط يحتضنها، كأن وجودها بين ذراعيه يكفي.
حاولت الابتعاد، لكنه شدَّد ذراعيه حولها رغم ألمه.
_بلال، لازم نروح المستشفى!
_قلتلك أنا كويس، مجرَّد خبطة بسيطة.
رفعت يدها التي ترتعش، ولمست جرحه، لتتَّسع عيناها:
_إنتَ بتنزِّل دم!
ابتسم بخفوت:
_حاجة بسيطة…هزَّت رأسها بعنف، وسقطت دموعها دون توقُّف:
_لا مش بسيطة…بص! الدم على وشَّك!
أمسك وجهها بين كفَّيه، يجبرها تنظر إليه:
_حبيبتي…أنا كويس، بطَّلي عياط.
لكنها لم تستطع، دفنت وجهها في صدره تبكي بانهيار، حين تذكَّرت أنها كانت على وشك فقدانه
مسَّد على ظهرها بهدوء، وقال بصوتٍ هادئ:
_رولا…أنا هنا، بطَّلي عياط.
لكزته بخفَّة، بصوتٍ مخنوق:
_أنا هموت لو حصلَّك حاجة…إنتَ بتعمل فيَّا كده ليه؟
رفع ذقنها بأصابعه، ينظر داخل عينيها مباشرة:
_خايفة عليَّا؟
نظرت له، وأجابت سريعًا دون تردُّد:
_أوي…أوي يا بلال.
ابتسم ابتسامة خفيفة، حتى لمعت عيناه:
_طب ليه؟
سكتت..لحظة قصيرة، لكنها كانت كفيلة لتفضح قلبها.
تراجعت خطوة، تمسح دموعها بسرعة، حين عادت لأرض الواقع :
_عادي…إنتَ ابن عمِّي، طبيعي أخاف عليك.
كرَّر كلماتها ببطء، ونظره ثابت عليها:
_ابن عمِّك بس، يعني ابن عمِّك تحضنيه؟
توتَّرت ملامحها، ثم أشاحت بنظرها:
_آسفة كنت متهوِّرة…يلَّا بقى، نروح المستشفى.
_لا مش هروح مستشفيات، رجَّعيني على بيتي وأنا هتصرَّف، قالها وهو يضع يده على صدره.
_أنهي بيت دا بقى إن شاءلله، اللي فيه كارما؟
حاوط خصرها بذراعٍ مرتعشة، وخطا معها نحو الطريق بخطواتٍ غير متَّزنة:
_يلَّا يا رولا…مش قادر أقف.
رفعت عينيها إليه، وكان الألم يسبق أي كلمة، فأسندته بكلِّ ما تملك من قوة، كأنها تحمل روحه لا جسده، واتجهت به إلى السيارة، ساعدته على الجلوس، ثم اندفعت إلى مقعد القيادة، وقلبها يخفق بعنف:
_بلال إنتَ تعبان أوي، مش قادر توقف حتى.
_أنا كويس حبيبتي..قالها وهو مغمض العينين، بينما هي ردَّدت كلمته بعيونٍ لامعة، تنظر إليه مرَّة وإلى الطريق مرة..
مرَّت دقائق حتى توقَّفت أمام المبنى، التفتت إليه سريعًا..
وجدته مغمض العينين، وملامحه شاحبة على نحوٍ أفزعها:
_بلال…وصلنا ايه أكلِّم المدام تيجي تساعدك؟ تمتمت بها بسخرية.
فتح عينيه بصعوبة، وصوته بالكاد يُسمع:
_انزلي يا رولا…مش قادر أتكلِّم.
تجمَّدت للحظة، لكن شحوب وجهه كان كافيًا ليجعلها تبتلع كلماتها، نزلت مسرعة، وسندته من جديد، خطا بخطواتٍ كانت تتهاوى..
صعدت به، وأنفاسه تتقطَّع، كان يسحب أنفاسه بالمصعد.
وقفت أمام شقَّة كارما، لكنه أخرج مفتاحه بصعوبة، ومدَّه إليها:
_دي شقِّتي.
نظرت إليه بحيرة، وعيناها تمتلئان بالتساؤل، لكنه لم يمهلها:
_هقع على فكرة.
تناولت المفتاح بيدٍ مرتجفة، وفتحت الباب، ثم أدخلته، وعيناها لم تخلُ من نظرةٍ خاطفة نحو الشقَّة المقابلة..
ما إن دلف، حتى هوى بجسده على الأريكة، وضع يده على كتفه، وأنفاسه تتسارع..
ألقت حقيبتها واقتربت منه سريعًا:
_بلال…بلال!
كان يتأرجح بين الوعي واللَّاوعي، لكنه تمتم بصوتٍ واهن:
_أنا كويس…حبيبتي متخافيش.
ارتجف قلبها عند الكلمة للمرَّة الثانية، سقطت على ركبتيها أمامه، والدموع تنساب دون قدرةٍ على إيقافها:
_كويس إزاي؟! افتح عيونك…لازم نروح لدكتور…يا رب لو يوسف هنا كان هيعرف يتصرَّف، أنا أعمل إيه دلوقتي؟!
انتفضت فجأة، وكأنَّ فكرةً أنقذتها..
كارما..
اندفعت نحو الباب، وطرقت بعنف، حتى فتحت كارما، وقد بدا عليها الذهول من حالتها:
_الدكتور مش هنا والله.
قاطعتها بصوتٍ راجٍ:
_ساعديني…بلال متصاب وأنا مش عارفة أعمل إيه.
تماسكت كارما سريعًا:
_طيب اهدي، هوَّ في شقِّته؟
أومأت رولا برأسها، وعيناها تلمعان بالدموع، فدخلت كارما لثوانٍ، ثم خرجت مرتديةً إسدالها.
تبعتها رولا بنظراتٍ متوجِّسة، شعورٌ غريب تسلَّل إليها، وهي تراه ترتدي اسدالا وحجابا، لكنها لم تملك وقتًا للتفكير.
دخلتا الشقَّة، فاتَّجهت كارما فورًا نحوه، وانحنت عليه، تقلِّب وجهه بيديها، تتفحَّصه بعناية.
وقفت رولا مكانها، وعيناها معلَّقتان بيد كارما..بلمستها لحبيب روحها، حتى
اشتعلت الغيرة في صدرها، فقبضت كفَّيها بقوة، وكأنَّها تسيطر على نفسها.
قالت كارما بتركيز:
_الجرح ده لازم يتنضَّف ويتعقَّم… وفيه دم على قميصه.
اقتربت رولا:
_يمكن من وشُّه.
هزَّت كارما رأسها:
_لا…تعالي شوفي هوَّ متصاب فين، وأنا هتَّصل بالصيدلية.
أوقفتها رولا بحزم:
_استني هنا…لو تعبان قوي نتِّصل بالإسعاف.
أجابتها كارما بهدوء:
_لا مش للدرجة دي، بس واضح إنه اتخبط جامد…إزاي اتعوَّر كده؟
قالتها و عيناها عليه بتركيزٍ، قاطعتها رولا بسرعة، بعدما تسلَّلت الغيرة إلى نبرتها:
_إنتي مالك، مش كنتي رايحة تجيبي العلاج؟ يلا متتأخريش.
رفعت كارما عينيها إليها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، تحمل شيئًا من الاستفزاز:
_وإنتي غيرانة ليه؟
تجمَّدت رولا في مكانها، وكأنَّ السؤال أصابها في موضعٍ خفيّ.
نظرت إلى جسد بلال المنهك…و أنفاسه المتقطِّعة…وهمسه بأنينٍ خافت، ثم عادت بعينيها إلى كارما.
_مش قولت روحي كلمي الصيدلية
اقتربت كارما مرة اخرى من بلال تتفحصه
تأفَّفت رولا بضجرٍ ظاهر، تحاول أن تُخمد اضطرابها، لكن الغيرة كانت تشتعل داخلها بلا رحمة، حتى انفلت صبرها
_وبعدين بقى، ماتحاوليش تستفزيني
_مش بشوف هنحتاج ايه
_مابلاش شغل القرع دا، ماتحسسنيش انك دكتورة بحق وحقيقي، دا اخرك علاج في صيدلية
_انا مبفهمش، وانتي شطورة، علشان كدا كلِّمي إنتي الصيدلية وأنا أشوف الجرح محتاج إيه.
انتفضت من مكانها، وكأن شيئًا مسَّ كرامتها، فتقدَّمت نحوها بابتسامةٍ مشدودة تخفي خلفها نارًا:
_إنتي بتقولي إيه يا بت؟!
تراجعت كارما تضحك:
_خلاص، خلاص...فعلا زي ماقال عليكي
جلست بجواره، بعد خروج كارما ومدَّت يدها بتردُّد نحو أزرار قميصه، لكن عيناها توقَّفتا عند بقعةٍ داكنة على القماش الأزرق…
تبدَّلت ملامحها، وحاولت سحب القميص ببطء، لتنكشف كدمةٌ زرقاء يتوسَّطها جرح.
شهقت، وانكسر صوتها:
_بلال…افتح عيونك لو سمحت، لازم نروح لدكتور.
رمش بصعوبة، ولم يستطع الكلام، لكنه رفع يده المرتعشة، وربت على كفِّها في محاولةٍ لطمأنتها:
_أناكويس…كويس…
اعتدلت في جلستها، وسندته برفق، ثم حاولت نزع قميصه بالكامل، فخرجت منه تأوُّهة ألمٍ حادَّة.
ارتجفت عيناها، وهمست بوجع:
_آسفة…وجعتك
التقت عيناه بعينيها للحظة…لحظةٌ صامتة، لكنها كانت ممتلئة بما لم يُقال.
فهربت من نظراته، ونهضت بسرعة:
_اخلعه إنتَ براحتك، وأنا هشوف لك قميص من جوَّا.
اندفعت نحو الداخل، وكأنها تهرب من قلبها قبل هروبها منه.
أمَّا هو، فأغمض عينيه، واضعًا كفَّيه فوق صدره، يحاول أن يتحمَّل الألم الذي ينهش جسده.
دلفت رولا إلى غرفة نومه، وعيناها تجوب المكان بسرعة، حتى وقعت عيناها على صورةٍ موضوعة بجوار الفراش..
صورتها وهي تبتسم وتقبِّله.
ارتجف قلبها بقوة، وخطت نحوها ببطء..
رفعتها، وتاهت عيناها فيها…عادت بها إلى ذاكرة تلك الصورة
تجمَّعت الدموع في عينيها، فأعادت الصورة مكانها بسرعة..
خرجت إليه مسرعة، وقالت بصوتٍ اختلط بالغضب والألم:
_إنتَ ليه بتعمل فينا كده..قولِّي…ليه بتوجعنا إحنا الاتنين؟!
اندفعت تضربه بخفَّة على صدره، دون أن تدرك آلامه، وأنه قد نزع قميصه، وأصبح عاري الصدر.
رفع رأسه بصعوبة، متأوِّهًا.
توقَّفت يدها فجأة، وكأنها صُعقت، واتَّسعت عيناها، ثم ابتعدت بسرعة:
_أنا…أنا آسفة.
همست بها، قبل أن تهرب مجدَّدًا إلى الغرفة، والدموع تنهمر من عينيها..
فتحت خزانته بعشوائية، تقلِّب بين القمصان، حتى انتزعت أحدها، ثم قرَّبته من أنفها…
استنشقت رائحته بعمق، قاطعها طرقٌ على الباب..
خرجت بسرعة، ومسحت دموعها، ثم فتحت الباب، لتجد كارما تحمل أكياس الأدوية.
وقفت أمامها، وأردفت بنبرةٍ حادَّة:
_هاتي…وأنا هتصرَّف.
قاطعتها كارما بهدوء:
_رولا، فيه حقن ومسكِّنات…لازم ياخدها، مش هتعرفي لوحدك.
لكن رولا لم تسمع…
نزعت الكيس من يدها بعنف، ودفعتها إلى الخارج، وقد أعمت الغيرة عينيها، وهي تتخيَّلها تراه بتلك الحالة.
أغلقت الباب بقوة، ثم عادت إلى الداخل..
وجدته يحاول ارتداء قميصه بصعوبة، وأنفاسه متقطِّعة..
اقتربت وجلست بجواره، متجنِّبةً النظر إلى عينيه:
_هساعدك…
ترك القميص، فاقتربت أكثر، وأخذت تساعده على ارتدائه بحذر، لكن ما إن حرَّكت ذراعه حتى خرجت منه تأوُّهة ألم.
ارتجف صوتها:
_إيه اللي بيحصل، دراعك ماله؟! إنت إزاي عملت الحادثة…وكنت رايح فين؟!
لم يجب…
فقط نظر إليها بعينينِ مرهقتين…ثم همس بصوتٍ واهن، يحمل ضعفًا لم تعهده فيه:
_رولا…أنا تعبان
_دا من الألم، هتاخد المسكِّن وتبقى فل.
انحنت برفق، وسحبت كمَّ القميص إلى الجهة الأخرى حتى لا يضطرَّ لرفع ذراعه المتورِّمة، اقتربت أكثر…حتى تلامست أنفاسهما، وامتزجت حرارة قربهما بارتجاف قلبها العنيف.
تجنَّبت عينيه بصعوبة، وكأنَّ نظرةً واحدة قد تُسقط كل مقاومتها، ثم رفعت ذراعه بحذر تساعده على ارتداء القميص.
_آااه…
خرجت التأوُّهة من بين شفتيه، فانتفض قلبها، ونظرت إلى ذراعه الذي بدأ يتورَّم بوضوح:
_بلال…دراعك ورم! إيه اللي حصل؟
عاد يُلقي بثقل جسده على الأريكة، وأنفاسه متقطِّعة، ثم قال بصوتٍ مجهد:
_العربية كانت هتتقلب بيَّا…دخلت في عربية تانية، كانت كلَّها ناحيتي… حاولت أتحكِّم فيها علشان متتقلبش…اتخبطت جامد…بس ده كلِّ الموضوع.
ارتجفت ملامحها، وهمست بوجعٍ صادق:
_يا حبيبي…إزاي ده حصل؟! إنتَ مجنون…مش تاخد بالك من نفسك؟!
انت مش هترتاح الا لما تموتني
رفع رأسه قليلًا، وصوته خرج هادئًا على غير عادته، وكأنه يختبرها:
بعد الشر عليكي ياتاعبة قلبي
انزلقت دمعة وقالت
_وانت كمان تعبني اوي حبيبي
_أنا حبيبك يا رولا؟
تعلَّقت عيناها به، دون تردُّد:
_طبعًا حبيبي…إنتَ ليه شاكك في كده، أعملَّك إيه علشان تصدَّقني؟
نظر إليها بصمتٍ طويل، عميق،
فأكملت، وبصوتٍ منكسر رغم قوَّتها:
_آه…أنا بحبَّك أوي…بس مستحيل أرجع لك طول ما إنتَ هنا.. أنا موجوعة ومكسورة منك، تأكد كل كلامي علشان اضايقك واحرق قلبك زي ماحرقتني، أنا بحبك وبحبك أوي، بس مش هرجع لك طول ماانت مش خايف على قلبي
أغمض عينيه، وكأنها غرست شيئًا مؤلمًا في صدره، ثم قال بهدوءٍ مستسلم:
_مش مهم…أنا سمعت المهم، وده عندي الأهم.
عقدت حاجبيها:
_يعني إيه بقى إن شاء الله؟
تمدَّد قليلًا، وأشار إليها أن تقترب:
_اقفلي زراير القميص.
رفعت أناملها المرتجفة، تغلق الأزرار ببطء، بينما كانت عيناه تلتهم ملامحها بشوقٍ واضح.
فجأة…رفع يده، وقبَّل كفَّها.
انتفضت، وسحبت يدها سريعًا:
_بلال! بتعمل إيه؟!
أشار إلى كيس الدواء بجواره:
_هاتي الشنطة دي…أشوف كارما جابت إيه، يا ترى استفادت منِّي حاجة ولَّا لأ؟
رفعت حاجبها بسخرية:
_أيوه طبعًا…لازم تتعلِّم منك يا حنيِّن، مش رشدي أباظة في زمانك.
رغم الألم، شدَّ على كفِّها بخفَّة، وعيناه تلمعان بشيءٍ مشاكس:
_متخلنيش أعرَّفك رشدي أباظة وإلَّا…
_بلال سيب إيدي ما تتجنِّنش!
ابتعد، وأخرج بعض الأقراص والحقن، يتفحَّصها:
_برافو عليها…بتتعلِّم بسرعة.
ألقت المنشفة في وجهه، ثم نهضت فجأة، وقد اجتاحتها موجة غيرةٍ عمياء:
_أنا اللي أستاهل أصلًا إنِّي جيت معاك…أنا غبية!
انحنت تلتقط حقيبتها، وعزمت على الرحيل، لكن صوته أوقفها:
_تبعتِ لي كارما علشان تاخد بالها منِّي…إنتِ شايفة وضعي إزاي؟
التفتت نحوه بسرعة، وعادت إليه بخطوةٍ واحدة، وعيناها تشتعلان:
_طيب خلِّيها تدخل هنا…وأنا أدفنك وأدفنها!
ابتسم رغم ألمه، ابتسامة دافئة خرجت من قلبٍ مُتعب:
_بحبِّك.
تجمَّدت للحظة…ثم اعتدلت سريعًا، وكأنها ترفض أن تهتز..
سحبت منه الدواء بعنف:
_هات يا رشدي أباظة…ما أشوف آخرتها.
أسند رأسه إلى المقعد، يتابعها بعينينِ عاشقتين، بينما هي تقرأ ما كُتب على الأدوية بتركيز:
_ده هتاخده مرِّتين، وده مرة، وده..
صمتت فجأة…
حين شعرت بذراعيه تلتفُّ حول خصرها، يجذبها إليه وهو يتمدَّد.
_بلال…ابعد ما تبقاش مجنون!
همس بصوتٍ خافت، متعب:
_خلِّيكي في حضني شوية يا رولا.
ارتجف جسدها بعنف من قربه، تريد أن تبقى العمر كله بين ذراعيه،ورغم ذلك سحبت نفسها بصعوبة من بين ذراعيه:
_إنتَ اتجنِّنت!!.إنتَ ناسي إننا مطلَّقين؟!
لم يُجب…
فقط أغمض عينيه، كأنَّ الكلمات لم تعد تعنيه.
وقفت لحظة تنظر إليه، ثم مدَّت يدها بالدواء، وساعدته على تناوله.
_مكتوب عليه مسكِّن، هينيِّمك كويس وده لل..
قاطعها، ساحبًا الدواء من يدها:
_عارف…إنتِ ناسية إني دكتور ولَّا إيه؟
_لسه تعبان؟.
ابتسم بخفَّة رغم الإرهاق:
_تؤ.
نظرت إليه، وابتسامة خفيفة تسلَّلت لشفتيها:
_إنتَ رجَّعتني إمتى؟
توقَّف لحظة…رغم أنه كان يشكُّ أنها تعلم، إلَّا أنَّ سؤالها أربكه.
_ايه اللي بتقوليه دا، هو هرجعك من غير مااقولك
اقتربت أكثر، وعيناها لا تفارقان عينيه:
_رجَّعتني إمتى يا بلال؟
نظر إليها بعمق:
_يا ترى لو مرجعك ده مضايقك، ولَّا مبسوطة؟
تنهَّدت، وصوتها خرج صادقًا حدَّ الوجع:
_مش عارفة، بس اللي متأكِّدة منه… إنِّ قلبي وجعني منَّك أوي، وفي نفس الوقت بحبَّك ومش قادرة أبعد.
رفع يده بصعوبة، ولمس خصلات شعرها بحنانٍ هادئ:
_كفاية عندي الكلمتين دول…
رفعت رأسها إليه، وعيناها تلمعان بشيءٍ ثقيل:
_بلال…أنا منزِّلتش ابننا.
تجمَّدت ملامحه…
ثم رفع ذقنها برفق، وغرق في عينيها
_عارف يا حبيبتي…
اهتزَّت نظراتها، وكأنها لم تتوقَّع إجابته..
ابتعدت قليلًا، تحاول أن تتمالك نفسها:
_عرفت ازاي
_عرفت وخلاص، قالها والنوم يتسلل الى عينيه... انحنت تملس على خصلاته
_طيب…حاول ترتاح…أنا لازم أرجع الشغل…هكلِّف حد يستلمه، وهرجع لك
_متتأخريش.
دنت منه اكثر وطبعت قبلة على وجنتيه:
_هبعت كارما برضو، معرفش هرجع إمتى.
_بلاش الراجل دا يا رولا.
_ليه يا بلال، دا و..
لكنه قاطعها:
_مش مرتاح له
_طيب هقابله في المكتب النهاردة، لما اشوف حد يستلم ويكون كفء
عند يوسف..
خرج من المركز الذي يعمل به متَّجهًا إلى سكنه، لكنه توقَّف حين لمح إسحاق يقف أمامه مستندًا إلى سيارته..هزَّ رأسه بابتسامةٍ خفيفة واقترب منه:
_كنت متوقِّع…بس مش بالسرعة دي.
ابتسم إسحاق بخفَّة وقال:
_ عيب يا ابن إلياس تغلط في عمَّك إسحاق.
_إزي حضرتك؟ يارب تكون بخير.
_الحمد لله، يلَّا على البيت، جاي تعبان من السفر، وجعان كمان…إيه معندكش أكل؟
ابتسم يوسف مشيرًا إلى الأمام:
_البيت من هنا مش بعيد.
_عارف.
قالها إسحاق ببساطة، جعلت يوسف يومئ ثم يردُّ ساخرًا:
أيوه صح…الواحد بقى غبي، مش بيركِّز…تفتكر ليه يا عمُّو إسحاق؟
_علشان إنتَ في أرض الأغبياء.
ضحك يوسف بخفَّة:
_ يا عم قول كلام غير ده…كلام يتصدَّق.
توقَّف إسحاق فجأة، ونظر في عينيه مباشرة:
_أوَّل مرة أعرف إنك غبي يا ابن إلياس.
تنهَّد يوسف، ثم أشار له بالسير..وبعد دقائق، كانا داخل سكنه.
_تحبِّ تاكل إيه؟ أطلبه لك.
_لا يا أخويا، مبحبش أكلهم…أنا قاعد بس عايز أطَّمن عليك، عامل إيه؟
_كويس الحمد لله.
صمت يوسف للحظات، ثم سأل:
_ لمَّا بابا عرف المكان…ليه هوَّ اللي مجاش؟
_أبوك لسه ميعرفش…أنا بس اللي عرفت، بس طلعت ذكي وغبي في نفس الوقت.
ابتسم يوسف بسخرية:
_ما ترسي على حل…غبي ولَّا ذكي؟
_إيه غايتك يا بني إنك تسافر كده، وليه مش عايز حد يعرف مكانك؟
صمت يوسف، ولم يُجب..فهم إسحاق أنه لا يريد الحديث.
_طيب، مش هدخل في تفاصيل…أنا بس جاي أطَّمن عليك، ولازم تطمِّنهم…أبوك هيتجنِّن عليك، إنتَ أكتر واحد عارف إن إلياس مابيتكلمش، بس جوَّاه وجع كبير، إزاي قدرت تعمل كده؟
تنهَّد يوسف بضيق:
_عمُّو إسحاق، لو سمحت…ده مستقبلي، ومحدش يدَّخل فيه.
هزَّ إسحاق رأسه بتفهُّم:
_تمام يا يوسف، معنى كده إنك هتفضل هنا، مش ناوي تنزل مصر خالص؟
_ده اللي بفكَّر فيه.
_وإنتَ شايف إن أهلك يستحقُّوا منك كده؟
ردَّ يوسف بهدوءٍ حاسم:
_أنا شايف إني مش مرتاح هناك…ومش أوَّل ولا آخر واحد يعمل كده.
صمت إسحاق قليلًا، ثم قال بنبرةٍ جادَّة:
_تمام مش هتكلِّم معاك في حاجة. بس لازم تاخد بالك كويس، إنتَ مش في مصر، يعني كل حركة محسوبة عليك.
قاطعه يوسف بنبرةٍ حادَّة:
_ لو حضرتك هتكرَّر كلام بابا، فمعلش، أنا مبقتش طفل، وعارف كويس أنا بعمل إيه.
نهض إسحاق من مكانه بهدوء، لكن ملامحه كانت متصلبة:
_خلاص، مش هقولَّك حاجة..خليك بس واخد بالك من نفسك.
عقد يوسف حاجبيه متفاجئًا:
_حضرتك ماشي، مش قولت هنتغدَّى سوا؟
هزَّ إسحاق رأسه بخفَّة:
_لا…قولت لك مبحبش أكلهم، لكن لو حبِّيت…ممكن أقولك على مكان كويس للأكل المصري، لو يوم حنِّيت..وحبِّيت المصري الأصلي تاني.
تطلَّع إليه يوسف باستغراب:
_حضرتك بتقول كده ليه؟ أنا ما كرهتش بلدي.
تنهَّد إسحاق وقال بنبرةٍ أهدأ:
_مش قصدي كده يا ابني، خليك بس واخد بالك من نفسك.
قالها ثم استدار وغادر.
جلس يوسف مكانه، يدور بنظره في أرجاء الشقَّة وكأنها غريبة عنه..مرَّر يده على وجهه بإرهاق، وهمس لنفسه:
_كده أحسن…أيوه، الموضوع مؤلم، بس أحسن للكل.
تراجع بجسده للخلف، وصورة والده لا تفارق خياله..أغمض عينيه، وكأنها محاولةً للهروب:
_ عارف إنك مقهور منِّي، بس إنتَ بتحبِّني، وهتسامحني.
انسابت دمعة خفيفة من طرف عينه، مسحها سريعًا، كأنه يرفض ضعفه. نهض، وبدَّل ثيابه، ثم اتجه ليُعدَّ قهوته…لكنه توقَّف على صوت جرس الباب.
اتجه إليه، وفتح الباب بتردُّد:
_ إنتَ…عرفت مكاني إزاي؟!
رفع الآخر ما بيده، وقال بابتسامة:
_سنتحدَّث هنا؟ لا تريدني بمنزلك.
تردَّد يوسف للحظة، ثم تنحَّى جانبًا:
_اتفضل.
دلف موسى، يتفحَّص الشقَّة بنظراتٍ سريعة، ثم وضع ما بيده على الطاولة.
أشار يوسف إليه مستفهمًا:
_إيه ده؟
ابتسم موسى:
_ شامبانيا…أريد الاحتفال بالصداقة.
تغيَّرت ملامح يوسف فورًا، ونظر إليه بحدَّة:
_ياريت تشيلها فورًا…أنا مسلم، والحاجات دي محرَّمة عندي.
رفع موسى حاجبيه مستنكرًا:
_ اهدى يا صديقي…هذه ليست كما تظن، الجميع يتناولونها
اقترب يوسف خطوة، وصوته أكثر صرامة:
_موسى…ألم تفهم، لا أريد محرَّمات بمنزلي.
نظر إليه موسى ببرود:
_أفهم إنك تقوم بطردي من بيتك، هل دينك يأمرك بذلك؟
التفت إليه يوسف بنظرةٍ ثابتة، تحمل رفضًا واضحًا:
_ متحاولش تشوَّه ديني، أنا بحترم كلِّ الأديان…وده يفرض عليك تحترم ديني كمان، أنا ما أجبرتكش على حاجة… فماتجبرنيش على حاجة تخصِّني.
صمتت لحظة ثقيلة بينهما،
ثم قال يوسف بنبرةٍ أهدأ:
_أنا آسف…بس مش هقدر أقبل ده.
نظر إليه موسى بنظرةٍ متغيِّرة، فيها ضيقٌ خفيّ، لكنه تماسك وابتسم ابتسامة باردة:
_تمام يا عزيزي…أعتذر على سخافتي... وأنِّي أتيت، ثم استدار وغادر دون انتظار رد.
وقف يوسف مكانه، يتابعه بصمت… حتى اختفى تمامًا خارج الباب.
_أووف..دمَّك يلطش، مسح على وجهه ودار بغضب، يردِّد بينه وبين نفسه ينظر
للزجاجة:
شامبانيا!..لو إلياس شافها كان رجمني بيها…الله يخرب بيتك، عكَّرت مزاجي أكتر ما هو متعكَّر.
زفر بضيق، ثم توقَّف فجأة…تذكَّر بلال.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، فهو لم يجد وقتًا للحديث معه اليوم. سحب هاتفه سريعًا، واتَّصل به مرة… واثنتين…وثالثة، لكن دون رد.
_فينك إنتَ كمان؟..أوف، إيه اليوم ده!
ألقى الهاتف جانبًا، ثم نهض متَّجهًا إلى مكتبه..سحب بعض الأوراق، وبدأ يعمل على ما جاء من أجله، انغمس في العمل حتى مرَّت ساعات دون أن يشعر بالوقت.
أغلق جهازه أخيرًا، ونهض بتعب، متَّجهًا إلى المطبخ.
توقَّف عند الباب، ينظر حوله بصمت… لكنه توقَّف وكأنها أمامه..
ابتسم بحنين، وتذكَّر كلماتها:
_أنا مبعرفش أطبخ…بس هحاول علشان بتقول يا فاشلة.
اقترب منها، وحاوط خصرها من الخلف، ومال برأسه ليطبع قبلةً على جانب عنقها..
_إنتِ فيكي كلِّ حاجة حلوة يا ضي، ومش معنى إني بهزَّر كده تبقي فاشلة، أنا بس بهزَّر مع باباكي.
التفتت إليه، وابتسمت، ثم رفعت ذراعيها تحيط بعنقه:
_بس لو حبيبي طلب منِّي حاجة،
ابتسم وهو يجمع خصلات شعرها على جانب رقبتها، وعيناه تلمعان بعشقٍ واضح:
_أي حاجة منك…على قلبي زي العسل.
ابتسمت له بعينينِ غارقتينِ فيه، وهمست بصوتٍ مرتجف من صدقها:
_يوسف…أنا بحبَّك أوي، مش بس بحبَّك، أنا بموت فيك.
انحنى إليها، وكأنَّ الكلمات لم تعد تكفيه، فاختصر المسافة بينهما بقبلةٍ حملت كلَّ ما عجز عن قوله…قبلة عاشقة، مجنونة، أذابت ما تبقَّى من مقاومة.
تاهت أنفاسهما، وتشابكت اللحظات، حتى فقدا الإحساس بكلِّ ما حولهما… لم يعد هناك سوى قلبينٍ ينبضان بعنف، وشوق يطالب بحقِّه..ليحملها متَّجهًا إلى غرفتهما..
لكن…هنا فاق وعاد إلى أرض الواقع،
لتتلاشتى الصورة فجأة، وتبدَّدت ابتسامته معها.
شهقة حادَّة خرجت من صدره، كأنَّ أحدهم انتزعه من حلمه قسرًا.
ابتعد عن المطبخ…بل عن الشقَّة كلَّها.
يرتدى جاكيته بسرعة، وخرج إلى الشارع، يسير بلا وجهة، بلا وعي… فقط يهرب.
لكن كيف يهرب…وهي داخله؟
صورتها تلاحقه في كلِّ خطوة…في كل نفس…في كلِّ دقَّة قلب.
جلس على مقعدٍ أمام إحدى الحدائق، محدِّقًا في الفراغ، لكن داخله كان ممتلئًا بها.
ذكريات تتدفَّق واحدة تلو الأخرى، ضحكتها، صوتها، نظرتها له تفاصيل صغيرة…لكنها كفيلة بأن تفتك بروحه.
مرَّر يده في شعره بعنف، كأنه يحاول طردها من رأسه…لكنها لم تكن في رأسه فقط…كانت في قلبه، في دمه، في أنفاسه.
همس بصوتٍ مكسور:
_ مش قادر…
أغمض عينيه بقوة، وكأن الظلام قد يرحمه منها…لكنَّه رآها أوضح..تقترب، تبتسم، تناديه…
فتح عينيه فجأة، و قرارًا جنونيًّا قد وُلد داخله..أخرج هاتفه، وبدون تفكير… ضغط على اسمها.
عند ضي..
كانت منشغلة بعملها…أو هكذا ادَّعت.
في الحقيقة، كانت تهرب، تهرب من كلٍّ شيء قد يذكِّرها به..لكن القلب، لا يُخدع.
رنَّ هاتفها..
نظرت إليه بلا اهتمام في البداية…رقم غير مُسجَّل..رنَّ مرةً أخرى، ثم مرةً ثالثة.
توقَّفت يدها، وبسطت كفَّها ببطء، بينما رجفة خفيَّة تسلَّلت إلى قلبها.
ردَّت بتردُّد: ألو…؟
على الطرف الآخر..
أغمض يوسف عينيه فور أن سمع صوتها.
ذلك الصوت الذي اشتاق له حدَّ الألم.
انكسرت داخله كلَّ الحواجز.
انسابت دموعه بصمت، دون أن يملك القدرة على إيقافها، فقط لأنه سمعها.
أعادَت بصوتٍ أخف، يحمل قلقًا خفيًّا:
_ألو…مين معايا؟
فتح فمه، حاول أن يتكلَّم، لكن الكلمات خانته.
الخوف، الاشتياق..الندم..كلهُّم اختنقوا في صدره.. وقبل أن يفقد سيطرته تمامًا..
أغلق الخط.
عاد بجسده إلى الخلف، يلهث، وكأنه كان يغرق ونجا للتو، ارتفعت دقَّات قلبه بعنف، حتى شعر أن أنفاسه تُسلب منه.
وضع يده على صدره، يضغط عليه، يحاول تهدئته، رفع رأسه إلى السماء، وعيناه تلمعان بالألم:
_إنتِ وحشتيني بشكل يوجع…يارب اسحب حبَّها من قلبي.. مبقتش ملكي
عند بلال..
عادت بعد فترة، فوجدته غارقًا في نومٍ ثقيل، أنفاسه منتظمة لكنه يبدو مرهقًا بشدة..توقَّفت كارما عند الباب، تتأمَّله بقلق.
رمقتها رولا بنظرةٍ حادَّة، وقالت بصوتٍ خافتٍ لكنه مشحون:
_ مصحيش؟
هزَّت كارما رأسها:
_ المسكِّن تقيل، بس الجرح اتنضَّف واتربط كويس.
اشتعلت عينا رولا فجأة، وتقدَّمت خطوة:
_ ومين طلب منِّك تعملي كده..بتقرَّبي منه بصفتك إيه..مش إنتي اللي قولتي مفيش حاجة بينكم؟
تنهَّدت كارما تحاول التماسك:
_ رولا…لو سمحتي اهدي، أنا خوفت الجرح يتلوِّث بس.
قاطعتها بحدَّة:
_ برضو متقرَّبيش منه تاني..ويلَّا، اتفضلي على شقِّتك.
استدارت كارما في صمت، لكن صوت رولا أوقفها من جديد:
_ على فكرة…أنا عمري ما كنت قليلة الذوق، بس إنتي اللي وصَّلتيني لكده.
التفتت كارما ببطء، وعيناها تحملان صدقًا واضحًا:
_ وأنا متفهِّمة ده، بس صدَّقيني، جوزك مجرد أخ مش أكتر..أنا بس بحتمي فيه لحدِّ ما أسافر.
سكتت لحظة، ثم أكملت بصوتٍ أهدى:
_ وآسفة…للمرَّة المليون، مكنش قصدي أكون سبب بينكم.
نظرت نحو بلال:
_ وخلِّي بالك منه…لأنه يستاهل.
استدارت رولا دون رد، تعطيها ظهرها ببرود، فخرجت كارما بهدوء.
اقتربت من بلال، جلست بجانبه، ومرَّرت يدها على وجهه بحنانٍ متردِّد. لاحظت زرَّ قميصه المفتوح، فتجمَّدت للحظة، وكأنَّ شيئًا اشتعل داخلها.
فتح عينيه ببطء، تتلاشى غشاوة الألم، لتقابله ابتسامتها:
_ اصحى…لازم تاكل حاجة وتاخد علاجك.
حاول أن يعتدل، فتأوَّه بخفوت. أسرعت تسانده، فاقتربت منه أكثر مما ينبغي، مسافة كفيلة بأن تربك أنفاسهما معًا.
تجمَّدت لثانية، ثم ابتعدت فجأة:
_ هعملَّك حاجة تاكلها.
بمنزل إلياس..
كان إلياس يجلس مستمعًا لأرسلان، ملامحه جامدة لكن عينيه يقظتان.
قال إلياس بنبرةٍ حاسمة:
_ أنا عايز حد ثقة، حد نزرعه جوَّه المستشفى دي.
متخافش سيب الموضوع دا وأنا هتصرَّف فيه.
نظر إليه باهتمام:
_هتعمل إيه، أرسلان مش عايز يوسف يتأذى من شغلنا القديم، إنتَ مكنتش معروف، لكن أنا..
أوقفه أرسلان:
_يوسف في أمانتي متخافش عليه، متنساش أنا اللي مربيه.
مرَّر أنامله على وجهه، ثم نفخ بضجر:
_عايزه يرجع، بس مش غصب.
_عندي اقتراح أتمنَّى توافق عليه، إنتَ عارفه لكن دا الوحيد اللي..
_لو قصدك فرح شمس، حتى لو وافقت هيجي وبعدها يمشي، يوسف كبر مبقاش صغير علشان أمنعه، وإنتَ شايف حتى علاقته بضي اللي كنت حاطط عليها أمل.
_يوسف محبِّش ضي يا إلياس، لو حبَّها مكناش سابها وهوَّ عارف إنَّها هتدَّمر.
تنهَّد إلياس وشرد بالرسالة:
_حاسس عنده مشكلة ومش عايز حد يعرف.
_فكَّرت زيك كدا، بس رجعت افتكرت إنه كان عايز كدا من الأوَّل.
صمتًا دام لثوانٍ إلى أن قال:
_إسحاق عنده دلوقتي.
_إسحاق! ليه بيعمل إيه؟!.
_ماهو دا اللي مخوِّفني، أنه يروح من غير ما يقولِّي.
ضيَّق إلياس عيناه:
_تقصد إيه؟.
_يوسف كلِّمك؟.
هزَّ إلياس رأسه وقال:
_لا...كلِّم ميرال.
_يعني هوَّ كويس؟.
_بيقول كويس، إنتَ بتقلقني ليه.
_لا أبدًا..أنا مستغرب مش أكتر
تلاقيه كان هناك شغل.
_ممكن...المهم فيه موضوع مهمّ لازم تسمعني وتركِّز معايا، أنا عارف موضوع يوسف مأثَّر معاك، بس لازم تعرف.
أخرج صورة ووضعها أمامه على المكتب:
_شوف الصورة دي كدا.
دقَّق النظر إليها، ثم رفع عيناه إلى أرسلان:
_الراجل دا مش غريب عن نظري.
_دا يا سيدي، الراجل بتاعه زار رؤى في السجن قبل ما تتعدم، ومش بس كدا، عرفت إن محامي من محامينه هوَّ اللي كان ماسك القضية.
_طيب ماله بقى؟
تراجع أرسلان بجسده:
_راح اتعاقد مع رولا على شغل، في نفس الوقت راح لآسر يمسك قضيِّته، رغم عنده أساتذة قانون.
_تقصد إنه بيحاصر يزن؟
أومأ له ثم تابع قائلًا:
_خد كمان..معاه كذا جنسية، ومش مستقر في مصر.
_أومال عرف رؤى منين...صمت ينظر إليه:
_تقصد الموضوع مش يزن؟!
_مش عارف، إحنا ناخد بالنا وخلاص.
نهض من مكانه واتجه جلس بمقابلته:
_أرسلان، موضوع ولاد يزن احذر فيه على قدِّ ما تقدر، لمَّا نشوف وراهم إيه.
_متقلقش...أنا بدأت أجيب قراره، وروحت لجاسر الألفي كمان...
_طيب كويس، الموضوع مش يزن بس، ممكن يكون هو الثغرة اللي يضغط علينا بيها، صمت متذكرًا كلام رؤى
_هي قالت انهم مش هيسكتوا، لا لازم تاخد بالك كويس، اسر ميغبش عن عينك، انما رولا بقى دي المشكلة، مينفعش يزن يعرف حاجة، ممكن يلخبط لنا الدنيا
_تمام متقلقش
خرج أرسلان بعد فترة متجهًا إلى سيارته، ولكنه توقَّف على صوت ضي...وقف إلى أن وصلت إليه:
_بابا، النهاردة أوَّل برنامج لياَّ في التليفزيون.
اقترب منها يحتضن وجهها:
_أنا واثق في بنتي، ومتأكِّد إنك هتنجحي.
_مش هخبِّي عليك خايفة أوي، حضرتك عارف كنت مجرَّد مترجمة بس، دلوقتي أستلم برنامج بحجم الإعلانات والمشاهدات دا، أنا خايفة.
رفع ذقنها بأنامله:
_حبيبتي مش دا اللي كنتي عايزة توصلي له، وخلِّيتيني أساعدك، ليه دلوقتي متردِّدة؟
صمت يسحب نفسًا وهو يطالع حزنها:
_أنا متعوِّد على ضي إنها بتكسر التحديَّات، بنتي قوية.
هنا رفعت عيناها بخذلان لوالدها:
_الموضوع دا عمره ماكان أحلامي يا بابا.
قطب أرسلان حاجبيه، فتابعت قائلة:
_أنا كان حلمي أكون مترجمة لقناة كبيرة زي القنوات، لكن مقدِّمة برنامج عمري مافكَّرت في الموضوع، رغم إنه اتعرض عليَّ كتير.
_أومال ليه بقالك شهر بتتحايلي عليَّ يا ضي، وليه خلِّيتيني أكلِّم ناس، ليه يا بنتي لمَّا إنتي مش عايزة؟!
_علشان يوسف كان رافض أظهر في القناة من مجرَّد مترجم، عايزة أشوف ردُّه لمَّا يلاقيني مقدِّمة برامج.. قالتها ببكاء
ذُهل أرسلان من حديثها، حتى شعر بدوران الارض تحت قدمه..ولكنه ضعف من انهيارها، سحبها لأحضانه يمسِّد على خصلاتها:
_طيب حبيبتي اهدي، مش قولنا هنخرَّج يوسف ونبني حياة جديدة.
تشبَّثت بوالدها:
_حاولت يا بابا، حاولت، بس قلبي غبي، قولِّي ليه أنا لسة موجوعة بعد الوقت دا كلُّه.
حاوط جسدها قبل انهيارها الكامل وتحرك إلى منزله، أجلسها بهدوء على المقعد وجلس أمامها:
_حبيبة بابا، أنا عارف الصدمة كانت كبيرة عليكي، بس خلاص حبيبتي، لازم نخرج من يوسف، لازم نشوف حياة تانية.
خرجت غرام على كلمات أرسلان، توقَّفت أمامها:
_قولَّها يا أرسلان، وفهِّمها دي سنِّة الحياة والنصيب، ونصيبهم انتهى خلاص، لأنِّي تعبت من الكلام معاها، لازم تفوق من الماضي، يوسف ماضي وانتهى، بحلوه ومرُّه انتهى، لازم نفكَّر في نفسنا، إنما اللي عايزة تعمليه علشان قال تكسريه، تبقي غبية يا بنت أرسلان، لأنه أصلًا مكسور من غير حاجة...
أزالت دموعها ونهضت متجهة إلى غرفتها، دون حديث..التفت أرسلان إلى غرام:
_خليكي معاها، البنت مكسورة، بلاش نضغط عليها.
_أنا بحاول أفوَّقها، أنا خايفة تعادي نفسها، ادخل شوفها راسمة يوسف بطريقة بشعة، مش عايزة الكره يدخل قلبها يا أرسلان، سواد القلب وحش، وممكن تؤذي كل اللي حواليها.
زفر يمسح على وجهه، ودار حول نفسه، عاجزًا عن التفكير.
_أخدها لدكتور نفسي، ولَّا أعمل إيه؟
_لا..كلِّم إلياس، هوَّ الوحيد اللي هيفوَّقها، هيَّ بتحبُّه، يمكن لمَّا يقعد معاها تتكسف منه، وتعذر ابنه، أنا زعلانة على يوسف والله، وحاسَّة فيه حاجة كبيرة حصلت معاه، لأنه كان بيحبَّها، اأنا شوفت دا في عيونه، مش سهل إنه يتخلَّى عنها بسهولة.
ربت على كتفها:
_وأنا كمان، أعرف بس أوصله، وبعدها هعرف هوَّ عمل كدا ليه، يالّّه ادخلي طيِّبي خاطرها، وعايزك تشجَّعيها، عايزها ترمي ضي القديمة وتعمل لنفسها حياة جديدة.
مساءً بمكتب ضي في أحد القنوات..
كانت تتجهّّز للقائها التليفزيوني..
وقفت أمام المرآة، تُعدِّل ياقة قميصها بأنامل مرتجفة.
انعكس وجهها أمامها شاحبًا قليلًا، وعيناها تحملان صراعًا واضحًا بين الخوف والرغبة في الثبات.
استمعت إلى صوت المخرجة عبر السمَّاعة:
_فاضل دقيقتين على الهوا…جاهزة؟
ابتلعت ريقها، وهمست بصوتٍ خافت، كأنها تُحدِّث نفسها أكثر ممَّا تُجيب:
_أنا جاهزة…لازم أبقى جاهزة.
شدَّت على الأوراق بين يديها، حتى تجعَّدت أطرافها دون أن تشعر.
اقترب منها أحد زملائها، يتأمَّل توتُّرها، حاول طمأنتها:
_مالك، متوتَّرة كده ليه؟
رفعت عينيها إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة:
_مش عارفة…حاسَّة إني ممكن أغلط في أي لحظة.
مال قليلًا نحوها، بنبرةٍ هادئة:
_ده طبيعي…أوَّل مرة دايمًا بتبقى مرعبة.
هزَّت رأسها ببطء، ثم قالت بصوتٍ أضعف:
_أنا مش خايفة من الكاميرا…أنا خايفة ما أبقاش قدِّ المكان ده.
نظر إليها بثبات، يحاول أن يزرع بداخلها يقينًا:
_إنتي هنا عشان تستاهلي، مش صدفة.
ساد الصمت للحظات، لكن كلماته اخترقت ضجيج أفكارها.
أغمضت عينيها، فمرَّت أمامها حياتها مع يوسف، وحوارتهما عن ظهورها في التلفاز
قاطعها صوت المخرجة:
_"30 ثانية!"
فتحت عينيها ببطء…وقد تغيَّر شيء في ملامحها..تنفَّست بعمق، ثم قالت بثباتٍ خافت:
_خلاص…يلَّا نبدأ.
استدارت واتَّجهت نحو الكاميرا، بخطواتٍ أكثر تماسكًا…وكأنها تترك خلفها خوفها، وتمضي بثبات،اخذت نفسًا طويلًا...خطت مبتسمةً بهيئتها الراقية، وقوَّة شخصيتها.
الى أن استقرَّت خلف المكتب، وقد استعاد وجهها هدوئه الظاهري، بينما كانت عيناها تلمعان بتركيزٍ حاد..خلفها توهَّجت الشاشة بعناوين متلاحقة عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على حياة الشباب.
عدَّلت من جلستها قليلًا، ثم مالت نحو الميكروفون، وبدأت حديثها بثبات:
"مساء الخير…موضوع حلقتنا النهاردة بقى جزء من حياتنا كلِّنا…السوشيال ميديا."
التفتت نحو ضيفها، وأكملت بنبرة تحمل تساؤلًا صريحًا:
"خلِّيني أسألك بصراحة…إحنا بقينا بنستخدم السوشيال ميديا، ولَّا هيَّ اللي بقت بتستخدمنا؟"
ابتسم الضيف ابتسامة خفيفة، ثم قال:
"للأسف…في ناس كتير بقت أسيرة ليها، مش مجرَّد مستخدمين."
عقدت حاجبيها قليلًا، وكأنَّ الإجابة لم تفاجئها:
"طيب إزاي حاجة معمولِة علشان تسهِّل حياتنا…تبقى سبب في ضغط نفسي واكتئاب عند ناس كتير؟"
أخذ الضيف نفسًا عميقًا قبل أن يجيب:
"المقارنة…أخطر حاجة، كلِّ واحد بيشوف حياة غيره كاملة ومثالية، وده بيخلِّي الواحد يحسِّ إن حياته ناقصة."
ظلَّت طيلة البرنامج تحاور ضيفها بلباقةٍ وذكاء إلى انتهت حلقتها مع كلماتها:
ومش كل اللي بنسمعه بيكون كامل… علشان كده، لازم دايمًا ندوَّر ونسأل ونفهم."
توقَّفت لثانية، ثم أكملت بابتسامة هادئة:
شكرًا لكلِّ اللي تابعونا النهاردة… ونوعدكم إننا هنفضل نحاول نوصَّل الصورة كاملة…من غير تزييف ولا مبالغة."
استقامت في جلستها أكثر، وقالت بثقة واضحة:
"كنت معكم ضي الشافعي…"
كان إلياس يتابع حوارها بفخر، وصلت إليه فريدة:
_مندمج في إيه كدا؟.
ابتسم وعيناه على ضي:
_حفيدتك منوَّرة الشاشة.
التفتت إلى ضي التي مازالت تنهي برنامجها:
_ربِّنا يوفقها، صمتت ثم تساءلت:
_هوَّ ليه يوسف ما بيتِّصلش، من يوم ما رجعت ما اسمعتش صوته؟.
_تلاقيه مشغول يا ماما، ياله أسيبك وأروح أشوف فريدة الصغيرة، بقت أفضل مش كدا؟.
_أه الحمدلله، لسة مكلِّمة والدتها، ومالك كمان حتى قالت هينزل الشغل.
_ربنا يطمِّنا عليهم، قالها واستدار متحرِّكًا إلَّا أنها أوقفته:
_رمضان بعد بكرة، عايزة منك تلمِّ العيلة كلَّها، لازم يزن يكون موجود، والخلاف اللي بينه وبين أرسلان يتحل، بلاش الولاد يخسَّروكم بعض حبيبي.
_حاضر، هعدِّي على يزن، ربنا يسهِّل.
اتجه للخارج.. توقف للحظة ثم اتجه إلى منزل يزن
_كل عام وانتوا طيبين بعد بكرة رمضان، وفريدة هانم لازم تلم العيلة، وانت عارف الموضوع مش قابل للنقاش
خرجت رحيل على صوت إلياس، تنهد يزن وهو يطالعه
_إلياس بلاش، النفوس شايلة، خلي اول يوم يعدي واحنا مش زعلانين من بعض
_بالعكس، لازم نكون مع بعض، علشان نشيل اللي اتفسد من قلوبنا
اقتربت رحيل منهما ملقية السلام
_أنا مع أبو يوسف يايزن، احنا لازم كلنا نرجع زي الأول، لازم نتقبل بعض، بعد اللي حصل
التفت إليها يزن، فأومأت له
_كلنا شايلين من بعض، يمكن اليوم دا يخلينا نصفى، نفسي نرجع زي زمان
رفع إلياس نظره إليها
_إن شاء الله، خلاص اتفقنا، وأنا هعدي على ارسلان كمان
_طيب ميرال هترضى بعد اللي حصل
اومأ وقال
_هترضى، لازم ترضى، دي عيلة مش فرد
بعد يومين
انطلق مدفع الإفطار، فتردَّد صداه في الأرجاء، واجتمع الجميع حول المائدة العامرة.
كانت عيناها معلَّقتين بالبوابة الرئيسية، نظرت إلى الساعة بقلقٍ ظاهر، ثم اقتربت من ضي وهمست:
— كلِّمي أخوكي شوفيه مجاش ليه.
— كلِّمته وقالِّي جاي يا ماما…يمكن زحمة سير، وإنتِ عارفة شوارع القاهرة في رمضان.
لم تمضِ سوى لحظات حتى انفتحت البوَّابة، ودلفت سيارته إلى داخل الكمبوند..ترجَّل مسرعًا، واتجه نحوهم يلقي التحية بابتسامةٍ هادئة.
ركضت إليه أمُّه تحتضنه بشوق:
— حبيبي، اتأخَّرت ليه؟
قبّل جبينها بحنوّ:
— كل سنة وحضرتك طيبة يا ماما.
— وإنت طيب يا حبيبي.
اتجه بعدها يسلّم على والده أولًا، ثم إلياس وطارق، حتى وصل إلى يزن:
— كل سنة وحضرتك طيب يا عمُّو.
— وإنتَ طيب يا بني.
اقترب
باقي الفصل
بعد يومين
انطلق مدفع الإفطار، فتردَّد صداه في الأرجاء، واجتمع الجميع حول المائدة العامرة.
كانت عيناها معلَّقتين بالبوابة الرئيسية، نظرت إلى الساعة بقلقٍ ظاهر، ثم اقتربت من ضي وهمست:
— كلِّمي أخوكي شوفيه مجاش ليه.
— كلِّمته وقالِّي جاي يا ماما…يمكن زحمة سير، وإنتِ عارفة شوارع القاهرة في رمضان.
لم تمضِ سوى لحظات حتى انفتحت البوَّابة، ودلفت سيارته إلى داخل الكمبوند..ترجَّل مسرعًا، واتجه نحوهم يلقي التحية بابتسامةٍ هادئة.
ركضت إليه أمُّه تحتضنه بشوق:
— حبيبي، اتأخَّرت ليه؟
قبّل جبينها بحنوّ:
— كل سنة وحضرتك طيبة يا ماما.
— وإنت طيب يا حبيبي.
اتجه بعدها يسلّم على والده أولًا، ثم إلياس وطارق، حتى وصل إلى يزن:
— كل سنة وحضرتك طيب يا عمُّو.
— وإنتَ طيب يا بني.
اقتربت ضي منه، وأمسكت بيده تسحبه قليلًا بعيدًا عن الجمع، وهمست بنبرةٍ مشوبة بالعتاب:
— اتأخَّرت ليه بجد؟
ابتسم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه:
— زحمة…وإفطار رمضان في القاهرة مش سهل.
وقعت عيناه على تلك التي تحمل صينية من الطعام، مرَّت عليه بعدما رمقته بنظرة جانبية، ورغم لهفة قلبها عليه إلّّا أنَّها تجاهلته، سحب المقعد وجلس بجوار أخته:
_عاملة إيه... وقعت عيني ميرال على ضي، ترى ابتسامتها ووجودها وسط العائلة، شردت برحيل ابنها وبرودة وحدته، انسابت دمعة، مسحتها سريعًا، حتى لاتراها فريدة، لاحظ إلياس حالة زوجته على كلمات ضيى
_كويسة الحمدلله، فقاطعهم صوته
_ ياله ياجماعة بالهنا على قلوبكم، كل سنة واحنا متجمعين
رفعت ضي عيناها إليه، وقالت
_إن شاءلله ياعمو، بس أكيد مش هكون معاكم،قالتها و توقفت تسحب صحنًا به بعض المشويات من اللحوم، ثم وضعته أمامه، ولم تهتم بنظرات احدا، ثم انحنت تهمس لبلال، وكأن لااحد يعنيها:
_الهبلة هي اللي شوت اللحمة، لما عرفت إنك جاي، يارب تعقل.
رفع نظره إليها وجدها تتلاعب بطعامها، شعر برعشة يدها، لكزته ضي:
_إنتَ وعدتني، ملست على ظهره بحنان:
_وحياتي عندك ما تكسر فرحتها.
زفر وابتعد بنظره عن الجميع، كل هذا تحت نظرات إلياس، بدأت ضي تقطع له اللحوم وتضعها أمامه ومازالت تتحدّّث إليه:
_كل..بدل ما ماما تقعد تنوح طول الليل وتدعي على بنت يزن.
ابتسامة شقَّت ثغره، وهو ينظر لوالدته التي تلتهمه بعينيها، أومأ برأسه إليها، لمعت عيناها بسعادة لوجوده بين تجمع العائلة مرة اخرى،بعد قرار إلياس،ولكن تدخل يزن اعاده مرة اخرة، التفت إلى ضي ينظر للذي وضعته:
_إيه يابت دا كلُّه، إنتي بتزغَّطي دكر بط.
ضحكت بصوتٍ مرتفع جعلت الجميع ينظر إليها".
_إيه يا بنت أرسلان معاد الجنُّونة وصل.
_أنا كنت صايمة يا عمُّو وجعانة، ندخل في محاضرة كل يوم بعد الفطار.
لكزها بلال:
_ماتتهدِّي يابت بتتكلِّمي كدا ليه مع عمِّك؟!
_ماإنتَ قدوتها يا حبيبي.
_الله مش تربيتك يا إلياس.
_ليه يا أخويا وإنتَ كنت فين، ارتفعت الضحكات على طاولة الطعام سوى من ميرال التي كانت تجلس بهدوء جسدًا بلا روح.
بعد فترة..
دلف ألى منزله الذي غاب عنه منذ شهور، تحرك يتجوّّل بنظراته ورائحة الاشتياق تطغى عليه، استمع إلى غلق الباب..استدار وجدها تدلف للداخل، تحركت إليه وتوَّقفت أمامه:
_عامل إيه.
_الحمدلله..إنتي عاملة إيه.
_إنتَ شايف إيه؟
دنا منها مبتسمًا..تراجعت للخلف:
_إيه بتضحك على إيه؟
_جاية ورايا ليه؟
_كنت عايزة أطَّمن عليك، جرحك عامل إيه.
_جرحي كويس، متخافيش فيه اللي بيهتمِّ بيه
تغلَّلت الغيرة بعينيها، لتقترب منه بغضب:
_أنا ساكتة بمزاجي، لكن هتلعب على قلبي هدمرك، سمعتني
_لا ماسمعتش، قولي تاني
رفعت حاجبها بتذمر، ثم استدارت:
_قدامك اسبوع واحد، تخلص موضوع البت دي، مش عايزة اسمع سيرتها تاني، وإلا إذا والله
سحبها بقوة، حتى شهقت وهي بين ذراعيه
_إلا إذا ايه ياروحي
_بلال ابعد ماتتجننش..!!
_ولو مبعدتش هتعملي ايه؟!
_بلال ماتبقاش مجنون، هقتلها واقتلك واقتل نفسي، سمعتني أنا بكرهها اوي البت دي، هقتلها صدقني، وضعت كفيها على صدره.. تنظر إليه بغيرة
_كل ماافتكر انها كانت قريبة منك ببقى عايزة.. هنا فقد سيطرته تمامًا، وانحنى يقبلها بجنون عاشق، حاولت التخلص من بين ذراعيه، ولكنه لم يشعر سوى باشتياقه الجنوني لها ليدفعها على الفراش بقوة، محاوطها بجسده وووو
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق