القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

توفي ابني وهو عنده 6 سنين بس. جوزي ما نزلش دمعة واحدة.

 توفي ابني وهو عنده 6 سنين بس. توفي ابني وهو عنده 6 سنين بس. جوزي ما نزلش دمعة واحدة. ما نزلش دمعة واحدة.



توفي ابني وهو عنده 6 سنين بس. جوزي ما نزلش دمعة واحدة. قالّي ببرود: "بطّلي تعيشي على ذكرى طفل مات."

وبرغم كده، كنت بروح لقبر ابني كل يوم.

وفي يوم ضهر، وسط هدوء المقابر، سمعت صوت صغير ورايا بيقول: "ماما..."

جسمي كله اترعش، ولفّيت...

وكان واقف هناك... ابني، اللي المفروض إنه مات.


ابني يوسف مات وهو عنده 6 سنين بس.

الجملة دي فضلت جوايا سنة كاملة زي حجر واقف في زوري، لا عارفة أبلعه ولا أطلّعه.


العزا كان سريع... والنعش كان مقفول.

لأن، حسب كلام جوزي كريم:

"مش عايزة تفتكريه


بالشكل ده."

كنت تايهة... مخدّرة... مش حاسة بأي حاجة حقيقية.

مضيت ورق وأنا أصلاً مش فاهمة فيه إيه.

والناس كانت بتحضني وأنا من جوايا بصرخ، بس ولا كأني حاسة بأي حاجة.


كريم؟

ولا دمعة.


لا في المستشفى.

ولا في العزا.

ولا حتى لما شفت هدوم يوسف الصغيرة لسه في الدولاب زي ما هي.


وفي ليلة، وأنا بطوي بيجامته كأني لسه حاسة بحرارته فيها، بصلي ببرود وقال:

"بطّلي تعيشي على ذكرى طفل مات... إنتي كده بتتعبي نفسك على الفاضي."


قسوته خلتني أتمسك أكتر.

لأن ساعات الوجع هو المكان الوحيد


اللي الحب بيستخبى فيه.

ومن ساعتها... بقيت بروح لقبر يوسف كل يوم.

شمس أو مطر، كنت باخد ورد وأقعد جنب القبر لحد ما رجلي تتخدر.

حكايات رومانى مكرم 

كنت بكلمه... كأنه سامعني.

أحكيله عن القطة اللي بتيجي البلكونة،

وعن المُدرسة الجديدة اللي لسه ما شالتش اسمه من الكشوف،

وإني لسه بسيب كتابه القصصي المفضل جنبه على الكومودينو.


لحد يوم...

كان الهدوء في المقابر غريب.


لا هوا...

ولا صوت عصافير...

بس صوت نفسي.


كنت قاعدة جنب القبر، بمسح التراب من على اسمه،

وفجأة... سمعته.


صوت


واطي جدًا... لدرجة إني افتكرت إني بتخيل.

"ماما..."


جسمي كله اتجمّد.


ماكنتش عايزة ألف...

لأني لو خيال، هيتكسر قلبي أكتر.


بس قلبي كان بيدق جامد أوي.


"ماما..."

المرة دي أقرب.


لفّيت وأنا بترعش.


لقيت طفل واقف ورايا، بعيد شوية، مستخبي نصه بين القبور.

جسمه رفيع... وشعره طويل بطريقة مهملة... وخده داخل كأنه مش بياكل كويس.

ولابس هدوم مش على بعض... سويت شيرت واسع وجزمة متبهدلة.


بس عينيه...


عينيه كانت... يوسف.


نفس النظرة لما كان بيخاف.

نفس رفعة الحاجب الصغيرة.

نفس الدقن


العنيدة.

نفسي اتقطع.


الولد بلع ريقه، وبصلي بصوت مكسور:

"ماما... أنا يوسف."


 

بصيتله... ومقدرتش أتكلم.

لأنه كان واقف قدامي...


ابني.


الطفل اللي المفروض إنه مات.


وقفت مكاني والزمان كأنه وقف معايا. مكنتش قادرة أتحرك خطوة واحدة، خايفة لو قربت يختفي زي الدخان. دموعي نزلت مغرقة وشي وأنا بهمس بصوت مش طالع: "يوسف؟"

الولد قرب خطوة، ورجله كانت بتجرج في الأرض بتعب، وكررها تاني وهو بيعيط: "ماما.. أنا جوعان أوي.. والراجل الوحش قفل عليا الباب."

في اللحظة دي، مكنش فيه مكان للخوف أو التفكير في "إزاي". رميت نفسي عليه وحضنته بكل قوتي. كان جسمه دافي، كان حقيقي، كانت ريحته - رغم التراب والإهمال - هي ريحة ابني اللي حافظاها. صرخت من قلبي وأنا بضمه لصدري وكأني برجع روحي اللي ضاعت مني من سنة.

"أنت حي؟ أنت هنا يا حبيبي؟ مين اللي عمل فيك كده؟"

يوسف كان بيترعش بين إيديا، وهمس وهو بيبص حواليه برعب: "بابا.. بابا قال لي لو خرجت من الأوضة هيوديني مكان بعيد.. بس أنا هربت يا ماما.. مشيت كتير لحد ما جيت هنا.. كنت عارف إنك بتيجي هنا كل يوم."

الكلمات نزلت عليا كأنها مية نار. بابا؟ كريم؟

فجأة، كل حاجة بدأت تتربط في دماغي. النعش المقفول.. الورق اللي وقعت عليه وأنا مغيبة.. بروده القاتل.. وكلمته اللي كانت بتدبحني كل يوم: "بطلي تعيشي على ذكرى طفل مات."

هو مماتش.. هو قتله بالحيا عشان يخلص من "مسئوليته" أو لسبب أبشع لسه مش عارفاه.

أخدت يوسف في حضني، وطلعت أجري بيه لبره المقابر، قلبي كان بيدق زي طبول الحرب. مكنش ينفع أروح البيت، كريم هناك. ركبت أول تاكسي قابلني وأنا بخبي يوسف تحت جاكتي، وطلعت على بيت أختي في المحافظة التانية.

طول الطريق، يوسف كان نايم في حضني من كتر التعب، وأنا


عيني مش بتغفل. كنت ببص في وشه وبفتكر اليوم اللي كريم قالي فيه إن يوسف "مات" في حادثة وهو معاه، وإنه مش عايزني أشوفه "متدمر".

وصلت عند أختي، وأول ما شافت يوسف صرخت ووقعت من طولها. دخلنا وقفلت الأبواب بترابيس، وبدأت أغسل ليوسف وأكله بـإيدي وأنا كأني في حلم.

يوسف بدأ يحكي، وصوته كان بيقطع قلبي: "بابا وداني بيت قديم قوي يا ماما.. كان فيه ست بتديني أكل وحش وبتقفل عليا. بابا كان بييجي ساعات، مكنش بيكلمني، كان بيقف يبص عليا من بعيد ويمشي.. كان بيقول لي إنك نسيتيني، وإنك مش عايزاني."

الغل ملى قلبي. كريم مش بس خفاه، ده كان بيعذبه نفسياً ويقنعه إني بعته.

وفجأة.. الموبايل رن.

كان كريم.

رديت بصوت ميت، وبدون مقدمات لقيته بيقول بنبرة غريبة:

"روحت فين يا حبيبتي؟ رجعت البيت ملقتكيش.. والناس في المقابر قالوا إنهم شافوا واحدة شبهك ومعاها عيل صغير مهلهل.. بلاش جنان يا سمر.. ارجعي البيت بدل ما التصرف يبقى بشكل تاني."

قفلت السكة وأنا جسمي كله بيترعش. هو عارف.. هو مراقبني.. والموضوع أكبر بكتير من مجرد أب قاسي.

بصيت ليوسف اللي نام أخيراً، وبصيت لأختي وقلت لها بجمود: "لازم نعرف مين اللي مدفون في القبر ده يا هبة.. كريم دافن سر كبير تحت الرخام اللي كنت بمسحه كل يوم."

وفي نص الليل، واحنا قاعدين، سمعنا صوت خبط رزين على الباب.. خبطة أنا عارفاها كويس. خبطة "كريم".

 

الخبطات على الباب كانت هادية.. هادية بزيادة، وده اللي رعبني. كريم لما بيكون هادي بيبقى في قمة خطورته. هبة أختي كانت واقفة ورا الباب ميتة من الخوف، ويوسف صحي مفزوع، جريت عليه وكتمت بوقه بإيدي وأنا بهمس في ودنه: "اششش.. ولا نفس


يا يوسف، ماما معاك."

"سمر.. افتحي الباب. أنا عارف إنك جوه، وعارف إنك مخدتش علاجك النهاردة وبدأتِ تتخيلي حاجات مش موجودة."

صوته كان ناعم، لدرجة إني للحظة شكيت في عقلي. هل أنا فعلاً بتخيل؟ هل الطفل اللي نايم في حضني ده طيف؟ بس ملمس شعره الناشف تحت إيدي وضربات قلبه السريعة كانوا الحقيقة الوحيدة في حياتي.

هبة بصتلي وسألتني بعينيها "أعمل إيه؟"، شاورتلها تفتح. لازم أواجهه، الهروب مش هيحل حاجة، وكريم مش هيمشي إلا لما ياخد اللي هو عايزه.

دخل كريم الصالة، لابس قميصه الأسود المكوي بعناية، ملامحه كانت خالية من أي تعبير. بص لهبة ببرود وقال: "معلش يا هبة، تعبناكي.. سمر حالتها ساءت بعد السنوية بتاعة يوسف، وبقت بتشوف أطفال في الشارع وتفتكرهم ابنها."

قمت وقفت قدامه، ويوسف مستخبي ورا ظهري ماسك في جلابيتي بكل قوته.

"الحالة ساءت يا كريم؟ طب والشبه؟ طب ونبض قلبه؟ طب والست اللي كنت حابسه عندها؟"

كريم بص ليوسف نظرة سريعة، مفيش فيها أي مشاعر أبوة، وكأنه بيبص لغلطة كان لازم يصلحها. ضحك ضحكة قصيرة مرعبة وقال: "إنتي فاكرة إن فيه حد هيصدقك؟ الورق رسمي، شهادة الوفاة رسمية، الدفن تم قدام عين الكل.. والطفل ده؟ ده واحد من أطفال الشوارع اللي ماليين الدنيا، إنتي بس اللي عقلك صورلك إنه يوسف عشان تملي الفراغ اللي جواكي."تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

في اللحظة دي، يوسف طلع راسه من ورا ضهري وقال بصوت مرعش: "لا يا بابا.. أنا مش من الشارع.. أنا يوسف اللي كنت بتضربني لما بقول عايز ماما."

وش كريم اتغير.. العروق بدأت تظهر في جبهته، وقرب مني خطوة وهو بيهمس بصوت زي فحيح الأفعى: "لو الورق ده اتفتح، الكل هيتحبس يا سمر.. أنا مش هسمح ليكي

ولا للولد ده إنكم تهدوا كل اللي بنيته."

"بنيت إيه؟" صرخت فيه، "أنت بعت ابنك عشان إيه؟ عشان الفلوس؟ عشان تأمين؟ ولا عشان تخلص من حتة منك بتفكرك بضعفك؟"

كريم مسك دراعي بحدة: "هتيجي معايا دلوقتي بالذوق، والولد ده هيرجع المكان اللي جه منه.. وإلا هبلغ إنك خطفتي عيل من الشارع وبتدعي إنه ابنك الميت، وساعتها مش هتشوفي النور تاني."

هبة كانت ماسكة التليفون وبتحاول تطلب البوليس، بس كريم لمحها وحدف فازة الورد كسرها جنبها فصرخت ووقعت التليفون.

"محدش هيخرج من هنا!" زعق كريم وهو بيقفل ترباس الباب الرئيسي.

أنا مكنتش خايفة على نفسي، أنا كنت ببص ليوسف اللي كان بيبص لباباه برعب. وفجأة، افتكرت حاجة.. يوسف عنده وحمة صغيرة جداً في فروة راسه، مكنش حد يعرفها غيري أنا وكريم والدكتور اللي ولده.

بصيت لكريم وقلت له بتحدي: "لو الولد ده مش يوسف، يبقى ملوش الوحمة اللي في راسه يا كريم.. والتحليل الـ DNA هينهي كل حاجة."

كريم ملامحه اتهزت لأول مرة، وبدأ ينهج.. عرف إن اللعبة بدأت تبوظ. طلع مفتاح من جيبه وقال بغل: "التحليل ده بياخد وقت.. وأنا معنديش وقت."

طلع مطواة صغيرة من جيبه وقرب مننا.. يوسف صرخ، وأنا زقيت هبة ويوسف ناحية المطبخ وحبستهم جوه، ووقفت أنا قدام كريم.

"عشان تلمس شعرة منه، لازم تقتلني بجد المرة دي يا كريم.. مش تقتلني بالوهم."

كريم رفع إيده، وفجأة.. خبط عنيف جداً على الباب، وصوت سرينة إسعاف وبوليس بره البيت.

كريم اتجمد مكانه، وأنا بصيت له بانتصار: "أنا مكلمتش البوليس يا كريم.. أنا كلمت المحامي بتاعك اللي كنت شاكك إنه بيساعدك، وبعتله صورة يوسف أول ما وصلت هنا.. والظاهر إن ضميره صحي."

وش كريم بقى أبيض زي الورقة، وبص للباب وهو بيسمعهم بيكسروه..

 

## الجزء الرابع: لغز المقبرة رقم ٧

الباب اتكسر ودخلت القوة، كريم ساب المطواة من إيده وهو بيبص حواليه بذهول، كأنه مش مصدق إن مملكته اللي بناها على الكذب بدأت تتهد. العساكر مسكوه وهو بيحاول يزعق: "دي مريضة نفسياً! دي خاطفة عيل من المقابر!"

بس الضابط بص ليوسف اللي كان خارج من المطبخ وهو بيعيط وماسك فيا، وبعدين بص لكريم وقال بجمود: "المحامي بتاعك قدم بلاغ رسمي، ومعاه تسجيلات بصوتك وأنت بتتفق مع الست اللي كانت حابسة الولد.. خدوه!"

خرج كريم والكلبشات في إيده، وأنا مكنتش حاسة بالانتصار.. كنت حاسة بخوف أكبر. لو يوسف معايا، ومماتش.. يبقى مين اللي في القبر؟

أخدونا على القسم، وهناك بدأت الحقيقة المرة تبان. المحامي "عادل"، اللي كان صاحب عمر كريم، قرر يتكلم لما شاف صورة يوسف: "كريم كان مديون بمبالغ مهولة بسبب القمار وتجارة مشبوهة، وكان مأمن على حياة يوسف بمبلغ ضخم جداً بالدولار.. الحادثة كانت متدبرة، بس قلبه مطاوعوش يقتله، فقرر يخفيه ويدفن جثة تانية مكانه عشان يقبض التأمين ويسدد ديونه."

مسكت في إيد المحامي وأنا برتجف: "جثة مين يا عادل؟ مين اللي مدفون مكان ابني؟"

عادل وطى راسه في الأرض وقال بصوت واطي: "بنت صغيرة.. مجهولة الهوية، جابها من مشرحة في محافظة بعيدة بمساعدة ممرض مرتشي.. كان عارف إنك مش هتقدري تفتحي النعش ولا تشوفي الجثة منهارة."

الشرطة طلبت إذن من النيابة بفتح القبر.. اليوم ده كان أصعب يوم في حياتي. كنت واقفة قدام القبر اللي كنت بزوره


وبسقيه بدموعي سنة كاملة، وأنا عارفة إن اللي جواه مش ابني، بس جواه طفلة تانية اتظلمت في موتها زي ما يوسف اتظلم في حياته.

فتحوا القبر، والطب الشرعي أكد إن الجثة لبنت عندها حوالي ٥ سنين. وفي وسط المعمعة دي، جالي اتصال من رقم غريب.

رديت وأنا مش في وعيي، لقيت صوت ست بتقول بنهجان: "إنتي فاكرة إنك خلصتي؟ كريم مجرد واجهة يا سمر.. يوسف مكنش مستخبي عشان الفلوس بس.. يوسف شاف حاجة مكنش لازم يشوفها، والحاجة دي لسه موجودة في البيت القديم.. لو عايزة ابنك يعيش بجد، ابعدي عن القضية دي."

بصيت ليوسف اللي كان قاعد في عربية الشرطة بياكل بسكويت وبصلي بابتسامة باهتة، وقلبي وقع في رجلي. التهديد مخلصش بمجرد قبضهم على كريم.

رجعت البيت القديم اللي يوسف كان محبوس فيه، من ورا البوليس. كنت عايزة أعرف يوسف شاف إيه؟ إيه السر اللي يخلي كريم يضحي بابنه؟

دخلت البيت المهجور، كان ريحته عفن وضلمة. بدأت أدور في كل ركن، لحد ما وصلت للأوضة اللي يوسف كان محبوس فيها. تحت السرير الصغير، لقيت بلاطة مهزوزة.. شلتها بإيدي وأنا بلهث.

لقيت شنطة جلد قديمة، فتحتها.. مكنش فيها فلوس، ولا ورق تأمين.

كان فيها صور لكريم مع ناس مسؤولين كبار، وفي وسط الصور دي.. صورة لكريم وهو واقف جنب النعش المقفول يوم الجنازة، وبص في الكاميرا وهو بيضحك، وفي إيده مفتاح غريب عليه نقش لـ "جمجمة".

وفجأة، حسيت بخيال ورايا.. وصوت تزييق الباب وهو بيتقفل.

ولقيت الست اللي كانت حابسة يوسف واقفة وماسكة في إيدها "جركن"

بنزين.

قالت وهي بتولع كبريت: "كريم غبي.. افتكر إنه يقدر يضحك عليا وياخد الفلوس لوحده.. دلوقتي إنتي والسر ده هتتحرقوا سوا."


النار بدأت تمسك في ستارة قديمة جنب الباب، والست كانت بتبص لي بنظرات فيها جنون وكره. "كريم كان فاكر إنه الكل في الكل، ميعرفش إننا مراقبين كل خطوة.. الصور اللي في إيدك دي تحبس نص البلد، وإنتي فاكرة إنك هتخرجي بيها؟"

رميت الشنطة بعيد عن النار وبدأت أدور على أي مخرج. الأوضة كان شباكها عليه حديد، والباب الست واقفة قدامه ومعاها النار. يوسف كان في بالي، صورته وهو بيضحك لي في عربية الشرطة كانت هي الوقود اللي خلاني مقعش من الخوف.

"إنتي بتموتي نفسك عشان واحد باع ابنه!" صرخت فيها وأنا بسحب كرسي خشب قديم.

ضحكت بصوت عالي وهي بترمي الكبريت على الأرض: "أنا بموت عشان أحمي نفسي.. الصور دي لو طلعت، أنا أول واحدة هتتفرم تحت الرجلين."

في لحظة يأس، حدفت الكرسي بكل قوتي على الشباك الحديد، مكسروش بس عمل صوت عالي. الست قربت مني وهي بتحاول تمسكني، لكن النار كانت أسرع، مسكت في طرف عبايتها. بدأت تصرخ وتجري وهي بتحاول تطفي نفسها، واستغليت اللحظة دي وزقتها وخرجت من الباب قبل ما النار تقفله تماماً.

طلعت أجري في ممر البيت والشنطة ، النار كانت بتكبر ورايا وبتاكل الخشب القديم. خرجت للشارع وأنا بنهج، وقعت على الأرض والتراب ملى وشي، بصيت ورايا لقيت البيت كله بقى كتلة نار.. والست مختفية جواه.

فتحت الشنطة تاني وأنا إيدي بترتعش، طلعت المفتاح اللي


عليه نقش الجمجمة. المفتاح ده مكنش مفتاح باب عادي، ده كان مفتاح "خزنة" أو "صندوق" في مكان مخصوص.

رحت للمحامي عادل في نص الليل، مكنش قدامي غيره. أول ما شاف المفتاح وشي بقى أصفر.

"ده مفتاح السرداب يا سمر.. السرداب اللي تحت المقبرة رقم ٧."

* "سرداب إيه يا عادل؟ المقبرة مفيهاش غير جثة البنت الغلبانة اللي كريم دفنها!"

عادل قرب مني وهمس: "المقابر القديمة في المنطقة دي مبنية فوق سراديب من أيام الحرب، كريم كان بيستخدم المقبرة كستار.. هو مش بس خبا يوسف، هو كان بيخبي 'بضاعة' أغلى بكتير من حياة ابنه تحت القبر ده."

فهمت كل حاجة.. كريم مكنش بيخليني أروح المقابر عشان بيشفق عليا، هو كان بيستخدم زياراتي اليومية كـ "تمويه". مين هيشك في واحدة ست بتعيط فوق قبر ابنها كل يوم؟ وجودي كان بيدي أمان للمكان اللي بيدير منه شغله القذر.

قررت أروح المقابر تاني، بس المرة دي وأنا معايا الحقيقة.

الدنيا كانت ليل، والسكوت هناك يخلي الجسم يقشعر. وصلت عند المقبرة رقم ٧، الرخام اللي كنت بمسحه بإيدي كان تحتيه مدخل لعالم تاني.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

دورت يمين وشمال لحد ما لقيت فتحة صغيرة في جنب القاعدة الرخام، حطيت المفتاح ولفيته.. سمعت صوت تزييق ترزي حديد، والرخامة الكبيرة بدأت تتحرك لورا.

نزلت السلالم الضلمة وأنا مشغلة كشاف الموبايل. ريحة المكان كانت صعبة، مخنوقة بريحة أدوية ومواد كيماوية. في نهاية السرداب، لقيت أوضة مجهزة كأنها معمل مصغر، وصناديق كتير مرصوصة فوق بعض.

فتحت صندوق منهم، واتصدمت.. مكنش فيه سلاح ولا مخدرات.


 

كان فيه "ملفات طبية" وأعضاء بشرية محفوظة!

كريم مكنش مجرد مقامر.. كريم كان جزء من شبكة دولية لتجارة الأعضاء، والبيت القديم مكنش مجرد سجن ليوسف، ده كان "مخزن" للحالات اللي بيصطادوها.

وفجأة، سمعت صوت خطوات سريعة نازلة السرداب.. وصوت جهاز لاسلكي بيوش.

"الهدف في الداخل.. أجهزوا على كل حاجة، مش عايزين أثر."

حبست نفسي ورا الصناديق، وقلبي كان بيدق لدرجة إني خفت يسمعوه. المحامي عادل مكنش بيساعدني عشان ضميره صحي.. عادل كان بيعرفني الطريق عشان يخلص مني ومن الورق اللي معايا في مكان ملوش صاحب.

طلعت الموبايل بسرعة وحاولت أعمل "بث مباشر" (Live)، مكنش فيه شبكة قوية، بس كنت بحاول أرفع الصور والملفات على السحابة (Cloud) وأنا بدعي ربنا الوقت يسعفني.

الخطوات قربت، وشفت ظل راجل ضخم ماسك سلاح كاتم صوت..

وبصوت بارد قالي: "هاتي المفتاح يا سمر.. كريم كان بيحبك، بس إنتي فضولك هيخليكي تحصليه."

حكايات رومانى مكرم


وقفت مكاني والشنطة ، الكشاف بتاع الموبايل كان بيترعش في إيدي. الراجل اللي قدامي ملامحه ممسوحة، لابس لبس أسود وكأنه جزء من الضلمة اللي حوالينا.

"عادل بعتك؟" سألته بصوت مهزوز بس مليان غضب.

الراجل ضحك بصوت مكتوم: "عادل مجرد موظف عندنا يا سمر.. كريم كان فاكر نفسه ذكي، بس هو كان مجرد '


ترزي' بيقفل الشغل. ولما بدأ يضعف قدام ابنه، كان لازم يتشال من اللعبة."

* "يعني كريم محبسش يوسف عشان يحميه؟"

"كريم حبسه عشان كان مستني دوره.. يوسف فصيلة دمه نادرة، وكان فيه 'طلب' مستنيه بره مصر.. بس قلب كريم حن في آخر لحظة وفبرك موضوع الجنازة عشان يهرب بالولد والفلوس، لكن الغبي وقع في شر أعماله."

الكلمات نزلت عليا كأنها صاعقة. يوسف كان هيتذبح؟ ابني كان مجرد "قطع غيار" في نظرهم؟ الوجع اتحول لشرارة غضب خلتني مش شايفة قدامي.

الراجل قرب خطوة وهو رافع السلاح: "هاتي الشنطة والمفتاح بالذوق.. الموت هنا هادي قوي، مفيش حد هيسمع صويتك، وهتتدفني في قبر ابنك اللي كنتِ بتعيطي عليه.. بس المرة دي بجد."

في اللحظة دي، الشبكة في الموبايل لقطت "شرطة" واحدة. ضغطت على زرار البث المباشر وأنا مخبية الموبايل في جيب الجاكت بحيث الكاميرا تكون كاشفة اللي بيحصل.

"يعني الصور اللي معايا دي، اللي فيها المسؤولين، هي اللي رعباكم؟" قلتها عشان أجره في الكلام.

الراجل ببرود: "الصور دي تحرق رؤوس كبيرة، والملفات اللي في الصناديق دي فيها أسماء دكاترة ومستشفيات بتتعامل معانا.. إنتي فاكرة إنك بطلة؟ إنتي مجرد غبار في طريقنا."

فجأة، سمعت صوت "تكة" الموبايل وهو بيعلن إن البث بدأ والناس بدأت تدخل. صرخت بكل صوتي:

"يا ناااااس! أنا في مقابر المنطقة (...)، السرداب تحت القبر رقم ٧! أنا سمر، وجوزي كريم تاجر أعضاء والناس دي عايزة تقتلني!"

الراجل اتفزع لما شاف نور الشاشة، وهجم عليا. زقيت الصندوق اللي قدامي بكل قوتي في رجله، وطلعت أجري في السرداب الضيق. الرصاصة عدت من جنب ودني وعملت صوت "صفير" مرعب في المكان المقفول.

كنت عارفة السرداب ده كويس، مش لأني دخلته قبل كده، بس لأني كنت بقعد فوقيه سنة كاملة، حافظة كل شق في الأرضية. وصلت لفتحة تهوية قديمة كنت بشوفها من فوق، حاولت أتسلق المواسير المصداية.

الراجل كان بيقرب، وصوت نهجانه كان ورايا بالظبط. مسك رجلي وشدني لتحت، صرخت وضربته بالمفتاح الحديد اللي في إيدي في عينه. صرخ وسبني وهو ماسك وشي اللي غرق دم.

طلعت الفتحة ورميت نفسي لبره، لقيت نفسي وسط المقابر والجو ساقعة قوي. مكنتش قادرة أقف، بس شفت أنوار بعيد.. كشافات كتير جاية ناحيتي.

"هنا! أنا هنا!"

الأنوار قربت، ولقيت المحامي عادل واقف ومعاه ناس غريبة، مكنوش بوليس! عادل بص لي بنظرة كلها شر وقال: "البث المباشر ده كان غلطة عمرك يا سمر.. دلوقتي لازم نخلص الموضوع ده بسرعة قبل ما الحكومة توصل."

وقفت وأنا ماسكة الشنطة، وبصيت ورايا لقيت الراجل بتاع السرداب خرج وهو ماسك عينه وبينزف. بقيت محاصرة بين

نارين.

وفجأة، صوت ميكروفون زلزل المكان: "سلم نفسك يا عادل.. المكان كله محاصر!"

عادل وشه اتخطف، والرجالة اللي معاه بدأوا يهربوا بين القبور. قوات الصاعقة والعمليات الخاصة كانت بتملا المكان، والظاهر إن البث المباشر خلى القضية "رأي عام" في ثواني، ومحدش قدر يتستر عليهم.

جريت على الظابط وأنا بنهار: "ابني.. يوسف.. أمنوا يوسف!"

* "يوسف في أمان يا مدام سمر، إحنا نقلناه لمكان سري من ساعة ما كريم اتقبض عليه."

وقعت على الأرض وأنا بعيط، بس دموع راحة. المحامي عادل ورجالته اتقبض عليهم، والسرداب اتشمع.

بعد يومين، كنت قاعدة في أوضة آمنة، الباب خبط، ودخل الظابط ومعاه ملف: "مدام سمر.. فيه حاجة لازم تعرفيها. إحنا فحصنا الملفات اللي كانت في الشنطة.. كريم مكنش مجرد 'ترزي' زي ما الراجل قالك."

فتحت الملف، ولقيت ورقة قديمة، شهادة ميلاد تانية ليوسف.. بس باسم تاني، وأب تاني.

بصيت للظابط بذهول: "يعني إيه؟"

الظابط اتنهد: "كريم مكنش أبو يوسف الحقيقي.. كريم خطف يوسف وهو طفل رضيع من عيلة تانية عشان ينفذ بيهم المخطط ده لما يكبر.. يوسف ابن ناس تانية يا سمر."

الدنيا دارت بيا.. يعني السنين دي كلها كنت عايشة في كذبة جوه كذبة؟ ويوسف.. ابني اللي حبيته، هيتاخد مني تاني عشان يرجع لأهله؟

يوسف مسك إيدي وقال بتلقائية: "ماما.. إنتي هتمشي وتسبيني؟"

 


 ## الجزء السابع: وجع الحقيقة الثانية

جملة الظابط كانت أقسى من رصاص السرداب. "يوسف مش ابنك يا سمر".. الجملة دي هدت الحيطة الوحيدة اللي كنت سانده ضهري عليها. بصيت ليوسف، لملامحه اللي كنت بشوف فيها نفسي، لضحكته اللي كانت بتهون عليا مرار السنين. إزاي؟ إزاي قلبي ما قاليش؟ وإزاي هو اتعلق بيا كأني أمه فعلاً؟

الظابط كمل وهو بيحط صور قديمة قدامي: "كريم كان شغال في مستشفى خاص من 6 سنين، حصلت حالة خطف لرضيع وقتها والقضية اتقيدت ضد مجهول. كريم خد الولد وسجله باسمك وباسمه بمساعدة ممرضة ميتة دلوقتي، وعيشك الوهم ده عشان يضمن إن يوسف يفضل تحت إيده كـ 'مخزن متحرك' لأي عملية يطلبها الزبائن الكبار."

يوسف كان بيبص للصور بذهول، وبعدين بص لي وعيونه مليانة دموع: "يعني إنتي مش ماما؟ يعني أنا ماليش حد؟"

وكأني بحاول أثبت للعالم إن الأمومة مش بس دم وعرق، الأمومة وجع وسهر وحب. "أنا أمك يا يوسف.. أنا اللي ربيت وأنا اللي دمعت وأنا اللي واجهت الموت عشانك.. مش هسيبك، والله ما هسيبك."

* "بس يا مدام سمر،" الظابط قطع اللحظة بصوت هادي، "أهله الحقيقيين لسه عايشين. ناس بسيط حالهم انقطع من يوم ما ابنهم اختفى، ومن

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

حقهم يعرفوا.. ومن حق القانون يرجع الحق لأصحابه."

في اليوم ده، جالي محامي من طرف "العيلة الحقيقية". كان راجل وقور، بص لي بشفقة وقال: "إحنا مقدرين اللي عملتيه عشان يوسف، وإنتي فعلاً بطلة.. بس الأب والأم اللي هناك بيموتوا كل يوم في السنة ألف مرة. هما مش عايزين يحرموكي منه، بس عايزين حقهم في ابنهم."

اتفقنا على مقابلة.. مقابلة "تبادل الأرواح".

رحت المكان، وكان قلبي بيتعصر. شفت ست ملامحها باهتة من كتر العياط، وراجل شعره شاب قبل أوانه. أول ما شافوا يوسف، الست وقعت على ركبها وهي بتصرخ باسمه القديم: "عمر! يا حبيبي يا عمر!"

يوسف استخبى ورايا، كان خايف.. بالنسبة له دول ناس غريبة، وأنا الأمان الوحيد. الست قربت وهي بترتعش، وطلعت "لعبة" صغيرة قديمة كانت شايلاها من 6 سنين.. "فاكر دي يا حبيبي؟ دي كانت معاك وأنت في اللفة."

يوسف بدأ يقرب منها ببطء، وكأن فيه ذاكرة خفية في دمه بدأت تصحي. المشهد كان يقطع القلب، كنت واقفة في النص، بين "حقي" اللي عشته، وبين "حقهم" اللي اتسرق منهم.

فجأة، تليفون الظابط رن، وشه اتغير وبص لي بنظرة مرعبة.

"سمر.. كريم هرب!"

* "هرب إزاي؟ ده كان في الترحيلات!"

الظابط بزعيق:

"عربية الترحيلات اتعرضت لهجوم مسلح، وقتلوا العساكر وهربوا كريم وعادل.. المنظمة مش هتسيبهم يتكلموا، أو كريم هرب عشان يخلص المهمة اللي بدأها."

الخوف رجع ينهش فيا تاني. كريم هرب، وده معناه إنه هيدور على يوسف.. أو عمر. هو عارف إن الولد هو "الكنز" اللي هيشتريه بيه حريته من المنظمة بره مصر.

بصيت للأم الحقيقية وقلت لها بسرعة: "لازم نمشي من هنا.. كريم مش هيسيبنا في حالنا."

واحنا خارجين من البيت، سمعنا صوت ضرب نار بره. كريم مكنش هربان عشان يستخبى، كريم كان جاي ياخد "بضاعته" الأخيرة قبل ما يختفي للأبد.

الظابط طلع سلاحه وأمرنا نستخبى تحت الترابيزات. شفت كريم من ورا الإزاز، وشه كان متشوه وضخم، وماسك رشاش في إيده وهو بيصرخ: "هاتوا الولد! سمر.. اطلعي بالولد وإلا هحرق المكان باللي فيه!"

بصيت ليوسف، وبعدين بصيت للأم اللي كانت ماسكة فيه، واتخذت قرار.. أغرب وأخطر قرار في حياتي.

وقفت ورفعت إيدي: "أنا هخرجلك يا كريم.. بس سيب الناس دي تمشي."

حكايات رومانى مكرم

خرجت من ورا الساتر وخطواتي كانت ثابتة رغم إن ركبي كانت بتخبط في بعض. كريم أول ما شافني، ضحكته البشعة ملأت المكان، ضحكة واحد خسر كل حاجة ومبقاش

عنده حاجة يبكي عليها.

"كنت عارف إنك هتيجي يا سمر.. طول عمرك قلبك هو اللي بيسوقك للهلاك،" قالها وهو بيقرب والرشاش متوجه لصدري.

وقفت بعيد عنه بمسافة كافية، وبصيت في عينيه بمنتهى القوة: "أنت عايز الولد ليه يا كريم؟ اللعبة انتهت، المنظمة اللي أنت شغال معاها مابقتش موجودة، عادل اتقبض عليه والسراديب اتكشفت.. أنت بتجري ورا سراب."

كريم وشه اتشنج وصوته بقى زي الرعد: "الولد ده هو تذكرتي للخروج! فيه ناس بره مستنية 'الأمانة' ومستعدة تدفع ملايين عشان تهربني.. هاتي يوسف يا سمر، هاتي النسخة اللي فضلت من حياتي القذرة."

* "يوسف مش ابنك يا كريم.. أنت عارف وأنا عرفت. أنت سرقت عمره وسرقت مشاعري.. كفاية لحد كده."

في اللحظة دي، شفت الظابط "أحمد" بيتحرك ببطء من ورا كريم، كان بيحاول ياخد وضعية قنص. كان لازم أشغل كريم أكتر، كان لازم أخليه ينسى الدنيا كلها ويركز معايا أنا بس.

"فاكر أول يوم جبته فيه البيت؟" قلتها بنبرة هادية فجأة، "كنت بتقولي ده رزقنا.. أنا صدقتك، حبيت الكذبة لدرجة إني كنت بموت عشان أحميها. أنت محرمتنيش من ابني بس، أنت حرمتني من نفسي."

كريم صرخ بجنون: "بس! مش عايز أسمع صوتك! اطلعي هاتي الولد وإلا هضرب النار على الكل!"


 

بدأ يرفع الرشاش ناحية الباب اللي ورايا، المكان اللي مستخبي فيه يوسف وأهله الحقيقيين. قلبي وقف، وبدون تفكير رميت نفسي عليه. مسكت في دراعه اللي ماسك السلاح بكل قوتي وأنا بصرخ: "اجري يا يوسف! اجري يا أحمد!"

كريم كان أقوى مني بكتير، ضربني بظهر السلاح في راسي وقعت على الأرض والدم غطى عيني. شفته وهو بيوجه الرشاش للباب وصباعه بيضغط على الزناد..

وفجأة.. دوي رصاص ملأ المكان.

بس مش رصا. ص كريم.

الظابط أحمد ضرب طلقة واحدة سكنت في كتف كريم، خلت السلاح يقع من إيده. كريم صرخ ووقع على ركبه وهو بيلهث. المنظمة اللي كانت بعتاه عشان تهربه، كانت هي اللي بتمطر المكان رصاص من بعيد! الظاهر إنهم قرروا يخلصوا من "الطرف الضعيف" عشان ميسيبش وراه أي دليل يوصل ليهم.

العساكر بدأت ترد على مصدر الضرب لبره، وأحمد سحبني بسرعة لورا الساتر وهو بيضرب نار. كريم كان زاحف في نص الصالة، بين نار الشرطة ونار المنظمة اللي خانته.

بص لي كريم وهو بينزف، وفي اللحظة الأخيرة من حياته، ملامحه هديت بشكل غريب. طلع من جيبه "سلسلة" صغيرة كان يوسف بيلبسها وهو صغير، رماها ناحيتي وهو بيكح دم: "خدي.. دي فيها.. فيها رقم حساب.. بره.. خليه ليوسف..

أنا.. أنا كنت..."

مكملش الجملة. رصاصة تانية جت في صدره، وسكت كريم للأبد. تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

خلص ضرب النار بعد دقايق كانت كأنها سنين. القوة قدرت تصفي القناصة اللي بره، والمكان بقى هدوء مرعب، مبيقطعوش غير صوت عياط يوسف المكتوم من جوه.

قمت بصعوبة وأنا ساندة على الحيطة، رحت لكريم.. الراجل اللي عشت معاه سنين وفي الآخر طلع غريب وشيطان. بصيت لوجهه الميت، محستش بشماتة، حسيت بس بوجع على السنين اللي ضاعت في الوهم.

الظابط أحمد قرب مني وحط إيده على كتفي: "انتهى يا سمر.. الكابوس انتهى بجد."

يوسف خرج جري عليا،أنا ببكي. بصيت للأم الحقيقية اللي كانت واقفة بعيد، عيوننا اتقابلت. هي كانت شايفة فيا الست اللي حمت ابنها بجد، وأنا كنت شايفة فيها الحق اللي لازم يرجع.

"سمر.. " الست قربت مني ومسكت إيدي، "أنا مش هاخده منك وأمشي.. إحنا دلوقتي عيلة واحدة. عمر - أو يوسف - له أمين، مش أم واحدة."

ابتسمت وسط دموعي، وأنا عارفة إن الجروح لسه هتاخد وقت عشان تلم، بس على الأقل.. الحقيقة بقت واضحة زي الشمس.

لكن وأنا بلم السلسلة اللي كريم رماها، لاحظت إن ورا السلسلة فيه نقش صغير قوي.. نقش لجمجمة تانية، وجنبها حرف واحد: **"S"**.

قلبي انقبض.. هل

"S" دي معناها "سمر"؟ ولا فيه طرف تالت لسه برا اللعبة ومحدش يعرف عنه حاجة؟

 

وقفت قدام القبر رقم 7 للمرة الأخيرة، بس المرة دي مكنش فيه خوف ولا ضلمة. الشمس كانت طالعة بتغسل المكان بنورها، والرخام اللي كان بيخبي تحته أسرار الموت، بقى مجرد حجر ملوش قيمة.

فتحت السلسلة اللي كريم سابها لي، ولقيت ورا حرف الـ **"S"** ورقة صغيرة جداً مكتوب فيها: *"سامحيني يا سمر.. السلسلة دي مش فلوس، دي الدليل اللي هيقفل القضية للأبد."*

الحرف مكنش اسمي، كان كلمة **"Secret"** (السر). الورقة كان فيها شفرة لموقع إلكتروني عليه كل تسجيلات المنظمة، وصور الشخصيات الكبيرة اللي كانت بتدير تجارة الأعضاء من ورا الستار. كريم في لحظته الأخيرة، قرر إنه ميموتش شيطان كامل، ساب لي السلاح اللي ههدم بيه المعبد فوق رؤوسهم كلهم.

سلّمت الدليل للنيابة، وخلال أيام، البلد كلها اتهزت من حجم الاعتقالات. رؤوس كبيرة وقعت، والمنظمة اللي كانت فاكرة إنها فوق القانون، اتفتتت تحت إيد العدالة.

### الحكمة من الحكاية

قعدت أنا ويوسف - اللي بقى اسمه "يوسف عمر" - على شط النيل. كانت جنبه أمه الحقيقية وأبوه، وبقينا فعلاً عيلة واحدة غريبة ومترابطة. بصيت


ليوسف وقلت له: "عارف يا حبيبي، الوجع ساعات بيكون هو الطريق الوحيد عشان نشوف النور."

**الحكمة اللي خرجت بيها من كل السنين دي:**

1. **الأمومة مش دم، الأمومة مواقف:** الأم هي اللي بتدي الأمان مش اللي بتدي الاسم بس. يوسف بقى له قلبين بيخافوا عليه، وده كان تعويض ربنا لينا كلنا.

2. **الكذب مهما طال عمره، الحقيقة ليها صوت:** كريم بنى قصر من الأوهام، بس في الآخر وقع القصر فوق دماغه. مفيش سر بيفضل مدفون، والأرض دايماً بترفض تشيل الظلم جواها.

3. **الوجع بيصنع القوة:** لولا الوجع اللي عشته، مكنتش هقدر أقف قدام الرصاص وأحمي يوسف. ساعات ربنا بيمتحنا بالخوف عشان يخرج من جوايا شجاعة إحنا نفسنا مكناش نعرف إننا نملكها.

4. **النهايات هي بدايات تانية:** كنت فاكرة إن حياتي انتهت يوم ما يوسف "مات"، بس الحقيقة إن حياتي الحقيقية بدأت يوم ما واجهت موته بشجاعة وعرفت أرجعه للحياة.

بصيت للسما وخدت نفس عميق، وحسيت إن الحجر اللي كان واقف في زوري داب للأبد. مكنتش محتاجة أعيش على ذكرى طفل مات، لأني بقيت عايشة مع طفل اتولد من جديد من رحم المعاناة.

تمت الحكاية، بس حكايات الحياة مابتخلصش، وكل وجع وراه حكمة، وكل ضلمة وراها نور مستني اللي يسعى له.

 

 

تعليقات

التنقل السريع
    close