اقعدي ورا في حته ما تظهريش
اقعدي ورا في حته ما تظهريش
“اقعدي ورا، في حتة ماتظهريش في الصور، مش هسيب أم عزباء تبوظ فرح بنتي”، قالتلي ماما بابتسامة مصقولة حسيتها أوجع من أي سبّة.
فرح أختي الصغيرة اتعمل في قصر فاخر بره القاهرة، مليان ورود بيضا، وشموع عائمة، ونادلين ماشيين بين الضيوف كأن المكان ملك للناس المهمة بس، وحسب عيلتي، أنا مش واحدة منهم.
حطوني على ترابيزة مخفية جنب الممر اللي فيه الخدمة، قريب من الحمامات وبعيد عن الموسيقى، كأني عار محتاج يتخبّى ورا ستاير والمسافة.
ليلى، بنتي الصغيرة اللي عندها أربع سنين، قعدت جنبّي ساكتة، بتلون على مناديل بعصاية ألوان نادلادتها من الرحمة لما لاحظ إننا اتجاهلنا.
محدش ادّاها طبق أطفال، محدش دخلها في صور العيلة، ومحدش سألها حتى أكلت ولا لأ.
أختي آية كانت في نص الحفلة زي الملكة، متألقة بفستان مصمّم، فرحانة إنها اتجوزت كريم المصري، راجل أعمال معروف في مصر، اسمه ليه وزن في أي قاعة يدخلها.
ماما وبابا كانوا مبهورين بيها، مقتنعين إنها عملت كل الصح بالزواج من واحد غني وذو اسم ووجود اجتماعي، وأنا كنت مثال لكل حاجة كانوا شايفينها غلط.
أنا رجعت بيتنا من سنين حامل، رفضت أقول مين الأب، سبت الماجستير، واخترت السكوت بدل التفسير، وده خلاهم يشوفوني دايمًا خيبة أمل.
ماما اتكأت عليا وضبطت عقد اللؤلؤ قبل ما تتكلم بصوت منخفض وجارح:
“أختك عرفت تختار صح، اتجوزت راجل حقيقي عنده سلطة واسم، مش زيك اللي دايمًا بتجيبينا العار.”
مردتش، بس مسّيت شعر ليلى اللي ابتسمتلي ساكتة ومش فاهمة أي حاجة حوالينا.
“أنا جيت عشان آية عَزمتني”، قلت أخيرًا بصوت ثابت.
ماما ضحكت ضحكة هادئة وقالت: “عزمتك عشان محدش يسأل ليه أختها مش موجودة، ماتخلطيش بين الأدب والمودة، وخلي البنت ساكتة، مش هسيب أي مشاكل تحصل.”
مشيت على طول، رافعة كاس الشمبانيا وبترحب بالضيوف كأنها مكنتش لسة أذلّتني.
اخدت نفس عميق وبعت رسالة على الموبايل: “هتيجي قريب؟ مش عارفة أقعد هنا قد إيه تاني.”
قبل ما أفكر أكتر، ليلى مدت إيدها للعصير ونادل عدّي من وراها، وكوعها خبط في الصينية، وكباية نبيذ حمرا اتلخبطت ووقعت على الأرض بصوت عالي.
شوية نقط نبيذ اتطرطشت على فستان آية، تقريبًا مش باينة، لكن رد فعلها انفجر كأن حاجة وحشة حصلت.
“فستاني اتبوظ!” صرخت، وكل العيون اتوجهت لنا.
بصت لليلى بغضب جمد قلبي، وصاحت: “بنتك بوظت فرحي!”
قومت على طول وحاولت أمسح الفستان بمناديل واعتذرت:
“كان حـ,ـادث، هي مقصودتش حاجة غلط”، لكن آية دفعتني بعيد.
“ماتلمسنيش! إنتي دايمًا بتبوظي كل حاجة!” صاحت، والضيوف بدأوا يهمسوا ويشوفوا الموقف بفضول مزيف.
ليلى تشبّت برجلي وخايفة، وانا حميت حضنها.
بعدها بابا ظهر، وشه أحمر من الغضب، ومكنش سأل إيه حصل، وصاح: “كنت عارف إن جبتك كانت غلطة!”
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
وقفت قدام ليلى بحزم: “متتكلمش معاها كده، كان حـ,ـادث.”
“الغلطة الحقيقية إنك جيتي هنا خالص”، قال بغضب. “إنتي والبنت دي بس بتجيبوا العار.”
“ماتتكلمش عنها بالطريقة دي تاني”، قلت، وصوتي ثابت رغم كل حاجة.
شفت إيديه تعلى وظني إنه هيضـ,ـربني، بس بدل ما يضـ,ـربني دفعني بقوة لورا بدون سابق إنذار.
قدرت أمسك ليلى قبل ما نقع، وبعدين احنا الاتنين وقعنا في نافورة الحديقة قدام كل الناس.
لما طلعت، مشبعة ميه وبنتي بتعيط، سمعت حاجة أسوأ من السقوط: تصفيق.
الناس بتصفق، بعضهم بيضحك، وبعضهم بيصور بالموبايلات كأنه عرض كوميدي.
كريم، جوز أختي الجديد، رفع كاسه وضحك وقال: “عشان كده ناس معينة ميجبروش هنا، دايمًا بيبوظوا كل حاجة.”
بصيت له مرتجفة، بعدين لعيلتي، وبأقسى هدوء قلت: “افتكروا اللحظة دي كويس، بعد النهارده هتندموا.”
هم فضلوا مبتسمين، ماكنوش واخدين بالهم إن اللي جاي أكبر بكتير.
ماكنتش هسيب المكان، لأن الخروج كان هيديهم اللي عايزينه بالظبط.
حملت ليلى جوه القصر، وموظف سلمنا شراشف نضيفة غلفتها بيها.
“مفيش مشكلة دلوقتي”، همست لها، “باباك جاي.”
عبر الزجاج، شفت الحفلة ترجع والضحك والمزيكا رجعت، وكريم أخد المايكروفون وقال:
“الحياة بتعلمنا أحيانًا إننا نشيل اللي بيقف في طريقنا”، وضحك الضيوف، وماما ضحكت.
في اللحظة دي، موبايلى رن برسالة: “أنا بره.”
ثواني بعد كده، أصوات موتورات عالية عند المدخل، وعربية سودا كبيرة جات، وكل العيون اتجهت للمدخل.
رجال في بدلات سودا نزلوا الأول، ماشيين بدقة وسلطة خلت كل الحفل ساكت.
وبعدين ظهر هو.
كريستوفر هيل، جوزي، الراجل اللي عيلتي عمرها ماعرفته.
مشى ناحيتي بهدوء، ولما شافني مشبعة ميه وليلى مرتجفة، وجهه اتصلب بغضب مسيطر.
حط جاكيت على كتفي ولمس وش ليلى برقة.
“مين عمل كده؟” سأل بهدوء.
“بابا دفعني، وسقطنا مع بعض”، جاوبت، وصوتي ثابت رغم كل حاجة.
مصرش، ولا اتصرف بشكل مبالغ، بس صمته كان أثقل من أي صراخ.
مشينا للحديقة معاه، متجاهلين اعتراض بابا ومحاولة كريم يواجهه.
كريم بدأ يتكلم بغرور لحد ما شاف كريستوفر بوضوح، وساعتها شخصيته كلها انهارت.
“ده كريستوفر هيل”، همس، وصوته بيرتعش، والكل فهم مين ده فورًا.
كريستوفر تكلم بهدوء بس حازم:
“من خمس سنين اتجوزت أقوى ست أعرفها، وهي اختارت تعيش ساكتة عشان تحمي بنتنا، وإنتو اتعاملتوا معاها بازدراء وقسوة، ولحد النهارده دفعتوها في المية قدام الكل.”
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
كريم حاول يتكلم، بس كريستوفر بصله لمحة واحدة وكفاية.
كريستوفر طلع موبايله واتصل، وحط السماعة على الكل:
“اسحبوا كل دعمكم المالي من شركة المصري فورًا وابدأوا تدقيق كامل”، أمر بصوت هادي وحاسم.
ثواني بعد كده، الرد اتأكد، وكريم وقع على ركبتيه يترجى، وكل اللي عمله بدأ ينهار.
آية ركضت تجري عليا بتعيط، لكن أنا وقفت على طول:
“بنتي كانت بتعيط وإنتي أذلتها”، الكلام ده كان أقوى من أي غضب.
ماما قربت تستجدي الغفران، لكن سألتها سؤال واحد:
“لو ماكنتش مراته، ده كله كان مقبول بالنسبة ليك؟”
ماكنتش تعرف ترد.
بابا حاول يتكلم، بس سلطته راحت، وبقي بس راجل اختار كبرياءه على الحب.
كريستوفر قرب وقال: “الأب الحقيقي بيحمي بنته بدل ما يضحي بيها عشان يحظى بالموافقة”، وبابا خفض عينه ساكت.
الضيوف اللي كانوا بيضحكوا قبل كده بقوا ساكتين، مش عايزين يلفتوا النظر.
حضنت ليلى وهي هادية، وبعدها اتكلمت بصوت واضح لأول مرة:
“لسنين كنت أتمنى تحبوني، وكنت فاكرة لو صبرت ساكتة، هتشوفوني في يوم، بس النهارده فهمت إنكم بس خليتوني موجودة عشان تحسوا بالتفوق.”
بصيت لكل واحد فيهم وقلت: “مش خسرتوا فلوس النهارده، خسرتوا الحق تقولوا إنكم عيلتي.”
ماما بكت، آية وقفت ساكتة، وبابا فضل واقف ساكت قدام الحقيقة.
كريستوفر مسك إيدي وقال بهدوء: “نروح دلوقتي”، وقبل ما نمشي، حذر الضيوف إن أي محاولة ينشروا صور هتكون لها عواقب.
محدش اعترض.
مشى ساكتين، والاحتفال انهار ورايا، وبنتي نامت على حضني وكريستوفر ماسكنا بقوة.
“كان المفروض أجي بدري”، قال بهدوء.
هززت راسي وقلت: “جيّت بالظبط لما كنت محتاجة أبطل أخاف.”
وانتقلنا بعيد عن القصر، وفهمت إن مش بس سبت فرح، لكن المكان اللي طول عمري حسّيت فيه إني أقل من الكل.
الليلة دي فهمت حاجة أتمنى كل الستات يعرفوها بدري: العيلة مش دايمًا بالدم، لكن باللي واقفين جنبك لما غيرك يحاول يسقطك ومابيخلوكش تقع تاني.


تعليقات
إرسال تعليق