السوق كامله بقلم امانى سيد
السوق كامله بقلم امانى سيد
كنت ماشيه فى الشارع جايه من السوق وانا شايله طلبات البيت فى عز الشمس بعد ما جوزى رفض يوصلنى بحجه انه بيشتغل وسابنى لواحدى بالشنط التقيله
كملت طريقي وأنا حاسة إن كتفي هيتخلع من تقُل الشنط، والعرق غرق هدومي، والشمس كانت بتلسع في نفوخي وكأنها بتعاقبني على مشوار السوق ده. كنت ماشية بكلم نفسي وبقول “معلش يا بت، أهو شقيان وتعبان في الشغل عشان يجيب لنا لقمة العيش”، وكنت متمسكة بالأمل ده عشان أقدر أكمل الـ 100 متر اللي فاضلين لحد البيت.
وفجأة.. العربية شفتها من بعيد. عربيتنا. تابعوها على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد
وقفت مكاني والشنط وقعت من إيدي على الأرض، وكأن الدنيا وقفت هي كمان. العربية كانت مركونة على جنب، الإزاز مقفول بالمللي عشان التكييف يفضل محبوس جوه، وشايفاه.. “جوزي” الشقيان التعبان اللي مكنش عنده وقت يوصلني عشان “شغله”.
كان قاعد بكل برود، وراسه ميلة ناحية واحدة راكبة جنبه، ملامحها كانت مرتاحة ومترطبة بهوا التكييف. إيده اللي كانت بتتحجج بالمرض والتعب من السواقة، كانت بتلعب في شعرها بنعومة، وهو بيبتسم لها ابتسامة “الحنين” اللي نسي يبتسمها في وشي من سنين.
وقدامهم على “التابلوه”، كوبايتين كبار من كافيه مشهور، المية المشبرة على الكوبايات من بره كانت باينة من ورا الإزاز، وهما ماسكــ,,ـــــين الشاليموه وبيشربوا بمنتهى “الروقان” والضحك مالي وشهم.
في اللحظة دي، حسيت إن الشمس اللي فوق راسي دي مقتولة قدام النــ,,ـــــار اللي ولعت في قلبي. أنا هنا شايلة الهم وشايلة الطلبات وماشية في “المرمطة” عشان أوفر له في البيت، وهو هناك قاعد في التكييف بيوزع حنانه “ومشروباته الباردة” على حساب كرامتي وتفاهتي في نظره.
وطيت ببطء، لميت الشنط اللي اتفتحت في الأرض، ودموعي نزلت اختلطت بالعرق
قعدو وداد على الرصيف
بصت وداد لمجدي تاني، العربية اتحركت بهدوء، ومجدي مابصش ورا، ولا حتى حاول ينزل يشيل معاها الشنط اللي اترمت على الرصيف. مشي وسابها في عز “الظهيرة” بتواجه مصيرها لوحدها، وكأنها كانت مجرد “خيال” مر من جنبه وهو مبيعرفوش.
وداد حست إن الأرض بتلف بيها، القوة اللي كانت شاحنة بيها نفسها قدامه انهدت زي بيت رمل. قعدت على الرصيف، حرفياً في قلب التراب، ودفــ,,ـــــنت وشها بين إيدها وانفجرت في عياط مكتوم وهستيري. صرخة صامتة طالعة من جدران قلبها اللي اتشرخ.
يا قهرتي.. يا قهرتي عليكي يا وداد. العمر اللي راح في خدمة واحد محسش بيا وأنا بتشوي في الشمس وهو بيضحك جوه التكييف؟ يا رخصي عندك يا مجدي.. يا رخصي!”
فضلت قاعدة لدقايق، والناس بتعدي من جنبها اللي بيبص بشفقة واللي بيبص بتساؤل، بس هي مكنتش شايفة حد. كانت شايفة بس صورته وهو بيلعب في شعر التانية، وصورة “كوبايات القهوة” المشبرة اللي كانت أغلى عنده من كرامتها.
مسحت دموعها بعنــ,,ـــــف بطرف طرحتها، وقامت وقفت بركب بتخبط في بعضها. نفضت التراب عن بنطلونها بآلية، وسابت شنط الخضار واللحمة زي ما هي على الأرض.. مكنتش قادرة تلمس حاجة فكرتها بـ “الخدامة” اللي كانت عايشة جواها عشانه.
رفعت إيدها لتاكسي كان معدي، السواق وقف وبص لحالها بقلق:
— “على فين يا ست الكل؟ إنتي كويسة؟”
وداد ركبت ورا، وسندت راسها على الإزاز البارد بتاع التاكسي، وقالت بصوت طالع من بير غريق:
— “وديني العنوان ده يا أسطى.. وديني للبيت اللي مابقاش بيتي.”
طول الطريق كانت بتبص للشوارع وهي بتمــ,,ـــــوت “وداد القديمة”، وبتحضر “وداد جديدة” مش هتبكي تاني على حد استخسر فيها حتى “توصيلة” في يوم حر.
وصلت وداد البيت ودخلت شقتها وهى بتنهج
فتحت وداد الدولاب بكل هدوء، الهدوء اللي بيسبق العاصفة. ملمستش هدومها، بالعكس، بدأت ترتبهم أكتر وكأنها بتستعد لـ “مهمة” مش لهروب. هي مش هتمشي وتسيطر عليه فكرة إنه سابها مكسورة، هي قررت إنها هتفضل موجودة، بس زي “الخيال” اللي بيطارد أحلامه لحد ما يخليه يكلم نفسه.
قعدت على طرف السرير، مسكت تليفونها، وبدأت تدخل على حساباته اللي هي عارفاها أكتر منه.
وداد (بهمس ونبرة كلها تحدي):
— “عايز تكييف وقهوة باردة ونسوان يا مجدي؟ تمام.. أنا بقى هخليك تلف حوالين نفسك وتعرف إن ‘الخدامة’ اللي استرخصتها، هي اللي كانت سانده سقف البيت ده فوق دماغك.”
وداد مكنتش بتعيط، الدموع نشفت وبدأت ملامحها تترسم بخــ,,ـــــبث مكنتش تعرف إنها تملكه. بدأت خطتها بخطوات “حديد”:
البيت كان هسيس، مفيش فيه غير صوت أنفاس مجدي وهو نايم بعمق، ولا كأنه لسه دابح مراته الصبح ببروده. وداد كانت صاحية، قاعدة في الصالة في الضلمة، عينيها مبرقة زي القطة اللي بتراقب فريستها. استنت لحد ما الساعة دقت اتنين بعد نص الليل، قامت بخطوات زي الشبــ,,ـــــح ودخلت الأوضة.
بصت لوشه وهو نايم، وشافت “الراحة” اللي على ملامحه، فافتكرت وقفتها في عز الشمس والشنط بتغرس في إيدها. مدت إيدها ببطء شديد، وسحبت تليفونه من على الكومودينو.
قربت التليفون من صباعه وهو غرقان في النوم.. “تكة” الشاشة وهي بتفتح كانت في ودنها زي صوت الرعد، بس هو محسش. دخلت فوراً على تطبيق البنك، وبدأت المهمة.
وداد (بهمس وفحيح):
— “عايز تكييف ومشروبات باردة؟ تمام.. اشرب يا مجدي، بس الحساب المرة دي ‘تقيل’ قوي.”
بمنتهى الدقة، حولت أول “مبلغ محترم” لحسابها الشخصي اللي محدش يعرف عنه حاجة. وبسرعة البرق، دخلت على الرسايل ومسحت رسالة البنك اللي بتأكد التحويل، ومسحت كمان الـ “Notification” من على الشاشة عشان لما يصحى ميشكش في حاجة.
رجعت التليفون مكانه بالمللي، وخرجت من الأوضة وهي حاسة بنشوة انتصار عمرها ما داقتها. قعدت في البلكونة، والهوا البارد بتاع الليل بيخبط في وشها، وبدأت تحسبها بالورقة والقلم.
وداد (بكلمات واثقة):
— “كل يوم حتة.. لحد ما تلاقي نفسك مش لاقي تمن القهوة اللي كنت بتشربها قدامي. هخليك ‘عريان’ يا مجدي، بس وأنت فاكر إنك لسه لابس أحسن هدوم.”
قررت وداد إنها هتفضل “الزوجة المطيعة” قدامه، هتعمل له الأكل، وتغسل له هدومه، وتبتسم في وشة بتمثيلية تليق بـ “أوسكار”.. وهي في الحقيقة بتسحب السجادة من تحت رجليه سنتيمتر بسنتيمتر.
الخطة مكنتش بس فلوس، الخطة كانت إنها تخليه يوصل لمرحلة “الإفلاس” وهو مش فاهم الفلوس بتروح فين، ويضطر يلف حوالين نفسه، وهي تتفرج عليه ببرود وهي بتشرب قهوتها “الباردة” في هدوء.
فاتت الأيام، ووداد ماشية على الخطة بالمللي. الصبح تكون الزوجة “الساكتة” اللي بتعمل فطارها وتنضف بيتها، وبالليل تتحول لـ “شبــ,,ـــــح” بيسحب من رصيده ومن عمره حتة حتة. مجدي كان عايش في غيبوبة، مبهور بـ “هدوء” وداد اللي افتكره استسلام، فزود فيها وبقى يخرج أكتر، ويصرف أكتر، وهو مش دريان إن الحنفية بتتسد من وراه.
مجدي قاعد مع “الزميلة” في نفس الكافيه المشهور، الضحكة مالية وشه، والتكييف ضارب فيهم، والترابيزة عليها من خيرات الله. خلصوا القعدة، ومجدي نادى الجرسون بمنتهى الثقة وهو بيطلع المحفظة.
“الشيك يا ابني.. وخلي الباقي عشانك.”
طلع الفيزا “البلاتينيوم” وحطها في المكنة، الجرسون دخل المبلغ، وانتظروا اللحظة اللي تطلع فيها الورقة.. وفجأة، المكنة طلعت صوت “زمرة” طويلة وباردة، وظهرت كلمة بالانجليزي (Declined) “مرفوض”.
الجرسون (بأدب):
— “عفواً يا فندم، المكنة بتقول ‘الرصيد غير كافٍ’.”
مجدي (وشه جاب ألوان):
— “أنت بتقول إيه يا ابني؟ المكنة بتاعتكم هي اللي بايظة، جرب تاني، دي فيزا بنك (…) وعليها مبالغ محترمة.”
الجرسون جرب تاني، وتالت.. والنتيجة واحدة. البنت اللي قاعدة معاه بدأت تبص له بتعجب، ومجدي العرق بدأ ينزل من قورته رغم التكييف. فتح “أبلكيشن” البنك على موبايله وهو إيده بترتعش، ودخل يشوف الرصيد..
عينه مكنتش مصدقة اللي شايفاه.. “صفر”. الحساب اللي كان فيه شقى سنينه، والفلوس اللي كان بيحوشها لـ “مزاجه”، متبقاش فيها غير فكة متجيبش ساندوتش.
مجدي دخل البيت زي المجنون، وشه أسود من الغل والارتباك. لقى وداد قاعدة في الصالة، في إيدها مج قهوة “مثلج” وبتشرب منه بمنتهى الروقان وهي بتتفرج على التلفزيون.
“وداد! أنتي تعرفي حاجة عن حساب البنك؟ أنا رحت أدفع النهاردة لقيت الحساب فاضي! الفلوس طارت يا وداد.. حد سرقني!”
وداد نزلت المج من على بوقها ببطء شديد، وبصت له ببرود يجمّد الدم في العروق، وقالت بنبرة فيها سخرية مميتة:
وداد:
— “سرقة؟ يا ساتر يا رب.. ومين اللي يسرقك يا مجدي وأنت “مفتح” قوي كدة؟ يمكن الفلوس ‘اتبخرت’ من كتر الحر.. مش أنت عارف إن الجو اليومين دول صعب والشمس بتحــ,,ـــــرق كل حاجة؟”
مجدي (بذهول):
— “انتي بتقولي إيه؟ دي آلاف يا وداد.. آلاف! أنا لازم أكلم البنك فوراً وأعمل محضر.”
وداد (قامت وقفت وقربت منه، وهمست في ودنه):
— “البنك هيقولك إن التحويلات تمت ‘بصمة إيدك’ يا حبيبي.. يعني أنت اللي كنت بتدفع تمن ‘الروقان’ وأنت نايم. مش أنت قولتلي إنك ‘مطحون’ في الشغل عشان تجيب لنا لقمة العيش؟ أهي اللقمة ‘رجعت’ لصاحبها اللي شالها في عز الشمس.. والقهوة اللي شربتها الصبح، أنا خلصت تمنها بالليل.”
بص لها مجدي وكأنه أول مرة يشوفها، الرعب ملى عينه لما فهم إن الست اللي قدامه دي مش “وداد الخدامة”، دي “وداد اللي قفلت الحساب” للأبد.
مجدي وقف مذهول، الكلمة وقفت في زوره وعينيه كانت بتتحرك في كل ركن في الأوضة كأنه بيدور على مخرج من الكابــ,,ـــــوس ده. بص لوداد اللي كانت واقفة بكل ثبات، ملامحها مفيش فيها ذرة ندم، بالعكس، كانت بتشع انتصار بارد.
مجدي (بصوت مخنوق وبداية انهيار):
— “أنتي.. أنتي عملتي كدة بجد؟ أنتي سرقتيني يا وداد؟ أنا جوزك! دي فلوس شقايا وتجارتي.. تضيعيها في لحظة غل؟”
وداد (ضحكت ضحكة رنت في الصالة الفاضية):
— “شقاك؟ والشنط اللي كانت بتجرح إيدي وأنا ماشية في نــ,,ـــــار جهنم عشان أوفر لك قرش تجيب بيه قميص شيك تقابل بيه “الزميلة”، ده مكنش شقى؟ والذل اللي شفته في عينيك وأنت بتستخسر فيا توصيلة، ده مكنش غل؟ أنا مخدتش غير حقي يا مجدي.. حق الست اللي استرخصتها لحد ما بقت في نظرك مجرد مكنة غسيل وطبيخ.”
مجدي هجم عليها ومسك دراعها بعنــ,,ـــــف، وعينه حمرا من الغضب: تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
— “هرجعهم.. قسماً بالله ما هسيبك، هبلغ عنك.. هقول إنك نصابة وسرقتيني وأنا نايم!”
وداد (نفضت إيده بمنتهى القوة والشموخ):
— “بلّغ يا مجدي.. روح قول للبنك إن مراتي كانت بتفتح الموبايل ببصمة صباعي وأنا “نايم” في العسل. روح قول للناس إنك كنت بتخونها وهي بتسحب منك شقا عمرك وأنت مش داري. تفتكر مين اللي هيتفضح؟ المهندس المحترم اللي بيصرف فلوسه على النسوان، ولا الست الغلبانة اللي كانت بتحاول تأمن مستقبلها بعد ما عرفت إن جوزها ملوش أمان؟”
مجدي رجع لورا خطوتين، قعد على الكرسي وراسه بين إيديه، وبدأ يهز جسمه بهستيريا. الدنيا اسودت في عينه، الفلوس راحت، والبرستيج راح، والبيت اللي كان فاكره “سكن” بقى سجــ,,ـــــن.
مجدي (بصوت واطي وكسير):
— “عايزة إيه يا وداد؟ عايزة توصلي لإيه؟”
وداد (قربت منه ووطت لمستواه، وهمست ببرود):
— “عايزة أشوفك وأنت بتمشي في الشمس يا مجدي.. عايزة أشوفك وأنت بتدور على تمن ‘المواصلة’ ومش لاقيه. عايزة كل ما تمسك كوباية مية مشبرة، تفتكر إن تمنها “كرامتي” اللي أنت دوست عليها. أنا مش هطلقك دلوقتي.. أنا هسيبك كدة، عايش معايا في البيت بس ‘شحات’.. شحات حنية، وشحات فلوس، وشحات نظرة رضا مني.”
قامت وسابته في ضلمة الصالة، دخلت أوضتها وقررت إن النهاردة بس، هتعرف تنام وهي “مرطبة” وقلبها بارد، والقهوة اللي في إيدها كانت أطعم قهوة شربتها في حياتها
مرت الأيام ومجدي بقى زي الخيال في البيت، يدخل ويخرج وهو دبلان، عينه مكسورة وكل ما يفتح التلاجة ويشوفها مليانة من خيرات الله اللي “هي” اشتريتها بفلوسه، يحس بغصة في حلقه. وداد مكنتش بتبخل عليه بالأكل، بالعكس، كانت بتطبخ أحلى الأصناف وتحطها قدامه ببرود، وكأنها بتقوله “كل.. ده بجميلك.. قصدي بفلوسك”.
وفي يوم، مجدي رجع من الشغل وشه باهت، قعد على السفرة ونادى عليها بصوت مبحوح:
— “وداد.. أنا تعبت. الشركة بعتتلي إنذار بسبب قلة تركيزي، والناس بدأت تلاحظ إن حالي اتقلب. أنا مستعد أعمل أي حاجة، بس رجعيلي جزء من الفلوس أسدد ديوني، وأنا والله هقطع علاقتي بأي حد عرفته.”
وداد سابت اللي في إيدها وقربت منه، بصت له بنظرة فاحصة، وطلعت من جيبها “رزمة” فلوس ورمتها على السفرة قدامه، فمجدي عينه لمعت بلهفة ومد إيده يلمسها، بس هي حطت إيدها فوق إيده ومنعته.
وداد (بنبرة سخرية مريرة):
— “الفلوس دي مش ليك يا مجدي.. الفلوس دي تمن ‘التوصيلة’ اللي استخسرتها فيا. عارف الرزمة دي؟ دي تمن الوجع اللي شفته في عيون الناس وأنا شايلة الشنط وبنهج في الشمس وأنت بتضحك في التكييف.”
مجدي (بذل):
— “طب والحل؟ هيفضل حالنا كدة لحد إمتى؟”
وداد (ابتسمت ببرود مخيف):
— “لحد ما تحس بكل “نهجة” نهجتها في الشارع.. لحد ما وشك يتحــ,,ـــــرق من الشمس وأنت رايح وجاي على رجليك عشان توفر تمن الميكروباص. الحل في إيديك.. لو عايز الفلوس ترجع، هتشتغل عندي.”
مجدي (بذهول):
— “أشتغل عندك؟ يعني إيه؟”
وداد: كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد
— “يعني من بكرة، أنت اللي هتنزل السوق، وأنت اللي هتشيل الشنط، وأنت اللي هتقف تفاصل في المليم.. والفلوس اللي كنت بتوزعها يمين وشمال، أنا اللي هصرفها عليك بـ ‘المعونة’. هخليك تدوق طعم ‘الخدمة’ اللي كنت فاكرها فرض عليا، وتعرف إن الست اللي بتصونك، لو فكرت تخونها.. هتمحيك وأنت حي.”
مجدي بص للفلوس اللي تحت إيدها، وبص لوشها اللي بقى فيه جبروت مكنش يتخيله، وطى راسه في الأرض وهو عارف إنه مكسور ومحتاج لكل قرش عشان “يستر” نفسه من الفضايح والديون.
مجدي (بهمس منكسر):
— “موافق يا وداد.. هعمل اللي أنتي عايزاه.”
وداد سحبت الرزمة تاني وحطتها في جيبها، وطبطبت على كتفه ببرود وهي بتقول:
— “عاش يا مجدي.. حضّر نفسك بقى، بكرة سوق الثلاثاء، والشمس طالعة من بدري قوي، والشنط هتبقى تقيلة.. بس متقلقش، هبقى أشغل لك ‘المروحة’ لما ترجع بالسلامة.”
وداد سابته وخرجت للبلكونة، وقفت في الهوا الطراوة وهي حاسة إنها لأول مرة من سنين “مرتاحة”.. مش بس عشان الفلوس رجعت، لكن عشان “الحق” رجع، والراجل اللي كان فاكر إنه “ملك ” بفلوسه، بقى مجرد “ترس” في مكنة انتقامها الهادي.
هى عارفه إن عليه قسط الشقه والعربيه ولو ماتدفعوش هيتحبس والحاجة هتتاخد عشان كده كانت بتستغل للوضع
مجدي نزل السوق في عز الظهر، ولأول مرة في حياته يواجه الواقع اللي كان حابس “وداد” فيه
لسنين. وقف وسط الزحمة، العرق بيغرق قميصه اللي كان دايماً مكوي ونضيف، والناس بتخبط فيه من كل ناحية
مجدي شايل في إيديه أربع شنط تقيلة، “الخضار، والفاكهة، واللحمة”، والأكياس بدأت “تغرّز” في صوابعه وتعلّم فيها. الشمس كانت عمودية على دماغه، وصوت البياعين وصريخ الناس خلاه يحس بصداع رهيب.
في اللحظة دي، تليفونه رن في جيبه. حاول يسيب الشنط بصعوبة على الأرض عشان يرد، لقى الرقم بتاع “الزميلة”. رد بصوت مجهد ونهجان:
— “أيوة يا شيري..”
ـ “إيه يا مجدي؟ مختفي فين؟ أنا بقالي ساعة مستنياك في المكان بتاعنا والقهوة بردت
— “قهوة إيه يا شيري؟ أنا واقف في نص سوق الثلاثاء والشنط قطعت إيدي.. الفيزا مفيهاش مليم، والحساب كله اتصفر.”
— “سوق؟ وشنط؟ أنت بتقول إيه يا مجدي؟ أنت أكيد بتهزر.. يعني إيه الحساب اتصفر؟”
مجدي (بانكسار):
— “يعني مفيش خروجات، ومفيش تكييف، ومفيش هدايا.. لو عايزة تشوفي مجدي الحقيقي، تعالي شوفي الراجل اللي شايل شيلة بيته فوق كتافه وماشي ينهج في الشمس.”
شيري قفلت السكة في وشة من غير كلمة، كأنها كانت “سراب” واختفى أول ما الفلوس خلصت. مجدي بص للتليفون بمرارة، وضحك ضحكة وجع.. عرف إن وداد كانت صح، إن مفيش حد شاله غيرها، ومفيش حد “باعه” غير اللي ضيع شقاه عشانهم
مجدي رجع البيت، رماه جته ورا الباب وهو بيترعش من التعب. وداد كانت قاعدة في الصالة، مشغلة التكييف على أعلى درجة، وماسكة في إيدها “ريمــ,,ـــــوت” التلفزيون وبتاكل فاكهة ساقعة.
وداد (ببرود وهي بتبص لساعتها):
— “تأخرت ليه يا مجدي؟ الشمس حامية برا ولا إيه؟ حط الشنط في المطبخ، وفضي الخضار، واغسله كويس.. وبعدين تعال عشان تاخد “مصروفك” بتاع بكرة.”
مجدي قام ببطء، دخل المطبخ وبدأ ينفذ الأوامر وهو ساكت تماماً. مكنش عنده طاقة حتى يجادل. وهو بيغسل الطماطم، افتكر منظرها وهي بتقع منه على الرصيف، وافتكر دموعها اللي داس عليها بالعربية ومشي.
خرج ووقف قدامها، وشه محروق من الشمس، وإيديه وارمة من تقُل الشنط.
مجدي:
— “عملت كل اللي قلتي عليه يا وداد.. كفاية كدة؟”
وداد (طلعت ورقة بـ 20 جنيه ورمتها له على الترابيزة):
— “دي عشان تركب بيها المواصلات بكرة وأنت رايح الشغل.. ومفيش غدا برا، هتاخد معاك “ساندوتشات” من البيت، عشان نوفر القرشين اللي “فاضلين” في الحساب.. مش إحنا لازم نأمن مستقبلنا يا حبيبي؟”
مجدي خد الـ 20 جنيه وبص لها، حس بذل ملوش آخر، بس في نفس الوقت حس بـ “عدل ربنا” وهو بيتحقق قدام عينه.
وداد (وهي بتغمض عينيها وتستمتع بهوا التكييف): تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
— “يالا يا مجدي.. ادخل خد دش ساقع، بس متطولش عشان فاتورة الكهرباء غليت.. وأنا مش عايزة أصرف فلوسي على الفاضي.”
وداد مش هتحوله لعتال، هي هتخليه “عريان” قدام نفسه. هي سحبت الفلوس تمام، بس هتلعب على أعصابه بالبرود
وداد وقفت في الصالة تراقب مجدي وهو بيجر رجليه ناحية الحمام، مكسور ومنطفي لدرجة تصعب على الكافر، بس وداد قلبها كان لسه شايل نــ,,ـــــاره. الانتقام بالنسبة لها مكنش مجرد فلوس اتسحبت، ده كان إعادة تربية لواحد اتعود ياخد كل حاجة وميدي ش غير “الوجع”.
مجدي خرج من الحمام وجسمه كله مكسر من وقفة السوق، قعد على كرسي السفرة وهو حاطط راسه بين إيديه. وداد دخلت عليه المطبخ بكل هدوء، حطت قدامه طبق جبنة ببطيخ وبصت له ببرود يخلي الدم يتجمد.
كل يا مجدي.. البطيخ بيرطب في الحر، وأهو أحسن من القهوة المثلجة اللي كنت بتبلع بيها خيانتك وأنا بتشوي في الشمس.
مجدي رد بصوت واطي ومبحوح وقال لها: كفاية يا وداد.. أنا عرفت غلطي، والبهدلة اللي شفتها النهاردة علمتني أدب عمري ما هنساه، بس موضوع الأقساط يا وداد.. البنك بعت رسايل تحذير، العربية والشقة هيضيعوا لو القسط مندفعش الأسبوع ده، أنتي كدة بتخربي بيتنا بجد.
وداد سحبت كرسي وقعدت قدامه، ربعت إيدها وبصت في عينه بقوة وقالت له: يضيعوا؟ هما لسه مضاعوش يا مجدي؟ البيت اللي ملوش أمان ضايع، والراجل اللي يبيع مراته عشان نزوة هو اللي ضايع. الأقساط هتدفع متقلقش، أنا مش هرمي شقايا في الأرض عشان سواد عيونك، أنا رحت البنك الصبح وسددت قسط الشقة من حسابي.
مجدي وشه نور بلهفة وقال لها: سددتيه بجد؟ أنتي لسه باقية علينا يا وداد؟
وداد ضحكت بمرارة وقالت له: باقية علينا؟ إنت لسه عندك عين تتكلم بصيغة الجمع؟ أنا بعمل كدة عشان “ولادي” يا مجدي. عشان ميرجعوش في يوم يلاقوا أبوهم محبوس في وصولات أمان وأقساط ضاعت في الهوا، وعشان البنت والولد دول ميتشردوش ولا يتبهدلوا بسبب نزواتك. أنا بسند “الحيطان” اللي إنت هديتها عشان خاطر عيالي يعيشوا مستورين، مش عشان خاطرك إنت.
مجدي وطى راسه في الأرض ومنطقش، الكلمة وجعته أكتر من لسعة الشمس. وداد كملت كلامها وهي بتخبط بصوابعها على الترابيزة: البيت ده من النهاردة ملوش غير كبير واحد، والفلوس اللي كانت بتتبعزق يمين وشمال، ولادي أولى بيها بنكلة. إنت من بكرة هتنزل شغلك، ومن غير نقاش، هتمضي لي على “تنازل” بنصيبك في الشقة قصاد المبالغ اللي سددتها واللي هسددها.. عشان أضمن إن ولادي ليهم سقف يلمهم لو فكرت “تستهبل” تاني.
مجدي بص لها بذهول وقال: تنازل يا وداد؟ للدرجة دي مابقتيش تثقي فيا؟
وداد قامت وقفت وبصت له من فوق لتحت وقالت ببرود: الثقة دي يا حبيبي كانت “توصيلة” في عز الضهر وإنت استخسرتها.. الثقة دي كانت كوباية مية مشبرة وإنت شربتها مع غيري وأنا ريقي ناشف. الثقة ماتت على الرصيف مع “شنط القوطة” اللي سيبتها وراك ومسحت بكرامتي الأرض. يالا.. كُل لقمة البطيخ عشان ريقك ينشف بكرة في المواصلات، والصبح قبل ما تنزل، “الورقة” هتكون قدامك تمضيها وأنت “ممنون” كمان.. عشان ولادك، مش عشان أي حاجة تانية.
سابت الأكل قدامه ودخلت أوضتها، قفلت الباب بالمفتاح وسندت ضهرها عليه. مكنتش فرحانة، كانت حاسة بوجع في قلبها بس حاسة إنها لأول مرة بتحمي نفسها وعيالها من غدر السنين. مجدي فضل قاعد قدام طبق البطيخ، بيبص للفراغ، وعارف إن “وداد” الطيبة اللي كانت بتدلع “سي مجدي” ماتت، وحل مكانها ست تانية خالص.. ست علمتها “الخيانة” إزاي تمد إيدها في جيب الزمن وتطلع حقها وحق ولادها تالت ومتلت.
مجدي قعد طول الليل يفكر في كلمة “التنازل”، وكل ما يجي يعترض، يفتكر شكل وداد وهي مرصوفة على الرصيف، ويفتكر الرسالة التحذيرية اللي جات له من البنك. لقى نفسه محاصر بين نــ,,ـــــارين: السجــ,,ـــــن والضياع، أو إنه يمضي ويسلم رقبته لوداد.
الصبح طلع، وداد كانت صاحية ومحضرة “الورقة” وجنبها علبة بلاستيك فيها ساندوتشات جبنة وبيضة مسلوقة. حطت الورقة قدامه على السفرة وقالت بكلمة واحدة: “امضي”.
مجدي مسك القلم وإيده بترتعش، بص لوداد لقاها واقفة زي الصقر، عينيها مفيش فيها تراجع. مضى مجدي الورقة وهو حاسس إنه بيمضي على نهاية شخصيته القديمة. وداد سحبت الورقة، طبقتها وحطتها في جيبها، ورمت له الـ 20 جنيه وعلبة الساندوتشات.
وداد:
— “يالا يا مجدي عشان متتأخرش على ميكروباصك. والشهر ده، أول ما تقبــ,,ـــــض، هتجيب لي ‘بيان مرتب’ مختوم من الشركة، مش عايزة مليم ينقص من اللي بيدخل البيت ده.. إحنا بنبني مستقبل ولادنا اللي أنت كنت بتهده.”
خرج مجدي من الباب، ولأول مرة يحس بتقل “الساندوتشات” في إيده أكتر من تقل الهم. نزل وقف في عز الزحمة يزاحم عشان يركب ميكروباص يوديه شغله، والشمس بدأت تطلع تلسع قفاه، في اللحظة دي افتكر “تكييف العربية” اللي مابقاش من حقه يركبها، وافتكر ضحكة “شيري” اللي قفلت في وشه السكة لما عرفت إنه فلس.
وداد قعدت في البلكونة، شربت قهوتها وهي شايفة مجدي من بعيد وهو بيجري ورا الميكروباص والشنطة في إيده بتخبط في جنبه. مكنتش شمتانة، لكن كانت حاسة بـ “النصر”. النصر للست اللي اتداس عليها، الست اللي قررت إنها مش هتكون “ضحية” تانية، وإنها هتفضل “الوتد” اللي شايل البيت، بس بشروطها هي.
مرت الشهور، ومجدي حاله اتقلب حال، الـ 20 جنيه اللي كانت وداد بتديهاله بقت هي “البوصلة” اللي ممشية يومه. في البداية كان بيعاني، بس مع الوقت، نظرة الانكسار اللي في عينه اتحولت لنظرة “مسؤولية” كانت غايبة عنه بقالها سنين. مجدي شاف وداد وهي بتكبر في مشروعها، وشاف الولاد وهما فخورين بأمهم، وحس إنه بقى “غريب” ومجرد ضيف شرف في نجاحهم ده، فقرر إنه لازم يثبت لوداد إنه فعلاً اتعلم الأدب، مش بس بالخوف، لكن بالعمل.
مجدي م اكتفاش بشغله في الشركة، وبدأ يدور على شغلانة تانية وتالتة. بقى يخلص دوام الهندسة، ويطلع فوراً على مكتب استشارات هندسية صغير يشتغل فيه “فري لانس” للساعة 9 بالليل، وبعدها مكنش بيروح، كان بيركب عربيته اللي وداد سمحت له يسوقها بس عشان “الشغل”، ويشغلها “تاكسي” أو يوصل طلبات لحد نص الليل.
في يوم، مجدي دخل البيت الساعة 1 بالليل، كان وشه باهت من التعب وهدومه عليها عفرة الشغل، لقى وداد لسه صاحية ومستنياه بصمتها المعتاد. قرب منها وحط “رزمة” فلوس تانية على التربيزة غير المرتب اللي بيحولهولها كل شهر.
مجدي قال لها وهو بينهج من التعب: الفلوس دي مالهالاش علاقة بمصاريف البيت ولا الأقساط يا وداد.. دي زيادة عشان الولاد يدخلوا النادي اللي كان نفسي فيه، وعشان تجيب لك الطقم اللي شوفتك بتبصي عليه في المحل الأسبوع اللي فات وقولتي غالي.
وداد بصت للفلوس وبصت لوشه المحروق من الشمس، ملامحه اللي كانت دايماً متكبرة بقت ملامح راجل شقيان بجد. مجدي كمل كلامه وقال بصدق: أنا مكنتش بعرف قيمة القرش ولا قيمة وقفتك في الشمس، بس دلوقتي عرفت إن الراجل مش بكلمته ولا بـ “تكييفه”، الراجل بشيلته لبيته بجد. أنا بشتغل تلات شغلانات يا وداد عشان أرجع لك “الثقة” اللي ضيعتها، مش عشان أرجع الفلوس.
وداد سكتت لحظة، وقامت صبت له كوباية مية مشبرة، وقربت منه وناولتها له بإيدها.. الحركة دي كانت بالنسبة لمجدي “صك غفران”. شرب مجدي المية وهو حاسس إن نــ,,ـــــار قلبه بدأت تبرد، ووداد بصت له وقالت بهدوء: كفاية عليك كدة النهاردة يا مجدي.. ادخل ارتاح عشان بكرة يومك طويل، والولاد مستنيينك تفطر معاهم قبل ما تنزل.
مجدي دخل أوضته وهو حاسس لأول مرة إنه “مالك” البيت ده بمجهوده وتعبة، مش بفلوسه وحساباته. أما وداد، فابتسمت ابتسامة خفيفة وهي بتلم الفلوس، كانت عارفة إن مجدي “القديم” مات فعلاً، وإن الراجل اللي نايم جوه ده هو اللي هيقدر يشيل معاها “شيلة العمر” من غير ما يميل بيها تاني.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق