رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل السادس وعشرون والسابع وعشرون والثامن وعشرون والتاسع وعشرون والثلاثون بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل السادس وعشرون والسابع وعشرون والثامن وعشرون والتاسع وعشرون والثلاثون بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
#ملك_بلا_مملكة
٢٦
ما إن عبرا المستنقع الملعون ووصلا إلى الضفة الصخرية حتى بدأت أنفاس يامان تتقطع بصورة مخيفة وكان جسده ينهار بسرعة أكبر مما توقعت جود وكأن كل خطوة خطاها بعد المعركة كانت آخر ما تبقى له من قوة
جرته بصعوبة عبر الصخور المبللة حتى وصلت إلى كهف قريب يختبئ بين جذور شجرة قديمة وصخور سوداء عالية وكان مدخله ضيقًا لكن داخله واسع ودافئ على غير المتوقع وتفوح منه رائحة أعشاب جافة وماء عذب
بمجرد أن دخل يامان الكهف أفلت طرف ثوب جود وسقط بجسده كله على الأرض الحجرية
همست جود باسمه وهي تهز كتفه يامان يامان اصمد
لكنه لم يجب وكانت عيناه شبه مغلقتين وأنفاسه متقطعة ويده ترتجف من أثر السم والعضات
ثم فجأة ارتخى جسده كله وفقد وعيه
تجمد قلب جود للحظة ثم جثت إلى جواره ووضعت يدها على صدره لتتأكد أن قلبه ما زال ينبض وكان النبض ضعيفًا لكنه موجود
تنفست بارتباك ونظرت حولها إلى ظلام الكهف وهمست لنفسها لا يمكن أن أتركه هكذا
نزعت عباءتها وغطته بها ثم وضعت بجواره سيفها وخنجرها وأشعلت نارًا صغيرة قربه لتحفظ دفء جسده
اقتربت من وجهه وهمست بصوت مرتجف سأعود يا يامان لا تمت قبل أن أعود
ثم خرجت من الكهف مسرعة تبحث عن أي علاج أو أي طبيب أو عشابة يمكن أن تنقذه
ساد الصمت داخل الكهف ولم يبق إلا صوت النار الخافت وأنفاس يامان الثقيلة
ومرت دقائق طويلة ثم سمع داخل الكهف صوت خفق أجنحة قوي تلاه هبوط حاد عند المدخل
دخل ضوء القمر للحظة قبل أن يغطيه ظل طويل وظهر عند مدخل الكهف شكل امرأة طويلة القامة ذات أجنحة فضية كبيرة تنعكس عليها خيوط الضوء وكانت ملامحها حادة وعيناها تلمعان بغضب واضح
دخلت بخطوات سريعة ونظرت إلى المكان ثم صاحت بصوت غاضب هز جدران الكهف من تجرأ أن يدخل كهفي
تقدمت أكثر وعيناها تمتلئان بالغضب وهي ترى آثار الأقدام والنار المشتعلة لكنها توقفت فجأة عندما وقع بصرها على الجسد الملقى قرب النار
اقتربت بحذر وانحنت فوق يامان ثم رفعت يده بين أصابعها الرقيقة ووضعت يدها الأخرى على عنقه تتحسس النبض
ساد صمت عميق ثم تغيرت ملامحها من الغضب إلى دهشة باردة وهمست لنفسها هذا ليس مرضًا عاديًا
أغمضت عينيها لحظة وهي تنصت إلى نبضه وكان النبض مضطربًا نبض رجل ونبض شيء آخر يزحف في دمه
فتحت عينيها وقالت بصوت منخفض عضة أمير الموتى
ابتعدت عنه خطوة ونظرت إليه بحدة وقالت ببرود إذن فالوباء يسري فيه
نظرت إلى الجراح المنتشرة في ذراعه وصدره ثم همست إن استيقظ سيكون على قتله
سحبت خنجرًا فضيًا من حزامها وتقدمت نحوه ببطء وكانت نيتها واضحة قتله قبل أن يستيقظ
رفعت الخنجر فوق صدره لكنها توقفت وشعرت بشيء غريب في نبضه
عادت تلمس عنقه مرة أخرى ثم همست بدهشة الأعشاب
كان هناك أثر واضح لمزيج نباتي قوي يجري في دمه مقاومة وشيء يحارب الوباء
ضيقت عينيها ثم جلست قربه من جديد وقالت بصوت أهدأ ما زال يقاوم
نظرت إلى وجهه الشاحب للحظات طويلة ثم أنزلت الخنجر ببطء وتغير رأيها
نهضت بسرعة واتجهت إلى عمق الكهف حيث كانت أرفف حجرية تحمل جرارًا وأكياس أعشاب معلقة
أخذت أوراق الشيح وجذور السنفيتون وبتلات زهور بنفسجية نادرة ثم بدأت تطحنها فوق صخرة ملساء
ملأت الكهف رائحة الأعشاب الحادة ثم عادت إليه وجلست قرب رأسه
فتحت فمه قليلًا وسكبت قطرات من المنقوع بين شفتيه ثم أخذت عجينة الأعشاب ووضعتها فوق مواضع العضات
همست وهي تعمل لن أدعك تموت هنا ،هنا كل شيء تحت امرى
ثم فردت أحد جناحيها فوقه كستار يحفظ دفئه
وبينما كانت النار تتراقص على جدران الكهف ظل جسد يامان ساكنًا بين الحياة والموت.
خرجت جود من الكهف مسرعة وهي تظن أن العودة لن تستغرق وقتًا طويلًا وكان همها الوحيد أن تجد علاجًا أو أي شخص يستطيع إنقاذ يامان قبل أن يبتلعه الوباء
لكن ما إن ابتعدت عن حدود المستنقع الملعون حتى بدأت الأرض تتغير من حولها وارتفعت الصخور شيئًا فشيئًا حتى تحولت إلى سلاسل من الجبال المتجمدة وكانت قممها تختفي داخل ضباب أبيض كثيف بينما كان الهواء حادًا كالسكاكين يضرب وجهها مع كل خطوة
كانت الرياح تعوي بين الممرات الصخرية بصوت مخيف حتى بدا لها كأن الجبال نفسها تهمس بأصوات غريبة
تابعت الصعود وهي تظن أن من أعلى القمة ستتمكن من رؤية طريق العودة لكن كلما تقدمت ازداد الضباب كثافة واختفت المعالم التي مرت بها قبل قليل
اختفت آثار أقدامها تحت طبقة رقيقة من الثلج المتساقط ولم تعد قادرة على تمييز أين جاءت وأين يجب أن تعود
توقفت للحظة تلتقط أنفاسها ونظرت حولها وكان كل شيء متشابهًا صخور بيضاء وممرات ضيقة وأشجار جرداء متجمدة وضباب يبتلع كل شيء
شعرت لأول مرة بشيء من القلق ثم استدارت إلى الخلف محاولة الرجوع من الطريق الذي سلكته لكنها اصطدمت بحافة صخرية لم تكن تذكر أنها مرت بها
همست لنفسها بارتباك هذا ليس الطريق
بدأت تسير في اتجاه آخر ثم آخر لكن كل طريق كان يقودها إلى ممر أكثر ضيقًا أو إلى جرف شديد الانحدار
كانت قدماها تنغرز في الثلج حتى الكاحلين وأطراف أصابعها بدأت تفقد الإحساس من شدة البرد
مرت ساعات وبدأ الليل يهبط فوق الجبال وأصبح الضباب أكثر ظلمة والرياح أكثر قسوة
شعرت جود لأول مرة أنها تائهة
توقفت فوق صخرة مرتفعة وصرخت باسم يامان كأن الجبال قد تجيبها لكن لم يعد إليها سوى صدى صوتها البعيد
شعرت بوخزة خوف في صدرها ولم يكن خوفًا على نفسها بل عليه
كانت تعرف أنه فاقد الوعي ويصارع الموت داخل الكهف وهي الآن لا تعرف حتى كيف تعود إليه
حاولت أن تستعين بحواسها الذئبية فأغمضت عينيها وأخذت تستنشق الهواء باحثة عن رائحة المستنقع أو رائحة يامان لكن الهواء المتجمد كان يبدد كل الروائح
كل شيء أصبح أبيض وصامتًا
سارت مرة أخرى بين الصخور لكن أحد المنحدرات انهار تحت قدمها فانزلقت عدة أمتار حتى ارتطم كتفها بصخرة حادة
شهقت من الألم وسقطت على ركبتيها وبدأ اليأس يتسلل إليها
رفعت رأسها إلى السماء المعتمة وهمست بصوت مكسور يا يامان سامحني
كانت المرة الأولى التي تشعر فيها بأنها عاجزة تمامًا فلا تعرف طريق الذهاب ولا طريق العودة ولا كيف تنقذ من تركته خلفها
جلست عند حافة صخرة تحتمي بها من الريح واحتضنت ذراعيها من البرد
وكانت الفكرة الوحيدة التي تمزقها هي أن يامان قد يستيقظ وحيدًا أو ربما لا يستيقظ أبدًا
وفي تلك اللحظة أدركت أن الجبال المتجمدة لم تكن مجرد أرض وعرة بل متاهة حقيقية ابتلعتها دون أن تشعر
#ملك_بلا_عرش
٢٧
وضعت بريسا ايدها على يامان ،تشممت فمه ثم إبتسمت، انت كمان حكيم فى الأعشاب ؟ كانت بريسا شعرت بالاعشاب فى دم يامان، ثم جلست جوار يامان وفردت جناحيها ،نظرت إلى فتحة الكهف حيث المستنقع الملعون وشردت لبعيد
منذ مئات السنين تنتقل بريسا بين الممالك، ممالك الأرض وممالك الجان ،خاضت مئات المعارك ،انتصرت فى بعضها وهزمت فى بعضها وتعرضت للخيانه فى بعضها
فى جسمها علامات الجروح لازالت واضحه ،تحسست بريسا حربتها ونفخت النار ،فى ممالك البشر كان بتتغير من فتاه شابه لامرأه ناضجه والى امرأه عجوز ، الان حضرت إلى كهفها إلى مش بتزوره غير كل عام ولقيت جواه انسان بشرى على وشك الموت، الا تعتبر هذه صدفه؟
تأملت بريسا ملامح يامان الجميله، شعره الناعم وجهه حاد الملامح وعيونه السماويه ،جسده القوى
حطت بريسا ايدها على وش يامان الناعم الامع لو كنت حى لكنت الان ميت
لكنك الان شبه ميت فلن اتركك سوى حى بعدها ربما اقرر قتلك
اخفت بريسا جناحيها واحتضنت نفسها وجسدها النحيل ونامت جنب يامان مستدفئه بالنار ،كانت رقيقه وناعمه وحاده ،جمال الحوريات لكنها آلة قتل معتبره ،بعد فتره من النوم حست بحرارة يامان ،كان جسمها التصق بيه من غير ما تحس ونزل عرق جسده عليها
نهضت بريسا ،ربطت شعرها الطويل وتحسست حرارة يامان
كان ساخن، يغلى، اقترب من الانفجار
انت بشرى تعيس ولن اتركك تموت
مشت بريسا إلى مدخل الكهف فردت جناحيها وحلقت فوق الأرض مرت فوق الأرض المحرمه، الأنهار والبحار والغابات
ثم نزلت آمام كهف العرافه
قالت العرافه من غير ما تستدير، بريسا ؟ ماذا تفعلين داخل كهفى؟
عايزه مساعدتك يا روفانا
استدارت روفانا ،إيه بإمكان امرأه عجوز ان تفعله من أجل اميره علويه ؟
مش انا همست بريسا، حضرى اعشابك وعدتك سوف نرحل يا روفانا
انطلق ماسوق الجبل يركض ويطير حاملا روفانا وبريسا تحلق فوقها إلى أن وصلا إلى الكهف.
حالته صعبه همست روفانا بعدما عاينت يامان ،سوف يموت
قالت بريسا انقذيه
قالت روفانا لا شيء بلا مقابل
قالت بريسا انقذيه
قالت روفانا سيكون شخص آخر
قالت بريسا انقذيه
قالت روفانا لن يتذكر أصله سيفقد ذكرياته سيصبح شخص آخر
قالت بريسا انقذيه، ثم همست وهى تنظر إلى يامان وضعى فى جوفه عشبة الحب
همست روفانا لكن قلبه يحب، هناك شخص آخر داخل قلبه
قالت بريسا، اريده ان يحبنى انا ،عليه ان يسدد دينه لى
اجعليه يتيم بى عشقآ
مممم ،همست روفانا لكن جسده قوى وقلبه أقوى ،انه ليس شخص عادى، سأمنحه الاعشاب ،سوف يحيا ويعيش
سوف يحبك ويغرم بك هذا ما اعتقدة لكنى اخبرك انه قوى
قوى جدا فى حبه وكرهه ويوم ما سيكون خارج ارادتك يوم ما سيتذكر أصله.
رحلت روفانا، حملها الماسوق نحو كهفها ،تمشت بريسا داخل الكهف ،ربما امامه يوم او يومين حتى يفيق
نزعت بريسا ملابسها ونزلت تحت الشلال الذى تسيل مياهه من فوق الجبل، غسلت نفسها وسبحت داخل البحيره الصغيره وطفا شعرها الطويل فوق المياه، تلألات القواقع أسفل منها واضأت بالاخضر ،ثم مشت نحو الكهف والعصافير تشقشق.
بدلت ملابسها وحلقت فوق الغابه جمعت الفواكه ثم حلقت فوق الجبال أرادت أرنب او غزال تشويه
وهى تحلق رأت جود محتجزه داخل الصقيع، جسدها يرتعش
محتضنه جسدها من البرد والثلج يغطيها
همست بريسا بشريه حقيره وضعيفه ثم نفخت فيها من بعيد
تفتت الجليد من فوق جسد جود
دبت الحياه فيها مره تانيه همست بريسا عيشى
لتعيشى فلتعيشى وانت ضائعه تائهه لا تجدين طريقك ولا حبيبك.
وصلت بريسا كهفها كانت تكره البشر والان تعالج انسان بشرى
رصت الحطب واشعلت النار ثم وضعت الأرانب البريه آلتى قبضت عليها ونظفتها فوق الحطب.
#ملك_بلا_مملكة
٢٨
فتح يامان عينيه ببطء شديد وكأن الجفون أثقل من أن ترتفع وكان الضوء خافتًا يتسلل من مدخل الكهف وصوت الماء البعيد يتردد داخل المكان وحاول أن يتحرك فشعر بثقل في جسده كأنه عاد من موت طويل
تنفس بعمق وهو يحاول استيعاب ما حوله من الصخور والنار الهادئة ورائحة الأعشاب ثم توقفت عيناه فجأة عند مدخل الكهف
كانت بريسا تجلس هناك ظهرها نصف ملتفت نحوه تنظر إلى الخارج حيث يمتد المستنقع الملعون والغابة والأرض المحرمة كأنها ترى ما لا يُرى وكان شعرها الطويل الناعم ينسدل خلفها حتى يلامس أرض الكهف ويتحرك بخفة مع نسيم خفيف يدخل من الخارج
كان جسدها نحيلًا متناسقًا وملامحها رقيقة بشكل يكاد يكون غير حقيقي جمال هادئ لكنه حاد في الوقت نفسه كأنها اختارت كل تفصيلة فيه بإرادة كاملة
تجمدت عينا يامان عليها للحظات وشعر بشيء غريب في صدره لم يكن خوفًا ولا حذرًا بل انجذابًا صامتًا لا يعرف سببه
حاول أن يتذكر لماذا هو هنا وكيف وصل ومن تكون هذه الفتاة لكن الفراغ كان يملأ رأسه ولم تظهر أي ذكرى
اتسعت عيناه ببطء وارتسمت على وجهه ملامح اندهاش وارتباك وهمس في نفسه أين أنا ومن هذه
حاول أن يعتدل فاهتز جسده قليلًا ثم استند بيده على الأرض ونهض بصعوبة
التفتت بريسا على صوته ونظرت إليه بهدوء والتقت عيونهما لأول مرة وكانت لحظة قصيرة لكنها كافية ليشعر أن قلبه توقف ثم عاد ينبض بقوة غير مفهومة
ابتلع ريقه وقال بصوت ضعيف أين أنا وكيف وصلت إلى هنا
ظلت بريسا تنظر إليه لثوانٍ قبل أن تخفض عينيها قليلًا وكأنها تخفي شيئًا ثم همست بنبرة هادئة تحمل شيئًا من الخجل أنها وجدته هنا داخل الكهف وكان بين الحياة والموت وعلى ما يبدو أن أحدهم أحضره إلى هنا ثم تركه ليموت
صمت يامان للحظة وهو يحاول فهم كلماتها ثم رفع يده إلى رأسه وضغط عليها كأنه يحاول انتزاع ذكرى واحدة لكن لا شيء ظهر
نظر إليها من جديد وقال بصوت مرتبك إنه لا يتذكر شيئًا ولا يعرف من هو ولا كيف جاء حتى اسمه لا يعرفه
ساد صمت خفيف بينهما ثم نظر إليها بامتنان صادق وقال إنها أنقذت حياته
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه بريسا دون أن تجيب مباشرة واقترب خطوة بطيئة منها وعيناه لا تزالان معلقتين بها
ثم قال بهدوء شكرًا لك ولو لم تكوني هنا لانتهى كل شيء
توقف لحظة ثم سألها ما اسمك ومن أنت وما هذا المكان
وظل واقفًا أمامها ينتظر الإجابة دون أن يدرك أن حياته التي يعرفها قد انتهت بالفعل وأن كل ما سيأتي بعد هذه اللحظة لن يكون كما كان أبدًا
نظرت بريسا إلى يامان للحظات قبل أن تبتسم ابتسامة خفيفة ثم قالت بصوت هادئ اسمي بريسا
ترددت قليلًا وكأنها تختار كلماتها ثم أضافت أنها فتاة رحالة تنتقل بين الأراضي ولا تنتمي إلى مكان واحد وأنها تعود إلى هذا الكهف مرة كل عام ليوم واحد فقط لتستريح بعيدًا عن العالم
أشارت بيدها إلى داخل الكهف ثم قالت إنها عندما عادت هذه المرة وجدته ملقى هنا بين الحياة والموت وأنها لم تستطع تركه فاضطرت للبقاء وإنقاذ حياته
سكتت لحظة ثم نظرت إلى الخارج حيث تمتد الأرض المحرمة وقالت إنها رأت من السماء معركة كبيرة جدًا وجثثًا لا تحصى متناثرة في كل مكان لكنها لا تعرف سبب تلك الحرب ولا من كان يقاتل فيها
استمع يامان إليها بصمت ثم هز رأسه ببطء وقال إنه لا يتذكر أي شيء مما تقوله ولا يعرف شيئًا عن معارك أو ذئاب أو مصاصي دماء وقال بنبرة صادقة إنه يشعر وكأنه مجرد إنسان عادي تائه أو ربما حالم ضل طريقه إلى مكان لا ينتمي إليه
نظر إلى يديه وكأنه يراهما لأول مرة ثم قال إنه لا يعرف ما الذي أحضره إلى هذه الأرض ولا لماذا كان على وشك الموت
ابتسمت بريسا ابتسامة خفيفة وهي تراقبه ثم أشارت إلى النار المشتعلة وقالت إن التفكير يمكن أن ينتظر لكن جسده يحتاج إلى القوة
جلست بالقرب من النار وأحضرت الطعام الذي أعدته من قبل ووضعت أمامه قطعة من اللحم المشوي وبعض الثمار
اقترب يامان وجلس مقابلها ببطء وما زالت عيناه تتفحصانها بين الحين والآخر وكأنه يحاول فهم سر وجودها
تناولا الطعام معًا في صمت هادئ لا يقطعه سوى صوت النار الخافت وبين كل لقمة وأخرى كان يامان يشعر بشيء من الراحة يعود إلى جسده وكأن وجودها وحده يمنحه طمأنينة غريبة
وعلى الناحية الأخرى بعيدًا عن ذلك الهدوء
كانت القلعة تهتز تحت وقع غضب سولين
كانت تتحرك داخل قاعتها كعاصفة سوداء وعيناها تشتعلان بجنون واضح بينما تتحطم الأواني والزخارف من حولها تحت ضرباتها
صرخت بغضب كيف هرب كيف
أطاحت بطاولة حجرية أمامها فانقسمت إلى نصفين وارتفع صدى صوتها في القاعة
لم يكن غضبها مجرد فشل معركة بل كان شيئًا أعمق كأن وجود يامان خارج قبضتها أصبح تهديدًا لا يمكن احتماله
توقفت فجأة ثم رفعت يدها نحو المرآة السحرية الكبيرة المثبتة في الجدار وقالت بصوت حاد أظهرى لى مكانه
اهتز سطح المرآة وتحول إلى ضباب داكن قبل أن تبدأ الصورة في التكون تدريجيًا،ظهرت صورة مصغرة داخلها
يامان،يجلس داخل كهف هادئ،وبجواره فتاة جميلة
كانا يتناولان الطعام المشوي في هدوء وسلام وكأن الحرب لم تمر من هناك يومًا
تجمدت ملامح سولين للحظة ثم ضاقت عيناها وهي تحدق في الفتاة،قبل أن تنطق،ظهرت نقطة سوداء صغيرة داخل المرآة،اتسعت ببطء ثم تحولت إلى ظل غامض بلا ملامح
خرج صوت منخفض منها يخترق الصمت
تلك الفتاة، ليست كما تبدو، تجمدت سولين في مكانها وعيناها لا تفارقان الصورة بينما أكمل الصوت
إنها خطر
وفي تلك اللحظة فقط، لمعت ابتسامة باردة على وجه سولين
كأنها وجدت أخيرًا،عدوًا يستحق اهتمامها.
نهضت بريسا بعد انتهاء الطعام، قالت إنها مطره ان ترحل
ثم ودعت يامان
لكن يامان همس ،سترحلين وتتركينى هنا ؟
احمر وجه بريسا ،لكنى رحاله وانت ،انت لا تعرفنى حتى ؟
قال يامان ولا اعرف نفسى ولا اعرف هذا المكان
اظن ان لا فائده من البقاء هنا، سأرحل معك
حمل يامان وبريسا خرق مبلابسهم فوق اكتافهم وغادرا الكهف ،مرا من فوق التلال البعيده ثم هبطا إلى الوادى حيث سهول العشب والحيوانات كانا يمشيان كطائرين وحيدين وسط عالم صاخب
من فوق الجبل المتجمد حيث يكاد البرد ان يقتلها رأت جود يامان يسير فوق العشب والى جواره تلك الفتاه
صرخت بكل صوتها يامان ؟ يامان ؟ انا هنا
يامان؟
استدار يامان ووقف لحظه، سألته بريسا ماذا هناك ؟
قال يامان اعتقد اننى سمعت شخص ينادى على شخص آخر
إبتسمت بريسا وقالت نحن فى أرض مهجوره وكل شيء من الممكن أن يحدث ثم وأصلا طريقهم
ركضت جود فوق الجليد بقدميها المتقرحتين ،انحدرت من فوق الجبل نحو يامان وبريسا بكل ما تبقى لها من قوه
#ملك_بلا_مملكة
٢٩
اندفعت جود تركض فوق الجليد بكل ما تبقى لها من قوة وكانت أنفاسها تتكسر في صدرها من شدة الإرهاق لكن عينيها لم تفارقا ذلك المشهد البعيد حيث كان يامان يسير هناك حيًا ولم يكن هذه المرة حلمًا
صرخت باسمه مرة أخرى بصوت مبحوح وهي تنحدر من فوق الجبل غير عابئة بالألم الذي يمزق قدميها ولا بالجروح التي فتحت من جديد وكانت تراه يقترب خطوة بعد خطوة وكل خطوة كانت تعيد إليها الحياة وكل خطوة كانت تعيد الأمل الذي ظنت أنه مات
اتسعت عيناها وارتسمت على وجهها ابتسامة مرتجفة وهي تهمس لنفسها أنه حي وأنها ستصل إليه وأن كل شيء سينتهي الآن وبدأت الصور تتزاحم داخل رأسها عودته ونظراته وصوته وهو يناديها وشعرت أن العالم كله يعود إلى مكانه الصحيح
ركضت أسرع مما ظنت أنها قادرة عليه حتى كادت تسقط لكنها تماسكت واستمرت ولم تعد تشعر بالبرد ولا بالتعب ولا بالخوف ولم يعد هناك سوى شيء واحد فقط وهو الوصول إليه
كان قريبًا جدًا قريبًا لدرجة أنها كادت تلمح ملامحه بوضوح فرفعت يدها وهي تصرخ باسمه مرة أخرى
لكن في تلك اللحظة تغير كل شيء وبدأ الضباب يزحف من أمامه ومن تحت قدميه ببطء أولًا ثم بسرعة مخيفة وارتفعت خيوطه البيضاء من الأرض كأنها كائن حي يستيقظ من سباته واندفعت بين التلال والسهول حتى وصلت إليه
تجمدت جود في مكانها واتسعت عيناها بصدمة وهي ترى الضباب يبتلع المشهد أمامها فصرخت بكل قوتها ورفعت يدها كأنها تستطيع الإمساك به من تلك المسافة لكن الضباب كان أسرع فالتف حول يامان والفتاة وغمرهما ثم أخفاهما تمامًا
اختفى يامان أمام عينيها كأنه لم يكن هناك من الأساس ووقفت جود في مكانها لا تتحرك وأنفاسها متقطعة وقلبها يدق بعنف ولم تستوعب ما حدث لأن قبل لحظة كان هناك وكان قريبًا وكان على بعد خطوات والآن لا شيء
اندفعت فجأة تركض نحو المكان الذي اختفى فيه تتعثر وتسقط ثم تنهض من جديد حتى وصلت إلى حافة الضباب فتوقفت للحظة ثم دخلت لكن داخل الضباب لم يكن هناك شيء لا أثر ولا صوت ولا رائحة وكأن العالم نفسه اختفى
دارت حول نفسها ببطء وهي تحاول أن ترى أي شيء أي علامة أو دليل لكن الفراغ كان كاملًا وهمست بصوت مكسور باسمه ثم ارتفع صوتها تدريجيًا وهي تناديه لكن لا أحد أجاب
توقفت عن الحركة وشعرت بشيء ينكسر بداخلها ليس الألم بل الأمل نفسه ذلك الأمل الذي عاد قبل لحظات فقط ثم تحطم بالكامل
سقطت على ركبتيها وسط الضباب ويداها ترتجفان ولم تبك في البداية بل ظلت تنظر أمامها بعينين فارغتين وكأن عقلها يرفض تصديق ما حدث ثم فجأة انهارت وبدأت دموعها تتساقط بلا توقف
كان قريبًا وكان حيًا وكان يمكنها أن تصل إليه لكنها تأخرت لحظة واحدة فقط وكانت تلك اللحظة كافية
رفعت رأسها ببطء وصرخت باسمه مرة أخيرة لكن هذه المرة لم يكن في صوتها أمل بل كان فيه انكسار صوت شخص رأى كل شيء يعود إليه ثم فقده مرة أخرى بشكل أقسى بكثير
تقدمت جود داخل أرض الضباب دون أن تعرف إلى أين تذهب وكانت خطواتها بطيئة ومضطربة بينما يبتلعها البياض من كل اتجاه ولم يعد هناك فرق بين الأرض والسماء
كانت تنادي باسمه في البداية ثم خفت صوتها تدريجيًا حتى تحول إلى همسات متقطعة قبل أن يسقط الصمت تمامًا
الضباب كان كثيفًا لدرجة أنها لم تعد ترى يديها بوضوح وكانت كل خطوة تشعرها وكأنها تغوص في عالم بلا نهاية
حاولت أن تعود إلى الخلف لكنها لم تجد طريقًا ولم تستطع تمييز الاتجاهات وكأن الأرض نفسها تغيرت تحت قدميها
مرت الساعات أو ربما أيام ولم تعد قادرة على التمييز بين الزمن واللحظة
بدأ العطش يحرق حلقها وجف فمها حتى أصبحت شفتيها متشققتين وكانت تبحث بعينيها عن أي مصدر ماء لكن كل ما حولها كان ضبابًا صامتًا لا يمنح شيئًا
ثم بدأ الجوع ينهش جسدها وأصبحت حركتها أبطأ وأثقل وكل خطوة تحتاج إلى جهد أكبر من السابقة
سقطت مرة على الأرض ثم حاولت النهوض لكنها تعثرت مرة أخرى وارتطمت بوجهها على التراب البارد
جلست على ركبتيها وهي تلهث ويداها ترتجفان ثم رفعت رأسها بصعوبة وهمست باسمه مرة أخيرة لكن صوتها كان ضعيفًا بالكاد يُسمع
بدأت رؤيتها تتشوش والضباب من حولها صار يدور كدوامة بطيئة تسحبها إلى الداخل
شعرت بالبرد يتسلل إلى جسدها وبالضعف يسيطر عليها تمامًا
سقطت على جانبها وأغمضت عينيها ببطء وكأنها تستسلم أخيرًا،لم يعد هناك ألم، ولا خوف،فقط تعب عميق
واستسلام هادئ،وقبل أن تغرق في الظلام تمامًا
سمعت صوتًا بعيدًا،غير واضح،كأن أحدهم يتحدث
ثم شعرت بشيء يهز كتفها برفق
فتحت عينيها بصعوبة وكانت الرؤية ضبابية لكنها رأت ظلين يقفان فوقها،صوت رجل قال بهدوء لقد وجدناها
وصوت فتاة أصغر سنًا قالت إنها لا تزال حية
حاولت جود أن تتكلم لكن صوتها لم يخرج
انحنى الرجل بجانبها ووضع يده قرب أنفها ليتأكد من تنفسها ثم قال إنهما يجب أن ينقذاها قبل أن تموت هنا
اقتربت الفتاة أكثر ووضعت قليلاً من الماء على شفتيها المتشققتين فتسللت قطرة صغيرة إلى فمها وكانت كأنها تعيد الحياة إليها للحظة
حملها الرجل بحذر على كتفيه بينما كانت الفتاة تسير بجانبه تراقب الطريق داخل الضباب بثقة غريبة،كان واضحًا أنهما يعرفان هذه الأرض جيدًا،يتحركان فيها دون تردد
وكأن الضباب لا يربكهما،ابتعدوا بها ببطء حتى اختفت آثارهم داخل البياض مرة أخرى
وبينما كانت جود شبه فاقدة للوعي شعرت بحركة خفيفة وصوت خطوات منتظمة،لم تعرف من هما، ولا إلى أين يأخذانها،لكنها أدركت شيئًا واحدًا قبل أن تفقد وعيها تمامًا
أنها لم تمت بعد، وأن هناك من أعادها من حافة النهاية مرة أخرى
كان الشاب يتحرك داخل الضباب بثقة لا تشبه أي مسافر عادي بينما كانت أخته تسير خلفه بخطوات ثابتة تمسك بطرف حبل طويل يربطهما معًا حتى لا يفقد أحدهما الآخر وسط ذلك البياض الخادع
كان الحبل ممتدًا بينهما كخيط حياة لا ينقطع وكلما تقدما خطوة شد الشاب الحبل قليلًا ليطمئن أنها ما زالت خلفه بينما كانت هي ترد بشد خفيف تؤكد به وجودها
لم يكونا يعتمدان على النظر لأن الضباب كان يخدع العين ويغير المسافات لذلك كان الشاب يمد يده بين الحين والآخر ليتحسس الأرض والصخور وكأنه يقرأ الطريق بلمسه
كان يضع علامات صغيرة على الأرض كل عدة خطوات حجرًا مميزًا أو قطعة قماش مربوطة في شجيرة أو خدشًا واضحًا على صخرة حتى لا يدورا في نفس المكان دون أن يشعران
أحيانًا كان يتوقف فجأة ويغلق عينيه ثم يستمع لصوت الرياح أو لحركة خفيفة في الفراغ وكأن للضباب لغة خاصة تعلم كيف يفهمها
أما أخته فكانت تحفظ عدد الخطوات بين كل علامة وأخرى وتهمس بالأرقام بصوت منخفض حتى لا يضيع الإيقاع الذي اعتادا عليه منذ سنوات
كانا قد عبرا هذه الأرض من قبل مرات كثيرة لكنهما لم يستهينا بها أبدًا لأن خطأ واحد فقط كفيل بأن يبتلعهما الضباب للأبد
حمل الشاب جود على كتفه بينما كانت أخته تراقب الطريق وتعدل اتجاههما كلما شعرت بانحراف بسيط وكانت بين الحين والآخر تضع قطرات ماء على شفتي جود لتبقيها على قيد الحياة
استمروا في السير وقتًا طويلًا حتى بدأ الضباب يخف تدريجيًا وأصبحت الظلال أكثر وضوحًا والهواء أقل ثقلًا
توقفت الفتاة فجأة وقالت بصوت منخفض لقد اقتربنا
شد الشاب الحبل مرة أخيرة ثم تقدم خطوة أخرى
وفجأة
انشق الضباب خلفهم أخيرًا وخرجوا إلى أرض أكثر وضوحًا لكن المشهد أمامهم لم يكن مهجورًا كما ظنوا في البداية
امتدت أمامهم مدينة واسعة نابضة بالحياة تقف عند الحد الفاصل بين عالمين عالم الضباب خلفهم وعالم آخر مختلف تمامًا
كانت الأسوار العالية تحيط بها من كل جانب مبنية من حجارة ضخمة متراصة بإحكام تعكس قوة المكان وهيبته وكانت الأبراج ترتفع فوقها يقف عليها حراس بثبات يراقبون الأفق بلا انقطاع
البوابة الرئيسية كانت هائلة مصنوعة من خشب سميك مدعوم بشرائط حديدية سوداء وتفتح على طريق واسع يؤدي إلى الداخل وكان أمامها صف من الحراس المدججين بالسلاح يقفون بنظام صارم لا يسمح لأي عابر بالمرور دون تفتيش أو إذن
ومن خلف الأسوار كانت الحياة واضحة حتى من هذه المسافة
أشخاص يتحركون في الشوارع عربات تجرها الدواب تمر ببطء وأصوات خافتة تصل كهمس بعيد يدل على مدينة لا تنام
البيوت متراصة على جانبي الطرق بأسقف مائلة وشرفات ضيقة والجدران تحمل آثار زمن طويل لكنها ما زالت صامدة وكأن المكان لم يضعف يومًا
الطرق مرصوفة بحجارة قديمة تعكس تاريخًا عميقًا ونظامًا صارمًا يحكم كل شيء
كان المشهد كله يوحي بمدينة قوية منظمة تعيش على قوانين واضحة وتحرس نفسها جيدًا
توقف الشاب عند حافة الطريق المؤدي إلى البوابة وهو لا يزال يحمل جود على كتفه وحدق في المدينة بحذر واضح
وقفت أخته بجانبه تمسك الحبل وقد خفضت صوتها وهي تقول إن هذا المكان ليس سهلًا وأن الدخول إليه قد يكون أخطر مما يبدو
ظل الاثنان واقفين يراقبان الحراس وحركة الداخلين والخارجين دون أن يخطوا خطوة واحدة نحو البوابة
كانوا قد وصلوا أخيرًا
لكنهم لم يعبروا بعد
#ملك_بلا_مملكة
٣٠
اقترب يامان وبريسا من بحيرات الشمال المتجمدة وكانت الأرض هناك قاسية والهواء باردًا يلسع الوجه بينما تمتد المياه المتجمدة كمرآة شاحبة تعكس السماء الرمادية وكانا يسيران بصمت حتى اهتز الهواء فجأة بحركة سريعة بين الأشجار الجليدية المحيطة بالبحيرة
توقف يامان ونظر حوله بحذر بينما ضيقت بريسا عينيها تستشعر وجودًا خفيًا ثم ظهرت المحاربات فجأة وخرجن من بين الأشجار كأشباح الغابة وكانت أجسادهن مغطاة بدروع خفيفة مزينة بالريش وأيديهن تمسك بالرماح والأقواس وعيونهن ثابتة لا ترمش
أحاطت المحاربات بهما في لحظات بصمت تام كأن الأرض نفسها أنجبتهم ثم تقدمت الزعيمة بخطوات واثقة نحو يامان وكانت ملامحها حادة وقوية وعيناها تحملان معرفة قديمة به وتوقفت أمامه مباشرة ونظرت في عينيه وكأنها تبحث عن شيء مفقود
لكن يامان لم يتحرك ولم يظهر عليه أي رد فعل وظل ينظر إليها كأنها غريبة فعقدت الزعيمة حاجبيها قليلًا قبل أن تتكلم لكن بريسا سبقتها بخطوة وقالت بهدوء إن يامان كان مريضًا مرضًا شديدًا وهذا أثر ما زال عليه وربما فقد ذاكرته لكنه سيتذكر مع الوقت
ساد صمت قصير بين المحاربات وتبادلن النظرات وفي تلك اللحظة تقدمت محاربة أخرى من الخلف وكانت تولين واقتربت بخطوات سريعة ثم توقفت أمام يامان للحظة وكأنها لا تصدق ما تراه
ثم اندفعت نحوه واحتضنته بقوة فتجمد يامان في مكانه وارتسمت الدهشة على وجهه ولم يعرف كيف يرد أو ماذا يفعل وشعر بحرارة ذلك العناق وقوة المشاعر التي لا يفهمها
ابتعدت تولين قليلًا ونظرت إلى وجهه وعيناها تلمعان بشيء بين الفرح والألم ثم قالت بصوت ممتلئ بالعاطفة إنها تعرف أنه لا يتذكر لكنها لن تسمح له بأن يضيع مرة أخرى
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت إنهم جاؤوا لأنهم تلقوا طلبه للحرب وأنهم هنا لمساعدته مهما حدث وأضافت بنبرة قوية أنه حتى لو فقد ذاكرته فإنه سيظل هو يامان أقوى المحاربين وأكثرهم شجاعة
وقف يامان صامتًا ينظر إليها دون أن يفهم كل ما يقال لكنه شعر بشيء يتحرك داخله شيء قديم لم يمت تمامًا
أما بريسا فكانت تراقب المشهد بعينين ضيقتين ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة عندما أدركت أن هذا الرجل الذي أنقذته ليس مجرد شخص عادي بل محارب له مكانته وقوته
اقتربت خطوة وقالت بهدوء إنها ترحب بمرافقتهم وإنها لن تتركه الآن بعد أن أصبحت جزءًا مما يحدث ولم تعترض الزعيمة واكتفت بإيماءة خفيفة ثم أصدرت أمرًا قصيرًا فتحركت المحاربات فورًا
ومع أول خيط من الفجر دقت الطبول وكان الصوت عميقًا قويًا يهز الأرض ويعلن بداية مسيرتهم نحو الحرب وتحرك الجيش عبر الثلوج والغابات باتجاه الأرض المحرمة وكانت أصوات الطبول تتردد مع خطواتهم كنبض واحد لا يتوقف
خلال الطريق كانت تولين تحاول الاقتراب من يامان والتحدث معه على انفراد محاولة أن تذكره بأي شيء أو تلمس داخله ما تبقى من ماضيه لكن في كل مرة كانت بريسا تظهر وتقترب منه وتقاطعه وتعيده إلى جانبها وكانت تراقب كل نظرة وكل كلمة وكأنها لا تسمح لأي شيء أن يعيده بعيدًا عنها
أما يامان فكان يسير بينهما بين ماضٍ لا يتذكره وحاضر يلتصق به ودون أن يدرك كان يُسحب ببطء نحو صراع أكبر مما يتخيل
وصل جيش يامان إلى حدود الأرض المحرمة مع أول ضوء للنهار وكانت التلال الخربة تمتد أمامهم كأطلال معركة قديمة لم تنته آثارها بعد بينما وقف يامان في المقدمة ينظر إلى المكان دون أن يشعر بأي ذكرى تعود إليه وكأنه يرى أرضًا غريبة لم تطأها قدمه من قبل
كان الصمت يسبق العاصفة ثم بدأ المشهد يتضح أمامهم تدريجيًا ومعه انقبضت القلوب
امتدت جحافل الموتى الأحياء على مد البصر أجساد متحركة بلا روح تقف في صفوف لا نهاية لها وبينهم تحركت مجموعات ضخمة من مصاصي الدماء المدرعين يملؤون الأرض كطوفان أسود يسيطر على كل شيء
كانت الأرض نفسها تبدو وكأنها سقطت في قبضة ذلك الجيش ولم يعد فيها مكان للحياة
وقف يامان صامتًا وعيناه تتفحصان المشهد وكأن غريزة قديمة تحاول أن تستيقظ داخله لكنه لم يتذكر شيئًا ومع ذلك شعر بثقل الحرب يهبط على صدره
أصدرت الزعيمة أوامرها سريعًا فانتشر جيشهم فوق التلال الخربة واتخذوا مواقع مرتفعة تمنحهم أفضلية الرؤية بينما بدأت المحاربات والمستذئبون في ترتيب الصفوف وتجهيز الأسلحة
وقف يامان بينهم يستمع ويشارك في وضع الخطة وكأن جسده يعرف ما يجب فعله حتى إن عقله لم يتذكر كيف تعلم ذلك
تم تقسيم القوات إلى مجموعات صغيرة سريعة الحركة تعتمد على الكر والفر واستغلال تضاريس الأرض القاسية لتفريق صفوف العدو بينما تمركزت الرماة في الأعلى استعدادًا لإمطار ساحة المعركة بوابل من السهام
ومع أول اندفاع للظل فوق الأرض
بدأت الحرب
انطلقت صيحات القتال واهتزت الأرض تحت وقع الأقدام واندفعت القوات نحو بعضها البعض كأمواج متصادمة
كان القتال شرسًا منذ اللحظة الأولى وكانت الأعداد الهائلة للعدو تضغط عليهم من كل اتجاه لكنهم لم يتراجعوا
قاتلت المحاربات بشراسة وقاد يامان الهجوم الأمامي بجسده الذي يتحرك بقوة غريزية لا تحتاج إلى ذاكرة وكان يضرب ويصد ويهاجم وكأنه خُلق لهذا فقط
سقط المئات في اليوم الأول من الجانبين وتحولت الأرض مرة أخرى إلى ساحة دماء وصراخ ولم يكن هناك منتصر واضح مع غروب الشمس
مع حلول الليل خفتت أصوات القتال وتراجع الطرفان قليلًا لإعادة ترتيب صفوفهم بينما امتلأت التلال بالخيام والجرحى وصوت الألم المكتوم
جلس يامان أمام خيمته بعد أن هدأ القتال وجسده مثقل بالإرهاق وعيناه تنظران إلى الظلام وكأن شيئًا داخله يحاول أن يفهم كل ما يحدث دون جدوى
لم يمض وقت طويل حتى غلبه التعب واستسلم للنوم على الأرض الباردة أمام الخيمة،في هدوء الليل، ظهرت تولين
تقدمت نحوه بخطوات صامتة وعيناها تراقبان وجهه النائم وكأنها ترى شخصًا ضاع منها وعاد غريبًا
جلست بجانبه للحظات ثم أخرجت عشبة صغيرة من بين ملابسها ونظرت إليها بتردد قبل أن تضعها برفق في فمه
انتظرت قليلًا حتى تأكدت أنه ابتلعها ثم ظلت جالسة بجواره تنظر إليه بصمت وعيناها تحملان أملًا خافتًا بأن يعود كما كان
مدت يدها وكادت تلمس وجهه لكنها توقفت قبل أن تفعل
وفجأة،سمعت حركة قريبة
رفعت رأسها بسرعة ونظرت نحو الظلام حيث ظهرت ملامح ظل يقترب،كانت بريسا
تراجعت تولين في لحظة واحدة واختفت بين الخيام قبل أن تُرى بينما بقي يامان نائمًا لا يعلم شيئًا عما حدث حوله
وفي تلك الليلة، بدأت خيوط صراع خفي،أعمق من الحرب نفسها
استيقظ يامان مع أول خيط من الضوء وكان جسده ساكنًا للحظة بينما أنفاسه تتسارع كأن شيئًا انفجر داخله فجأة
فتح عينيه بسرعة وجلس منتصبًا وكأن قوة خفية أعادته من نوم عميق إلى يقظة كاملة،وضعت يده على رأسه وبدأ الألم يضربه من الداخل لكن هذا الألم لم يكن ضعفًا بل كان امتلاء
الذكريات عادت،اندفعت داخله كطوفان لا يمكن إيقافه صور معارك أصوات صرخات وجوه سيوف دماء غابات ظلال كل شيء عاد دفعة واحدة، اتسعت عيناه وهو يلهث كمن عاد من زمن آخر وبدأت ملامحه تتغير تدريجيًا من الحيرة إلى الإدراك،تذكر من هو، تذكر اسمه، يامان
تذكر الأرض المحرمة،تذكر الحرب،تذكر سولين
وتذكر ذلك الكائن المرعب أمير الموتى الأحياء الذي وقف أمامه كند لا يقل عنه قوة وتلك المعركة التي كسرت الأرض من تحت أقدامهم،تذكر كيف قاتل كيف سقط كيف عاد كيف وقف من جديد، كل شيء عاد، كل شيء، إلا شيء واحد
كان هناك فراغ، فراغ واضح وسط تلك الذكريات كأن جزءًا من حياته قد اقتلع بالكامل دون أثر
لم يشعر به في البداية لكنه كان موجودًا كصمت بين الضوضاء،حياة كاملة اختفت، اسم لم يعد له وجود
وجه لم يعد له ملامح، شخص كان يجب أن يكون هناك لكنه لم يعد، لكن يامان لم يتوقف عند ذلك،لأن ما عاد إليه كان كافيًا ليملأ عقله بالحرب،نهض ببطء ووقف أمام الخيمة وعيناه تنظران نحو الأفق حيث تمتد أرض المعركة،كانت نظرته مختلفة الآن،لم تعد نظرة رجل ضائع،بل نظرة قائد عاد إلى ساحة الحرب،تصلب جسده وكأن كل خلية فيه عادت لتتذكر دورها،لم يعد يتساءل من هو،بل ماذا يجب أن يفعل
وفي أعماقه دون أن يدرك،كان هناك شيء مفقود
شيء لو عاد،قد يغير كل شيء مرة أخرى
تكملة الرواية من هناااااااا


تعليقات
إرسال تعليق