رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل الحادي وعشرون والثانى وعشرون والثالث وعشرون والرابع وعشرون والخامس وعشرون بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل الحادي وعشرون والثانى وعشرون والثالث وعشرون والرابع وعشرون والخامس وعشرون بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
#ملك_بلا_مملكة
٢١
جلس يامان فوق إحدى الصخور المرتفعة في التلال الخربة بينما كان الليل يزداد عمقًا من حوله وكانت أضواء معسكر سولين لا تزال تلمع قرب المستنقع الملعون مثل بحر من المشاعل الحمراء وكان صوت الجنود يصل أحيانًا مع الرياح التي تمر عبر الوادي
كان المستذئبون الذين وصلوا حديثًا قد تجمعوا عند سفح التلال بعضهم يجلس قرب نار صغيرة والبعض الآخر يراقب النهر في صمت أما جود فكانت تقف بعيدًا قليلًا تتفقد حواف التلال وتحرس الطريق الصاعد
لكن يامان لم يكن ينظر إلى أي منهم فقد كان غارقًا في التفكير وظل يراقب المعسكر البعيد لفترة طويلة دون أن يتحرك ثم قال بصوت منخفض كأنه يحدث نفسه إن هناك شيئًا لا يبدو منطقيًا في ما تفعله سولين
رفعت جود رأسها نحوه لكنها لم تقاطعه بينما قال وهو لا يزال ينظر إلى المشاعل البعيدة إن جيشًا بهذا الحجم لا يُحشد من أجل رجل واحد حتى لو كان ذلك الرجل يقف في طريقهم
سكت لحظة ثم أضاف ببطء لماذا ترسل سولين كل هذا الجيش لقتلي أنا
تحركت الرياح فوق التلال ورفرفت عباءته قليلًا بينما كان عقله يحاول ترتيب الصورة فأشار بيده نحو صفوف المنجنيقات التي كانت تُنصب خلف المعسكر وقال إن ذلك هو ما يزعجه أكثر
قال المنجنيقات
التفتت جود لتنظر إلى المكان الذي يشير إليه بينما تابع يامان وهو يضيق عينيه نحو الأفق إن المنجنيقات تُستخدم لقصف المدن والأسوار
ثم أضاف بنبرة تفكير أعمق لكن هذه الأرض لا مدن فيها
مد يده نحو الغابة الممتدة خلف التلال وقال ولا قلاع
ثم نظر إلى الأرض الجرداء حولهم وقال ولا حصون
سكت للحظة طويلة قبل أن يقول ببطء إذن ماذا سيقصفون
ساد الصمت فوق التلال بينما كانت النار الصغيرة في الأسفل تتراقص في الرياح وظل يامان يحدق في المعسكر وكأن شيئًا ما بدأ يتضح في ذهنه
قال أخيرًا بصوت أخفض سولين لا تحاربني فقط
نظرت إليه جود وقالت ماذا تقصد
لم يجب مباشرة بل نظر إلى النهر الذي يفصل الأرض المحرمة عن المستنقع الملعون ثم إلى التلال ثم إلى الغابة العميقة خلفهما
قال ببطء جيش بهذا الحجم ثم أشار نحو الأقفاص التي تحتوي الوحوش في المعسكر وقال وهذه الوحوش ثم أشار إلى المنجنيقات الثقيلة وقال كل هذا ليس لقتل رجل واحد
تنفست جود ببطء وقالت إذن لماذا
ظل يامان صامتًا لحظة طويلة قبل أن يقول لأنها لا تريد عبور الأرض فقط
التفت إليها أخيرًا وعيناه تلمعان في الظلام وقال إنها تريد تدميرها
تحركت الرياح عبر الأعشاب الجافة فوق التلال بينما كانت أضواء جيش سولين تلمع في البعيد وقال يامان وهو ينظر إلى تلك الأضواء إذا كانت سولين ترسل كل هذه القوة فهذا يعني أنها خائفة من شيء هنا أكثر مما هي خائفة مني
ثم همس لنفسه ببطء لكن ماذا يوجد في هذه الأرض يخيف ملكة مصاصي الدماء إلى هذا الحد
كانت السماء قد أصبحت رمادية قبل الفجر بقليل عندما بدأ أول تحرك في معسكر سولين عند المستنقع الملعون.
خفتت أصوات الجنود فجأة ثم ارتفع صرير الأقفاص الحديدية وهي تُفتح واحدة بعد الأخرى، وكانت الوحوش داخلها تتحرك بعصبية كأنها تشم رائحة الأرض المحرمة لأول مرة.
وقف يامان فوق التلال الخربة يراقب الضفة الأخرى من النهر بينما كانت جود تقف إلى جانبه والمستذئبون خلفهما في صمت ثقيل. كان الضباب يعلو فوق الماء الداكن عندما تحركت أولى الظلال في المعسكر.
قالت جود بصوت منخفض إنهم يبدأون،فتح الحراس الأقفاص الكبيرة أولًا واندفعت منها كلاب ضخمة سوداء ذات عيون حمراء وأسنان طويلة لامعة. لم تكن كلابًا عادية بل مخلوقات شرسة هجينة تربت في ظلال مملكة سولين لتكون أدوات صيد لا ترحم، كانت تتحرك بسرعة جنونية فوق الأرض الطينية ثم قفزت واحدة بعد الأخرى عبر الممرات الضحلة في النهر،لكن خلفها خرج شيء أسوأ
ارتفعت أصوات غرائب في المعسكر عندما فُتحت الأقفاص الأخرى، وخرجت منها حيوانات عجيبة لم يكن من السهل معرفة أصلها. بعضها يشبه الذئاب لكن أجسادها كانت أكبر بكثير وأطرافها غير متناسقة، وبعضها يحمل رؤوسًا كالدببة فوق أجساد ممدودة كأنها صُنعت من أجزاء مختلفة. كانت تلك هي الحيوانات العجينة التي يصنعها سحرة سولين من بقايا الوحوش والدماء القديمة.
اندفعت تلك المخلوقات عبر المستنقع الملعون ككتلة من اللحم والأنين والزمجرة، تقفز فوق الطين والمياه الداكنة متجهة نحو الأرض المحرمة،قال أحد المستذئبين خلف يامان بصوت مرتجف إنهم يرسلون الوحوش أولًا ليختبروا الأرض،
لكن يامان لم يتحرك،ظل واقفًا فوق الصخرة يراقب الموجة السوداء من الكلاب المتوحشة والحيوانات العجينة وهي تقترب من التلال. كانت سرعتها هائلة حتى أن الأرض بدأت تهتز تحت أقدامها.
ثم أخيرًا تحرك،قفز يامان من فوق الصخرة وهبط عند سفح التلال قبل أن تصل الوحوش بلحظات. كان جسده قد بدأ يتحول مرة أخرى، تمددت عضلاته واشتدت قامته حتى أصبح شكله أقرب إلى الذئب الضخم الذي تخشاه تلك الأرض،
اندفعت أول الكلاب نحوه بزئير حاد،لكنها لم تر سوى ومضة من الحركة.
قفز يامان بينها بسرعة هائلة وضرب أولها بمخالبه فاندفع جسدها في الهواء وارتطم بصخرة قريبة بقوة كسرت عظامها، الثانية حاولت القفز على كتفه لكنه أمسكها من فكها وطرحها أرضًا ثم مزق حلقها بضربة واحدة،لكن الموجة لم تتوقف،
عشرات الكلاب المتوحشة والحيوانات العجينة اندفعت نحوه من كل اتجاه، وكانت أصواتها تملأ الوادي كعاصفة من الزمجرة والنباح.
تحرك يامان بينهم كإعصار أسود، يقفز فوق ظهورهم ويضرب بمخالبه وأنيابه، وكانت أجساد الوحوش تتطاير حوله مع كل ضربة. مزق أحد المخلوقات نصفين عندما حاول الانقضاض عليه من الخلف ثم دار بسرعة وأسقط اثنين آخرين بضربة واحدة من ذراعه القوية،وقفت جود فوق التل تراقب القتال بينما كان المستذئبون خلفها مشدوهين بما يرونه،لم يكن القتال متكافئًا،كان يامان يقاتل كأنه جزء من تلك الأرض، يتحرك بين الصخور والأشجار بسرعة لا تستطيع الوحوش مجاراتها،لكن فجأة حدث شيء غريب،عندما اندفعت مجموعة جديدة من الحيوانات العجينة نحوه توقف يامان فجأة عن الحركة،وقف في وسط السهل بينما كانت الوحوش تحيط به من كل جانب، ثم رفع رأسه ببطء،في تلك اللحظة برق شيء في عينيه، ضوء لامع حاد كوميض القمر فوق الثلج.
خرج من صدره عواء عميق مختلف عن أي صوت أطلقه من قبل، صوت قديم بدائي جعل الهواء نفسه يهتز حوله،
توقفت الكلاب المتوحشة فجأة،تجمدت الحيوانات العجينة في أماكنها،بقيت الزمجرة في حناجرها للحظة ثم خفتت ببطء،كانت عيونها كلها مثبتة على يامان،خطا خطوة واحدة نحوها وعيناه لا تزالان تلمعان بذلك الضوء الغريب.
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد،انخفضت أول الكلاب ببطء حتى لامست الأرض بأنفها،تبعها مخلوق آخر،ثم ثالث.
خلال لحظات كانت معظم الوحوش التي اندفعت للهجوم تقف الآن أمامه في خضوع واضح،
بعضها جلس على قوائمه الخلفية والبعض الآخر خفض رأسه كما لو أنه يقف أمام سيده الحقيقي،وقفت جود فوق التل مذهولة وهي ترى ذلك المشهد.
همست لنفسها إنهم يتصرفون وكأنهم يعرفونه،
أما يامان فقد وقف وسط الدائرة من الوحوش وعيناه ما تزالان تلمعان بذلك الضوء العميق
كان المشهد يبدو كأن تلك المخلوقات تشعر بشيء يجري في دمه، كأن الدم الذي يسري في عروقها نفسها يعرف ذلك الذئب الحارس ويخضع له.
بعيدًا عند الضفة الأخرى من النهر كان جنود سولين يراقبون ما يحدث في صمت مذهول،فقد أُطلقت الوحوش لتقتل،
لكنها الآن تقف أمام عدوها كأنها وجدت سيدها الحقيقي.
#ملك_بلا_مملكة
٢٢
وقفت الوحوش في صمت ثقيل حول يامان بينما كانت أنفاسها الساخنة ترتفع في الهواء البارد، وكانت عيونها مثبتة عليه لا تحمل شراسة الهجوم بل شيئًا أقرب إلى الحذر والاعتراف.
ظل يامان واقفًا في مركز الدائرة وعيناه تلمعان بذلك الضوء الغريب، لم يتحرك ولم يهاجم، وكأنه ينتظر قرارًا لا يخصه وحده بل يخص تلك المخلوقات أيضًا
مرت لحظات طويلة والكلاب المتوحشة والحيوانات العجينة لا تتقدم ولا تتراجع، فقط تنظر إليه وكأنها تسمع نداءً أعمق من أوامر سادتهم،ثم ببطء شديد تراجعت أول واحدة خطوة إلى الخلف،تبعتها أخرى،ثم ثالثة
لم يكن ذلك هروبًا مذعورًا بل انسحابًا هادئًا كأنها اتخذت قرارًا جماعيًا لا يمكن كسره
رفعت إحدى الكلاب رأسها نحو السماء وأطلقت عواء منخفضًا، ليس عواء حرب بل صوتًا غريبًا يحمل شيئًا من الاستسلام أو الاعتراف
ثم بدأت المجموعة كلها في التراجع تدريجيًا بعيدًا عن يامان
وقفت جود فوق التلال تراقب المشهد بدهشة بينما همس أحد المستذئبين خلفها إنهم يرفضون القتال
في الأسفل لم يحاول يامان مطاردتهم، فقط ظل واقفًا يراقبهم وهم ينسحبون من حوله كتيار مظلم يعود إلى مصدره
عبرت الوحوش السهل ثم اتجهت نحو المستنقع الملعون وعبرت النهر بنفس الطريق الذي جاءت منه، حركتها هادئة ومنظمة كأنها ليست تلك المخلوقات الهائجة التي اندفعت قبل لحظات
وعلى الضفة الأخرى بدأ الاضطراب ينتشر بين صفوف جيش سولين
صرخ القادة وأمروا الحراس بإيقافها وإعادتها إلى الهجوم لكن الوحوش لم تستجب
أُعيدت إلى الأقفاص بالقوة، ودُفعت داخلها وهي تقاوم فقط بقدر ما يسمح لها أن تبتعد، لا لتهاجم،عندها فقد القادة صبرهم،أمروا الجلادين بالتدخل
اندفع الرجال المسلحون بالسياط والسلاسل نحو الأقفاص وبدأوا بضرب الوحوش بعنف، كانت السياط تهبط على جلودها فتتمزق وتتناثر الدماء الداكنة، وكان الصراخ يملأ المعسكر،لكن رغم الألم لم تتحرك الوحوش للهجوم
لم تنقض،لم تعض،فقط تراجعت إلى زوايا الأقفاص أو خفضت رؤوسها بصمت ثقيل،ضربهم الجلادون مرة بعد أخرى حتى تقطعت جلود بعضهم وارتجفت أجسادهم من الألم، ومع ذلك لم يندفع أي منها نحو النهر مرة أخرى، لم يكن ذلك خوفًا من يامان فقط،بل كان رفضًا
رفضًا عميقًا كأن شيئًا داخل دمائهم نفسها قد قرر ألا يقاتل ذلك الذئب
وقف القادة في صمت غاضب وهم يرون أن أدواتهم التي صنعوها للقتل قد أصبحت بلا فائدة
وبعد وقت طويل أُغلقت الأقفاص بإحكام وعادت الوحوش إلى الداخل
لكن حتى عندما فُتحت بعض الأبواب مرة أخرى بأمر غاضب لإجبارها على الخروج، لم تتحرك أي منها خطوة واحدة خارج الحديد
بقيت في أماكنها رغم الألم رغم الدم رغم الصراخ
كأنها اختارت سجنها على أن تعود إلى تلك الأرض لمواجهة الذئب الحارس مرة أخرى
وعلى التلال الخربة وقف يامان صامتًا يراقب ما يحدث في الضفة الأخرى، وعيناه لم تعدا تلمعان الآن لكن داخله كان يعرف أن شيئًا قد تغير
فالحيوانات التي أُرسلت لتكون سلاحًا ضده لم تنضم إليه
لكنها أيضًا رفضت أن تكون ضده
وفي تلك اللحظة أدرك أن الحرب التي بدأت لن تكون مجرد صراع قوة، بل صراع إرادة أعمق من الدم نفسه
_-__
وقفت سولين على شرفة برجها العالي داخل القلعة بينما كانت عيناها مثبتتين على المرآة السوداء الضخمة التي ترتفع أمامها، وكانت تلك المرآة تعكس مشاهد من أرض المعركة عند المستنقع الملعون كأنها نافذة مفتوحة عبر المسافات.
كانت ترى كل شيء بوضوح، التلال الخربة، النهر الفاصل، والوحوش التي توقفت عن الهجوم ثم عادت إلى أقفاصها رغم الضرب والعذاب.
خلفها وقف القادة في حالة من التوتر الواضح، بعضهم لم يستطع إخفاء غضبه والبعض الآخر بدت عليه علامات القلق، فقد كان ما حدث غير متوقع تمامًا.
قال أحدهم بصوت مشدود إن الوحوش فشلت وإن إرسالها مرة أخرى لن يغير شيئًا طالما ذلك المخلوق يقف هناك.
وأضاف آخر بنبرة حادة إن الجنود بدأوا يتساءلون وإن هذا المشهد قد يهز ثقة الجيش قبل بدء المعركة الحقيقية.
لكن سولين لم تلتفت إليهم فورًا.
ظلت تنظر إلى المرآة بينما كانت ترى يامان واقفًا في وسط السهل بعد انسحاب الوحوش، ساكنًا كأنه جزء من الأرض نفسها.
ثم… ابتسمت.
ابتسامة هادئة باردة لا تحمل أي أثر للقلق.
ساد صمت مفاجئ في القاعة عندما لاحظ القادة ذلك.
قال أحدهم بدهشة مكتومة كيف يمكنها أن تبتسم بعد ما حدث.
رفعت سولين يدها قليلًا فأشار ذلك إلى الجميع بالصمت، ثم قالت بصوت منخفض لكنه ثابت إن ما حدث لم يكن فشلًا كما يظنون.
التفتت إليهم أخيرًا وكانت عيناها تلمعان بثقة غريبة وقالت إن الوحوش قامت بما أُرسلت من أجله.
نظر القادة إلى بعضهم البعض بعدم فهم.
قالت وهي تعود بنظرها إلى المرآة إنهم الآن رأوا ما هو يامان حقًا، لم يعد مجرد مقاتل أو مستذئب بل أصبح شيئًا يستطيع التأثير في المخلوقات نفسها.
تقدمت خطوة نحو المرآة وأضافت أن هذا يؤكد ما كانت تشك فيه منذ البداية.
إنه يتغير.
صمتت لحظة ثم همست كأنها تحدث نفسها إن الدم الذي يجري داخله لم يعد دمًا عاديًا.
اقترب أحد القادة وقال إن ذلك يجعل الأمر أخطر مما توقعوا.
لكن سولين ابتسمت مرة أخرى وقالت بالعكس هذا يجعل المعركة أوضح.
سألها القائد بتوتر كيف يكون ذلك.
أجابت بهدوء لأن كل قوة لها نقطة كسر، وكل ما فعله يامان الآن كشف جزءًا من تلك القوة.
نظرت مرة أخرى إلى المشهد حيث كانت الوحوش تعود إلى أقفاصها وقالت إنهم لم يخسروا شيئًا بعد، بل بدأوا فقط في فهم العدو الذي يواجهونه.
ثم استدارت ببطء وبدأت تسير داخل القاعة بينما كان رداؤها الأسود ينساب خلفها، وقالت إن القادة يجب أن يتوقفوا عن التفكير بعاطفة الجنود ويبدأوا في التفكير كصناع حرب.
أضافت أن الخوف الذي بدأ ينتشر في المعسكر ليس ضعفًا بل أداة يمكن استخدامها.
توقفت أخيرًا ونظرت إليهم بنظرة حادة وقالت إنهم سيحولون ذلك الخوف إلى غضب، والغضب إلى قوة تدفع الجيش للأمام بدل أن تعيقه.
ثم رفعت يدها وأمرت بصوت قاطع أن يتم إيقاف استخدام الوحوش في الهجوم التالي.
قالت إن المرحلة القادمة لا تحتاج إلى مخلوقات تتردد بل إلى شيء آخر.
شيء لا يتراجع.
عاد الصمت إلى القاعة بينما كان القادة ينظرون إليها بترقب.
ثم قالت سولين بصوت منخفض لكنه يحمل ثقة مطلقة إن يامان قد ربح جولة صغيرة فقط، لكنه لم ير بعد ما أعدته له.
وفي تلك اللحظة عادت عيناها إلى المرآة السوداء، وكانت ابتسامتها لا تزال ثابتة، كأن كل ما حدث لم يزعزعها بل أكد لها أن النهاية التي تنتظر تلك الأرض قد بدأت بالفعل.
مع أول خيط من ضوء الصباح اهتزت الأرض المحرمة تحت صوت قرون الحرب القادمة من جهة المستنقع الملعون، ولم يكن ذلك الصوت كأي هجوم سابق، بل كان إعلانًا لبداية المعركة الحقيقية.
على الضفة الأخرى تحرك جيش سولين بكامله، لم يعد الأمر مجرد وحوش تُطلق لتجربة الدفاعات، بل صفوف كاملة من المرتزقة ومصاصي الدماء المدججين بالسلاح يتقدمون كجدار مظلم يمتد عبر الأفق.
كانت دروعهم السوداء تلمع تحت ضوء الصباح الباهت، ورماحهم الطويلة ترتفع كغابة من الحديد،ثم تحركت المنجنيقات.
ارتفع أول صوت شد للحبال الثقيلة، ثم انطلقت القذيفة الأولى عبر السماء، كتلة من النار السوداء تشق الهواء وتسقط داخل الأرض المحرمة بانفجار هائل هز التلال الخربة.
تطاير التراب والصخور في كل اتجاه، وتصاعد الدخان الكثيف بينما سقطت قذيفة أخرى وثالثة، لم تكن تستهدف قلاعًا أو جدرانًا، بل كانت تضرب الأرض نفسها، تحطم الممرات، تفتح الحفر، وتحوّل السهل إلى ساحة فوضى يصعب الحركة فيها،
وقف يامان فوق التلال للحظة يراقب الدمار، ثم قال بصوت حاد،إنهم يمهدون الطريق لأنفسهم
لم تنتظر جود أكثر، فقد سحبت سيفها وقالت،إذن لنمنعهم قبل أن يعبروا،اندفع المستذئبون خلفهما عندما تحرك يامان إلى الأمام، كانت خطواته سريعة وثقيلة في آن واحد، ومع كل قفزة كان يقترب أكثر من النهر حيث بدأ المرتزقة في العبور عبر الممرات الضحلة التي كشفها القصف،
انطلقت المعركة،اصطدم أول صف من المرتزقة بيامان كأنهم اصطدموا بعاصفة، قفز بينهم بسرعة هائلة وضرب أولهم بمخالبه فسقط أرضًا قبل أن يفهم ما حدث، ثم دار بجسده وأسقط اثنين آخرين بضربة واحدة.
كانت جود خلفه مباشرة، تتحرك بسرعة قاتلة، سيفها يلمع في الهواء وهي تضرب بدقة، تسقط خصمًا تلو الآخر دون تردد،
أما المستذئبون فقد اندفعوا من جانبي التلال كقطيع غاضب، يقفزون فوق الصخور وينقضون على صفوف العدو، وكانت المعركة تتحول بسرعة إلى فوضى دامية،لكن القصف لم يتوقف،سقطت قذيفة جديدة قرب مجموعة من المستذئبين فانفجرت بقوة دفعتهم أرضًا، وتناثر التراب فوقهم بينما اشتعلت النار في الأعشاب الجافة،صرخت جود تحذرهم بينما قفزت بعيدًا عن انفجار آخر كاد أن يصيبها، وكانت السماء نفسها تبدو كأنها تمطر نارًا سوداء،أما يامان فلم يتراجع،
اندفع داخل صفوف العدو رغم القصف، يتحرك بين الانفجارات كأنه يتنبأ بمكان سقوطها، يقفز قبل أن تضرب الأرض بلحظة، ثم يهبط وسط مجموعة جديدة من الأعداء ويفتك بهم بلا رحمة.
كان المرتزقة يقاتلون بعنف، مدربين على مواجهة الوحوش، لكنهم لم يواجهوا شيئًا مثل يامان من قبل،
كان أسرع منهم جميعًا، وأقوى من أن يوقفوه، وكلما حاولوا تطويقه كان يخترق صفوفهم كالسهم، يترك خلفه أجسادًا ساقطة وصراخًا يتردد في السهل،
رأى أحد القادة ذلك فأمر مجموعة من الرماة بالتركيز عليه، فانطلقت السهام نحوه كالمطر، لكن يامان تحرك بسرعة مذهلة، تفادى بعضها وضرب البعض الآخر بيده، ثم قفز نحو الرماة أنفسهم وأسقطهم قبل أن يعيدوا التصويب.
على الجانب الآخر كانت جود تقاتل بثبات، تحمي ظهر المستذئبين وتوجههم، تصرخ بالأوامر وتتحرك بينهم كقائدة حقيقية،صرخت،لا تتركوا صفوفهم تتجمع
فاندفع المستذئبون من جديد، يقسمون صفوف المرتزقة إلى مجموعات صغيرة يسهل القضاء عليها،
لكن مع كل تقدم كان القصف يشتد، والمنجنيقات لا تتوقف عن ضرب الأرض، تفتح فجوات جديدة وتجعل المعركة أكثر خطورة على الجميع،
ارتفعت سحابة من الدخان والتراب فوق ساحة القتال، واختلطت أصوات الصراخ بزئير المستذئبين وهدير الانفجارات،وسط كل ذلك كان يامان يقاتل بلا توقف، جسده مغطى بالغبار والدم، لكن حركته لم تبطؤ، بل كانت تزداد شراسة مع كل لحظة.
قفز فوق صف كامل من الأعداء وهبط خلفهم ثم مزقهم من الخلف قبل أن يستدير لمواجهة موجة جديدة.
وفي لحظة قصيرة وقف فوق صخرة وسط الفوضى ونظر حوله، كانت الأرض تحترق، والعدو لا يزال يتدفق، لكن المستذئبين لم يتراجعوا، وجود لا تزال تقاتل بجانبه،
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قفز مرة أخرى إلى قلب المعركة،
كانت الحرب قد بدأت بالفعل، ولم يعد هناك طريق للعودة.
#ملك_بلا_مملكة
٢٣
استمرت الحرب دون توقف وكأن الزمن نفسه قد توقف عند حدود الأرض المحرمة، كانت ساحة المعركة تغلي بالفوضى بينما تتدفق موجات جديدة من مصاصي الدماء المرتزقة من جهة المستنقع الملعون بلا نهاية، صفوف تتكسر ثم تُستبدل بأخرى، وأصوات الصراخ والحديد لا تهدأ
عبر النهر استمر العبور، مجموعات تسقط وأخرى تعبر فوق جثثها دون تردد، لم يعد للموت وزن في تلك اللحظة، بل أصبح مجرد خطوة في طريق الهجوم
وفي قلب المعركة كان يامان لا يزال يقاتل كإعصار لا يتوقف، جسده مغطى بالغبار والدم، عيناه مشتعلة بعزم لا ينكسر، يضرب ويتحرك ويقفز بين الأعداء كأن الأرض نفسها تدفعه للأمام
إلى جانبه كانت جود تقاتل بلا كلل، سيفها لا يهدأ، تتحرك بين المستذئبين توجههم وتعيد ترتيب صفوفهم كلما كادت أن تنهار، وصوتها يرتفع وسط الفوضى يأمرهم بالثبات وعدم التراجع،لكن الأعداء كانوا أكثر
وأكثر
وأكثر
كلما سقطت مجموعة ظهرت أخرى خلفها، وكأن جيش سولين لا نهاية له
وفي السماء استمر القصف، المنجنيقات لا تتوقف، قذائف النار السوداء تمزق الأرض وتفتح الحفر، تضرب بلا تمييز، تحرق العشب وتفجر الصخور، حتى أصبح السهل كله ميدانًا من الدخان والنار
ومع مرور الوقت بدأت الأرض تمتلئ بالجثث
أجساد مصاصي الدماء متناثرة في كل مكان، وبعض المستذئبين سقطوا أيضًا، لكن من بقي منهم ظل يقاتل بجنون كأنهم يدركون أن التراجع يعني النهاية
وانحدرت الدماء من السهل نحو النهر
تسللت أولًا كخيوط رفيعة ثم ازدادت حتى اختلطت بمياهه
شيئًا فشيئًا تغير لون النهر
لم يعد داكنًا فقط،بل أصبح أحمر،أحمر قاني يعكس ضوء النار والدخان،وكأن الأرض نفسها تنزف
وفي تلك اللحظة البعيدة فوق القلعة، كانت سولين تقف أمام شرفتها العالية، لا صوت للمعركة يصلها بوضوح، فقط المشهد البعيد المنعكس في مرآتها السوداء
جلست بهدوء على مقعدها الحجري، ورفعت فنجانًا صغيرًا من القهوة الداكنة إلى شفتيها
ارتشفت منه ببطء وكأنها تشاهد عرضًا مدروسًا لا حربًا طاحنة
خلفها كان القادة يقفون في توتر واضح، بعضهم ينظر إلى الخريطة والبعض الآخر إلى المرآة، لكنهم لم يجرؤوا على مقاطعتها
في المرآة كانت الجثث تتزايد، والنهر يتحول إلى اللون الأحمر، والقتال يشتد أكثر وأكثر
ورغم ذلك لم يتغير تعبيرها
لم يظهر على وجهها غضب ولا قلق
فقط هدوء بارد وثقة ثابتة
وضعت الفنجان جانبًا ونظرت إلى أحد القادة دون أن ترفع صوتها، قالت بهدوء، استمروا
ثم أعادت نظرها إلى المعركة وأضافت بصوت منخفض
هجوم
هجوم
لا تراجع أبدًا
انحنى القائد وأصدر الأوامر فورًا، لتندفع موجة جديدة من المرتزقة نحو النهر دون تردد
وعادت سولين تنظر إلى المشهد بعينيها الثابتتين، وكأن كل خسارة في جيشها ليست إلا خطوة محسوبة نحو هدف أكبر
في الأسفل كانت الأرض قد تحولت إلى جحيم مفتوح
والنهر إلى شريان من الدم
لكن فوق القلعة
كانت الملكة لا تزال هادئة تمامًا
استمرت المعركة دون انقطاع يومًا بعد يوم حتى فقدت الأرض المحرمة إحساسها بالزمن وكان يومان كاملان من القتال المتواصل قد حولا التلال والسهل إلى ساحة دمار لم يشهد لها مثيل وكانت هذه أعنف معركة عرفها الطرفان عبر تاريخهم ولم يعد هناك فرق بين الليل والنهار سوى تغير لون السماء فوق بحر الدماء
آلاف القتلى سقطوا على جانبي النهر وكانت الأجساد الممزقة والدروع المحطمة والأسلحة المكسورة تغطي الأرض بينما احترقت أطراف الأشجار القريبة وازدادت التلال الخربة خرابًا حتى بدت كأنها جزء من جحيم مفتوح
بدأ جيش يامان الصغير ينهك ولم يعد القتال كما كان في البداية حيث أصبحت الحركات أبطأ والضربات أقل قوة والأنفاس أثقل مع كل لحظة وكان المستذئبون الذين كانوا يقفزون كالعواصف يترنحون فوق أقدامهم لكنهم لم يتوقفوا
كانت جود تتحرك بينهم رغم التعب وصوتها لا يزال حادًا وهي تصرخ بهم أن يثبتوا وألا يسمحوا للعدو بكسرهم وأن كل لحظة صمود تعني بقاء الأرض
أما يامان فكان يقاتل بصمت وجسده مثقل بالجراح وأنفاسه ثقيلة لكنه لم يتراجع خطوة واحدة وظل في مقدمة الصفوف يضرب ويمنع تقدم العدو كأن سقوطه يعني نهاية كل شيء
ومع نهاية اليوم الثاني بدأ العدد يتناقص بوضوح وسقط المزيد من المستذئبين ولم يبق من يقف سوى القليل لكنهم كانوا الأكثر شراسة والأكثر إصرارًا على البقاء
ثم جاء اليوم الثالث وارتفعت الشمس ببطء فوق ساحة الموت كاشفة حجم الكارثة لكن القتال لم يتوقف بل ازداد قسوة وكأن الطرفين يلقون بكل ما تبقى لديهم
ومع مرور الساعات بدأ جيش سولين يتباطأ لأول مرة ولم يعد التقدم كما كان ولم تعد موجات الهجوم بنفس الكثافة
وفي اللحظات الأخيرة من النهار الثالث لم يبق مع يامان سوى عشرات قليلة وكانت وجوههم مغطاة بالدم والتراب وأجسادهم بالكاد تتحرك لكن أعينهم كانت مشتعلة برغبة الصمود
قاتلوا بشراسة لم يشهدها أحد من قبل وتمكنوا أخيرًا من إيقاف الهجوم وساد صمت ثقيل للحظات ثم بدأ التراجع
رأى يامان صفوف جيش سولين تنسحب ببطء خلف النهر خطوة تلو الأخرى كأنهم اعترفوا بالعجز عن التقدم ورفع أحد المستذئبين صوته بصعوبة وهو يلهث أن النصر قد تحقق
وقفت جود تلتقط أنفاسها بالكاد تستطيع الوقوف لكن عينيها لمعتا بشيء من الأمل لأول مرة منذ أيام أما يامان فقد ظل ينظر إلى الضفة الأخرى وصدره يعلو ويهبط بقوة وشعر أن المعركة انتهت
رفع رأسه قليلًا وظن أن النصر أصبح واقعًا لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا
فجأة انطلق صوت بوق عميق من جهة جيش سولين فتوقف الجميع ولم يكن صوت انسحاب بل كان أعمق وأثقل كأنه قادم من مكان أبعد من ساحة المعركة نفسها
ثم بدأت صفوف جيش سولين تتحرك لكنها لم تتقدم بل انحرفت إلى الجانبين في صمت غير طبيعي وكأنها تفسح الطريق لشيء لا يجرؤون على الوقوف أمامه
تجمدت الأنفاس وثبتت العيون نحو الضفة الأخرى ومن بين الضباب والدخان بدأ يظهر جيش جديد لم يكن يشبه المرتزقة ولا مصاصي الدماء وكانت أجسادهم باهتة متيبسة وعيونهم خالية وحركتهم بطيئة لكنها ثابتة كأن الموت نفسه يسير على قدميه
كان ذلك جيش الموتى الأحياء يتقدم في صمت مخيف بلا صراخ ولا اندفاع فقط خطوات ثقيلة تهز الأرض
وفي مقدمتهم ظهر مخلوق طويل بشكل غير طبيعي وجسده مغطى بدرع داكن كأنه جزء منه وعيناه تشتعلان بضوء بارد خالٍ من الحياة وكان حضوره وحده كافيًا ليجعل الهواء يبرد فجأة
وقف يامان ومن معه في أماكنهم لكنهم لم يتحركوا هذه المرة فلم تكن هناك طاقة متبقية لا في الأجساد ولا حتى في الأرواح وكان المستذئبون بالكاد يستطيعون رفع رؤوسهم بينما وضعت جود يدها على سيفها دون أن تسحبه
أما يامان فقد نظر إلى ذلك الجيش الجديد وشعر بثقل عميق كأن الأرض نفسها تضغط عليه ولم يكن هذا هجومًا جديدًا بل كان أشبه بنهاية تقترب
وبينما كان جيش الموتى الأحياء يتقدم ببطء عبر النهر أدرك يامان ومن معه أنهم قد وصلوا إلى حدودهم وأن ما ينتظرهم الآن ليس مجرد معركة أخرى بل اختبار أخير بين الحياة والموت
#ملك_بلا_عرش
٢٤
اندفع جيش الموتى الأحياء عبر النهر بخطوات ثقيلة ثابتة وكأن لا شيء في هذه الأرض قادر على إيقافه ولم يكن هناك صراخ ولا اندفاع بل تقدم بارد لا يعرف التردد ومع أول اصطدام مع ما تبقى من جيش يامان بدأت الكارثة
حاول المستذئبون القتال رغم الإنهاك ورفعوا أسلحتهم وقفزوا بما تبقى لديهم من قوة لكنهم كانوا يواجهون شيئًا لا يسقط بسهولة وكانت ضرباتهم تمزق الأجساد لكن تلك الأجساد تعود للحركة بعد لحظات وكأن الموت نفسه لم يعد نهاية لهم
سقط أول المستذئبين ثم نهض من جديد لكن هذه المرة لم يعد كما كان وتحولت عيناه إلى فراغ بارد وتحرك بجسد متيبس لينضم إلى صفوف الموتى الأحياء
تراجع آخر خطوة لكنه سقط تحت أيديهم وبعد لحظات نهض هو أيضًا ليس كحليف بل كعدو
واحدًا تلو الآخر بدأ جيش يامان الصغير يُلتهم ليس فقط بالقتل بل بالتحول وكل جسد يسقط يعود ليقف في صفوف المخلوق القائد وكل لحظة تمر تزيد عددهم أكثر
حتى جثث مصاصي الدماء المرتزقة التي ملأت الأرض بدأت تتحرك وتنهض ببطء وتدخل في ذلك الجيش المخيف وكأن ساحة المعركة كلها قد أصبحت مصدرًا لا ينتهي لقوات جديدة
صرخت جود وهي ترى أحد المستذئبين الذي قاتل بجانبها منذ البداية ينهض أمامها بوجه خالٍ من الحياة وتراجعت خطوة وهي تضربه بسيفها لتسقطه مرة أخرى لكنها أدركت الحقيقة
لن يتوقفوا
وفي وسط هذا الجحيم وقف يامان يقاتل بجنون وكان يضرب ويسقطهم بالعشرات لكنهم يعودون ويقفزون عليه من كل اتجاه ويمسكون بجسده ويحاولون إسقاطه لكنه كان يمزقهم بقوة هائلة ويشق طريقه بينهم رغم التعب الذي يكاد يسقطه
ثم صرخ بصوت حاد جود اهربي
التفتت إليه وهي تلهث وترفض الفكرة لكنه كرر الأمر بقوة أكبر وأشار نحو التلال ثم إلى عمق الأرض المحرمة وقال إن تلك المخلوقات بطيئة ولن تستطيع اللحاق بها إذا تحركت بسرعة وأن بقاءها هنا يعني أنها ستتحول مثل الآخرين
ترددت للحظة وعيناها تمتلئان بالغضب والألم لكنها رأت الحقيقة حولها ورأت المستذئبين يسقطون ويعودون ورأت الأرض تتحول إلى جيش ضدهما وأدركت أن البقاء يعني النهاية
تراجعت خطوة ثم أخرى وهي تنظر إليه وقالت بصوت مكسور إنها لن تتركه لكنه نظر إليها بعينين حادتين رغم التعب وقال إن هذه ليست نهاية المعركة بل بداية شيء أكبر وأنها إذا بقيت فلن يبقى أحد ليكمل ما بدأوه
صمتت لحظة ثم استدارت أخيرًا وانطلقت وركضت بأقصى ما تبقى لديها من قوة مبتعدة عن ساحة الموت وتقفز فوق الصخور وتتجاوز الجثث بينما كان خلفها صوت المعركة يزداد ظلمة
أما يامان فبقي وحده وسط الآلاف بل عشرات الآلاف وكل لحظة يزداد العدد والموتى الأحياء يندفعون نحوه من كل اتجاه بلا خوف بلا توقف ويسقطهم ثم ينهضون ويمزقهم ثم يعودون حتى بدأ جسده يثقل أكثر وأكثر
لكن وسط ذلك الجنون بدأ عقله يرى الحقيقة وتوقف لجزء من لحظة فوق كومة من الأجساد ونظر حوله وكلهم يتحركون بنفس الإيقاع ونفس البطء ونفس الفراغ في العيون
ثم نظر بعيدًا نحو الضفة الأخرى حيث يقف ذلك المخلوق ثابتًا لا يتحرك لكن وجوده يسيطر على كل شيء
في تلك اللحظة أدرك يامان الحقيقة وأن هؤلاء ليسوا جيشًا بل امتداد له وأنه إذا استمر في القتال هكذا فلن ينتهي الأمر أبدًا
تنفس بعمق رغم الألم وعيناه تشتعلان من جديد وقال بصوت منخفض وسط الزحام لدي فرصة واحدة
ثم رفع رأسه نحو ذلك القائد البعيد وقال إذا سقط هو سقطوا جميعًا
وفي اللحظة التالية اندفع للأمام ليس ليقاتل الجيش بل ليشق طريقه عبره نحو الهدف الوحيد نحو المخلوق الذي يجب أن يموت مهما كان الثمن
استجمع يامان ما تبقى لديه من قوة واستدعى سرعته الكامنة في جسده ومعها مقاومته الطبيعية لذلك الوباء اللعين الذي لم يستطع السيطرة عليه كما فعل مع الآخرين بسبب تلك الأعشاب التي تجرعها منذ وقت طويل قبل أن تبدأ هذه الحرب وكأنه كان يستعد لهذه اللحظة دون أن يدري
شعر بجسده يشتعل من الداخل لكن ليس بالضعف بل بالقوة وكانت عروقه تضخ اندفاعًا غريبًا يمنحه قدرة على التحرك رغم كل الجراح ورغم التعب الذي كان يجب أن يسقطه منذ زمن
اندفع فجأة كوميض خاطف يخترق صفوف الموتى الأحياء ولم يعد يتحرك بعشوائية بل أصبح طريقه واضحًا هدفه واحد فقط
كان يراوغهم بسرعة تفوق إدراكهم يضرب من يعترض طريقه دون توقف ويشق طريقًا مستقيمًا وسط ذلك البحر من الأجساد المتحركة التي تحاول الإمساك به لكنها تفشل في اللحاق به
عيناه كانتا مثبتتين على ذلك القائد
ذلك المخلوق الذي يقف فوق صخرة مرتفعة يراقب كل شيء في صمت مخيف
كان يمسك بصولجان غريب يحركه ببطء وكأن كل إشارة منه تحرك ذلك الجيش بأكمله وكان معطفه الأحمر الطويل يرفرف خلفه رغم سكون الهواء كأنه قطعة من الدم تمتد في الظلام
عضلاته كانت بارزة بشكل غير طبيعي وجسده مشدود كأنه لم يعرف الضعف يومًا أما وجهه فكان مشوهًا بدرجة مرعبة ملامحه غير متناسقة وعيناه غارقتان في ظلام بارد لا يحمل أي أثر للحياة
كان يراقب يامان منذ اللحظة التي بدأ فيها اندفاعه
لم يتحرك
لم يتراجع
بل انتظر
كلما اقترب يامان أكثر كان ذلك المخلوق يظل ثابتًا فوق الصخرة كأنه يعرف أن هذه المواجهة ستأتي
حتى وصل يامان إلى أسفل الصخرة مباشرة ورفع رأسه نحوه وعيناه تشتعلان بتصميم أخير
وفي تلك اللحظة فقط تحرك المخلوق
انحنى قليلًا ثم قفز دفعة واحدة
قفزة واحدة فقط
لكنه هبط أمام يامان مباشرة كأنه قطع المسافة بلا زمن
اهتزت الأرض تحت قدميه لحظة هبوطه وتناثر الغبار من حولهما بينما توقفت المخلوقات الأخرى لجزء من الثانية وكأنها تنتظر ما سيحدث
وقف الاثنان في مواجهة مباشرة
يامان يلهث وجسده مثقل بالجراح لكن عينيه لا تزالان مشتعلة
والمخلوق يقف بثبات مهيب يمسك صولجانه وينظر إليه بنظرة باردة خالية من أي شعور
وفي ذلك الصمت الثقيل أدرك يامان أن هذه ليست مجرد معركة
بل النهاية التي كان يسير نحوها منذ البداية
اندفعت المواجهة بين يامان والمخلوق في لحظة واحدة دون إنذار وكأن الأرض نفسها دفعت بهما نحو بعضهما واصطدمت قوتهما بعنف جعل الهواء يهتز من حولهما
تحرك يامان أولًا بسرعة خاطفة وضرب بكل ما تبقى لديه من قوة لكن المخلوق تصدى له بسهولة غير متوقعة وكأن حواسه بشرية خالصة لا تخطئ ولا تتأخر جزءًا من اللحظة
تراجع يامان خطوة وهو يحدق فيه بدهشة فقد شعر أن خصمه لا يقل عنه قوة بل يكاد يساويه تمامًا في السرعة والاندفاع وحتى في طريقة القتال
لم يمنحه المخلوق فرصة للتفكير وانقض عليه بهجوم مباشر واصطدم جسداهما بقوة هائلة فتصدعت الصخرة تحت أقدامهما وتناثرت شظاياها في كل اتجاه
توالت الضربات بينهما بسرعة مرعبة وكانت كل ضربة كفيلة بتفتيت جزء من الأرض أو اقتلاع جذور شجرة قريبة واندفعت التربة في الهواء وكأن ساحة المعركة تتحول إلى عاصفة من الغبار والصخور
قفز يامان مبتعدًا ثم عاد بهجوم أعنف محاولًا كسر توازن خصمه لكن المخلوق التف حوله بسرعة غير طبيعية وضربه بقوة أسقطته أرضًا وشق التربة تحت جسده
نهض يامان فورًا وهو يزأر بغضب وانطلق نحوه من جديد والتحما مرة أخرى في صراع جسدي عنيف تشابكت فيه الأذرع واحتكت المخالب بالعظام وكأنهما وحشان لا يعرفان التراجع
وفي تلك اللحظات كان جيش الموتى الأحياء يقف في صمت تام بلا أي حركة وكأنهم تماثيل مثبتة في أماكنها لا يهتز منهم أحد ولا حتى رأس واحد وكان ذلك السكون نتيجة إشارة واحدة من صولجان أميرهم الذي أوقفهم جميعًا ليشهدوا هذه المواجهة
ضغط يامان بكل قوته محاولًا دفع المخلوق للخلف لكن الأخير لم يتحرك بل ابتسم ابتسامة باردة ثم فجأة انحنى والتف حول ذراع يامان
وفي لحظة خاطفة غرس أنيابه في يده
تجمد يامان لجزء من الثانية من شدة المفاجأة ثم دفعه بعنف بعيدًا عنه وهو ينظر إلى الجرح بذهول
ارتفع رأس المخلوق ببطء وعلى وجهه ابتسامة صفراء مريضة وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ البداية
شعر يامان بألم مختلف ينتشر في ذراعه لم يكن كأي جرح أصابه من قبل بل كان إحساسًا باردًا يتسلل داخل عروقه ببطء
تراجع خطوة وهو يحاول تجاهل ذلك الشعور فقد كان يعلم أنه مقاوم لذلك الوباء بسبب الأعشاب التي تناولها وكان واثقًا أن جسده لن يستسلم
لكن هذه المرة كانت مختلفة
بدأت رؤيته تهتز قليلًا وشعر بثقل غريب في أطرافه وكأن جسده لا يستجيب بنفس السرعة
نظر إلى المخلوق الذي كان يراقبه بهدوء وثقة وكأنه يعرف تمامًا ما يحدث داخله
حاول يامان التقدم مرة أخرى لكن قدميه لم تتحركا بنفس القوة واهتز توازنه للحظة قبل أن يستعيده بصعوبة
وفي تلك اللحظة أدرك الحقيقة
أن تلك القضمة لم تكن كأي قضمة
وأن هذا الأمير لا يمنح الموت فقط
بل يمنح شيئًا أسوأ
ومع مرور اللحظات بدأ جسد يامان يترنح رغم محاولته المقاومة بينما كانت ابتسامة المخلوق تتسع ببطء كأنه يرى بداية النهاية تتشكل أمامه
#ملك_بلا_مملكة
٢٥
شعر يامان ان جسمه مش ملكه، الحركات إلى كان بيحاول يعملها مش قادر
بينما خصمه يضحك بسخريه وفى إيده الصولجان
ضرب المخلوق الصولجان فى الأرض المخلوقات الصامته
صرخت بكلمه غريبه بعدها بدأت تهاجم يامان ،يامان دافع عن نفسه، لكن نظره ضعف، كان فيه غشاوة على عنيه
راح يامان يضرب بلا تركيز معتمد على قوته، حاول أن يشق مخرج للهرب لكن الاف الموتى الأحياء احاطو به.
تعرض للعض أكثر من مره وسحق رؤوس المئات من المهاجمين لكن فى النهايه راحت قوته تضعف وتركيزه يقل
سولين من قلعتها ابتسمت جلست على المقعد وهمست الان يأتى لى يامان خاضع زليل
صرخت على الخادمات حضرو الحمام ،ضعو به زهور النرجس والتوليب ،سترتدى سولين فستانها الخاص لاستقبال يامان
أرادت ان تكون جميله
كانت تعرف أن قبل أن تخرج من الحمام الساخن سيكون يامان على باب القلعه والبوق الكبير يصرخ لإعلان النصر.
داخل أرض المعركه يامان وقع على الأرض اكتر من مره
المخلوقات سدت عليه طريق الهرب
وعندما حضر النسر العملاق باتريك لانقاذه ،أمير الموتى الأحياء ارسل اليه احد وحوشه منعه من الاقتراب
اصبح يامان وحيد واعتقد ان نهايته أصبحت وشيكه وحتميه
وسط كل هذا الصخب ويامان يعافر من أجل حياته
سمع صوت عالى اصمد يا يامان اصمد
لم يرى يامان اى شيء لان بصره اختفى وكان يقاتل بحواسه
لكنه سمع الصوت
وسمع غضب أمير الموتى الأحياء الذى آمر حشوده اعتراض طريق الشخص القادم
راحت جود تضرب كل من يعترض طريقها بقوه وبسرعه
مستخدمه قواها الذئبيه ومناعتها من الأعشاب
تقفز مسافات بعيده حتى اقتربت من يامان
ثم صرخت يامان ؟
همس يامان جود ؟
لماذا اتيتى ؟
طلبت منك ان تهربى ؟
صرخت جود، لا شرف فى الهرب يا يامان، ثم اذا هربت من سينقذك ؟
صرخ يامان لا تجعلى المخلوق يلمسك او يقضمك
فى فمه سحر غريب
اركض يا يامان اتبع صوتى امرته جود
ركض يامان مطيع بكل من فى طريقه حتى وصل جود
امسك طرف قميصى يا يامان سوف اقودك ولا تتوقف عن الضرب!
قال يامان اين المخلوق ؟
قالت جود المخلوق اختفى...
امسك يامان طرف ثوب جود التى قادته نحو المستنقع الملعون فى الشمال وكل أملها ان تعبر النهر
لان الموتى الأحياء لا تعبر الأنهار، اشتم يامان رائحة عطر جود وكان شعرها الناعم يلسعه فى وجهه وصرخاتها تحرك قلبه ،اصمد يا يامان ،ظل معى من فضلك اقتربنا
عبرت جود النهر ويامان خلفها اصبحو على حدود مياه المستنقع الملعون
اين نحن سألها يامان ؟
على حافة المستنقع يا يامان
صرخ يامان توقفى لا تعبرى المستنقع الحيات ستلتهمك
لكن ؟ قالت جود الجنود خلفنا ؟
ترك يامان فستان جود ووضع يده على الارض ثم راح يتمتم وهو مغمض العينين ثم قال الان سنعبر
خاضت جود مياه المستنقع بعد أن رفعت ملابسها وهى مبتسمه أن يامان لا يستطع رؤيتها عبرت بين الحيات الضخمه دون أن تعترض طريقها وعندما حاول الجنود اللحاق بهم ظهرت حيات عملاقه ابتعلت من اقترب من المستنقع
عندما وصل يامان الضفه القى بجسده على الأرض كان يتنفس بصعوبه واضطرت جود لحمله نحو احد الكهوف القريبه.
تكملة الرواية من هناااااااا


تعليقات
إرسال تعليق