القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات

 رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات 



رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات 



#ملك_بلا_مملكة

        ١٦


كان جسد يامان ملقى فوق التراب والجنود يصرخون حوله بينما قدم سولين ما زالت تضغط على كتفه الجريح والعرق يسيل من جسده والفيروس ينتشر فى عروقه مثل نار بطيئة تحاول أن تكسر إرادته. 

فتح عينيه للحظة ونظر إلى السماء الرمادية فوق القلعة ثم أغمضهما بهدوء غريب لم يتوقعه أحد،ترك الزئير ينطفئ داخل صدره وترك أنفاسه الثقيلة تهدأ شيئا فشيئا وكأنه انسحب من ساحة المعركة رغم أن جسده ما زال فى قلبها

فى تلك اللحظة سمح لروحه الثائرة أن تتراجع خطوة إلى الخلف،لم يعد يقاوم بالغضب ولا بالمخالب ولا بالقوة

ترك الغضب ينسحب من داخله وترك الألم يمر عبر جسده دون أن يقاومه،كان يعرف شيئا واحدا فقط،إن استمر فى القتال كذئب فسيسقط،لذلك ترك عقله يغوص عميقا فى الصمت،سقط فى تأمل عميق كما لو أنه يغوص فى بئر مظلم داخل روحه.


ابتعد عن صراخ الجنود وعن ضحكاتهم وعن صوت سولين وهى تعلن انتصارها،لم يعد يسمع سوى دقات قلبه البطيئة

بدأ يستدعى الإنسان الذى كانه،الإنسان الذى عاش قبل أن يصبح ذئبا وقائدا للقطيع،بدأ يجمع بقايا وعيه البشرى قطعة قطعة،التحكم فى التنفس،التحكم فى النبض،التحكم فى الجسد،ببطء شديد بدأ الجسد الضخم يرتجف

كانت التغيرات تبدأ من العمق ثم تتحرك نحو السطح،الفرو الكثيف بدأ ينكمش قليلا،العظام الهائلة بدأت تتقلص

العضلات المتوحشة التى صنعت جسد الذئب بدأت تعود تدريجيا إلى شكلها البشرى،كل ذلك حدث ببطء تحت الغبار وتحت أعين الجنود الذين لم يفهموا ما يحدث،فى تلك اللحظة رفعت سولين قدمها عنه ورفعت يدها للجنود وهى تأمرهم بصوت حاد،قالت لهم أن يقيدوا هذا الذئب ويجروه إلى داخل القصر،قالت إنها تريد أن تراه مقيدا أمام عرشها حتى يعرف مكانه الحقيقى، اندفع الحراس نحو الجسد الملقى على الأرض وهم يحملون السلاسل الثقيلة

لكن أحدهم توقف فجأة،نظر إلى الجسد الملقى ثم تراجع خطوة بارتباك،الذئب لم يعد يبدو كما كان قبل لحظات

الفرو كان يختفى،الحجم الضخم بدأ يتقلص

العظام تغير شكلها ببطء مرعب،فى لحظات قليلة لم يعد الجسد جسد ذئب،بل جسد رجل مغطى بالدماء والجراح

وقف الحارس مذهولا وهو ينظر إلى ما حدث

وعندها التفتت سولين بحدة عندما لاحظت توقف الجنود

صرخت فيهم بغضب تسألهم لماذا توقفوا

لكن كلماتها انقطعت فجأة عندما وقعت عيناها على الجسد فوق الأرض، لم يعد هناك ذئب

بل رجل بشرى الجسد ملقى وسط التراب والدماء

اتسعت عيناها ببطء وظهر على وجهها ذهول لم تشعر به منذ سنوات، همست داخل نفسها دون أن يسمعها أحد

مستحيل،هذا مستحيل

كيف يمكن لذئب أن ينسلخ من هيئته هكذا بعد أن حقنته بالفيروس،كيف تمكن من العودة إلى حالته البشرية،كيف فعلها هذا الذئب المجنون؟


ظل الجسد البشرى ليامان ملقى فوق التراب لثوانى بينما الجنود يحدقون فيه غير مصدقين ما رأوه قبل لحظات

كان الدم يغطى صدره وكتفيه والجراح التى مزقت جسد الذئب ما زالت مفتوحة تنز ببطء فوق جلده البشرى

تحركت أصابعه أولا ثم ارتجف كتفاه قليلا كأن الحياة تعود إلى جسده من جديد

ثم دفع الأرض ببطء وبدأ ينهض حتى وقف أخيرا فوق قدميه

كان جسده البشرى مغطى بالدماء والعرق والغبار والجروح العميقة تشق صدره وذراعيه لكن رغم ذلك وقف بثبات غريب كأنه لم يسقط قبل لحظات أمام جيش كامل

رفع رأسه ببطء ونظر مباشرة نحو سولين وكان الهدوء الذى ظهر فى عينيه أكثر إزعاجا من زئير الذئب قبل قليل

ثم ظهرت ابتسامة بطيئة على شفتيه ابتسامة لم تكن ابتسامة رجل مهزوم

رفع يده الملطخة بالدم ولوح لها بخفة كأنهما يقفان فى بداية مبارزة عادية

وقال بصوت أجش لكنه واضح المعركة لم تبدأ بعد

ثم أمال رأسه قليلا ونظر إليها بنظرة ساخرة وقال هل تعبت الزعيمة

ساد الصمت للحظة بين الجنود وتبادل الحراس النظرات بينهم وهم يحدقون فى الرجل الذى يقف أمامهم

كان بعضهم يهمس للآخرين بدهشة كيف يمكن لبشرى أن يقف هكذا بعد ما حدث وكيف يمكن لبشرى أن يتجرأ ويقف أمام فامبير من سلالة الملوك

كانوا قد رأوا الذئب يقاتل من قبل لكن ما يقف أمامهم الآن مجرد إنسان مغطى بالدماء وكان هذا فى نظرهم أسهل بكثير من مواجهة وحش عملاق

حتى سولين نفسها كانت تحدق فيه بصمت وكانت تعرف جيدا أن ما فعله يامان قبل لحظات أمر نادر للغاية

الانسلاخ من هيئة الذئب والعودة إلى الشكل البشرى تحت تأثير الفيروس كان شيئا لم تره من قبل وكان حدثا فريدا بكل معنى الكلمة

لكن فى الوقت نفسه كانت تعرف شيئا آخر وهو أن الذئب فى هيئته المتوحشة أخطر بكثير من الإنسان

أما الآن فالذى يقف أمامها مجرد رجل مجروح ينزف الدم

وفى نظرها سحق بشرى داخل ساحة القتال أسهل بكثير من ترويض ذئب متوحش وصل إلى أبواب قلعتها

ضاقت عيناها قليلا وهى تنظر إليه ثم تقدمت خطوة نحوه بثقة أكبر وكأنها قررت إنهاء هذه المسرحية بسرعة بينما كان الجنود من حولهما يترقبون اللحظة التى ستبدأ فيها الجولة الجديدة من القتال


اندفع يامان فجأة نحو أقرب حارس يقف على أطراف الساحة وكانت الحركة سريعة لدرجة أن الحارس لم يفهم ما يحدث إلا عندما شعر بيده تُدفع بعنف ويُنتزع السيف من قبضته

استدار يامان بالسيف فى يده والدم ما زال يغطى صدره وكتفيه ثم وقف فى مواجهة سولين وقد انعكس ضوء الساحة على النصل الملطخ

نظر الجنود بدهشة إلى الرجل الجريح الذى يقف أمام ملكتهم وكأنه ما زال يملك طاقة لا تنتهى،لكن ما حدث بعد ذلك كان أغرب مما توقعوه،أغمض يامان عينيه ببطء

لم ينظر إلى سولين ولم يتخذ وضع الحراسة المعتاد بل وقف بثبات وعيناه مغمضتان كأنه يستمع لشىء لا يسمعه أحد غيره،تحركت سولين بسرعة الفامبير المعتادة وانطلقت نحوه كظل أسود ينقض على فريسته،لكن فى اللحظة التى ظهرت فيها أمامه تماما تحرك سيف يامان،انطلق النصل بدقة مرعبة وقطع الهواء حتى شق جانب درعها ومزق جلدها تحته

تراجعت خطوة وهى تحدق فيه بدهشة

كانت الجروح فى جسدها تلتئم بسرعة كما يحدث دائما لكن ما حدث كان غير مريح لها

تحركت مرة أخرى بسرعة أكبر محاولة أن تدور حوله وتهاجمه من الخلف

لكن يامان ما زال مغمض العينين وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون

وما إن اقتربت حتى اندفع السيف مرة أخرى فى اللحظة الدقيقة التى ظهرت فيها أمامه

مزق النصل كتفها هذه المرة وانفتح الجرح بوضوح قبل أن يبدأ بالالتئام من جديد

بدأت سولين تتحرك بسرعة أكبر وتغير مواقعها باستمرار محاولة كسر هذا الإيقاع الغريب

لكن كل مرة كانت تظهر فيها أمامه كان السيف ينتظرها

ضربة فى الذراع،طعنة فى الجانب،شق طويل فوق درعها الأسود،الجروح كانت تلتئم لكنها تتكرر بسرعة جعلت الأمر أشبه بمطر من الفولاذ يلاحقها،كان يامان يتحرك بخفة غير معقولة لرجل بشرى ينزف هذا القدر من الدم

خطواته كانت سريعة وقوية وحركته تكاد تبدو إعجازية أمام الجنود الذين راقبوا المشهد بذهول

همس بعضهم لبعض بأن هذا ليس قتال بشر عادى

حتى سولين بدأت تشعر بأن هناك خطرا حقيقيا يتشكل أمامها،ثم حدثت اللحظة التى جعلتها تتوقف تماما

اندفعت نحوه محاولة توجيه ضربة قاضية لكن قبل أن تصل إليه تحرك يامان خطوة واحدة للأمام، وغرس السيف فجأة فى صدرها،توقف النصل على بعد شعرة من قلبها

كانت الحافة المعدنية تضغط بجوار قلبها مباشرة

تجمدت للحظة وهى تشعر ببرودة النصل قرب أكثر نقطة ضعف فى جسدها،اقترب يامان قليلا وهمس بصوت منخفض لا يسمعه الجنود،قال المرة القادمة ستكون نهايتك

اتسعت عيناها للحظة لكنها لم تبد خوفا،لأن عقلها كان يعمل بطريقة مختلفة، كانت زعيمة وملكة قبل أن تكون مقاتلة

وكانت تعرف أن شخصا مثل يامان لا يمكن تركه حرا

وجوده وحده يمثل خطرا وخيانة للدولة التى تحكمها

هذا الذئب يجب الإمساك به،يجب دراسته وتشريحه ومعرفة السر وراء هذه القوة الغريبة

بينما كانت تلك الأفكار تدور فى عقلها كانت تستعد لإصدار الأمر للحراس أن يقيدوه وأن يحقنوه بالمهدئات حتى يسقط تماما،لكنها لم تكن تعرف شيئا واحدا،يامان كان يقرأ أفكارها فى تلك اللحظة،وقبل أن تفتح فمها لتنطق بالأمر تحرك فجأة

سحب السيف من صدرها وقفز إلى الخلف بسرعة خاطفة

ثم اندفع مبتعدا عبر الساحة بحركة بشرية سريعة أربكت الحراس،وقف على صخرة بعيدة للحظة ثم صرخ بصوت هز المكان،نلتقى فى أرضى يا سولين،ثم اندفع مبتعدا بسرعة مذهلة واختفى فى الظلال خارج أسوار القلعة،ساد الصمت فى الساحة للحظات،كانت تلك المرة الأولى التى يهرب فيها يامان من نزال، لكنه كان يعرف الحقيقة جيدا

هزيمته كانت تقترب،ليس لأن خصمه أقوى،بل لأن الخيانة تحيط به من كل جانب

وكان عليه أن يجد سلاحا جديدا يستطيع به مواجهة كل ذلك قبل أن يأتى اللقاء القادم.


#ملك_بلا_مملكة


          ١٧


تراجع يامان أعمق داخل الغابة حتى ابتلعت الأشجار صوته ولم يعد يرى خلفه سوى ظلال الليل،كان جسده متعبا والجراح التى تركتها معركة القلعة ما زالت تنزف ببطء. جلس قرب جدول ضيق تحيط به الأعشاب البرية ووضع يده فى الماء البارد ليغسل الدم عن ذراعيه.

ظل صامتا فترة طويلة وهو يفكر فى الفيروس الذى حقنته به سولين، كان يشعر أحيانا بوخز بارد يتحرك فى عروقه كأنه شىء يحاول أن يجد مكانا داخل جسده.


رفع رأسه ببطء ونظر إلى الأعشاب المنتشرة حوله. فى تلك اللحظة عاد إلى ذاكرته ما قرأه قديما عن الساحرة Circe  كانت ابنة Helios وقد تعلمت سحرها من النباتات التى كانت تطحنها لتصنع ما كانت تسميه الفارماكا،عندما تحدت الالهه 

تذكر أسماء الأعشاب التى كانت تعتمد عليها فى خلطاتها،

نهض يامان ببطء وبدأ يبحث فى محيط الجدول حتى وجد نباتا طويلا بأوراق عريضة داكنة،عرفه فوراً، كان نبات المولي الذى كان  له قدرة على مقاومة السموم والسحر، اقتلع الجذر بحذر ثم وضعه فوق حجر مسطح.

بعد ذلك سار بين الأشجار حتى وجد شجيرة صغيرة تحمل أزهارا بنفسجية. كانت زهرة الماندراجورا التى كانت سيرسى تستخدم جذورها فى أقوى خلطاتها،حفر حول الجذر حتى أخرجه من الأرض ثم حمله معه.

واصل البحث حتى وجد نبتة أخرى تنمو قرب الماء ذات أوراق فضية خفيفة،كانت نبتة الهينبان التى كانت تستعمل فى الفارماكا لإبطاء تأثير السموم داخل الجسد.


جمع يامان الجذور الثلاثة ثم عاد إلى الصخرة قرب النار الصغيرة التى أشعلها بين الحجارة،،

غسل جذور المولي أولا فى ماء الجدول ثم بدأ يسحقها بحجر ثقيل حتى تحولت إلى عجينة لزجة ذات رائحة قوية، بعد ذلك قطع جذر الماندراجورا وأخذ جزءا صغيرا منه وسحقه مع المولي، كانت الرائحة تزداد حدة مع كل ضربة حجر.

ثم أضاف أوراق الهينبان وسحقها مع الخليط حتى أصبح لونه داكنا يميل إلى الأسود

تذكر ما كانت تقوله سيرسى فى وصف الفارماكا، كانت تقول إن الأعشاب لا تعطى قوتها حتى تختلط بحرارة النار

وضع يامان الخليط فوق حجر مسطح قرب اللهب وتركه يسخن ببطء، بدأ البخار يرتفع من العجينة ومعه رائحة مرة تشبه الدخان المر

عندما برد الخليط قليلا أخذ جزءا منه ووضعه مباشرة فوق الجرح الذى دخل منه الفيروس،شعر بحرارة قوية تنتشر تحت جلده وكأن الدم نفسه يقاوم شيئا غريبا يحاول السيطرة عليه،ثم أخذ قليلا من العصارة الداكنة وشربها رغم مرارتها،جلس بعدها بصمت طويل بينما النار الصغيرة تشتعل أمامه، كان يشعر بأن الحرارة تسير فى عروقه وأن جسده بدأ يقاوم البرودة الغريبة التى تركها الفيروس،فتح عينيه أخيرا ونظر إلى الظلام بين الأشجار،كان يعرف أن ما فعله مجرد بداية، الأعشاب التى استخدمتها سيرسى لم تكن مجرد علاج بل كانت سلاحا خفيا

وإذا أراد أن يهزم سولين فى اللقاء القادم فعليه أن يتعلم كيف يجعل الأرض نفسها تقاتل معه


مع انطفاء آخر جمرات النار وقف يامان عند حافة الجدول بينما كان الليل ينسحب ببطء من فوق الغابة،كان جسده ما يزال مثقلا بالجراح لكن عقله أصبح أكثر صفاء بعد الشراب العشبى الذى صنعه،أغلق عينيه ببطء كما كان يفعل حين يتحول إلى ذئب ويصغى للعالم من حوله.

ترك أنفاسه تهدأ حتى أصبح صمت الغابة واضحا فى أذنيه، لم يكن يبحث هذه المرة عن فريسة أو عدو بل عن نباتات الأرض نفسها

مد يده إلى الأمام مغمض العينين ومشى ببطء بين الأشجار، كانت أصابعه تمر فوق الأوراق والزهور كما لو أنه يقرأ الأرض بلمسه.

عندما قبض على أول زهرة عرفها من رائحتها الخفيفة،كانت زهرة البياتيكس، اقتلع الجذر برفق ووضعه فى كيس صغير ربطه عند خصره.

واصل السير نحو التلال الصخرية، كان يشعر كأن شيئا خفيا يقوده،وعند سفح التل مد يده بين الأعشاب العالية حتى قبض على نبتة ذات رائحة ثقيلة، فتح عينيه قليلا ليتأكد فوجدها زهرة ااقمر  بجذرها المتشعب العميق ابتسم ابتسامة خفيفة ثم حفر حولها حتى اقتلع الجذر بعناية.

تقدم بعدها نحو الصخور المرتفعة حيث تنمو النباتات التى تحب الشمس القاسية،هناك وجد أوراق الهينبان 

لكن بحثه لم يتوقف عند التلال،كان يشعر أن الأرض تخبئ له المزيد.

اتجه نحو الوديان الضيقة حيث ينمو العشب فى الظل الدائم، مر بين الشجيرات الكثيفة حتى وصل إلى رقعة من النباتات ذات الزهور الزرقاء الصغيرة،انحنى ومد يده وقبض على إحداها، كانت نبتة الأكونيت التى عرفت فى الأساطير بقدرتها على قتل الوحوش أو إضعافها.

رفع رأسه نحو الجبال البعيدة ثم بدأ الصعود عبر الممرات الصخرية،كانت الرياح أقوى هناك والهواء أبرد، عند مدخل كهف صغير شم رائحة نبات مر،اقترب أكثر حتى رأى شجيرة قصيرة بأوراق رفيعة، كانت نبتة الرو التى كانت تستخدم فى التطهير وطرد السموم.

دخل الكهف قليلا حيث لا يصل الضوء إلا خافتا،هناك نمت أعشاب صغيرة قرب الرطوبة المتجمعة بين الصخور،لمسها بحذر ثم ابتسم عندما عرفها، كانت الشيح البرى الذى يستخدم فى تقوية الدم وتنقية الجسد،

خرج من الكهف وعاد إلى أحراش السهول حيث تختلط النباتات البرية بعضها ببعض،كان يمشى مغمض العينين مرة أخرى،يمد يده ويلتقط زهرة ثم يتوقف لحظة يشم رائحتها قبل أن يعرف اسمها،قبض على زهرة الزعتر البرى

ثم أوراق المريمية،ثم جذور السنفيتون التى تساعد الجروح على الالتئام

كل نبات كان يضعه فى كيسه وكأنه يجمع سلاحا جديدا لا يراه أحد.

طوال اليوم كان ينتقل بين الجبال والتلال والوديان والكهوف وأحراش السهول، أحيانا كان يفتح عينيه ليتأكد من النبات الذى وجده، وأحيانا كان يعتمد فقط على الرائحة والملمس كما لو أن الأرض نفسها تخبره أين ينمو كل عشب.

عندما عاد أخيرا إلى قلب الغابة كان الكيس عند خصره ثقيلا بالأعشاب والجذور،

جلس عند صخرة مرتفعة ونظر إلى النباتات التى جمعها،كان يعرف أن هذه ليست مجرد أعشاب،كانت بداية علم جديد سيتعلمه بنفسه،علم الأرض الذى استخدمته سيرسى قديما.

وإذا تعلم كيف يمزج هذه النباتات كما فعلت الساحرة يوما فربما لن يكون الفيروس الذى صنعته سولين كافيا لإيقافه عندما يلتقيان مرة أخرى ،بل لن يكون هناك اى فيروس قادر على إيقافه.


حمل يامان كيس الأعشاب إلى الكوخ حيث كانت جود فى انتظاره ،طلب منها ان تشعل النار ووضع القدر على النار

وعندما سألته جود ما هذا؟

قال يامان انه مخلوط أما ان يقتلنى وإما يجعل جسدى رافض للأمراض الفيروسية ،وانه اذا لم يمت الليله فسوف يستيقظ مخلوق جديد ،قالت جود يعنى ذلك اننى من الممكن أن افقدك ؟

ابتسم يامان هل سيشكل ذلك أدنى فرق ؟

ضربته جود فى كتفه وهمست لا تمزح، سأشرب المخلوط معك ونرى ما يحدث



#ملك_بلا_مملكة


       ١٨


جلس يامان أمام النار بينما كان القدر الصغير يغلي ببطء فوق الحجارة وكانت الأعشاب التي جمعها قد تحولت داخل الماء إلى سائل داكن يميل إلى السواد يعلوه بخار مر الرائحة وكأن الغابة نفسها تخرج أنفاسها من القدر

وقف يامان بصمت وأمسك بعصا خشبية وبدأ يحرك المنقوع ببطء وكانت جذور المولي تطفو أحيانا قبل أن تختفي داخل السائل وأوراق الهينبان تلتف حول نفسها مع الغليان بينما كانت رائحة الماندراجورا الثقيلة تملأ الكوخ

راقبته جود بصمت للحظات قبل أن تقول بهدوء هل أنت متأكد من هذا

لم يرفع يامان عينيه عن القدر وهو يجيب لا ثم أضاف بعد لحظة لكنني متأكد من شيء واحد الفيروس الذي زرعته سولين في جسدي لن يختفي وحده

سكتت جود ثم تقدمت وجلست مقابله بينما مد يامان يده وأطفأ النار قليلا حتى هدأ الغليان ثم سكب السائل في وعاءين حجريين وكان اللون غريبا ليس أسود تماما بل داكنا كظل الليل

أمسك يامان أحد الوعاءين ونظر إلى جود وقال بهدوء هذا قد يقتلني فابتسمت جود ابتسامة صغيرة رغم القلق في عينيها وأخذت الوعاء الآخر وقالت إذن لن تموت وحدك

وقبل أن يعترض رفعت الوعاء وشربت أول رشفة وكان الطعم مرا بشدة كأن الأرض نفسها قد ذابت في الماء فانقبض وجهها للحظة لكنها أجبرت نفسها على ابتلاع المنقوع

نظر إليها يامان بصمت ثم رفع وعاءه وشربه دفعة واحدة وفي البداية لم يحدث شيء وجلس الاثنان بصمت بينما كانت النار تضعف ببطء

لكن بعد دقائق قليلة بدأت جود تشعر بحرارة غريبة في صدرها فوضعت يدها على قلبها وقالت بصوت منخفض يامان

قبل أن تكمل انحنى يامان فجأة وهو يمسك بطرف الطاولة الخشبية فقد كانت الحرارة قد انفجرت داخل عروقه ولم تكن حرارة نار بل حرارة شيء يتحرك في الدم وشعر كأن آلاف الإبر الصغيرة تسير داخل جسده

ارتجفت عضلاته بعنف وسقط الوعاء الحجري من يده وارتطم بالأرض وفي تلك اللحظة شعر يامان بالفيروس يتحرك داخله وكان ذلك الإحساس البارد الذي عرفه منذ أن حقنته سولين لكن هذه المرة لم يكن وحده

فالحرارة التي أطلقتها الأعشاب بدأت تطارده داخل الدم وكأن جسده أصبح ساحة حرب فقبض يامان على صدره بينما كان العرق يتصبب من جبينه أما جود فجلست منحنية وهي تتنفس بصعوبة وكانت الحرارة تنتشر داخلها أيضا لكنها مختلفة أبطأ لكنها عميقة

مرت دقائق ثقيلة ثم فجأة تغير الإحساس فالبرودة التي تركها الفيروس بدأت تتلاشى وكأن الدم نفسه أصبح أكثر قوة

فتح يامان عينيه فجأة وكان يسمع دقات قلبه بوضوح شديد وليس هذا فقط بل كان يسمع أيضا نبض جود ونبضات صغيرة أخرى خارج الكوخ حيوانات الغابة وحشرات الليل وحتى حركة الرياح بين الأشجار

تنفس ببطء وهو يحاول فهم ما يحدث داخل جسده فقد أصبحت الحرارة الآن مستقرة ولم تعد مؤلمة وكأن جسده تعلم كيف يستخدمها

أما جود فرفعت رأسها ببطء وكانت عيناها تلمعان بطريقة غريبة وقالت وهي تلهث قليلا ما الذي فعلناه

نظر يامان إلى يده ولاحظ أن الجرح الذي دخل منه الفيروس كان قد توقف عن الالتهاب تماما بل بدأ يلتئم بسرعة غير طبيعية فأغمض عينيه لحظة وشعر بشيء لم يشعر به من قبل

لم يكن مجرد شفاء بل كان جسده يتغير فالأعشاب التي استخدمها لم تقتل الفيروس فقط بل أجبرت جسده على أن يتعلم كيف يقاومه وكأن الدم نفسه أصبح أكثر ذكاء

فتح عينيه ببطء وقال أظن أن أجسادنا تعلمت كيف تقاتل فنظرت إليه جود بدهشة وقالت تقصد ماذا

أجاب بهدوء أي مرض أو فيروس سيحاول دخول أجسادنا ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال وسيجد أن الدم نفسه يرفضه

ساد الصمت داخل الكوخ للحظة وفي الخارج كانت الغابة تستيقظ مع أول خيوط الفجر

وقف يامان ببطء ولم يعد يشعر بالضعف الذي لازمه منذ معركة القلعة بل كان يشعر بشيء مختلف تماما قوة هادئة تسري في جسده

نظر إلى جود وقال يبدو أننا لم نصنع علاجا فقط ثم نظر إلى الأعشاب المتبقية فوق الطاولة وقال لقد صنعنا بداية شيء جديد. 


خرج يامان من الكوخ مع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تتسلل بين الأشجار وكانت الأرض لا تزال مبللة بندى الليل والهواء البارد يتحرك ببطء بين جذوع الغابة العتيقة.

وقف لحظة ساكنا وكأنه يستمع إلى شيء لا يسمعه سواه لأن جسده أصبح يشعر بالأرض بطريقة مختلفة تماما وكانت أنفاسه عميقة وقلبه ينبض بقوة ثابتة وكأن الدم في عروقه أصبح نارا هادئة لا تنطفئ.

أغمض عينيه للحظة ثم ترك جسده يستسلم لذلك التغير الذي بدأ داخله منذ أن شرب المنقوع فلم يكن الأمر مجرد قوة بل كان شيئا أعمق يشبه انفجار الحياة داخل العظام والعضلات.

 بدأت كتفاه تنحنيان قليلا وارتجفت عضلاته بينما بدأ التحول يمتد في جسده فاشتد ظهره وبرزت عضلاته بقوة حتى بدت كأنها حجارة تتحرك تحت الجلد ثم انحنت أصابعه وتحولت قبضته إلى مخالب قوية ومع زفرة عميقة خرج من صدره زئير هائل لم يكن صوت إنسان ولا ذئب بل صوتا بدائيا قديما يشبه صوت الغابة نفسها عندما تستيقظ.


وفي اللحظة التالية اندفع فجأة كالسهم وانفجر جسده بالحركة بين الأشجار بسرعة لم يعرفها من قبل وكانت الأرض تحت قدميه تتراجع كأن الغابة نفسها تفسح الطريق له.

 تحولت خطواته إلى اندفاعات هائلة وكل عضلة في جسده كانت تعمل بقوة مضاعفة وكان يشعر بالهواء يقطع وجهه بينما كان يسمع كل شيء حوله بوضوح مذهل خفقان أجنحة الطيور وحركة الأرانب بين الأعشاب وارتجاف الأوراق فوق الأغصان العالية.


لكن الحيوانات شعرت به قبل أن يراها فتفرقت الغزلان فجأة من أمامه كأن عاصفة اجتاحت المكان واندفعت الخنازير البرية نحو الأدغال هاربة وحتى الذئاب التي كانت تحكم تلك الغابة اختفت بين الصخور عندما شعرت بمروره لأن يامان لم يعد مجرد صياد بل أصبح شيئا أكبر من ذلك.


قفز فوق جذع شجرة ساقطة بقفزة هائلة كأنه يطير للحظة فوق الأرض ثم هبط بقوة وواصل الركض دون أن يبطئ وكانت كل خطوة أطول من السابقة ثم قفز مرة أخرى فوق جدول ضيق وارتفع جسده في الهواء لمسافة بدت مستحيلة قبل أن يهبط على صخرة كبيرة ويندفع من جديد بين الأشجار.


كانت الأرض المحرمة كلها تتحرك من حوله فالطيور ارتفعت مذعورة في السماء والقردة صعدت إلى قمم الأشجار وحتى الرياح بدت وكأنها تتبع اندفاعه العنيف عبر الغابة. ركض صعودا نحو التلال ثم قفز من حافة صخرية إلى أخرى بقفزة عملاقة جعلته يهبط على بعد أمتار كثيرة في الأسفل لكن جسده امتص الصدمة بسهولة واستمر في الركض دون أن يتوقف.


في تلك اللحظة كان يامان يشعر وكأن حدود جسده قد اختفت فالعضلات لا تتعب والرئتان تمتلئان بالهواء بلا ألم والقوة تتدفق داخله بلا نهاية وكأنه وحش أسطوري تحرر أخيرا.


لكن خلفه بين الأشجار كانت هناك حركة أخرى فقد خرجت جود من الكوخ بعده بلحظات عندما شعرت بالطاقة التي انفجرت في الغابة وبدأت تركض خلفه بسرعة كبيرة أسرع مما ركضت في حياتها من قبل لأن المنقوع الذي شربته قد غير جسدها أيضا وإن لم يغيره بنفس الطريقة العنيفة التي غيرت يامان.


كانت تقفز فوق الصخور وتنزلق بين جذوع الأشجار محاولة اللحاق بظله المتحرك بين الغابة لكنها كانت تدرك أن الفارق بينهما هائل فكلما اقتربت قليلا كان يامان يقفز قفزة هائلة تبعده عشرات الأمتار مرة أخرى. رأت الغزلان تمر بجانبها مذعورة ورأت سربا من الطيور ينفجر من الأشجار عندما مر يامان من تحتها وكانت آثار مروره واضحة في كل مكان كأن عاصفة مرت عبر الغابة.


صرخت باسمه وهي تلهث من الركض يامان توقف لكن صوتها ضاع بين الأشجار ولم يصل إليه لأنه كان ما يزال يركض كالعاصفة داخل أرضه. قفز فوق صخرة ضخمة ثم هبط على حافة واد ضيق قبل أن يندفع نزولا بين الصخور كأن الجاذبية لا تؤثر عليه.


توقفت جود أخيرا فوق تل مرتفع وهي تنظر إلى أثره الذي يختفي بين الأشجار وكانت الغابة كلها قد أصبحت صامتة بعد مروره كأنها مرت بعاصفة حقيقية. تنفست ببطء وهي تحدق في الاتجاه الذي اختفى فيه ثم همست لنفسها ما الذي أصبحت عليه يا يامان.

أما في مكان بعيد داخل الأرض المحرمة فقد كان يامان ما يزال يركض بين الأشجار كقوة جامحة لا شيء في الغابة قادر على إيقافها.


#ملك_بلا_مملكة


      ١٩


كانت الليلة ساكنة فوق الأرض المحرمة، والقمر معلقا عاليا فوق الأشجار الكثيفة بينما كانت الرياح تمر ببطء بين التلال والصخور، لكن ذلك الهدوء لم يكن حقيقيا، فقد كان يامان يشعر منذ ساعات بأن شيئا يقترب من حدود أرضه.

وقف فوق حافة صخرية مرتفعة يراقب الغابة المظلمة بعينيه اللامعتين، وكانت حواسه الجديدة تلتقط كل حركة في الليل، كل ارتجاف في الهواء، وكل نبضة حياة بين الأشجار، ثم أخيرا سمعها بوضوح، خطوات كثيرة تتحرك في الظلام بخفة غير طبيعية، خطوات لا تشبه خطوات البشر.

ظهروا بين الأشجار بعد لحظات، صفوف طويلة من مصاصي الدماء يتقدمون بصمت بعيون حمراء تلمع في العتمة، وكانوا عشرات بل مئات يتحركون بثقة كأنهم يعتقدون أن الأرض أمامهم خالية، تقدم في مقدمتهم محاربون يرتدون دروعا سوداء وتحمل أيديهم سيوفا طويلة لامعة. كانوا جيشا حقيقيا جاء ليعبر الأرض المحرمة ويجعلها ممرا لهم.


لكنهم لم يعرفوا أن هذه الأرض لم تعد أرضا عادية.

وقف يامان على الصخرة دون أن يتحرك حتى أصبحوا قريبين من حدود الغابة، ثم أطلق زئيرا عميقا هز الليل كله. توقف الجيش فجأة، وارتفعت رؤوسهم نحو التلال حيث يقف.


قفز يامان من فوق الصخرة بقفزة هائلة، وسقط بينهم كنيزك أسود ضرب الأرض بقوة جعلت التراب يتطاير حوله، وفي اللحظة التالية بدأ القتل.


اندفع بينهم بسرعة لا يمكن للعين أن تتبعها، وكانت مخالبه تتحرك كوميض حاد يشق الظلام، أول مصاص دماء اقترب منه لم ير سوى ظل يمر أمامه قبل أن تنفصل رأسه عن جسده وتسقط على الأرض.


الثاني حاول أن يرفع سيفه لكن يامان كان قد وصل إليه بالفعل، مزق صدره بضربة واحدة جعلت جسده ينقسم تقريبا إلى نصفين.


ارتفع صراخ مصاصي الدماء في الغابة بينما بدأوا يندفعون نحوه من كل اتجاه. لكنهم كانوا يواجهون شيئا لم يعرفوه من قبل.


كان يامان يتحرك بينهم كعاصفة سوداء، يقفز فوقهم ثم يهبط بينهم ممزقا الأجساد، وكانت قوته الجديدة تجعل كل ضربة منه قاتلة. كان يمسك أحدهم من عنقه ويرميه بعنف نحو الأشجار حتى تتحطم عظامه قبل أن يصل الأرض، ثم يدور فجأة ليشق بطن آخر بمخالبه.


لكن يامان لم يكن وحده في تلك المعركة

فوق صخرة قريبة ظهرت جود، عيناها تلمعان في الضوء الفضي للقمر، وقد تحركت بين الأشجار بخفة لا تقل خطورة عن حركته، كانت تمسك بسيف طويل ورمح قصير على ظهرها.


قفزت من فوق الصخرة داخل المعركة كظل سريع، وغرزت سيفها مباشرة في قلب أول مصاص دماء اقترب منها قبل أن تسحبه وتدور لتقطع رأس آخر بضربة نظيفة.


كانت تتحرك بسرعة مذهلة، تقاتل إلى جانب يامان كأنهما جزءان من عاصفة واحدة تضرب الجيش.


أحد مصاصي الدماء حاول أن يهجم على يامان من الخلف، لكن جود رأت الحركة قبل أن تتم، فقفزت نحوه وغرست رمحها في ظهره بقوة حتى خرج طرفه من صدره.


صرخ المخلوق قبل أن يسقط أرضا بينما سحبت جود الرمح والتفت لتواجه ثلاثة آخرين يندفعون نحوها. تحركت بينهم بسرعة وهدوء قاتل، وتحت ضوء القمر كانت ضرباتها دقيقة وقاسية.


أما يامان فقد أصبح شيئا مرعبا داخل صفوفهم. كان يقفز من جسد إلى جسد، ويمزقهم بلا رحمة، وكانت الأرض تمتلئ بالأجساد المقطعة والدماء السوداء. حاول بعضهم الهرب نحو الغابة لكن سرعته كانت أكبر من الجميع، كان يلحق بهم خلال لحظات ثم يسقطهم واحدا بعد الآخر

استمرت المعركة وقتا قصيرا لكنه كان كافيا لتحويل ساحة الغابة إلى مقبرة

أخيرا لم يبق في المكان سوى الصمت وصوت أنفاس يامان الثقيلة بينما كانت جود تقف وسط الجثث وهي تمسح الدم عن سيفها.


رفع يامان رأسه نحو الغابة المظلمة وكأنه يتأكد أن أحدا آخر لم يبق حيا، كانت الأرض المحرمة قد رفضت الغزاة،

تقدم نحو جود ببطء بينما كان القمر يضيء الساحة المليئة بالجثث، وقال بصوت منخفض لكنه قاسٍ

هذه أرضي،وأي جيش يحاول عبورها سيجد المصير نفسه.


وصل الخبر إلى قلعة سولين قبل الفجر بقليل عندما اندفع رسول مصاصي الدماء عبر البوابات الحديدية وهو مغطى بالغبار والدم الأسود،كانت القلعة تقف فوق الجبال الباردة مثل كتلة من الظلال، أبراجها العالية تخترق الضباب والرياح تعوي حول جدرانها الحجرية القديمة.


توقف الحراس عندما رأوا حالة الرسول وفتحوا له الطريق بسرعة حتى وصل إلى القاعة الكبرى حيث كانت سولين تجلس على عرشها الحجري الطويل،كانت القاعة مضاءة بمشاعل خافتة وكان القادة يقفون على جانبيها في صمت ثقيل.


رفع الرسول رأسه بصعوبة وقال بصوت متقطع إن الجيش الذي أرسل لعبور الأرض المحرمة قد دمر بالكامل وإن المحاربين الذين نجوا بالكاد استطاعوا الهرب.


ساد صمت ثقيل في القاعة،لم تتحرك سولين للحظات لكنها رفعت رأسها ببطء وكانت عيناها تلمعان في الضوء الأحمر للمشاعل ، لم تكن تبدو غاضبة في البداية بل بدت وكأنها تفكر بعمق في ما سمعته.

اقترب أحد القادة وقال بتوتر إن ما حدث لا يمكن أن يكون عملا عاديا لأن القوة التي وصفت في التقرير تتجاوز ما عرفوه عن يامان من قبل.

ابتسمت سولين ابتسامة باردة عندما سمعت ذلك ثم نهضت من عرشها ببطء،كان رداؤها الأسود الطويل ينساب خلفها وهي تتقدم نحو منتصف القاعة.


قالت بصوت هادئ لكنه حاد إن الفيروس الذي زرعته في جسد يامان كان يجب أن يضعفه لا أن يجعله أقوى، وهذا يعني أن شيئا غير متوقع قد حدث.


ثم نظرت إلى القادة حولها وقالت إن ذلك لا يغير الحقيقة الأساسية وهي أن يامان أصبح الآن عقبة يجب سحقها قبل أن تتحول أرضه إلى حصن لا يمكن اختراقه.


أمرت بإشعال كل مشاعل القلعة واستدعاء القادة العسكريين من الأبراج والمعسكرات،وخلال ساعة كانت القاعة تمتلئ بقادة الجيوش ومحاربي النخبة الذين ينتظرون أوامرها.


وقفت سولين أمامهم ورفعت يدها ليعم الصمت ثم أعلنت أن الوقت قد حان لإرسال جيش حقيقي إلى الأرض المحرمة، لم يعد الأمر مجرد محاولة عبور بل أصبح حربا كاملة.


أمرت بتجهيز فيالق مصاصي الدماء المدرعة واستدعاء الصيادين الليليين الذين يتعقبون الوحوش في الجبال، كما أمرت بإخراج الأسلحة القديمة المخزنة في مخازن القلعة وهي الرماح الفضية والسيوف المسمومة والسهام التي صنعت خصيصا لقتل الكائنات المتحولة.


ثم أضافت أن المعركة القادمة لن تعتمد على العدد فقط بل على القوة الساحقة،

طلبت من المهندسين الحربيين تجهيز المنجنيقات الثقيلة التي تقذف النار السوداء وأن يتم تجهيز الوحوش المقيدة في الأقفاص الحديدية لإطلاقها في أرض يامان عند بدء الهجوم.


كان القادة يستمعون بصمت وهم يدركون أن ما يحدث الآن ليس مجرد حملة عسكرية بل بداية حرب إبادة ،وقف الكل صامت ولسان حالهم يقول هل يستحق شخص واحد كل تلك القوة الساحقه ؟

ارتفع صوت قادم من آخر القاعه يدق بعصاة الأرض الصلبة

انت مره اخرى؟ الم يكفيك أننى اخرجتك من السجن ؟

كان الحكيم الأعمى ،اقدم سلالات مصاصى الدماء ،المستشار الذى تكرهه سولين وتحب ان تسمعه

قال الحكيم ،عوضا عن تقيمى حربآ ضخمه من أجل شخص واحد يمكنك اختيار طريق بديل ؟

او حتى ابرام معاهده تضمن لك عبور أمن فى أرض الذئب الحارس؟

اتريد ملكة أقوى مملكة مصاصى الدماء ان تبرم معاهده من أجل ذئب واحد ؟

لما لا تجعله يشاركنى الحكم ايضآ ؟

همس الحكيم، اذا لم تكونى تعرفى قوة الذئب مثلى لما اتخذتى كل تلك الاحتياطات الضخمه ،لا تكابرى يا سولين

حافظى على نصرك ،لا تفقديه من أجل ذئب ؟

صمتت سولين بينما قال الحكيم، أحذرك يا سولين ،النبؤه تتحقق ،الذئب الحارس لن يهزم وستكون نهايتك على يده.


وقفت سولين أخيرا أمام النافذة العالية التي تطل على الجبال المظلمة ونظرت إلى الأفق البعيد حيث تقع الأرض المحرمة،

قالت بصوت منخفض لكنه مليء بالتصميم إن يامان قد فاز بمعركة واحدة فقط لكن الحرب لم تبدأ بعد.


ثم التفت إلى القادة وأعلنت قرارها النهائي بأن جيشا أكبر بعشرة أضعاف سيخرج مع أول ليلة قمر كامل وسيتقدم بكل الأسلحة والوحوش حتى يتم سحق يامان وتدمير أرضه بالكامل.

وفي تلك اللحظة بدأت أبواق الحرب تدوي في القلعة بينما كانت الجيوش تتحرك في الأسفل استعدادا لأكبر حملة عسكرية تقودها سولين منذ قرون.

أما في الغابة البعيدة داخل الأرض المحرمة فكان يامان لا يزال يجهل أن العاصفة الحقيقية لم تصل بعد.


#ملك_بلا_مملكة

          ٢٠


مع غروب الشمس بدأت السماء تميل إلى لون أرجواني داكن فوق حدود الأرض المحرمة، وكانت الضبابات الثقيلة تتجمع ببطء فوق المياه الراكدة في المستنقع الملعون،هناك على حافة تلك الأرض التي لا يجرؤ أحد على عبورها منذ زمن طويل بدأ جيش سولين في التوقف أخيرا بعد مسيرة طويلة عبر الغابات والجبال.


امتدت صفوف مصاصي الدماء على طول الضفة الموحلة للنهر الذي يفصل المستنقع عن قلب الأرض المحرمة، كانت الخيام السوداء ترتفع واحدة بعد الأخرى بينما اشتعلت مئات المشاعل التي انعكس ضوؤها الأحمر فوق الماء الداكن، تحرك الجنود بصمت منظم وهم يثبتون الرايات الطويلة التي تحمل شعار سولين، وكان الشعار يرفرف ببطء في الرياح الباردة القادمة من داخل الأرض المحرمة.


في الخلف كانت المنجنيقات الضخمة تُنصب فوق التلال الطينية، ووقف المهندسون الحربيون يربطون الحبال السميكة ويختبرون أذرع الرمي الثقيلة،وعلى مسافة أبعد كانت الأقفاص الحديدية الكبيرة تُدفع فوق العربات، وكانت تتحرك ببطء بينما يصدر من داخلها هدير وحوش مقيدة لم يرها معظم الجنود من قبل.


أما الصيادون الليليون فقد انتشروا على أطراف المعسكر، عيونهم تراقب الغابة المظلمة في الجهة الأخرى من النهر وكأنهم ينتظرون أن يظهر شيء من الظلال،

كان الجيش هائلا، آلاف المحاربين يقفون الآن عند حافة،الأرض التي رفضتهم من قبل،ورغم ذلك لم يعبر أحد النهر بعد.

فالماء الذي يجري بين الضفتين كان الخط الفاصل بين عالمين، وبين ضفتيه كان المستنقع الملعون يتنفس ببطء ككائن حي قديم، تطفو فوق مياهه فقاعات داكنة بينما ترتفع أبخرة باردة من بين الأعشاب السوداء.


وفي قلب الأرض المحرمة، وعلى مسافة بعيدة فوق التلال الخربة التي تشرف على النهر والمستنقع، وقف يامان وجود يراقبان المشهد.


كانا يقفان فوق صخرة مرتفعة تتآكل حوافها منذ قرون، ومن هناك كان يمكن رؤية أضواء المشاعل التي لا تنتهي في الأسفل،لم تكن مجرد حملة عسكرية،كان جيشا كاملا.


وقف يامان صامتا، عيناه تلمعان في ضوء القمر بينما كان ينظر إلى الصفوف الممتدة من الجنود والخيام والآلات الحربية.

كان يسمع أصواتهم بوضوح حتى من تلك المسافة، صرير الحديد، وقع الأقدام، وصوت الوحوش المحبوسة في الأقفاص.

وقفت جود إلى جانبه وقد عقدت ذراعيها فوق صدرها وهي تنظر إلى السهل الممتد أمامها،قالت بصوت منخفض

لم أرى جيشا بهذا الحجم من قبل

لم يرد يامان في البداية، ظل يراقب المعسكر الضخم للحظات طويلة قبل أن يقول بهدوء،لقد جلبت كل ما تملك

تحركت الرياح فوق التلال فرفرفت عباءة جود قليلا وهي تضيق عينيها نحو الأفق المشتعل بالمشاعل.

قالت إنهم آلاف يا يامان رد وهو لا يزال يراقب المعسكر

أعرف،ثم أشار ببطء نحو النهر الذي يفصلهم عن الجيش

لكنهم لم يعبروا بعد

نظرت جود إلى الماء الداكن الذي يلمع بين الضفتين وقالت

المستنقع الملعون لن يسمح لهم بالمرور بسهولة

ابتسم يامان ابتسامة خفيفة لكنها كانت تحمل شيئا من القسوة

ولا أنا

ساد الصمت للحظة بينما كانا يراقبان الجنود في الأسفل وهم يتحركون كبحر من الظلال تحت ضوء المشاعل.

ثم قال يامان أخيرا

غدا سيحاولون العبور

التفتت جود إليه

وماذا سنفعل

نظر مرة أخرى إلى الجيش الهائل ثم إلى الغابة الممتدة خلفهما، إلى الأرض التي يعرف كل شجرة فيها وكل صخرة،

ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم،سيتعلمون لماذا يسمونها الأرض المحرمة.


ظل يامان واقفًا فوق التلال الخربة يراقب أضواء جيش سولين التي تملأ الأفق عند المستنقع الملعون، وكانت المشاعل تبدو من بعيد كأنها نهر من النار يمتد على طول الضفة الأخرى من النهر.

 وقف صامتًا لوقت طويل بينما كانت الرياح الباردة تمر فوق الصخور الجافة وتحمل معها أصوات الجنود والوحوش المقيدة في المعسكر.


قالت جود وهي تنظر إلى الأفق المشتعل بالمشاعل إنهم أكثر مما توقعت، وإذا حاولوا العبور مع الفجر فستكون معركة لا تشبه أي شيء واجهاه من قبل.


لم يجب يامان فورًا، بل ظل ينظر إلى الظلام الممتد خلف الجبال البعيدة وكأنه يبحث في ذاكرته عن شيء قديم. ثم قال أخيرًا بصوت منخفض إن هذه الحرب لن تُحسم بالقوة وحدها، فالأرض المحرمة واسعة لكن جيش سولين أكبر مما يمكن لشخصين إيقافه.


التفتت جود نحوه وسألته عما يفكر فيه،

قال يامان إن هناك من يعرفون هذه الأرض كما يعرفها هو، محاربات قديمات لا يخضعن لممالك البشر ولا لمصاصي الدماء. ثم نطق الاسم الذي لم يُذكر في هذه الغابة منذ زمن طويل، محاربات الإنكا.


قال إنهن يعشن خلف الجبال السوداء في الهضاب الحجرية،المتجمده ، قبيلة من النساء المحاربات اللواتي أقسمن منذ قرون على حماية الطرق القديمة ومنع جيوش الظلام من عبور الأرض. كانت جود قد سمعت قصصًا عنهن من قبل لكنها لم تكن تعلم أن يامان يعرف طريقه، أو أنه ذهب إلى أرضهم وحارب ضدهم وساعدهم فى حربهم قبل رحيلة 

مد يامان يده نحو صدره وأخرج من بين ثيابه قلادة حجرية صغيرة عليها نقش قديم يشبه شكل ذئب وقمر. قال إن هذه العلامة كانت هدية من قائدتهن منذ سنوات عندما ساعدهن في معركة ضد صيادي الظلال،ثم قال إن الوقت قد حان لطلب الدين القديم.

رفع رأسه نحو السماء وأطلق عواء طويلًا عميقًا خرج من صدره كنداء قديم يتردد بين الجبال،لم يكن عواء ذئب عادي، بل نداء حرب يعرفه من عاش طويلًا في تلك الأرض،

تردد الصوت فوق التلال والصخور ثم اختفى في المسافات البعيدة خلف الجبال،وقفت جود تستمع إلى الصدى وهو يبتعد في الليل وقالت بهدوء إن الأمل أن تسمعه محاربات الإنكا قبل أن يبدأ الهجوم،لكن قبل أن يجيب يامان سمع شيئًا آخر يتحرك بين الصخور خلفهما،التفت الاثنان في اللحظة نفسها،ظهرت ظلال عدة تتحرك ببطء بين الأعشاب الجافة عند سفح التلال الخربة،لم تكن حركة جيش ولا حيوانات برية، بل مجموعة صغيرة تتقدم بحذر شديد وكأنها تخشى أن تُكتشف،اقتربت الظلال أكثر حتى أصبح شكلها واضحًا في ضوء القمر،كانوا رجالًا ونساءً لكن أعينهم كانت تحمل ذلك البريق الأصفر المميز، ووجوههم تحمل ملامح التحول التي يعرفها يامان جيدًا،مستذئبون،كانوا نحو عشرة في البداية ثم خرج آخرون من خلف الصخور حتى أصبح عددهم أكثر من عشرين. كانت ثيابهم ممزقة وأجسادهم مليئة بالجروح القديمة، وكأنهم هاربون من مطاردة طويلة.


وقفوا عند حافة التل ينظرون إلى يامان بحذر واضح،

تقدم أحدهم خطوة للأمام وكان أكبرهم سنًا، وقال بصوت خافت إنهم هربوا من قبضة سولين بعد أن استخدمتهم في حروبها لسنوات طويلة.


قال إنهم سمعوا أن الذئب الحارس عاد إلى الأرض المحرمة وأنه الوحيد القادر على الوقوف أمام جيش مصاصي الدماء،

نظر يامان إلى وجوههم واحدًا واحدًا. كان يرى الخوف في أعينهم، خوف من الجيش الذي ينتظر عند المستنقع وخوف من المصير الذي قد يواجهونه إذا فشلوا.


قال الرجل بصوت متعب إنهم لم يعودوا يملكون مكانًا يهربون إليه، فإذا انتصرت سولين فسيُعاد أسرهم أو يُقتلون، وإذا خسر يامان فسيجتاح الجيش الأرض كلها.


ساد الصمت فوق التلال بينما كانت الرياح تمر بين الصخور.

نظر يامان إلى النهر البعيد حيث تلمع مشاعل جيش سولين ثم عاد بنظره إلى المستذئبين الواقفين أمامه.


قال أخيرًا بصوت هادئ لكنه قوي إن من يقف في هذه الأرض لن يكون عبدًا لأحد بعد اليوم.


رفع رأسه نحو الجيش البعيد ثم قال إن المعركة القادمة لن تكون سهلة، ومن يقاتل معه قد لا يرى شروق شمس أخرى.

لكن أحد المستذئبين تقدم خطوة وقال إنهم يعرفون ذلك، وإنهم يفضلون الموت أحرارًا على العودة إلى قيود سولين،

وقفت جود تنظر إليهم ثم قالت بهدوء إن التلال الخربة لم تشهد تجمع هذا العدد من المستذئبين منذ أجيال.


وفي تلك الليلة، فوق الصخور القديمة التي تطل على الأرض المحرمة، بدأ يتشكل أول حشد صغير يقف إلى جانب يامان في مواجهة الجيش الذي ينتظر خلف المستنقع.

تكملة الرواية من هناااااااا 

تعليقات

التنقل السريع
    close