القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات

 رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات 






رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات 


#ملك_بلا_مملكة


           ١١


انطلق يامان بهدوء لكنه واثق وسط الطابور الطويل بهيئته البشرية ووقف كما لو كان صخرة ثابتة أمام حراس مصاصي الدماء المكلفين بنقل الأسرى ومع أول إشارة منهم للهجوم تصدى لهم بضربات دقيقة وسريعة دون تهور

تبدل المشهد إلى حرب حقيقية بين كر وفر، كل حركة محسوبة، كل ضربة تتجنب القوة المفرطة حتى لا يكشف عن كل إمكانياته، حاول الحراس استغلال سرعتهم وقوتهم لإجباره على التراجع لكنه ظل ثابتًا يثبّت موضعه ويعاكس كل هجمة بعناية

مع مرور الوقت أصبح الحراس مرتبكين، كل ضربة منهم كانت تُرد بمناورة ذكية من يامان، الصف الطويل للأسرى بقي ثابتًا ولم يتحرك قيد أنملة، رغم كل محاولات الحراس لإرهاقه أو اقتحام صفوف الطابور

بدأت أعصابهم تتوتر، والإحباط يظهر على وجوههم، وأصبح الوضع مربكًا حتى للقائد المكلف بالكتيبة الذي أُجبر على التوقف لبرهة قصيرة ثم رفع بصره نحو السماء وتوجه برسالة عاجلة إلى زعيمتهم سولين ليبلغها عن المعارض الثائر الذي يرفض الانصياع ويُعرقل عملية النقل بالكامل.


ارتفعت عصبية الزعيمة سولين على الفور وهي تتجهم بغضب شديد لدرجة أن الهواء حولها بدا مشحونًا بالتوتر والغضب وقالت بصوت حاد كيف سمح قائد الكتيبة لشخص واحد فقط أن يعترض طريقنا ويعطل صفوف الأسرى

التفتت نحو مستشاريها جميعًا وسألتهم بحدة ألم نقتل كل مصاصي الدماء الأقوياء الذين يملكون القوة الكافية؟

أجاب الجميع بالإيجاب ما عدا واحد من كبار المستشارين الذي رفع صوته بهدوء وقال تبقى واحد

ارتسم الاستغراب على وجه سولين وأملت نحو المستشار بتساؤل صامت من هو هذا الواحد

همس الرجل بخفة وبصوت بعيد كما لو كان يخاطب نفسه وكان الذكاء والحذر في نبرته مصاص دم حكيم مسن، الذئب الذي فاز بالبطولة ورفض عن قصد أن يكشف نفسه أمام الجميع


صرخت سولين بغضب يعصف بالغابة كلها كيف لذئب واحد فقط أن يعترض طريقي لقد قتلت هشمير والهنطاع وكل قادة الذئاب في السجن

ثم أضافت برعونة وغضب تخلصوا من المشكلة قبل أن أفقد صبري

توقفت قليلاً ثم سألت بحدة ماذا يريد هذا البشري وكيف يفرض شروطه علينا

همس المستشار الأعمى بهدوء يريد الأميرة جود

ثم أشار المستشار للأعلى وقال ومن رأى اتركيها له واكتفي بمكاسبك لم يحقق أي مصاص دماء ما حققتيه منذ عصور طويلة

صرخت سولين بغضب أكبر انحنى أمام شخص واحد

صوتها صار أعلى وأكثر تهديدًا مستحيل

ثم أمرت سولين حارسها الشخصي مصاص الدماء القاهر الساحق احضروا لي رأسه قبل غروب الشمس



#ملك_بلا_مملكة


             ١١


اشتعل الاشتباك من جديد حين عاد الحراس للهجوم وكأنهم يريدون إنهاء الأمر بسرعة قبل وصول تعزيزات من القلعة، وتكاثرت الضربات حول يامان حتى بدا الممر كأنه يغلي بأجساد متشابكة وحديد يصطك بحدّة

لكن ما لم ينتبه إليه أحد أن الشرخ بدأ من الداخل

فمع كل حركة يصدّ بها يامان هجومًا، كان يزيح أحد الحراس خطوة عن صف الأسرى، ومع كل ارتداد كان يقترب ببطء من الموضع الذي تقف فيه جود بين السلاسل، لم يكن اندفاعه عشوائيًا، بل كان ينسج فوضى مقصودة، مساحة صغيرة من الاختلال تكفي لاشتعال شرارة

وحين تمكن من طرح أحد الحراس أرضًا، التقط مفتاح السلاسل من حزامه في لحظة خاطفة لم ترها إلا عين واحدة

كانت عين جود.


اقترب منها تحت غطاء اشتباك عنيف، وانحنى كما لو أنه يتفادى ضربة، وهمس بسرعة تحمّلي الصوت قليلًا، ثم أدخل المفتاح في القيد الداكن، انفرج الحديد بصوت خافت لم يُسمع وسط العراك، سقط القيد عن معصمها، ثم عن عنقها

لم تتحرك فورًا،بل انتظرت إشارته

وحين دوّى صراخ أحد الأسرى بعد أن انكسرت قيوده بفعل جذب مفاجئ، تحولت الفوضى إلى تمرد، تبادل بعض المستذئبين النظرات، ثم اندفع أولهم على حارس قريب، وتلاه آخر، وفي لحظات انفجر الطابور في ثورة صامتة بدأت خفية ثم اتسعت كالنار في عشب يابس

انشغل الحراس بإخماد التمرد، وتفرقت صفوفهم، وتداخلت الظلال بالأجساد، ولم يعد أحد قادرًا على التمييز بين هارب ومقاتل

وسط هذا الاضطراب، جذب يامان جود إلى جانبه، وسارا بخطوات محسوبة نحو طرف الممر حيث تشتد الأشجار وتكثف الظلال، لم يجرِ بها، لم يندفعا، بل انسحبا كما ينسحب جزء من المعركة دون أن يلحظه أحد

وحين بلغَا عمق الغابة، التفتت إليه جود للحظة، كان في عينيها سؤال كثير، لكنه أشار إليها بالصمت، وأرشدها إلى مسار ضيق يعرفه جيدًا يقود إلى قلب المنطقة المحرمة

وقبل أن تهدأ الفوضى، وقبل أن تُستعاد السيطرة على ما تبقى من الطابور، كان يامان قد اختفى بين الظلال كما لو أنه لم يكن هناك أصلًا

وفي اللحظة التي وصل فيها مصاص الدماء القاهر الساحق الذي أرسلته سولين، لم يجد إلا آثار معركة، حراسًا مرتبكين، وأسرى تمزق صفهم، وغضبًا يتصاعد في الهواء

أما الرأس الذي طُلب قبل غروب الشمس، فلم يكن هناك من يدلّه على صاحبها، فقد كان الهدف قد صار بعيدًا بالفعل داخل غابة لا تفشي أسرارها بسهولة لأحد


لم يكن الليل قد انقشع حين وصل نداء الدم إلى يامان في أطراف أرضه. كان الهواء مثقلا برائحة الحديد الساخن، وكانت الغابة تهمس له بما يحدث عند حدودها. وقف أمام كوخه في المنطقة المحرمة لحظة صمت قصيرة، ثم التفت إلى جود وأمرها أن تبقى في الداخل وألا تخرج مهما سمعت. لم يسألها إن كانت تفهم، فقد كانت عيناها تقولان إنها تعرف أن هذه اللحظة ليست للنقاش.

لم يكن يامان يشعر بانتماء إلى القطيع، ولم يعتبر نفسه مسؤولا عن الأسرى الذين تمردوا، لكنه كان يعتبر نفسه سيدا على أرضه.

وحين يُذكر اسمه في ساحة صراع فإنه لا يدير ظهره، ابتعد خطوات قليلة، ثم بدأ التحول،تبدلت عظامه وتمدد جسده واشتد فراؤه، وخرج الذئب الضخم الذي يحمل في داخله عقل إنسان وخبرة محارب وقوة اكتسبها في غابة الانكا، قوة بشرية لم تختف حين صار ذئبا بل امتزجت بوَحشيته فصار كيانا مختلفا.


تحرك بثبات نحو مصدر الرائحة والصراخ. كان مصاص الدماء القاهر الساحق يقف بين صفوف الأسرى، يقطع رؤوس المتمردين واحدا تلو الآخر ببرود قاس، ويرسل برسالة صامتة أنه إن لم يظهر المتمرد فسيُفني الجميع. تراصت الرؤوس عند قدميه، وساد الخوف.


عندها انطلقت صرخة مدوية هزت الغابة كلها. توقف مصاصو الدماء دفعة واحدة، وارتفعت الأنظار نحو الحافة حيث وقف الذئب الضخم، عينيه تلمعان بثبات لا يعرف التردد،أشار بمخلبه إلى القائد وقال بصوت عميق ملأ المكان إنه يأمره أن يترك الأسرى ويدعهم يعبرون أرضه بسلام.


ابتسم مصاص الدماء بسخرية وسأله منذ متى أصبحت هناك أرض لا تخضع لسولين؟

اقترب يامان خطوة وغرس مخالبه في التراب، وقال بصوت صارم إن هذه أرضه وحدوده ومملكته، وإن من يعبرها عليه أن يلتزم بتعليماته.

 أوضح أن حربهم مع الذئاب لا تعنيه، لكنه لن يسمح لأحد بالمرور إلا بإذنه وباحترام لسيد الأرض.

تجمع الحراس حول قائدهم، وسأله القاهر الساحق بغضب ماذا سيحدث إن لم ينصع،؟ رد يامان بهدوء مقلق أن الذئب سيدافع عن أرضه، وأنه لن يمر أحد دون موافقته، لا القائد ولا جيشه.


انتهى الكلام، واندفع مصاص الدماء بسرعة هائلة مستندا إلى دماء السلالة القديمة التي تجري في عروقه. لم يكن يعرف حقيقة القوة التي أمامه، في لحظة خاطفة قفز يامان كالصاعقة وأطبق فكيه على عنقه،كان الهجوم محسوبا وقصيرا، ولم تستغرق المعركة سوى ومضة.

هبط الذئب إلى الأرض، وغرس مخالبه في التربة، وفي فمه الرأس المقطوع.

وقف بشموخ وأعلن أن مرورهم عبر أرضه صار محرما حتى تأتي زعيمتهم بنفسها لتطلب الإذن،كان ذلك تحديا واضحا، فهجم مصاصو الدماء دفاعا عن كرامتهم، لم يتراجع يامان انطلق بينهم مثل إعصار، يتحرك بعقل المقاتل وغريزة المفترس، فيمزج التخطيط بالقوة الغاشمة، كانت كل عضة تنهي خصما، وكل حركة تسقط آخر، ارتفعت سحابة تراب كثيفة ثم هدأ كل شيء فجأة.


عندما انقشع الغبار كانت الأجساد ملقاة على الأرض بلا حراك، لم يبق إلا واحد يرتجف وقد أفلت سلاحه من يده،اقترب منه يامان ببطء، وترك له الحياة ليحمل الرسالة، قال له أن يعود إلى ملكته ويخبرها بما رأى، وأن يقول لها إن الذئب الحارس مالك هذه الأرض سيقطع رأس كل مصاص دماء ترسله، مهما كان عدده، حتى لو أرسلت جيشا بأكمله.


ثم أدار ظهره لهم جميعا وفتح ممرا للأسرى كي يعبروا، لم يمن عليهم بإنقاذ ولم يطلب امتنانا،

كان موقفه واضحا، فهو لم يقاتل لأجل القطيع بل لأجل حدوده،سار عائدا إلى أرضه بخطوات هادئة، وكأن ما حدث لم يكن إلا تثبيتا لحق قديم.

ومنذ تلك الليلة لم تعد المنطقة المحرمة مجرد جزء من الغابة، بل صارت مملكة غير معلنة، يحرسها ذئب لا يعترف بسيادة إلا سيادته، ولا يسمح لأحد أن يخطو فوق ترابه دون إذنه.


#ملك_بلا_مملكة

           12


انفجرت سولين واقفة من على عرشها كأن النار قد اشتعلت تحت قدميها وارتجت القاعة الحجرية بصوت صراخها وهي تضرب بذراع المقعد حتى تشقق الخشب الداكن وسألت بحدة ممزوجة باحتقار أهذا جيش مصاصي الدماء الذي حكم الليالي قرونا طويلة أم قطيع عاجز لا يستطيع قتل ذئب واحد

تردد صدى كلماتها بين الأعمدة العالية وانحنت الرؤوس دون أن يجرؤ أحد على الرد وكانت عيناها تتوهجان بلون قاتم والغضب فيها ليس ثورة لحظة بل إهانة عميقة مست كرامتها كزعيمة لا ينازعها أحد

سكتت فجأة وكان الصمت أقسى من الصراخ ثم سألت بصوت منخفض أين البشري الذي اختطف ابنة ايمير وأين تجرأ واختفى وأين الأميرة جود أريدها تحت قدمي

تقدم الحارس الوحيد الذي نجا وكان جسده لا يزال يرتعش كمن خرج من قبر للتو وركع على ركبتيه ووجهه شاحب وقد علق الرعب في عينيه فسألته سولين ببرود أشد من الغضب عن مواصفات الذئب الذي قضى على الحراس وهل كان واحدا فقط

أجاب بصوت متقطع نعم واحد فقط لكنه لم يكن كغيره كان ضخما بصورة غير مألوفة وثابتا كأنه يعرف ما سنفعله قبل أن نتحرك كان يقاتل بعقل جيش كامل

اشتعل غضبها من جديد وصاحت ذئب واحد يا مصاصي الدماء لماذا علي أن أفعل كل شيء بمفردي أين قادتكم وأين سلالتكم القديمة وأين المجد الذي تتباهون به

أمرت بإرسال فرقة مدربة تنهي الأمر بلا ضجيج فرقة تعرف كيف تصطاد وتستدرج وتكسر الخصم دون مواجهة مباشرة

لكن الحارس تجرأ ورفع رأسه قليلا وقال إنه سمع الذئب يعلن أن من تعبر أرضه دون إذنه ستموت وأنه إن أرسلت شخصا واحدا سيقتله وإن أرسلت جيشا سيقتله قال ذلك بثقة لم يكن فيها أثر مزاح

ساد الصمت مجددا وكان الغضب يتلوى داخل سولين كحية تستعد للانقضاض ولم تصرخ هذه المرة ولم تضرب شيئا اكتفت بالنظر إلى الحارس نظرة باردة خالية من أي تعبير

وفي لحظة خاطفة تحركت يدها بسرعة لم يرها أحد وسقط الحارس أرضا بلا رأس دون أن يتجاوز أنينه نفسا واحدا

وقفت تنظر إلى الجسد الساكن ثم قالت ببرود إن ما حدث داخل هذه القاعة لا يخرج منها ولا أريد إشاعات تبني حول ذئب أساطير ولا اسما جديدا يتردد في الظلام

ثم رفعت رأسها وأصدرت أمرها الأخير بصوت ثابت أحضروا لي رأس الذئب الأخير


انطلقت الفرقة المدربة مع أول خيط للفجر تتحرك بصمت بين الأشجار كما تتحرك الظلال حين يختلط الليل بالضوء وكانوا يتتبعون الأثر بدقة يعرفون كيف يقرؤون الأرض وكيف يميزون بين خطى هارب وخطى مقاتل

عثروا على الأسرى الهاربين بعد مسافة ليست بعيدة عن حدود المنطقة المحرمة كانوا متعبين مشتتين وبعضهم مصاب ولم يجدوا من يحرسهم ولم يظهر الذئب الذي تحدى سولين بالأمس لم تهتز ورقة واحدة ولم يسمع عواء واحد ولم يشعروا بتلك النظرة التي راقبتهم سابقا

انتشر أفراد الفرقة حول الأسرى وأحاطوا بهم في دائرة محكمة ثم انقضوا بسرعة محسوبة فلم تكن لدى الأسرى قوة لمقاومة هجوم منظم كهذا وقيدوا أيديهم بالسلاسل الثقيلة وجرّوهم نحو القلعة دون أن يعترضهم أحد

كان بعضهم يلتفت خلفه ينتظر ظهور ذلك الذئب الضخم لكن الغابة بقيت صامتة كأنها تخلت عنهم هذه المرة

عندما وصلوا إلى القلعة وألقوا بالأسرى عند أقدام العرش ارتسمت على وجه سولين ابتسامة طويلة مائلة إلى السخرية وسألتهم بلهجة متعالية وأين الذئب

أجاب قائد الفرقة أنهم لم يجدوه وأن المكان كان خاليا تماما وأنه لا أثر لمواجهة

ضحكت سولين بصوت مرتفع تردد في القاعة وقالت كنت أعلم أنه مجرد ذئب متهور صاح قليلا ثم أدرك خطأه فاختبأ أو هرب من مواجهتي

ثم اعتدلت في جلستها ونظرت إلى الأسرى المقيدين وقالت ورغم أنه عرف حدوده اعثروا عليه أريده مكبلا بالسلاسل عند قدمي ليرى مصيره ومصير كل من يتجرأ على تحدي سولين

سكتت لحظة ثم أضافت بصوت أكثر برودة لا أريده قتيلا بعد بل أريده حيا ليشهد سقوطه بنفسه وليتعلم أن الأرض كلها تخضع لعرشي سواء اعترف بذلك أم لا


وقف يامان فوق الصخرة العالية التي تطل على الجبل المهجور وكانت الريح تعصف بفرائه بينما عيناه تمسحان الوادي الممتد تحته

لم يكن خروجه من منطقته عبثا ولا بحثا عن مواجهة جديدة بل كان قرارا محسوبا فقد أدرك أن من يريد أن ينتصر لا يندفع أعمى نحو عدوه بل يدرسه ويعرف حجمه وأسلحته ويكشف أوراقه قبل أن يكشف أوراقه هو

من عل نظر إلى الطريق الحجري الممتد نحو سفح الجبل ورأى ما لم يكن يتوقعه

لم يكن جيش سولين من مصاصي الدماء فقط بل كان هناك صف طويل من مخلوقات أخرى تتحرك ببطء غريب بشر متعفنون تميل رؤوسهم وتمتد أذرعهم بتيبس والجلد على وجوههم شاحب متشقق كأن الحياة غادرته منذ زمن بعيد ومع ذلك كانوا يمشون

عرف أنها صنعتهم أو أطلقتهم من مكان ما في أعماق الجبل هؤلاء ليسوا أحياء تماما ولا أمواتا بالكامل جيش غريب لا يخاف ولا يتراجع

ظل يراقب بصمت يحصي العدد ويتابع الانتشار ويرى كيف يتمركزون على طول الطريق كحاجز أول في أي حرب قادمة

ثم حدث ما جعل مخالبه تنغرس في الصخر

من خلف الصخور الأخرى تم جر أسرى الذئاب الذين تحرروا أثناء قتاله السابق كانوا مقيدين وملقى بهم أمام تلك المخلوقات المتعفنة دون رحمة وكان واضحا أن أمرا قد صدر بتقديمهم طعاما

تقدم أول مخلوق وانقض على أحد الأسرى وبدأ يمزق جسده بأسنان كريهة والآخرون تبعوه بلا صوت سوى تمزق اللحم وصوت العظام

وقف يامان مذهولا للحظة وهو يرى المشهد وقد تحجر الزمن أمام عينيه

ثم حدث ما هو أسوأ

بعد دقائق من افتراسهم بدأت الأجساد الملقاة على الأرض تهتز ببطء وارتفعت واحدة تلو الأخرى ليس كما تقوم الذئاب بل كما تنهض دمى مكسورة بخيوط لا ترى كانت عيونهم فارغة وحركتهم مترنحة بلا وعي

صاروا يسيرون بلا روح وانضموا إلى صف المخلوقات يأكلون ذئابا من نفس فصيلتهم بلا إدراك لما يفعلون

لم يكن ذلك جيشا عاديا بل كان طاعونا يمشي على قدمين

وفي الأفق عند مدخل الكهف الأكبر لاح ظل مختلف

مخلوق يحمل نفس ملامحهم لكنه أطول وأشد تماسكا يغطي جسده وشاح أحمر يتدلى فوق كتفيه وكان واضحا أنه القائد فكل المخلوقات انحنت أمامه دون صوت

تقدم ببطء ثم أمسك بذئب أسير بكلتا يديه ورفعه في الهواء وقسمه نصفين بسهولة مرعبة قبل أن يلقيه جانبا ويجلس على عرش من عظام سوداء محفورة في الصخر

أطلق صوتا عميقا اهتز له الجبل فتجمعت المخلوقات عند قدميه كقطيع ينتظر الإشارة

راقب يامان المشهد بعينين هادئتين رغم العاصفة التي تعصف داخله وأدرك في تلك اللحظة أن سولين لا تعد حربا عادية

إذا اندلعت الحرب فلن يكون مصاصو الدماء في المقدمة

هذا الجيش المتعفن هو الطليعة

وهذه المخلوقات صممت لتتلقى الصدمة الأولى وتنهك الخصم وتكسره قبل أن يظهر السادة الحقيقيون في الظل

ظل يامان واقفا فوق صخرته صامتا يفكر

المعركة المقبلة لن تكون بين ذئاب ومصاصي دماء فقط

بل بين حياة وموت يمشيان في جيش واحد

وكان عليه أن يستعد لما هو أكثر من مواجهة مباشرة

كان عليه أن يجد طريقة لإيقاف الطاعون قبل أن يصل إلى أرضه


#ملك_بلا_مملكة

   

          ١٣


سيد يامان اخيرا ظهرت ؟

كانت روان مديرة شركات يامان تتحدث بعصبيه، بعتلك ثلاثين الف رسالة من غير رد

يعرف يامان روان عندما تكون غاضبه يرتفع حاجبها الأيمن وتزم شفتيها

همس يامان كانت لدى أمور طارئه

هجوم مصاصى الدماء ؟ سألت روان ولازالت نبرتها عصبية

حذرت هذا الذئب مفتول العضلات من الضربه

لكن يبدو أن عقله أصغر من عضلاته ،لكن انا لدى الأهم

سولين تشن هجوم على شركاتنا، انها تعتبرك واحد من الذئاب حتى لو لم تكن شريك فى الحرب

يامان احنا بنتلقى خسائر فادحة ،انا هتجنن


نهض يامان ،انا واثق انك قدها يا روان، اتصرفى

اتصرف إزاى بس ،رزعت روان الملفات على المكتب

انا بقالى اسبوع مش بنام، دى اموالك وشركاتك

انا بقدم استقالتي.


يعرف يامان ان روان قدمت استقالتها أكثر من عشرين مره منذ تولت إدارة الشركات.


روان همس يامان بجديه، انا مشغول جدا ورايا أمور خطيره هتشكل وجه العالم.

ضحكت روان، يا راجل، دا انا مفيش مره شفتك فيها متحول

انا بدأت أشك انك مش ذئب اصلا؟

صفع يامان روان على ظهرها، استحملينى المره دى واوعدك

لما ارجع هقبل استقالتك وارميكى فى الشارع.


اختفى يامان بسرعه، سولين تركض على كل الجبهات

بينما هو لازال واقف فى مكانه

وصل يامان الغابه وهناك كانت جود تجلس آمام الكوخ مكسوره حزينه كعادتها منذ بداية الحرب

كانت قولت مصاصى الدماء تبحث عن الذئب الحارس

استباحت الأرض المعزوله بلا مبلاه ولا خوف


لكن يامان كان مصر على حماية أرضه، عندما تحول لذلك الذئب انطلق يحش روؤس مصاصى الدماء

فى تلك الأرض الشاسعه وبعد دقائق كانت الجثث مرميه على الأرض

وقف يامان وصرخ قلت لكم هذه ارضى ولن يعبرها مصاص دماء بلا اذنى، كانت صرخة قويه حملتها الريح والغابه لمجلس سولين ،اهتزت الجدران وكانت سولين اول مره تشعر بالخوف.

صوت من هذا؟

همس المستشار الحكيم ،صوت الذئب الحارس


صرخت سولين ،وكيف يصل صوته إلى هنا، هذا مستحيل


قال الحكيم لانه ليس ذئب عادى، ذئب انتصر على هشمير

وربح كأس البطوله لابد انه ذئب مختلف


صرخت سولين تهزى عن هذا الذئب كأنه جيش بمفرده

انه مجرد ذئب

ذئب واحد، الا يوجد مصاص دماء يستطيع هزيمته ؟

رفع مصاصى الدماء رؤوسهم دفعه وأحده ،ننتظر اوامرك


اذهبو ،صرخت سولين ،خذو جزء من الجيش، طهرو الأرض

لا تضيعو نصرى


رفع المستشار يده ،ما رأيك ان تبرمى معاهدة من الذئب الحارس ؟


استدارت سولين ،لقد كبرت وخرفت يا حكيم، انا ابرم معاهده مع ذئب واحد؟

قال الحكيم، النبؤه تقول ان هذا الذئب سيقضى على مصاصى الدماء


النبؤه، النبؤه صرخت سولين ،ليس هناك نبؤه يا جدى

اذهب انت معفى من خدماتك حتى تستعيد عقلك.

انطلقت فرقه قويه من مصاصى الدماء للقضاء على الذئب الحارس، فرقه مدربه وعتيقه تعرف بفرقة الأشباح المتخفية

ركضت بخفه وسرعه غير ملحوظه حتى وصلت الأرض المحرمه

كان يامان واقف فى مكانه منذ وقتها، لم يترك الأرض مثل المره الماضيه عندما وصلو.


شعر بوصول فرقة الأشباح ،حواسه القويه رصدتهم على بعد أميال، تناول عشبة المستاخ ودهن جسده برحيق عشبة

فلانتيون ،لم ينتظر وصولهم، كان يحتاج لتوصيل رساله

ركض مثل الريح التى تشعر بها ولا تراها حتى أصبح فى منتصفهم ثم اعمل قوته الحقيقه الامحدوده عصف بالاشباح

كانت حرب غير مرئيه جرح يامان وسحقت فرقة الأشباح

لكن يامان لم يكتفى بذلك ،جمع روؤس الفرقه ربطها وجرها خلفه نحو قلعة سولين.


#ملك_بلا_مملكة


       ١٤


كان الليل قد بدأ يهبط ببطء فوق القلعة السوداء التي اتخذتها سولين عرشا لحكمها وكانت الأبراج العالية تقف كأنها أنياب حجرية تشق السماء بينما تحرك الحراس فوق الأسوار بخفة معتادة اعتادوا عليها منذ قرون من الحراسة والصيد

لكن شيئا ما في الغابة البعيدة جعل أحدهم يتوقف فجأة

رفع رأسه قليلا وضيق عينيه نحو الطريق الحجري الذي يقود إلى القلعة ثم همس للحارس الواقف جواره إن هناك حركة بين الأشجار

لم تكن حركة جيش ولم تكن حركة قطيع بل كانت حركة شيء واحد فقط

شيء واحد يسير بثبات نحو القلعة

تقدم الحارس إلى حافة السور أكثر وفتح عينيه بقوة محاولا أن يخترق ظلال الليل ثم تجمد مكانه للحظة قبل أن يطلق صفيرا قصيرا لتنبيه بقية الحراس

قال إن هناك شخصا قادما

وقال إنه شخص واحد فقط

لكن ما جعل الحراس يصمتون لم يكن الرجل الذي يسير بينهم بل ما كان يجره خلفه

كانت رؤوسا مقطوعة مربوطة بحبال ثقيلة تجر فوق التراب والحجارة وتترك خلفها خطا طويلا من الدم الداكن

ومع كل خطوة كان الضوء الشاحب يكشف ملامح تلك الرؤوس

كانت وجوه مصاصي الدماء واضحة

وكانت تلك الوجوه تخص فرقة الأشباح المتخفية التي خرجت منذ ساعات فقط من القلعة بثقة الصيادين

همس أحد الحراس بصوت اختنق في حلقه وقال إنه هو الذئب الحارس

لم يكن يامان يسير مسرعا ولم يحاول أن يختبئ بل كان يمشي بخطوات هادئة كأن الطريق كله ملكه وكأن القلعة نفسها لا تعني له أكثر من صخرة أخرى في الغابة

عندما اقترب من السفح الصخري القريب من القلعة توقف فجأة

رفع رأسه نحو الأسوار العالية حيث تلمع عيون الحراس في الظلام ثم جذب الحبال بقوة

اندفعت الرؤوس المقطوعة خلفه حتى وصلت إلى صخرة ضخمة مرتفعة تقف وحدها قرب الطريق المؤدي إلى بوابة القلعة

تسلق يامان الصخرة بثبات ثم ألقى الرؤوس فوقها واحدة تلو الأخرى حتى تكدست عند قدميه

تحت ضوء القمر بدت الوجوه الميتة كأنها تنظر إلى القلعة التي خرجت منها

وقف يامان فوق الصخرة شامخا

كان جسده مغطى بآثار المعركة وكانت كتفاه عريضتين والريح تحرك شعره الداكن بينما كانت عيناه تتجهان مباشرة نحو القلعة

كان ينظر نحو المكان الذي تجلس فيه سولين

ثم فتح صدره وأطلق صرخة هزت الوادي كله

لم تكن الصرخة عواء ذئب فقط ولم تكن صرخة إنسان فقط بل كانت صوتا يحمل قوة الاثنين معا

ارتجت الأشجار وارتد الصوت بين الجبال حتى وصل إلى أسوار القلعة نفسها

ثم تكلم يامان بصوت ثابت عميق حملته الريح إلى الحراس الواقفين فوق الأبراج

قال إن هذه مجرد بداية

وقال إنه سيصنع جبلا من رؤوس مصاصي الدماء

وقال إن هذا الجبل سيكون أعلى من هذه القلعة نفسها

وقال إن كل مصاص دماء يعبر أرضه بعد اليوم سيكون مصيره الموت

وقال إن الأرض التي تمتد خلف تلك الغابة ليست أرض حرب ولا أرض عبور

وقال إن تلك الأرض أرضه هو

وأضاف أن كل من يدخلها دون إذنه سيترك رأسه خلفه ليضيفه إلى الجبل الذي وعد به

ساد صمت ثقيل فوق الأسوار

لم يتحرك أحد من الحراس

ولم يجرؤ أحد على الرد

كانوا يرون الرجل الواقف وحده فوق الصخرة تحت ضوء القمر كأنه يتحدى القلعة كلها

وفي قلب القلعة كانت سولين قد نهضت من عرشها عندما وصلها الخبر

دخل أحد الحراس راكضا إلى القاعة الكبرى وانحنى وهو يلهث ثم قال إن الذئب الحارس وصل إلى باب القلعة

لم تنتظر سولين بقية الكلمات

اندفعت نحو الشرفة الحجرية المطلة على الساحة الخارجية ونظرت نحو الصخرة البعيدة

ورأت المنظر بنفسها

رأت الرؤوس المقطوعة

ورأت الرجل الواقف فوقها كأنه يعلن حربا على مملكتها كلها

اشتعلت عيناها بنار حقيقية

قبضت يدها حتى تشقق الحجر تحت أصابعها ثم صرخت صرخة ملأت القلعة كلها

قالت إن ذئبا واحدا تجرأ على الوصول إلى باب قلعتها

وقالت إن هذا إهانة لا تغتفر

ثم استدارت نحو قادة جيشها الذين تجمعوا خلفها وقد انحنت رؤوسهم في صمت

وأقسمت بصوت بارد قاتل

إن لم يخضع هذا الذئب

وإن لم يسقط عند قدميها مكبلا بالسلاسل

فإنها ستسحق كل قائد في هذا الجيش واحدا بعد الآخر

وقالت إنها ستفعل ذلك حتى تتعلم جيوش مصاصي الدماء كيف تطارد ذئبا واحدا قبل أن يطرق باب ملكتهم مرة أخرى

وفي الخارج كان يامان لا يزال واقفا فوق الصخرة دون أن يتحرك

كأن العاصفة التي أيقظها للتو لم تبدأ بعد


بدأت حرب الأيام العشرة بعد صرخة يامان أمام القلعة عندما فهمت سولين أن المواجهة لم تعد مجرد حادث عابر بل تحدي مباشر لعرشها

القوانين القديمة التي حكمت الصراع بين الذئاب ومصاصي الدماء منذ قرون كانت واضحة لا يسمح بقتال جيش كامل ضد خصم واحد إذا أعلن التحدي عند أبواب القلعة بل يخرج القادة واحدا بعد الآخر في نزالات فردية حتى يسقط المتحدي أو يسقط القادة

لم تكن سولين تحب تلك القوانين لكنها لم تستطع كسرها علنا أمام جيشها لأن هيبة العرش تقوم على احترامها لتلك الطقوس القديمة

وفي صباح اليوم الأول خرج أول القادة

كان مصاص دماء ضخما من نسل قديم جسده صلب مثل الحديد وعيناه تلمعان بجوع قاتل

وقف أمام يامان عند السهل الحجري أسفل القلعة بينما اصطف الجنود فوق الأسوار يشاهدون

لم يتبادل الاثنان كلمات كثيرة

اندفع القائد مثل سهم أسود يخترق الهواء وقفز نحو عنق يامان مباشرة

لكن يامان كان أسرع

انحرف جسده الضخم نصف خطوة فقط ثم ضرب بمخالبه صدر مصاص الدماء فتناثر الدم على الحجارة

استمرت المعركة دقائق طويلة من القضم والضرب والطعن بالأنياب والمخالب

وفي النهاية كان القائد أول من يسقط

انتهى اليوم الأول والرجل الذي تحدى القلعة مازال واقفا

في اليوم الثاني خرج قائد آخر

وفي اليوم الثالث خرج ثالث

ومع كل يوم كانت المعارك تصبح أعنف

مصاصو الدماء كانوا قد عاشوا قرونا في الحروب وكانوا يعرفون كل أساليب القتل الممكنة

وكانوا يقاتلون كصيادين حقيقيين

لكنهم كانوا يواجهون شيئا مختلفا تماما

كان يامان يقاتل مثل كائن لا يعرف التراجع

لم يكن يحاول فقط أن يهزم خصمه بل كان يثبت أنه سيد الأرض التي يقف عليها

بحلول اليوم الرابع بدأت الجروح تغطي جسده

كانت أنيابه مكسورة من قتال سابق وكان كتفه ممزقا من ضربة مخلب حادة

وفي اليوم الخامس نجح أحد القادة في غرس أنيابه في جانب يامان حتى انفتح اللحم وانفجر الدم

لكن يامان لم يسقط

بل أمسك رأس خصمه بين فكيه وكسر عنقه ببطء أمام أعين الجيش كله

في اليوم السادس كانت الأرض قد امتلأت بآثار الدماء

لم يعد يامان ذلك الذئب الذي وقف لأول مرة أمام القلعة

كان جسده ممزقا

وكانت الجروح القديمة لم تلتئم بعد عندما بدأت جروح جديدة تفتح فوقها

كان يقف أحيانا بصعوبة ثم يهجم فجأة كعاصفة سوداء

في اليوم السابع قضم أحد القادة كتفه حتى كاد الذراع ينفصل عن الجسد

لكن يامان مزق صدره قبل أن يتركه يسقط

في اليوم الثامن لم يعد الجنود يهمسون بالسخرية كما فعلوا في البداية

بدأ الصمت ينتشر فوق الأسوار

فهذا الذئب الذي وقف وحده أمام القلعة كان لا يزال يقاتل بعد ثمانية أيام كاملة

وفي اليوم التاسع خرج أقوى قادة سولين

مصارع قديم عاش حروبا أكثر مما يتذكر أحد

استمرت المعركة بينهما وقتا طويلا حتى تحطم جزء من الصخر تحت أقدامهما

غرس القائد أنيابه في رقبة يامان مرة ثم مرة أخرى حتى تدفق الدم على صدره

لكن في اللحظة الأخيرة قفز يامان بكل قوته وغرس أنيابه في رأس خصمه حتى تحطمت الجمجمة بين فكيه

عندما انتهى اليوم التاسع كان جسد يامان بالكاد يقف

كانت الجروح تمزق جلده من كل اتجاه

وكان الدم يسيل على الأرض تحت قدميه

لكن عينيه بقيتا ثابتتين نحو القلعة

وفي اليوم العاشر خرج آخر القادة

كان صامتا ولم يتكلم

قاتلا مدربا يعرف أن خصمه يقف على حافة الإنهاك

بدأ القتال ببطء ثم تحول إلى عاصفة من القضم والطعن والاصطدام

مزق القائد جسد يامان عدة مرات حتى أصبح جسده مغطى بالدم بالكامل

لكن عندما حاول إنهاء المعركة بضربة أخيرة كان يامان أسرع بنصف لحظة فقط

انقض عليه بقوة هائلة وغرس أنيابه في عنقه

وسقط القائد الأخير على الأرض

انتهت حرب الأيام العشرة

وعندما عم الصمت في السهل لم يبق واقفا هناك سوى ذئب واحد

ذئب جسده ممزق ومغطى بالدماء لكنه مازال واقفا أمام القلعة

كان المشهد صادما حتى لجنود سولين

فلم يحدث منذ قرون أن وقف مقاتل واحد أمام قادة جيش كامل وبقي حيا بعد عشر معارك متتالية

لكن سولين لم تكن تبتسم

كانت تجلس على عرشها تشاهد النزالات يوما بعد يوم

وكان وجهها يزداد برودة كلما انتصر يامان

لم تكن تلك المعارك بالنسبة لها سوى اختبار

اختبار لقوة الذئب الذي تحدى عرشها

وفي أعماق عقلها كانت تعد شيئا آخر

شيئا لا علاقة له بالقوانين القديمة

كانت تعرف أن القوانين قد تمنعها من إرسال جيش علنا

لكن لا شيء يمنعها من كسر تلك القوانين عندما يحين الوقت المناسب

وعندما انتهى اليوم العاشر وقفت سولين ببطء من فوق العرش

نظرت إلى المستشارين الذين تجمعوا حولها ثم ابتسمت ابتسامة باردة

وقالت بصوت منخفض إن الذئب أثبت أنه قوي

لكن كل مخلوق قوي لديه لحظة يسقط فيها

ثم أضافت بهدوء أن تلك اللحظة قد حان وقت صناعتها الآن

كانت الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد

وكان يامان لا يعلم أن القوانين التي حمت ظهره عشرة أيام كاملة لن تحميه في الليلة القادمة


#ملك_بلا_مملكة


      ١٥


مع غروب اليوم العاشر كانت ساحة القتال أسفل القلعة قد تحولت إلى أرض مغطاة بالدماء وآثار المعارك، كانت الصخور السوداء ملطخة ببقايا القادة الذين سقطوا خلال الأيام الماضية بينما وقف يامان وحده في منتصف السهل.


كان جسده مثقلا بالجراح وكانت آثار القضم والطعن تغطي كتفيه وصدره وكان الدم لا يزال يسيل ببطء من عدة جروح لم تجد وقتا لتلتئم، ومع ذلك ظل واقفا بثبات أمام القلعة،

فوق الأسوار تجمع جنود مصاصي الدماء في صمت ثقيل، لم يعد أحد يسخر أو يهمس كما حدث في البداية بل كانوا يراقبون المشهد بصمت وهم يرون الذئب الذي صمد عشرة أيام كاملة أمام قادة جيشهم.


فجأة انفتح باب القلعة الكبير ببطء،خرج صفان من الحرس الملكي واصطفوا على جانبي الطريق الحجري المؤدي إلى الساحة ثم ظهرت سولين.


كانت ترتدي درعها الحربي الأسود الذي يلمع تحت ضوء الغروب كان الدرع نحيفا لكنه مصنوع من معدن قديم لا يجرؤ سلاح عادي على خدشه، كان شعرها الطويل مربوطا خلف رأسها وكانت عيناها تلمعان بكبرياء بارد.


نزلت درجات القلعة ببطء وثبات وكأن الأرض كلها ملك لها، لم تتوقف حتى وصلت إلى ساحة القتال نفسها،وقفت أمام يامان مباشرة على بعد خطوات قليلة منه، رفعت رأسها تنظر إليه دون أن يظهر في عينيها خوف أو تردد

صرخت سولين بصوت حاد سمعه كل من يقف فوق الأسوار قالت إن القادة الذين سقطوا لم يكونوا سوى جنود، وأضافت أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد،ثم أشارت بإصبعها نحو يامان وقالت إنها ستقاتل هذا الذئب بنفسها.


قالت سولين إنه إذا استطاع هزيمتها فسوف تعترف بحدوده ولن تدخل أرضه كما يدعي، وأضافت أنه إذا هزمته فإن مصيره لن يكون الموت بل سيصبح عبدا لديها يعيش تحت قدميها ويسير في جيشها مثل كلب حراسة بقية حياته.


ساد الصمت في السهل كله، لم يتحرك أحد من الجنود وكانت العيون كلها تتجه نحو الرجل والملكة اللذين يقفان الآن وجها لوجه.

اقتربت سولين خطوة أخرى ثم خطوة ثانية حتى أصبحت المسافة بينها وبين يامان قصيرة جدا،ابتسمت ابتسامة باردة وهي تنظر إلى جسده الممزق وقالت بصوت ساخر إن الذئب يبدو متعبا بعد عشرة أيام من القتال.


في تلك اللحظة بدأ جسد يامان يتحرك،تمددت عظامه واشتد فراؤه بينما تحول شكله بالكامل،وقف أمامها ذئب هائل الحجم أكبر من كل الذئاب التي عرفتها الحروب القديمة

كان ذلك الجسد الضخم مليئا بالجروح وكانت الدماء تسيل من فروه الداكن على الأرض تحت قدميه، ومع ذلك بقيت عيناه ثابتتين بلا خوف، لم يصرخ ولم يتكلم بل وقف أمامها مستعدا للقتال.


كانت تلك آخر معركه،كانت آخر خطوة قبل أن تنتهي هذه الحرب،في داخل عقل يامان كان هناك تفكير واحد فقط،كان يريد إنهاء هذا القتال بسرعة،كان يريد أن يعود إلى أرضه ،كان يريد أن يعود إلى الغابة التي تركها منذ عشرة أيام كاملة، كان يريد أن يعود إلى الكوخ حيث ترك جود تنتظر

لم يكن يعلم أن هذه المعركة الأخيرة قد تكون أخطر من كل المعارك التي خاضها من قبل.


وقفت سولين أمامه بثبات بينما كانت الريح تدور فوق ساحة القتال وتحرك غبار الأرض الملطخة بالدماء، كان السهل صامتا تماما والعيون كلها معلقة بالمشهد، كان يامان يقف أمامها في هيئته كذئب هائل الجسد مغطى بالجراح وآثار المعارك العشر التي خاضها دون توقف كان التعب واضحا في حركته لكن عينيه ظلتا حادتين مثل نصل سكين.


ابتسمت سولين ابتسامة باردة ثم اندفعت فجأة

تحركت بسرعة لم يكن يملكها إلا مصاص دماء من سلالة قديمة، اصطدمت بكتف يامان بقوة هائلة وانزلق الاثنان فوق الصخور قبل أن ينفصلا من جديد،لم يتراجع يامان، زأر بعنف وانقض عليها بمخالبه،بدأت المعركة 

كانت حربا ساحقة بين قوتين مختلفتين،يامان كان كتلة من العضلات والغضب والغريزة القتالية التي صقلتها سنوات الصراع  أما سولين فكانت مقاتلة مدربة منذ طفولتها تحمل في عروقها دماء الملوك والأمراء من مصاصي الدماء.


انقض يامان عليها مرة بعد مرة وهو يحاول إسقاطها بضربة حاسمة،كانت مخالبه تمزق الهواء قرب جسدها وتترك خدوشا على درعها الأسود، لكنها كانت تنحرف بخفة وترد بضربات سريعة ومؤلمة،كانت أنيابها تظهر بين لحظة وأخرى بينما تهاجمه كصيادة تعرف متى تضرب ومتى تتراجع.


تلقى يامان عدة طعنات بمخالبها الحادة في كتفيه وجانبه، الدم كان يتناثر مع كل حركة، ومع ذلك ظل يقاتل بعنف أكبر كأن الألم يشعل داخله نارا جديدة،في لحظة اندفع نحوها وقفز عاليا ثم هبط فوقها بقوة،اصطدم الاثنان بالأرض الصخرية بعنف،حاول أن يطبق فكيه على عنقها لكنها دفعت جسده بقدمها وانزلقت بعيدا،وقفت سولين من جديد وهي تلهث قليلا لكنها كانت ما تزال سريعة وخفيفة.


كانت المعركة متوازنة إلى حد ما، يامان أقوى جسدا لكنه مرهق ومصاب،وسولين أقل قوة بدنية لكنها أسرع وأكثر تركيزا،اقتربا من بعضهما مرة أخرى

في تلك اللحظة وصل إلى أنف يامان عطر سولين

لم يكن عطرا عاديا، كان خليطا من رائحة الدم والزهور الداكنة والليل، رائحة غريبة أثارت في داخله شيئا لم يكن جزءا من القتال،اهتزت غرائزه لحظة، لم تعد الفكرة فقط إسقاط خصم،ظهرت رغبة بدائية في داخله أن يخضعها أن يذلها أن يثبت أنه الأقوى.


تغيرت نظرة عينيه للحظة،وسولين رأت ذلك،

لم تكن غبية،كانت تراقب كل حركة وكل تغير في نظرته، في تلك اللحظة عرفت أنها فتحت ثغرة،

تقدمت نحوه ببطء كأنها تستفزه، تركته يقترب أكثر حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة جدا، كان تركيزه قد انحرف لحظة عن القتال الخالص،وفي تلك اللحظة تحركت يدها بسرعة خاطفة،ظهر في كفها نصل قصير مخفي في الدرع كان النصل يحمل حقنة رفيعة لا تكاد ترى.

قبل أن يدرك ما يحدث غرزت النصل في اللحم تحت كتفه،

شعر يامان بلسعة حادة ثم بحرارة غريبة تنتشر في جسده

قفز للخلف بغضب واهتز جسده بعنف، زأر وهو يحاول استعادة توازنه،ابتسمت سولين ابتسامة باردة وهي تنظر إليه

قالت بصوت منخفض وصل إليه رغم ضجيج الدم في أذنيه إن هذا ليس سلاحا عاديا.

قالت إن ذلك فيروس خاص صنعه علماؤها منذ سنوات

فيروس صنع خصيصا للتحكم في الحيوانات المفترسة مثله 

بدأ جسد يامان يتصلب ببطء، شعر بثقل غريب يسري في عضلاته،كانت عيناه ما تزالان مشتعلة بالغضب لكنه شعر أن جسده لم يعد يستجيب بنفس القوة.


وقفت سولين أمامه تنظر إليه بثقة متزايدة،قالت له بهدوء إن الذئب القوي يمكن هزيمته بالسيف،لكن الذئب المتوحش يمكن إخضاعه بالعقل،ثم تقدمت خطوة أخرى نحوه وهي تراقب تأثير السم يبدأ بالانتشار في جسده.


تراجع يامان عدة خطوات وهو يزمجر بصوت خافت بينما بدأ جسده يهتز بعنف كانت الحقنة ما تزال مغروسة في اللحم تحت كتفه، والدم يسيل حولها، انتشرت حرارة غريبة في عروقه كأن نارًا صغيرة تسير داخل جسده.


بدأ العرق يتفجر من جلده رغم برودة الهواء في ساحة القتال،قطرات العرق انحدرت على فروه الكثيف واختلطت بالدم كان يتنفس بصعوبة وصدره يعلو ويهبط بعنف،

تغير لون جلده تحت الفرو،صار أغمق للحظة ثم شحب كأن الدم انسحب من أطرافه، ارتجفت عضلاته وتشنجت ساقاه قليلا،كان الفيروس يحاول أن يشق طريقه داخل جسده ويكسر إرادته،لكن يامان لم يسقط،رفع رأسه ببطء وعيناه تشتعلان بغضب وحشي، خرج من صدره زئير منخفض عميق هز الساحة،تجمدت سولين لحظة وهي تراقبه،

كانت تعرف ذلك الفيروس جيدا،رأت حيوانات مفترسة أقوى من الذئاب تسقط خلال لحظات عندما يدخل إلى دمائها، كانت تتوقع أن ينهار يامان سريعا أو على الأقل أن تتجمد أطرافه.


لكن الذئب ما يزال واقفا،تقلصت عيناها بدهشة واضحة وهي تراقب جسده يقاوم،العرق يتصبب منه، أنفاسه ثقيلة، لون جسده يتبدل، ومع ذلك لم يخضع،تمتمت بين أسنانها بعدم تصديق،قالت إن هذا الذئب يقاوم الفيروس.

لكنها لم تمنحه وقتا أطول،تحركت فجأة بسرعة أكبر من قبل. اندفعت نحوه كالسهم وضربته بمخلبها الحاد في صدره، اهتز جسده خطوة للخلف،قبل أن يستعيد توازنه كانت ضربتها الثانية قد وصلت إلى جانبه،ثم دفعة قوية بقدمها في صدره.

ترنح يامان.


السم كان يضعف ردود فعله، جسده يحاول القتال لكن عضلاته لم تعد تتحرك بنفس السرعة،استغلت سولين تلك اللحظة بالكامل،قفزت في الهواء ثم هبطت عليه بضربة ساحقة في كتفه المصاب، انغرزت مخالبها في لحمه أكثر،زأر يامان بغضب وألم.

ثم أمسكت بذراعه الضخم ودارت بجسدها فجأة،بقوة هائلة طوحته عبر الساحة،ارتطم جسده بالأرض الصخرية بعنف وتدحرج عدة أمتار قبل أن يتوقف، الغبار ارتفع حوله والدماء تناثرت على التراب،للحظة ساد الصمت،ثم انفجر جنود سولين بالصراخ.


تعالت صيحات التهليل والضحك في الساحة،الجنود يضربون رماحهم بالأرض ويهتفون باسم ملكتهم، كانوا يشاهدون الذئب الذي تحدى قلعتهم ملقى على الأرض أمامهم.


وقف بعضهم يشيرون إليه باستهزاء بينما ارتفعت ضحكاتهم،

تقدمت سولين ببطء وسط الهتاف، كانت تمشي بثقة كاملة وعيناها ثابتتان على جسد يامان الملقى في التراب،وقفت أمامه مباشرة،كان يحاول أن يرفع رأسه بينما جسده ما يزال يقاوم السم الذي يجري في عروقه،ابتسمت سولين ابتسامة قاسية،رفعت قدمها ثم ضغطت بها على كتفه الجريح لتثبته في الأرض أمام جيشها.

الجنود حولهما يصرخون ويهتفون بينما الذئب الجبار الذي وصل إلى أبواب قلعتها أصبح الآن مطروحا على الأرض أمامهم.

تكملة الرواية من هناااااااا 

تعليقات

التنقل السريع
    close