رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
#ملك_بلا_مملكة
٦
وقف يامان أمام الرموز المنقوشة على جدران القبو، وأدرك أن السجن الذي يحبس الفتاة ليس من حجرٍ وحده، بل من تعاويذ متشابكة تُغذي نفسها من عُمق الغابة.
كانت الخطوط المحفورة تلتف حول بعضها كجذورٍ سوداء، تتوهّج بخفوت كلما اقترب منها،سألها كيف يُكسر هذا السجن.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت إن القيود لا تُكسر بالقوة، بل بتغيير مسارها.
طلبت منه أن يضع كفه على الرمز الأوسط، وأن يغلق عينيه، وألّا يقاوم ما سيشعر به،فعل.
ما إن لامست كفه الحجر حتى اندفع في عروقه دفءٌ مألوف، كأن سدًّا داخليًا قد انشق فجأة، عاد إليه ذلك التيار الذي يعرفه جيدًا؛ الحرارة التي تبدأ في صدره وتمتد إلى أطرافه، تنفّس بعمق، وشعر أن الجدار الشفاف الذي كان يفصل بينه وبين قوته قد تحطم.
ارتعش الهواء حوله لحظة قصيرة، وارتجفت الرموز على الجدار، ثم انطفأت واحدة تلو الأخرى،
سقطت الفتاة إلى الأمام قليلًا، فالتقطها قبل أن تمس الأرض،
قالت بصوت أضعف لكنها ثابتة: لقد أعادت إليه الغابة ما حجبته، ولو مؤقتًا، فعلت ذلك لا ليهرب، بل ليتذكر إحساس قوته كاملة… وليختار بعدها.
صعدا معًا الدرج الحجري إلى ضوء النهار، ما إن خرج إلى الهواء الطلق حتى امتلأت رئتاه بروائح الشجر، وشعر بقوته تسري في عضلاته كما اعتاد،لو أراد، لاستطاع الآن أن يشق طريقه عبر نصف المحاربات في لحظة غفلة،لكن الفتاة وضعت يدها على صدره،وتبدل كل شيء،
تراجع التيار فجأة، وخفت وهج الطاقة داخله كما انطفأت الرموز في القبو، لم يُسلب تمامًا، لكنه عاد محدودًا، بشريًا، عاديًا،نظر إليها بحدة، لا غضبًا، بل استفسارًا.
قالت إن بمقدورها أن تعيد إليه قوته كاملة متى شاء، وأن تُضعف سحر الغابة من حوله، ولو لوقتٍ قصير،لكنها أرادت أن تعرف أي طريق سيختار
هل يريد مساعدتها عبر السحر، معتمدًا على قدراته الحقيقية، فيكسر ميزان الغابة وربما يُغضب ميثاقها القديم؟
أم يريد أن يخوض النزالات بقوته البشرية وحدها، متحررًا من عادته في الاتكاء على ما وُهب له؟
تقدّمت خطوة للأمام، وعيناها الرماديتان لا ترمشان،
قالت إن الانتصار بالسحر سيحرره جسديًا،لكن الانتصار بدونه سيحرره من شيء أعمق،ساد الصمت بينهما،
نظر يامان إلى يديه قبضهما، فشعر فقط بصلابة العظام والعضلات، لا بذلك النبض الخارق الذي اعتاد عليه،تذكر كيف سقط في الساحتين السابقتين لأنه لم يفهم الأرض، تذكر السؤال الذي تسلل إليه: هل يعرف القتال حقًا بلا قوته الخاصة؟
رفع رأسه وقال إنه سيقاتل بما تبقى له… بجسده وعقله فقط،
لم يكن قراره تحديًا لها، بل لنفسه،
ابتسمت الفتاة، وكأنها كانت تنتظر تلك الإجابة تحديدًا، قالت إن هذا يعني أنه اختار الطريق الأصعب، لكنه الطريق الوحيد الذي يُغيّر نتيجة الغابة، لا نتيجة المعركة فقط،أشارت إليه أن يتبعها.
سارت بين الأشجار بخطوات واثقة، كأن الجذور تفسح لها الطريق، قادته إلى أطراف بعيدة من الغابة، حيث الصخور ترتفع وتكوّن كهفًا مخفيًا بين شقوقٍ ضيقة،كان المكان بعيدًا عن مسارات المحاربات، صامتًا إلا من قطرات ماء تتساقط من سقف صخري.
دخل يامان الكهف، وشعر أن المكان معزول عن شبكة السحر الأخضر التي تخنق أنفاسه في الساحة،لم تكن قوته قد عادت، لكنه شعر أن ذهنه صار أوضح.
جلست الفتاة عند مدخل الكهف وقالت إن اليومين لن يكونا عن الضرب والركل، بل عن تعلّم الإصغاء للأرض دون محاولة إخضاعها.
في عمق الكهف، وقف يامان مستقيمًا، لأول مرة منذ زمن طويل، بلا درعٍ غير جسده، ولا سلاحٍ غير إرادته البشرية،
والتدريب الحقيقي… لم يبدأ بعد.
جلست الفتاة على صخرة ملساء عند مدخل الكهف، وكانت الصخرة نفسها منقوشة برموز دقيقة تتوهج أحيانًا بضوء خافت.
بدت وكأنها تعرف مكانها فوقها كما يعرف العرش صاحبه، أخرجت ثمرة حمراء من جراب صغير إلى جوارها، وبدأت تأكلها بهدوء، وعيناها تتابعان يامان بلا انفعال.
أشارت بيدها إلى عمق الكهف وقالت له إن يبدأ بإخراج الصخور الكبيرة إلى الخارج، واحدةً تلو الأخرى. لم تشرح لماذا، ولم تُضف كلمة تشجيع.
دخل يامان إلى الداخل حيث تراكمت كتل حجرية ثقيلة، بعضها نصف مغروس في الأرض.
مدّ يده إلى أول صخرة، وشدّها بكل ما يملكه من قوة بشرية، لم تتحرك، دفع بكتفه، فانزلق قليلًا وكاد يفقد توازنه، شدّ مرة أخرى، فاهتزت بالكاد قبل أن تسقط يده عنها.
تنفّس بعمق، لم يكن معتادًا على هذا النوع من الجهد الخالص. كانت قوته سابقًا تختصر المسافة بين الإرادة والفعل، أما الآن فكان عليه أن يمر بكل طبقات العجز التدريجي: شدّ العضلة، احتراق الألياف، ارتجاف اليد.
حاول بصخرة أصغر،تحركت قليلًا دفعها ببطء نحو الخارج، كل خطوة تستهلك أنفاسًا كاملة،حين وصل إلى ضوء المدخل، كان عرقه يتساقط على التراب، وذراعاه ترتجفان.
رفعت الفتاة نظرها إليه دون أن تنهض، قالت بهدوء إن هذا ليس حملًا، بل بداية التعرف على جسده.
في الساعات الأولى، كان يتوقف كل بضع دقائق قبضته تضعف، ظهره يؤلمه، وأنفاسه تتقطع،عند الغروب، سقط جالسًا إلى جوار مدخل الكهف، وكتفاه يرتعشان من الإجهاد،
ظن أن اليوم انتهى،لكنها قالت إن اليوم لا ينتهي حين يتعب الجسد، بل حين يتوقف العقل،استمر.
في اليوم التالي، كانت عضلاته تؤلمه كأنها تُعاد صياغتها، حاول رفع صخرة كانت مستحيلة في البداية، فتحركت ببطء، بعد محاولات متكررة، استطاع أن يزيحها خطوة إضافية، الألم لم يختفِ، لكنه صار جزءًا من الإيقاع.
مرّ يوم… ثم آخر… ثم أيام لا يستطيع حصرها،
لم يكن يعرف عدد الشروق والغروب، لأن السماء في ذلك الموضع كانت تظل معتمة غالب الوقت، إلا أن عضلاته بدأت تتضخم تدريجيًا، كتفاه اتسعتا، وساعداه صارا أكثر صلابة، صار يحرك الصخور التي استعصت عليه في البداية بثباتٍ أكبر.
في إحدى اللحظات، جلس أخيرًا يلهث وقال إن يومين لن يكونا كافيين لكل هذا.
ضحكت الفتاة ضحكة خفيفة، لم تخلُ من غموض، وقالت إن الزمن هنا تحت سلطتها.
أكدت له أن ما يمر عليه من أيام، وربما أعوام، سيظل في تقويم البشر يومين فقط،الغابة لن تشعر بتغير الزمن داخل حدود الكهف الجسد يمكن أن يُعاد بناؤه، دون أن يتقدم العمر خارج هذه المساحة، لم يسألها كيف،فقط نهض وأكمل.
بعد أن أفرغ معظم الصخور من الداخل، أشارت إلى جدار صخري شاهق خلف الكهف،كان مرتفعًا، حاد الزوايا، بلا عتبات واضحة.
قالت له إن يحمل جسده إلى الأعلى بيديه العاريتين، دون أدوات، دون حبال، ودون استعانة بأي قوة غير ما بناه بنفسه،
نظر إلى الجدار، ثم بدأ.
في المحاولة الأولى، لم يصعد سوى خطوات قليلة قبل أن تنزلق قدمه ويسقط على الأرض. تناثر الغبار حوله. نهض وأعاد المحاولة،في الثانية، وصل أعلى قليلًا، ثم خانته قبضته وسقط مرة أخرى، وظهره يضرب التراب بقسوة.
المرة الثالثة والرابعة والخامسة لم تكن أفضل بكثير، كانت أطراف أصابعه تتشقق، وراحتاه تنزفان خطوطًا رفيعة،صدره يعلو بعنف، وقلبه يخفق كطبلٍ منفرد.
في كل مرة يسقط، كانت الفتاة تراقب بصمت، تمسح أثر فاكهة أخرى من شفتيها، ولا تُسعفه بكلمة.
مع تكرار المحاولات، بدأ يتعلم قراءة نتوءات الحجر، أماكن دقيقة لم يكن يلاحظها من قبل.
صار يوزع وزنه أفضل، يشد بكتفه بدل ذراعه فقط، يستخدم الساقين لا الدفع الأعمى.
مرّ وقت طويل، حتى لم يعد يتذكر عدد السقوطات،
وفي إحدى المحاولات، عندما التصقت يداه بالنتوء العلوي، وشدّ جسده بالكامل، شعر أن الحركة جاءت متكاملة، بلا ارتباك.
لم يعتمد على اندفاع، بل على اتزان،دفع نفسه أخيرًا إلى القمة، واستلقى فوق الحافة الصخرية يتنفس بعمق، ويداه تنبضان ألمًا حيًا.
من الأسفل، رفعت الفتاة رأسها نحوه وقالت بهدوء إن الجبل لا يُغلب بالقفز، بل بالصعود درجة فوق درجة،كان جسده متعبًا، لكنه لم يشعر بالانكسار،لأول مرة منذ دخوله غابة الإنكا، شعر أن التغير يحدث من داخله… لا من قوةٍ تُمنح له.
#ملك_بلا_مملكة
7
بعد أن استلقى يامان على قمة الصخر وكانت أصابعه ما تزال تنبض ألمًا لم يشعر بالزهو بل شعر بإحساس عميق يتشكل داخله إحساس بأن ما يجري داخل هذا الكهف لا علاقة له بنزالات الساحة ولا بمحاربات الإنكا وحدهن كان التدريب يبنى حوله هو حول الجسد حين يُجرد من كل امتياز وحين يُترك عاريًا من أي قوة خارقة اعتاد الاتكاء عليها.
كان يراقب الساحرة الصغيرة وهي جالسة على صخرتها المنقوشة بهدوء لم تتدخل لتنقذه من سقوط ولم تمنحه سرًا يعيد له طاقته ولم تواسه بكلمة كانت تتركه يصطدم بالأرض ويعود وحده كان صبرها أوسع من حدود اليومين وتكوّن في داخله شعور ثقيل بأنها لا تعده لنزالين بل لشيء أكبر من غابة الإنكا نفسها وأكبر من أسرارها شيء يشبه حربًا قادمة لا يعرف عنها شيئًا بعد.
تغير جسده تدريجيًا لم يعد حمل الصخور مستحيلًا صار يلتقط الكتل التي أسقطته في البداية ويرفعها بثبات الكتف والقدمين دون انفعال أعمى برزت عضلات ساعديه بخطوط واضحة واتسع ظهره وتماسك جذعه وصارت خطواته أثقل قوة وأخف ارتباكًا ركض بين الأشجار لمسافات أطول دون أن ينهار صدره وتسلق الجدار الصخري مرة أخرى لا لأنه أُمر بل لأنه أراد أن يختبر نفسه وهذه المرة صعد بثقة موزعة بين يديه وساقيه حتى بلغ القمة دون سقوط.
أعطته الساحرة رمحًا خشبيًا بسيطًا وسيفًا بلا زخارف ولا طلاسم وطلبت منه أن يتعلم الاقتصاد في الحركة تدرب على طعنات قصيرة محسوبة وعلى دوران الجسد حول محور القدم بدل القفز غير المدروس كرر الحركات مئات المرات حتى صارت عضلاته تتحرك قبل أن تكتمل الفكرة في ذهنه وصار السيف امتدادًا لمعصمه والرمح امتدادًا لكتفه
وحين استقامت عضلاته بالكامل وتماسك جسده في هيئة متوازنة بلا ميل ولا اندفاع ظن أن المرحلة التالية ستكون العودة إلى الساحة لكن الساحرة نهضت أخيرًا وتمتمت بكلمات لم يفهمها فتغير الهواء داخل الكهف وامتلأ ببرودة مفاجئة ومن الظل خلفه تشكل كيان مظلم لم يكن إنسانًا بالكامل ولا ظلًا خالصًا كانت له هيئة واضحة وعينان حادتان باردتان يتحرك بخفة غير طبيعية كأنه خال من الوزن
اندفع الكيان نحوه قبل أن يستقر السؤال في ذهنه كانت الضربة الأولى سريعة حد الإهانة تلقاها بصعوبة وتراجع خطوتين حاول أن يرد بطعنة مستقيمة لكن الكيان لم يكن حيث ظنه اختفى من أمامه وظهر إلى جانبه وأسقطه بضربة خفيفة محسوبة نهض يامان سريعًا وهاجم بسلسلة حركات تعلمها حديثًا وتحرك حول خصمه بدل الاندفاع المباشر ولحظة قصيرة ظن أنه يقترب
لكن الكيان كان أسرع وأخف وأكثر برودة في قراراته كان يضرب حيث يختل التوازن ويتراجع حين يجب ويهاجم حين يظن يامان أنه استعاد الإيقاع حاول يامان أن يضبط أنفاسه كما تعلم وأن يصغي لحركة قدميه على الأرض دون اعتماد على أي طاقة محجوبة ومع ذلك كانت كل مواجهة تنتهي بسقوط مرة يُلقى بضربة كتف ومرة يُنزع رمحه بحركة التفاف سريعة ومرة يُثبت السيف عند عنقه كما حدث في الساحة.
تكررت المواجهة مرات عديدة وفي كل مرة كان ينهض ويحسن حركة ويطيل نفسًا ويختصر ضربة لكن الفجوة ظلت واسعة كان الكيان المظلم سريعًا كريح خفيفًا كظل قاسيًا بلا انفعال قويًا بلا مبالغة حكيمًا في التوقيت وبارعًا في استغلال الخطأ وبعد نزال طويل سقط يامان على ركبته وسيفه بعيد نصف خطوة حاول أن ينهض لكن القدم المظلمة ثبتت على صدره ثم اختفى الكيان كما ظهر وعاد الصمت إلى الكهف
نظر يامان إلى يديه وإلى اتساع كتفيه وإلى الصخر الذي صار يحمله بسهولة وأدرك حقيقة مرة كل ما بناه لا يساوي ربع قوة وخبرة ذلك الكيان رفعت الساحرة الصغيرة نظرها إليه وقالت بهدوء إن هذا ليس خصمًا بل ما سيواجهه يومًا ثم سكتت وتركته يواجه الفكرة وحده.
لم تقل له الساحرة الصغيرة إنه ضعيف ولم تسخر من عجزه أمام الكيان الذي صنعته بل جلست فوق صخرتها المسحورة تتأمل اضطراب أنفاسه ثم أخبرته بهدوء أنه ما زال يعتمد على عضلاته ويظن أن العالم يُهزم بالقوة وحدها وأن القوة ليست إلا ظلًا للحقيقة وأن الظل لا ينتصر إن لم يعرف مصدر نوره.
طلبت منه ألا يعتمد على جسده فقط وأن يكف عن مطاردة النصر بالسيف وأن يجلس في حضرة الغابة كما يجلس التلميذ أمام معلمه فخرج من الكهف وسار بين الأشجار حتى بلغ فسحة يتسلل إليها الضوء وجلس كما أمرته وظهره مستقيم ويداه على ركبتيه وأنفاسه ما تزال ثقيلة من أثر القتال.
قالت له أن يستمع لا إلى الأصوات الظاهرة وحدها بل إلى ما يكمن تحتها فسمع حفيف الأوراق حين تمر بها الريح ثم أحس بنبض خفي يسري في جذوع الأشجار وشعر بالأرض من تحته كأنها كائن حي يتنفس لا جماد صامت ثم طلبت منه أن يترك عقله يتحرك بلا قيد وأن يراقب أفكاره دون أن يقاتلها أو يتمسك بها حتى بدأت الأفكار تهدأ وصار ذهنه ينساب بعيدًا كجدول ماء لا يعترضه حجر.
تبدلت ملامحه وخفت توتر عضلاته ولم يعد صدره يعلو بعنف بل صار النفس يدخل ويخرج في سكينة وشعر بالهواء كأنه تيار يجري خلاله لا مجرد أنفاس ثم أمرته أن يتخيل حجرًا بعيدًا خلف الأشجار لا ليحمله بل ليعرفه وأن يستشعر ثقله وبرودته ومكانه دون أن يلمسه فغاص في إحساسه حتى شعر بذلك الحجر كأنه بين يديه وإن لم يتحرك من موضعه
أخبرته أن العالم لا يُخترق بالقوة وحدها بل بالفهم وأن من يفهم التيار يسير معه دون أن يغرق وأن العقل إذا صفا صار أبصر من العين وأشد مضاءً من السيف فجلس يامان أيامًا طويلة تحت سلطان زمنها لا يشعر بمرور الساعات وفي تقويم البشر لم تكن سوى يومين حتى هدأ صوته الداخلي ولم يبق داخله إلا صمت صاف عميق.
وحين فتح عينيه لم يشعر بأنه ازداد قوة في جسده بل شعر أنه اتسع من الداخل وأن الغابة لم تعد محيطة به فقط بل صارت ممتدة في أنفاسه وأن المعركة القادمة لن تكون اختبارًا لذراعيه وحدهما بل لصفاء عقله وسكون قلبه وقدرته على الإصغاء لما لا يُرى ولا يُسمع إلا لمن تعلم.
#ملك_بلا_مملكة
٩
لم يعد يامان يجلس كما يجلس المحارب الذي ينتظر إشارة القتال بل صار يجلس كما تجلس شجرة لا تعرف إلا الثبات وكان في أيامه الأولى يصمت بجهد وكأن الصمت معركة جديدة لأن عقله كان يعود إليه كحصان جامح كلما حاول أن يتركه يرعى بعيدًا وكانت صورة الكيان المظلم تنبثق في داخله فيشتعل الغضب كشرارة صغيرة لكنه تعلم ألا يقاتل هذه الشرارة بل يراها ويتركها تحترق وتنطفئ من تلقاء نفسها
كان يجلس تحت الأشجار ساعات طويلة لا يعد الزمن ولم يعد يبحث عن نتيجة وكان يستمع أولًا إلى أصوات الغابة ثم بدأ يستمع إلى استماعه نفسه فكان يسمع الريح ثم يدرك الهدوء الذي يليها ويسمع دقات قلبه ثم يلاحظ الفراغ القائم بين الدقة والأخرى وهناك في ذلك الفراغ الصغير بدأ يفهم أن القوة لا تكمن في الضربة بل في اللحظة التي تسبقها وأن الفعل يولد من سكون خفي وأن السكون أعمق من كل حركة
تعمق أكثر فصار يجلس منذ شروق الضوء حتى انكساره عند حواف الجبال ثم ينهض قليلًا ليشرب من النبع ويعود وكان الألم يمر في ركبتيه وظهره من طول الثبات لكنه لم يهرب منه بل صار يتأمله كما يتأمل فكرة عابرة فكان يرى الألم ثم يرى نفسه وهو يراه ثم يكتشف أن بين الرائي والمرئي مسافة وفي تلك المسافة شعر بحرية لم يعرفها من قبل
شيئًا فشيئًا لم تعد الغابة تحيط به فقط بل صار يشعر أنه قائم داخلها كما هي قائمة داخله وأن صوت الطائر ليس صوتًا خارجيًا بل اهتزاز في وعيه وأن برودة الهواء ليست ملامسة للجلد فحسب بل مرور صفاء في صدره وحين جاء الليل ذات مرة لم ينهض بل جلس في العتمة وترك الخوف يظهر وترك صورة الكيان تقف أمامه في ذهنه لكنها لم تعد ترعبه ولم تتضخم بل بدت صورة عابرة ثم ذابت كما تذوب السحابة في فضاء واسع
وفي صمته الطويل لم يعد يسأل إن كان سيهزمه ولم يعد يقيس نفسه بقوته بل صار يريد أن يعرفه وأن يعرف سر اكتماله وموضع نقصه هو وحين نهض أخيرًا بعد أيام من الغياب في أعماقه لم يكن في وجهه تحد ولا في عينيه نار بل كانت فيهما سكينة عميقة تشبه بركة ماء لا يعكرها حجر ثم سار نحو الساحرة ووقف أمامها بهدوء وقال دعيني أواجهه من جديد ولم يكن يطلب النصر هذه المرة بل كان يطلب الفهم.
حين اندلع الهجوم لم يكن أحد قد لمح ظلَّه بعد
كانت سولين قد اختارت ليلًا بلا قمر، ليلًا خاليًا من العلامات، كأن السماء نفسها تواطأت معها لتُخفي الحركة الأولى، فانفتحت أطراف الغابة على صمت ثقيل، ثم انشطر الصمت فجأة كما ينشطر الزجاج تحت ضربة غير مرئية
لم يأتِ جيش مصاصي الدماء كجيشٍ تقليدي، لم تُسمع صيحات، ولم تُرفع رايات، بل تدفقت الظلال بين الأشجار في سرعة خاطفة، كانت تتحرك بخفة لا تترك أثرًا، وبقسوة لا تعرف ترددًا، فضُربت مواقع الحراسة قبل أن يُطلق فيها عواء إنذار واحد
استُبيحت أطراف المعسكر، وسقطت الصفوف الأولى من الذئاب قبل أن تُكمل تحوّلها الكامل، ومن استطاع أن يتحول وجد نفسه في مواجهة خصمٍ لا يخطئ، يضرب في المفاصل، ويختار القلب أو الحنجرة بضربة واحدة محسوبة
حاول الملك إيمير أن يعيد تنظيم صفوفه، فارتفع صوته فوق ساحة القتال كهديرٍ يأمر بالتماسك، لكن الفوضى كانت أسرع من أوامره، فالميمنة سُحقت، والميسرة انعزلت خلف جدار من نار سوداء أشعلها سحرة سولين، وانقطعت الإمدادات بين الكتائب
في قلب الساحة تقدم آدم قائد الجيش، مقاتلًا كما لم يقاتل من قبل، كان رمحه يثقب الظلال ويطرح اثنين أو ثلاثة في كل اندفاع، لكن سولين لم تدخل الميدان إلا بعد أن أنهكت المدافعين، ظهرت فجأة أمامه كما يظهر حدُّ سيفٍ من العدم، تحركت بخفة غير بشرية، وتبدلت مواقعها بين رمحه وصدره في ومضة واحدة، وحين حاول أن يثبت قدميه وجد الأرض نفسها قد انزلقت من تحته
دام اشتباكهما لحظات بدت دهورًا، ثم أُصيب آدم بضربة خاطفة قطعت اتزانه وأسقطته أرضًا، وقبل أن ينهض كانت أنيابها قد لامست عنقه دون أن تقتله، تركته حيًا مهزومًا ليرى السقوط كاملًا
سقط عرش إيمير قبل أن يُدرك أنه سقط، اقتُلع من ساحة القصر الحجري، وكُسرت رايته، وانسحبت من بقي من الذئاب إلى عمق الغابة في فوضى ممزقة، أما الذين أُحاط بهم من كل جانب فقد طُرِحوا أرضًا، قُيِّدت أطرافهم بسلاسل داكنة من سحرٍ قديم، ولم يُقتلوا، بل اقتيدوا أسرى، عبيدًا في خدمة سيدة الليل
كانت سولين لا تريد إبادةً كاملة، كانت تريد إذلالًا ممتدًا، أرادت أن ترى الذئب راكعًا، وأن تسمع صوته وقد استُبدل بالعواء صمتًا مطيعًا
حين بلغ الخراب ذروته وصل الهنطاع ومعه هشمير، دخلا ساحة القتال كريحين متعاكستين، الهنطاع اندفع مباشرة إلى قلب الاشتباك، سيفه يشتعل بقوة جسدية هائلة، يمزق صفوف مصاصي الدماء في مسار دموي صريح، بينما وقف هشمير في الخلف، ينسج كلماتٍ غامضة، يرسم دوائر من طاقة تعصف بالظلال وتدفعها بعيدًا
للحظة ظن بعض الذئاب أن الميزان يتعدل
لكن سولين كانت تنتظر
فصلت الهنطاع عن هشمير بحاجزٍ من ظلام كثيف كالجدار، ثم هاجمتهما بخطة لا تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على الاستنزاف والتحكم، أرسلت ثلاثًا من نخبتها لتشتيت الهنطاع، كل واحدة تضرب ثم تختفي، تجرّه خطوة بعد خطوة نحو أرض مكسوّة بسحرٍ كامن، وحين ارتفع سيفه ليسدد ضربة قاضية انطلقت القيود الداكنة من تحت قدميه، التفّت حول ساقيه وأسقطته على ركبتيه
أما هشمير فقد واجهتها بنفسه، لكنه حين رفع يديه ليستدعي قواه القديمة اكتشف أن تعاويذه تتبدد في الهواء كدخان، كانت قد أعدّت حقلًا مضادًا يسلبه تركيزه، وكلما نطق بكلمة انعكست عليه، حتى ضاق صدره وتعثرت أنفاسه
لم يُقتلا
ذلك كان أقسى
جُرِّد الهنطاع من سيفه أمام من تبقى من الذئاب، وضُرب حتى انحنى دون أن ينكسر، وأُجبر هشمير على الركوع في دائرة الظلال التي حاول أن يكسرها، وأمرت سولين بتركهما أحياء ليشهدا بداية عهدها
وفي تلك الليلة لم يكن السقوط عسكريًا فقط، بل كان سقوطًا في الكرامة والمعنى، إذ أدرك الجميع أن الحرب التي بدأت لم تكن غارة عابرة، بل إعلان سيطرة، وأن سيدة مصاصي الدماء لم تأتِ لتختبر قوتهم، بل لتُثبت أنها صارت القوة الأعلى في الغابة كلها
بعد سقوط العرش لم تتوقف سولين عند حدود المعسكر المحترق بل وسّعت هجماتها كمن يرسم دائرة نار حول خصمه حتى يضيق عليه الهواء
تحركت قواتها ليلًا على دفعات منظمة لا تشبه الفوضى الأولى بل تشبه إدارة باردة لحرب محسوبة فكانت القلاع الحجرية للذئاب تُهاجَم واحدة بعد الأخرى تبدأ بقطع طرق الإمداد ثم إسكات أبراج الإشارة ثم اختراق البوابات من الداخل عبر عملاء بايعوها خوفًا أو طمعًا
في قلعة الشمال سقطت الأسوار بعد ثلاث ليالٍ من الحصار الصامت إذ تسللت نخبتها عبر الممرات الجبلية وفتحت الأبواب الثقيلة من الداخل فدخلت الظلال كالسيل وأخمدت آخر جيب مقاومة خلال ساعة واحدة
وفي حصن الوادي حاولت الذئاب القتال حتى آخر ناب لكن سولين لم تواجههم بقوة مباشرة بل أرهقتهم بالعطش والخوف وأرسلت رسائل واضحة أن كل من يستسلم يُترك حيًا ومن يعاند يُمحى اسمه من السجلات فلم تمضِ أيام حتى فُتحت البوابة وخرج القادة منحنين يقدمون مفاتيحهم
أما القلعة الشرقية فقد شهدت المعركة الأعنف إذ تجمعت بقايا المقاتلين حول قائدهم الجريح أملاً في استعادة الهيبة غير أن سولين حضرت بنفسها تلك الليلة وكسرت مقاومتهم في ساحة القلعة أمام عيون الجميع ثم أمرت بتركهم أحياء ليحملوا خبر الهزيمة إلى سواهم
هكذا تتابعت السقوطات حتى لم تبقَ قلعة واحدة خارج سلطانها وأُجبرت القبائل أن تأتي إلى حدود عرشها تحت عشرها صاغرين مستسلمين يدفعون العشر من قوتهم ومحاصيلهم وحتى من صغارهم الذين يُؤخذون رهائن لضمان الطاعة ولم يعد أحد يجرؤ على رفع راية دون إذنها
ثم بدأت مرحلة الترسـيخ
أعلنت نفسها سيدة الليل والدم والحدود وأصدرت قوانين جديدة أولها حظر أي تجمّع مسلح للذئاب دون موافقة ممثليها وثانيها إلزام كل قبيلة بتسجيل أعدادها وقادتها وتحركاتها وثالثها منع التحالفات السرية تحت طائلة الإبادة الجماعية
قسّمت الأرض إلى قطاعات يشرف على كل منها قائد من مصاصي الدماء يعاونه مخبرون محليون وبنت نقاط مراقبة عند المعابر الجبلية ومصبات الأنهار وأقامت أبراج حراسة سوداء على التلال العالية تُضاء بلهيب أزرق عند أي حركة مريبة
كانت الأبراج متباعدة على مسافات محسوبة بحيث ترى كل واحدة الأخرى فإذا أُشعلت إحداها اشتعلت السلسلة كلها خلال دقائق وصار الليل شبكة إنذار لا فجوات فيها
نُصبت حاميات صغيرة داخل بعض القلاع ذاتها لا للحماية بل للتذكير الدائم بمن يملك القرار وأُقيم سجل مركزي للأسرى والرهائن تُحدّث بياناته كل شهر وألزمت القبائل بإرسال مندوبين إلى مجلسها كل اكتمال قمر لتجديد العهد
بهذا لم تعد السيطرة مجرد انتصار عسكري بل نظام حكم مكتمل يقوم على الخوف المنظم والرقابة الدائمة والعقاب السريع
وتحت هذا النظام لم تعد الذئاب تسأل كيف هُزمت بل كيف تعيش يومًا إضافيًا دون أن تثير انتباه سيدة الليل التي أحكمت قبضتها على الغابة كلها دون أن ترفع صوتها أكثر من اللازم
#ملك_بلا_مملكة
9
حين عاد يامان إلى ساحة الكهف لم يكن يحمل في عينيه رغبة في الغلبة بل صفاء عميق يشبه صفحة ماء ساكنة وكانت الساحرة الصغيرة تراقبه في صمت ثم أشارت بيدها فانبثق الكيان المظلم من العتمة كما لو أنه ظل انفصل عن جسد العالم ووقف قبالته بلا صوت وبلا تهديد ظاهر
تقدما خطوة واحدة في اللحظة نفسها كأن بينهما خيطا خفيا يشد الحركة ويوحد الإيقاع وانطلقت الضربة الأولى لا كعدوان مباغت بل كافتتاح مقطع موسيقي يعرف كل عازف فيه متى يدخل ومتى يصمت فالتقت قبضته بساعد الكيان والتف جسده مبتعدا نصف دائرة بينما دار الكيان حوله بخفة هواء لا يُمس
استمر القتال ساعات طويلة لم يعد فيها الزمن يُقاس بالدقات بل بالأنفاس ولم تعد الضربات عشوائية بل حركات متتابعة في تناغم غريب فحين يهاجم يامان يتراجع الكيان بخطوة محسوبة ثم يعود بخط مائل يصنع فراغا يجبر يامان على الدوران وحين يندفع الكيان بسيفه المتشكل من الظل ينزلق يامان تحته كما تنزلق نغمة هادئة بين ضربتين قويتين
كان العنف حاضرا في كل تماس وكانت الصخور تتشقق تحت الأقدام وكانت الشرارات تتطاير كلما التقت طاقة بطاقته ومع ذلك لم يكن في المشهد فوضى بل نظام دقيق يشبه رقصة قديمة يتبادل فيها الشريكان القيادة دون اتفاق مسبق يعرف كل واحد موضع قدمه وموعد انحناء جسده
أدرك يامان أنه لا يقاتل خصما يريد قتله بل مرآة مكتملة تعكس سرعته وقوته وذكاءه وتتفوق بخطوة كلما اعتمد على العجلة فترك العجلة وترك الرغبة في الحسم وبدأ يتحرك كما تعلم في صمته يستمع لثقل الهواء ويقرأ المسافة بين النبض والنبض فخف وقع ضرباته وصار ينتظر الفتحات الصغيرة التي لا تُرى إلا لمن هدأ داخله
تقدم الكيان بهجوم واسع يقصد إخضاعه فامتص يامان القوة بدلا من مقاومتها ودفعها جانبا كما يُدفَع مجرى ماء عن صخرة ثابتة ثم رد بحركة منخفضة أصابت توازنه للحظة لكن الكيان استعاد اعتداله في انسياب كامل كأنه لا يسقط بل يبدل اتجاهه
توالت الجولات بلا عد ولا إعلان وكان التعب يظهر على جسد يامان عرقا واهتزاز عضلات بينما ظل الكيان خفيفا قاسيا مكتمل الهيئة ومع ذلك لم يعد الفارق شاسعا كما كان من قبل فقد صار الإيقاع مشتركا وصارت المبادرة تنتقل بينهما كما تنتقل النغمة من وتر إلى آخر
وحين اقتربت اللحظات من نهايتها اندفعا معا في هجوم متزامن التقت فيه القوتان في قلب الساحة فاهتز الكهف وارتد كل منهما خطوتين وتوقفت الحركة دفعة واحدة كما تتوقف رقصة عند آخر إيقاع وبقيا واقفين يتنفس كل منهما بعمق ينظران في عيني بعضهما لا غالب ولا مغلوب
كان التعادل حاضرا لا كعجز عن الحسم بل كاعتراف متبادل بأن كل واحد بلغ حدود الآخر وأن المعركة لم تعد صراعا على البقاء بل حوارا بالقوة والفهم معا وفي صمت ما بعد القتال أدرك يامان أنه لم ينتصر ولم يُهزم بل أصبح مساويا لظله لأول مرة.
بعد أن هدأ الغبار واستقرَّ الصمت في عمق الكهف ظل الكيان المظلم واقفًا قبالة يامان لحظات طويلة لا يتحرك وكانت أنفاس يامان ما تزال عميقة لكنها ثابتة لا رجفة فيها ثم حدث ما لم يتوقعه
انحنى الكيان ببطء أمام يامان انحناءة كاملة لم تكن خضوعًا بل اعترافًا وتكسر صوته للمرة الأولى وهو ينطق بكلمات خرجت كأنها تعبر مسافة قرون فقال إنه سيكون حليفه إذا احتاجه يومًا ما وإن الرابطة التي وُلدت بينهما في القتال لن تنقطع ثم أدار وجهه نحو الساحرة الصغيرة كمن يؤدي تحية قديمة بين رفيقين يعرف كل منهما سر الآخر
تلاشت أطرافه أولًا كضباب يُسحب إلى العلو ثم انطفأت عيناه المضيئتان وبقي صدى حضوره لحظة في الهواء قبل أن يختفي تمامًا
ظل يامان ينظر إلى الموضع الذي كان يقف فيه ثم التفت إلى الساحرة وسألها عن اسمه وعن حقيقته إذ لم يكن شبحًا عابرًا ولا وحشًا مصنوعًا من وهم
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأخبرته أن ذلك الكيان لم يكن ظلًا بلا أصل بل أحد أمراء الجان الأزرق وأن اسمه كان يُتلى يومًا في مجالس النار والريح وأنه صديق قديم لها يعود عهد معرفتهما إلى زمن سبق هذه الغابة نفسها وأنه أدى دينًا عليها حين استدعته لتختبر به يامان فلبّى الدعوة ثم عاد إلى عوالمه بعد أن اكتمل العهد
وقبل أن يسألها سؤالًا آخر انقطع الخيط الزمني فجأة كأن صفحة طُويت دفعة واحدة وتبدّل الهواء من حوله ولم يعد الكهف حاضرًا بل اختفى كما يختفي حلم عند اليقظة
شعر بخطوة ثقيلة خلفه ثم أخرى وارتفع صوت احتكاك رماح بحجارة وعندما رفع رأسه وجد نفسه في ساحة مفتوحة تحت سماء غابة الانكا وقد انقضت المهلة التي حددتها زعيمة محاربات الانكا وانتهى اليومان في تقويم البشر كما وُعد
كان الحراس يحيطون به من كل جهة دوائر متتابعة من المحاربات المدججات بالسلاح عيونهن ثابتة لا تحمل سخرية هذه المرة بل انتظارًا رسميًا للحكم ولم يعد أمام يامان سوى أن يتقدم إلى قلب الساحة حيث يُحسم مصيره في المواجهة التي طلبها بنفسه
اصطفّت المحاربات في دائرة واسعة تحيط بالساحة وكانت أنظارهن ثابتة على يامان بعد أن استعاد موقعه في قلب الميدان وقد مضت جولتان متكافئتان لم تحسمهما ضربة قاطعة
دخلت المقاتلة الثالثة بخطوات واثقة ووقفت أمامه في صمت قصير يسبق العاصفة وكانت عينا يامان هادئتين على غير ما عُرف عنه فقد كان يعرف أن ميزان التحدي لم يعد مجرد قوة جسد بل حسابات أعمق تتعلق بما سيأتي
بدأت الجولة الثالثة سريعة خاطفة تبادلت فيها الأجساد الاقتراب والانسحاب واشتعلت الشرارات بين حد السيوف ووقع الأقدام على التراب الرطب وكان يامان قادرًا على قراءة حركتها كما قرأ غيرها لكنه في لحظة حاسمة فتح ثغرة صغيرة في دفاعه لم تكن زلة بل قرارًا محسوبًا فتقدمت ضربة المقاتلة وأصابته إصابة واضحة أسقطته على ركبة واحدة ثم أطاحت بسلاحه من يده أمام الجميع
ساد صخب قصير ثم ارتفعت صيحات السخرية إذ بدا المشهد كأنه انكسار جديد يضاف إلى رصيده ولم يبذل يامان جهدًا لاستعادة سلاحه بل ترك النتيجة تُعلن عليه فاعتُبرت الجولة هزيمة صريحة له ولم يتبقَّ له سوى هزيمة واحدة ليصبح خاضعًا بالكامل لحكمهن كما يقضي الشرط المعلن.
وحين علت ضحكات بعض المحاربات رفع يامان رأسه وبدا على شفتيه انحناء ساخر لم يكن تحديًا أجوف بل إشارة إلى أن ما حدث لم يكن نهاية الحساب تبادل النظرات معهن بلا اضطراب كأنه يرى ما لا يرين فاشتدت سخريتهن وعددن الهزيمة الأخيرة مسألة وقت لا أكثر.
عندها تقدم خطوة إلى الأمام وقال بصوت مسموع إن التأخير لا معنى له وطلب أن يواجه النزالين التاليين دفعة واحدة وأن تُضاف إليهما الزعيمة إن رغبت حتى يُحسم الأمر بلا تجزئة همهمت الصفوف وتبدلت النظرات بين الدهشة والرفض إذ رأت بعضهن في طلبه تهورًا أو حيلة غير مفهومة
أما زعيمة محاربات الانكا فقد ظلت صامتة لحظات تزن كلماته ثم أعلنت أنها توافق على مواجهة ثنائية فقط وأن نزالها معه سيؤجل إلى النهاية إن بلغها وأشارت بيدها لتدخل مقاتلتان من الصفوف في آن واحد وتبدأ الجولة الجديدة بينما بقيت هي تراقب بعينين لا تفوتهما حركة واحدة كأنها تنتظر أن ينكشف سر ابتسامته الساخرة في اللحظة المناسبة
اندفعت المقاتلتان في آن واحد كما لو أن الساحة ضاقت به وحده وصارت تختبر صبره قبل قوته لكن يامان لم يندفع هذه المرة بل تركهما تقتربان في إيقاع محسوب يقرأ الظل قبل الجسد ويتحرك في الفراغ الذي يتشكل بين خطوتيهما فتفادى الضربة الأولى بانحناءة دقيقة وجذب الثانية إلى مسار خاطئ جعل سيفها يصطدم بسلاح رفيقتها ثم استدار حركة كاملة مستفيدًا من اختلال التوازن وأسقط الأولى أرضًا بضربة غير قاتلة وأزاح سلاح الثانية من يدها بحركة خاطفة قبل أن يضع حد سيفه عند عنقها معلنًا نهاية النزال.
ساد صمت ثقيل لم تعهده الساحة من قبل ثم تراجع خطوة وطلب بصوت واضح أن يواجه الزعيمة وأن تضم إلى صفها من تشاء من محارباتها إن أرادت حسمًا لا لبس فيه ارتفعت همهمات بين الصفوف لكن كبرياء زعيمة محاربات الانكا منعها من الاستعانة بأحد فتقدمت وحدها إلى قلب الدائرة وأمرت الجميع بالتراجع
بدأت المواجهة عند ارتفاع الشمس ولم تتوقف مع اقترابها من كبد السماء كانت حرب نصف يوم كاملة لا تعتمد على البطش وحده بل على قراءة النفس قبل الحركة كانت الزعيمة سريعة حادة كحد صاعقة تضرب من الأعلى وتنسحب قبل الرد وكان يامان ثابتًا عميق الجذور يمتص الهجوم ثم يعيده متحولًا إلى انسياب خاطف كلما سنحت اللحظة تبادلا الهجوم والدفاع مرات لا تحصى تشققت الأرض تحت أقدامهما وتكسرت أسلحة احتياطية واستبدلاها دون كلمة ولم يكن في القتال صخب سوى صوت الاحتكاك وصوت الأنفاس المتلاحقة
عند انكسار الظل نحو الغرب بدأت ملامح الإرهاق تظهر على الجانبين لكن يامان كان قد بلغ تلك النقطة التي تتحد فيها إرادته مع سكونه فقرأ ترددًا عابرًا في كتف الزعيمة واستثمره بخدعة قصيرة تبعها دوران كامل أنهى به النزال حين أوقف سيفه عند صدرها دون أن يمسها فتجمدت الحركة وساد صمت عميق أعلنت فيه الزعيمة هزيمتها ورفعت يدها إقرارًا بانتصاره
في تلك اللحظة ظهرت تالين عند حافة الساحة كانت قد عادت من رحلة طويلة خارج الغابة تحمل أخبارًا لم تُعلن بعد وتقدمت نحوه بعينين تلمعان بشيء من الفخر والقلق معًا إذ أدركت أن ما ينتظره أكبر من هذه الساحة
اجتمع يامان والزعيمة في مجلس خاص بعيدًا عن العيون وتوصلا إلى اتفاق يقضي بأن يلبى جيشها ندائه إذا احتاجهم يومًا في حرب قادمة على أن يلتزم هو بشرط واحد همست به في سره شرط يتعلق بميزان القوى في الغابة وبألا يُستدعى جيشها إلا في معركة لا يكون فيها سعي إلى مجد شخصي بل ضرورة تحمي الأرض كلها فقبل يامان الشرط وأعطى كلمته
وبعد أن انتهى المجلس وهدأت الساحة قرر العودة إلى أرض غابته حيث تقبع مملكة الذئاب الجريحة المهزومة هناك حيث سقط العرش وتغيّر وجة الغابه.
#ملك_بلا_مملكة
العاشره
عاد يامان في الطريق الطويل نحو غابة الذئاب لا كما خرج منها يومًا، بل كما يعود نهر بعد أن تعلّم مجرىً جديدًا في أرض بعيدة
كانت خطواته ثابتة لا تحمل عجلة ولا تردّد، وكأن كل حجر يطأه يعترف بثقله الجديد، لم تعد حركته اندفاع محارب يريد أن يثبت نفسه، بل اتزان رجل عرف حدوده ثم تجاوزها في صمت، قوته البشرية التي صقلها في غابة الانكا لم تختفِ حين غادرها، بل استقرت فيه كجذع شجرة غليظ لا يُرى نموّه لكنه يُحَسّ في ثباته.
كانت عضلاته قد استقامت على نظام جديد، لا تضخم أعمى فيه ولا استعراض، بل مرونة محكمة، سرعة محسوبة، ونفس طويل لا ينكسر بسهولة، وحين كان يتذكر صخر الكهف الذي حمله بيديه العاريتين كان يشعر أن جسده صار أداة واعية لا كتلة قوة خام، أداة تطيع العقل ولا تسبقه.
أما تحوّله، فقد تغيّر هو الآخر، لم يعد انفجارًا غضبيًا كما كان، بل انتقالًا سلسًا بين حالتين، كأن الذئب داخله لم يعد وحشًا منفصلًا، بل امتدادًا واعيًا لجسده البشري، وحين كان يستدعيه لم يكن يفقد السيطرة، بل يوسع نطاق حضوره، تصير أنفاسه أعمق، وحواسه أحدّ، وقوته مضاعفة فوق أساس بشري متماسك
كان يسمع الغابة قبل أن يراها
وحين اقترب من حدود المنطقة المحرمة، حيث كوخه الخشبي القائم بين الظلال القديمة، شعر بشيء يتردد تحت التربة، همس خافت، كأن الأرض نفسها تحفظ ذكريات الألم، لم تكن الأصوات كلمات واضحة، لكنها كانت حكاية تُروى بلا لسان، حكاية عن ليل طويل مرّ، عن صرخات مكتومة، وعن عرش سقط وراية انكسرت
توقف لحظة وأغمض عينيه، فانبثقت في وعيه صور لم يرها بعينيه، أبراج أُطفئت أنوارها، حراس فرّوا في فوضى، وسلاسل ثقيلة سُحبت فوق حجارة القصر القديم، لم يكن هذا سحرًا صريحًا، بل مهارة اكتسبها في تأمله الطويل، صار عقله يلتقط ما يتركه الحدث من أثر في نسيج المكان
كانت الغابة تحكي له، لا تشكو، بل تُخبر، تنقل إليه اضطرابها كما ينقل الجسد ألَمه إلى القلب، وحين فتح عينيه لم يكن الغضب أول ما شعر به، بل إدراك عميق بأن ما تغيّر فيه لم يأتِ عبثًا، وأن تدريباته لم تكن لنزال عابر، بل لهذا الطريق
تقدم نحو كوخه في المنطقة المحرمة، المكان الذي تجنبه كثيرون رهبةً أو احترامًا، وكان البيت الصغير ينتظره كما تركه، لكن الهواء حوله أثقل، كأن الغابة نفسها تنتظر قراره
في تلك اللحظة فهم أن عودته ليست زيارة، بل بداية مرحلة، وأن ثباته الجديد سيُختبر أمام جراح مملكة كاملة، وأن قوته البشرية وقوة تحوله معًا لن تكونا كافيتين إن لم يصحبهما ذلك السكون الذي تعلّمه، السكون الذي جعله يسمع الغابة وهي تهمس له بأن زمن الصمت يوشك على الانتهاء
حين وطئت قدماه أرض الغابة شعر يامان بأن شيئًا خفيًا قد انكسر في روحها، لم تكن الأشجار أقل ارتفاعًا ولا الهواء أقل نقاءً، لكن الإيقاع تبدّل، صار الحفيف أبطأ، وصارت الطيور أكثر حذرًا، حتى الضوء الذي يتسلل بين الأغصان بدا باهتًا كأنه يمر عبر طبقة من حزن غير مرئي
لم يحتج إلى سؤال ليعرف أن عرش إيمير قد سقط، كان السقوط واضحًا في ارتباك المسارات وفي غياب الدوريات وفي ذلك الصمت الذي يخلفه الخوف حين يصبح عادة يومية، القلاع التي كانت تلوّح براياتها من فوق التلال لم تعد تلمع كما كانت، وبعضها بدا مطفأ الروح كبيت تُرك على عجل
ومع ذلك لم يندفع يامان نحو قلب الأحداث، لم يشعر بنداء يدفعه إلى رفع سيفه فورًا، كانت الحرب التي اجتاحت الغابة واسعة متشابكة، مليئة بديون قديمة وصراعات سلطة لا تعنيه في أصلها، هو لم يخرج طلبًا لعرش، ولم يعد سعيًا لانتقام، بل عاد لأنه يعرف الأرض، لا لأنه يطلب حكمها
قال لنفسه إن الانسياق الأعمى خلف كل نار مشتعلة ليس شجاعة، وإن ما تعلّمه أن يزن الخطوة قبل أن يخطوها، فتقدم نحو كوخه في المنطقة المحرمة محافظًا على مسافة بينه وبين طرق الجيوش ومسارات الدوريات، عيناه ترصدان، وقلبه ثابت لا يتعجل اتخاذ موقف
لكن القدر لم يتركه في عزلته طويلًا
من خلف صف أشجار كثيفة سمع أولًا صوت احتكاك حديد بحجر، ثم وقع أقدام جماعي ثقيل، فتسلل إلى ظل مرتفع يطل على الممر الترابي، وهناك رأى الطابور
كان مئات الأسرى من المستذئبين يُساقون في صفوف طويلة مكبّلين بسلاسل داكنة تلتف حول أعناقهم وأذرعهم، يسيرون ببطء مرهق، وعلى جانبيهم يتحرك حرس من أتباع سولين بوجوه باردة لا تُظهر شفقة ولا غضب
لم يكن المشهد صداميًا فحسب، بل مهينًا، إذ لم يُترك للأسرى حتى كرامة الانكسار الفردي، كانوا كتلة واحدة من التعب تُدفع إلى مصير مجهول، بعضهم مطأطئ الرأس وبعضهم يرفع عينيه في تحدٍ صامت، وآخرون يسيرون كأنهم فقدوا الإحساس بالاتجاه
ثم رآها
وسط الصف، وإن حاولت السلاسل مساواتها بغيرها، بقيت في هيئتها ما يميزها، كانت جود تمشي مكبّلة مثلهم لكن رأسها مرفوع، في وجهها أثر إرهاق واضح، وعلى جبينها جرح قديم لم يلتئم تمامًا، غير أن عينيها ظلّتا حادتين لا تعرفان الاستسلام
شعر يامان بشيء يتحرك في صدره، ليس اندفاعًا أعمى ولا غضبًا صاخبًا، بل انقباض عميق، إدراك أن الحرب التي قال إنها لا تعنيه قد مرّت الآن قربه، تمشي مكبّلة في وضح النهار
ظل في ظله لم يتحرك، يراقب الطابور وهو يبتعد ببطء، والسلاسل تترك خلفها أثرًا خافتًا في التراب، وكان يعرف أن قراره القادم لن يعود بسيطًا كما أراد له أن يكون، لأن بعض المشاهد لا تسمح للمرء أن يبقى محايدًا مهما حاول أن يقنع نفسه بذلك
هبط يامان من الظلال إلى الممر الترابي بهيئته البشرية ثابت الخطوة واضح الملامح حتى اعترض مقدمة الطابور ورفع يده إشارة حازمة فتوقفت السلاسل لحظة وتباطأت الأقدام ونظر الحراس إليه بشيء من الدهشة المشوبة بالاحتقار
تقدم نحو أقرب حارس وقال بصوت مسموع إنه يطالب بتحرير جود فورًا وأن الطابور لن يواصل سيره قبل أن يتلقى ردًا واضحًا ثم تحرك قائد مصاصي الدماء من قلب الصفوف يتبعه حارسان وتوقف قبالته بعينين باردتين وسأله وماذا لو لم نفعل
أجاب يامان بثبات وثقة إذا لم تفعل فاعرف أن حربًا سوف تقوم فارتفع حاجب القائد وقال باستخفاف حرب من أجل امرأة
مال يامان قليلًا وهمس دون أن يخفض نظره إنها ليست مجرد امرأة بل امرأة تعنيني وتخصني
تصلب وجه القائد وصرخ غاضبًا وماذا يمنعني أن أحطمك الآن وأنتهي منك
ضم يامان قبضته دون أن يرفع سيفًا وقال سولين لن تسامحك إذا تسببت في بداية حرب لن تنتهي إلا وعنقها تحت قدمي
تكملة الرواية من هناااااااا


تعليقات
إرسال تعليق