رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية ملك بلا مملكة( الجزء الثاني) الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم اسماعيل موسي حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
#ملك_بلا_عرش
وقف يامان فى هيئته البديله آمام مكتب روان ،يرتدى قميص موف وسترة من الجينز وبنطال ازرق ،شعره مصفف بعنايه
وقميصه الضيق يبرز عضلاته المتينه ،تنهد وطرق باب روان
ادخل !!
كانت روان منشغله فى ملفاتها ولم تنظر إلى الزائر
ظنته واحد من موظفى الشركه، مرفعتش عنيها
تأملها يامان بعنايه ،روان رغم نظارتها الطبيه الا انها فتاه جميله ،مرحه وجذابه ،لا تتعمد الإغراء لكنها مثيره
دون أن ترفع بصرها سألت روان خير ؟
مشى يامان وقعد على الكرسى ،ولع سيجاره وهو يبتسم
المفروض ان معايا ميعاد مع صاحبة الشركه
رفعت روان عنيها بسرعه واتخضت لدرجة انها وفقت فى مكانها بسرعه
اسفه اعتقدتك واحد من موظفى الشركه
انت ؟
ايوه انا قال يامان بلا عنايه
انا سعيده جدا أن حضرتك وافقت تقبل دعوتى، الصراحه انا مبهزره بيك جدا
شعر يامان بالملل حكايات البنات لا تنتهى
لكن انا مش صاحبة الشركه وضحت روان ليامان انا مجرد مديرة الشركه
ممكن اعرف انتى طلبتى تقابلينى ليه ؟ يامان قال انك معجبه بيا
ابتمست روان الصراحه يامان عايز يخلص منى بأى طريقه
اعجابى بحضرتك مقتصر على انك أقوى ذئب فى مملكة الذئاب، انت حاربت هشمير أقوى مستذئب فى العالم التالت وانتصرت عليه بسهوله
لكن انا طلبت اقابلك عشان حاجه تانيه ومحبتش اشغل يامان بيها
وضع يامان قدم على قدم وبص فى عنين روان
خير قولى ؟
همست روان سولين
انتفض شعر يامان عندما سمع الاسم، شعر صدره اصبح مثل الشوك واخترق وقميصه وتمكنت روان من رؤيته بسهوله
مالها سولين سأل يامان بجديه
رفعت روان ايدها، انا وصلتنى معلومه ان سولين بتحضر لهجوم على عشيرة ايمير لأنها الاقوى بين عشائر الذئاب
سولين بتحضر جيش كبير مهجن
ممكن اعرف انتى بتشاركينى المعلومه دى ليه ؟
رائع همست روان، لأن ليه مصلحه خاصه بشغلى
سولين مش بس بتمثل خطر على المستذئبين
لا دى بدأت تنافسنى فى السوق وبتصرف أموال مهوله عشان تقضى على شركاتنا يعنى المصلحه واحده
انا أشعر بخيبة آمل همس يامان بمكر، حضرت هنا من أجل سهره جميله هادئه ،لا من أجل شؤن الذئاب
شعرت روان بالخوف تعرف قوة الذئب الذى يجلس أمامها
لكن يامان لم يمنحها فرصه
انا غير مهتم بسولين انا مهتم بك انت ثم اقترب منها وحشرها عند المكتب اريد قبله قبل أن ارحل
أغمضت روان عيونها ،اذا كنت تريد قبله واحده سأمنحها لك لكن بشرط واحد
اى شرط همس يامان بصوت مرعب ؟
انا تأخذها بعد ان تحول لذئب
تحول يامان لذئب ضخم وسط المكتب نظر إلى روان التى ترمقه باعجاب ،لكن لم يقترب منها، انا لست ذئب عادى ولا اركض خلف احد ،استدار وقفز من الشرفه من ارتفاع الطابق الخامس، تابعته روان باعجاب وهو ينصرف وهى تلعق فمها بلسانها.
#ملك_بلا_عرش
الجزء الثانى
حلقه 2
اختفت من الشارع وانا حاسس بعيون لورا بتلاحقنى
بعدت عن الطريق العام وانا بفكر سولين زعيمة الذئاب تخطط للغزو ؟
المعاهدة بين مصاصى الدماء والمستذئبين تمت عام 812 ومن وقتها والمعاهدة صامده حتى الآن لكن واضح ان طموح سولين ملهوش حد على قدر غيظى وغضبى الا انى إبتسمت
الشجاعه إلى تملكها سولين أكبر من شجاعة والدها وباقى سلالتها ،ان تتجراء على مهاجمة الذئاب وفيهم الهنطاع وادم وهشمير وايمير وزعماء العشائر التسع يشعرنى بسر غامض
ليه انتظرت سولين منافسة الذئاب حتى نهايتها لتقرر هجومها ؟
ولم أجد سوى اجابتين اولاهم ان سولين لم تجد بين المتسابقين ذئب واحد يستطيع أن يقف فى وجهها
كنت اعرف ان عيونها تراقب المسابقه وتتجسس عليها
والأخر ان تكون سولين نجحت فى امتلاك سلاح متطور يضمن لها الاسبقيه.
على كل انا مش مهتم بعشيرة الذئاب، فليدافع عن الذئاب ملكهم ايمير وقائد جيشه ادم وابطالهم الهنطاع وهشمير
لكن انا عندى رحله لازم اقوم بها
زيارة تولين فى غابة الانكا وجماعتها المتطرفه ،مكنتش عارف ان كانت تولين هترحب بزيارتى بعد القطيعة الطويله إلى استمرت بينى وبينها
لكن تولين تواصلت معايا قبل المنافسه ودى بادرة كويسه منها
رجعت على كوخى وقبل ان اصل شممت رائحة جود داخل الكوخ.
رجعت لهيئتى ومشيت ببطيء وعندما رأيتها انحنيت بأدب
أميرة الذئاب فى كوخى المتواضع ؟
ابتسمت جود وبرقت اسنانها الامعه
همست جود _يامان البشرى ؟
قلت نعم
اه تنهدت جود بخفه ورفعت زيلها كانت جود فى هيئتها الذئبيه لأول مره داخل كوخى
همست جود انت مش هتتوقف عن اكاذيبك يا يامان ؟
قلت اى اكاذيب يا أميرة ؟
قالت انت مش بشرى، انت ذئب ،ذئب قوى، ذئب ربما كسب المسابقه
جلست على الأرض ورحت اضحك ،يا أميرة كيف صور لك عقلك اننى ذئب ؟
وحتى لو كنت ذئب كيف انتصر على اسطوره مثل هشمير ؟
قالت جود بثبات انا كنت معاك لما هشمير قدر يعرفك ويكشف سرك ،يمكن مقلش كده صراحه لكن انا فهمت كل حاجه.
قلت ،يا اميره مؤكد ان هشمير كان بيخلط بينى وبين شخص تانى
انا عمرى ما تحولت لذئب ثم إن اصلى عائله فقيره
وانتى اكتر واحده تعرف أن الفقراء حتى لو تحولو بيكونو أضعف من الساده، بيكون قدرهم يكونو عبيد وخدم
رفعت جود زيلها، ما هو دا إلى محيرنى، كل ما أقرب اقطع الشك باليقين اصطدم بالمنطق
يعنى انت مش ذئب يا يامان ؟
قلت لا طبعا ،انا مجرد بشرى يا اميره
رفعت جود رأسها تجاه النجوم واطالت النظر ،ثم غنت الاغنيه القديمه ،كان هناك ذئب كاذب
ذئب جميل لكنه مراوغ
ذئب قوى لكنه استخف بعقول الأخرين
ذئب وليس إى ذئب كان يقطع النهر بقفزة، ويكسب المعركه بضربه لكنه كاذب، كاذب كاذب.
ممكن يا بشرى تحضر طعام العشاء ؟
اميرتك ستشرفك بالبقاء معك الليله
قلت اعتذر يا اميره جود لكن انا ورايا سفر طويل
سفر ؟ سألت جود
سفر ايه ؟
قلت هقوم بزياره عند اقربائي
اقربائك ؟ودول مكانهم فين يا بشرى ؟
قلت فى مكان بعيد خلف التلال المتجمده
دارت جود حول نفسها ، التلال المتجمده ؟ مفيش إى شخص عايش هناك او رجع من هناك يحكى قصه
انت هتموت قبل ما توصل هناك؟
قلت لو مت يبقى قدرى يا اميره
همست جود بشرود ولو رجعت هيبقى حاجه تانيه خالص
قفزت جود برشاقه وضحكت بخجل
كما ترى يا بشرى اكيد لن ارغمك على تقبيلى سلام.
اختفت جود ولم اتعب نفسى بالتفكير، جود فتاه طائشه قدرها سرير ناعم ترقد فيه جوار ادم بطلها
لكنى اخطط لاشياء أخرى ،جمعت حزمة ملابس قليله
صعدت التله عاينت النجوم التى ستقودنى إلى الشمال
نجمة فغىيما السحريه ونجمة بانسوك وثلاثية برياسون
كانت النجمات تلمع فى السماء الصافيه عندما ركضت تجاه الشمال.
#ملك_بلا_مملكة
٣
ركض يامان نحو الشمال والنجوم تقوده كما لو أنها خيوط مشدودة في صدر السماء، كان يعرف الطريق لا من الخرائط بل من البرودة، فكلما اشتد الهواء وتجمدت أطرافه فهم أنه يقترب من التلال المتجمدة التي تفصل عالم العشائر عن أرض الانعزال.
الأرض تغيرت تدريجيا، اختفت الأشجار الكثيفة وحل مكانها صخر رمادي ممتد، تكسوه طبقات رقيقة من الجليد، الرياح هناك لا تعوي بل تصفر، كأنها تمر عبر شقوق قديمة في العالم نفسه، وكان يامان يتحرك بخطوات ثابتة، لا يسرع بلا داع ولا يبطئ خوفا، جسده يعرف كيف يوفر الحرارة، وكيف يوزع النفس حتى لا يخونه.
عبر مرتفعا بعد آخر، وفي منتصف الطريق لمح شيئا لم يتوقعه، خيط دخان رفيع يصعد من جهة جبل مهجور، جبل عارٍ من الشجر، أسود القمة، لا يسكنه أحد بحسب القصص القديمة، توقف لحظة، رفع رأسه، شم الهواء، كان الدخان حقيقيا لا وهما، يحمل رائحة احتراق عميق لا يشبه نار صياد عابر.
ظل يراقبه لثوان طويلة، ثم أدار وجهه وأكمل سيره
لم يكن الجبل في طريقه، ولم يكن يبحث عن إجابات جانبية الآن، هناك أشياء يجب أن تُترك لوقتها، وأخرى إن اقتربت منها مبكرا ابتلعتك، ويامان لم يأتِ إلى الشمال ليطارد ظلالا.
كلما اقترب من غابة الانكا أصبح الصمت أثقل، حتى الريح بدت وكأنها تتراجع عند خط معين، وكأن هناك حدودا غير مرئية تفصل أرضا عن أخرى، لاحظ أن الثلج تحت قدميه لم يعد عاديا، بل متماسك بصلابة غريبة، وأن آثار خطواته لا تدوم طويلا، كأن الأرض تمحو الغرباء،ثم بدأت الأشجار تظهر من بعيد.
لم تكن أشجارا عادية، جذوعها عالية داكنة، وأغصانها متشابكة كأنها أذرع نساء واقفات في دائرة حماية، الغابة لم تفتح فمها لاستقباله، بل وقفت ككيان واحد يراقب القادمين
توقف يامان عند الحد الفاصل، هناك حيث ينتهي الحجر المتجمد وتبدأ التربة الداكنة، خفض رأسه قليلا لا خضوعا بل اعترافا، هذه ليست أرض عشيرة، وليست أرض ملوك، هذه أرض اختارتها نساء محاربات رفضن الانحناء، نساء تخلين عن الدفء السهل واخترن العيش على حافة العالم.
اعتقد إن تولين تقودهن بعقل لا يرحم وقلب لا يتردد، وإن جماعتها لا تؤمن بالعروش ولا بالتحالفات القديمة، بل تؤمن بالقوة المصقولة بالانضباط، وبأن الذئب لا يولد سيدا بل يصير كذلك،خطا يامان خطوة داخل حدود الغابة،فورا تغير كل شيء.
الهواء صار أدفأ رغم البرد، العيون وإن لم يرها أحاطت به، والظل تحرك في أطراف بصره، لم تكن حركة عشوائية، بل تموضع حراسة، يعرف هذا الإيقاع، يعرف كيف تتحرك المحاربات حين لا يردن أن يُرَين.
لم يمد يده لسلاح، ولم يعلن اسمه، وقف فقط، منتظرا، لأن من يدخل أرض تولين دون دعوة لا يقطع مترا إضافيا قبل أن يُسمح له.
ومن بين عمق الأشجار، في مكان لا تحدده العين بل تحدده الغريزة، شعر بأنفاس تعرفه، أنفاس ليست عدوا ولا صديقة، بل ماضٍ لم يُحسم.
رفع بصره إلى الظلال وقال بصوت ثابت، وصلت يا تولين
ولم يجب أحد، لم تتواصل معه تولين
لم تمر لحظات على وقوفه داخل حدود الغابة حتى تبدلت الرطوبة في الهواء، وصار للصمت وزن يمكن لمسه، ومن بين الجذوع الداكنة انزلقت ظلال رشيقة، لم تكن خطواتهن تُسمع بل كانت تُحس، نساء يتحركن بانضباط عسكري لا تشوبه فوضى.
لم تمتد يد إلى سيف، ولم يُطلق عواء إنذار، بل انطلق سهم صغير من جهة لا تُرى، لا يحمل نصلًا بل حفنة مسحوق أخضر، ارتطم قرب وجه يامان وتفتت في الهواء، تسلل العشب المسحوق إلى أنفه قبل أن يلتفت، عرف الرائحة.
عشب إغماد الحواس، نادر، لا يُستخدم إلا في الأسر، يبطئ العضلات ويثقل الدم دون أن يطفئ الوعي تمامًا.
كان يستطيع أن يقاوم لثوان، أن يقفز، أن يتحول، أن يختبر حظهن، لكنه لم يفعل، ترك جسده يلين قليلًا، ركبتاه لامستا الأرض ببطء، لم يكن سقوطًا بل اختيارًا، ورفعت عيناه آخر مرة نحو الأشجار قبل أن تُحاط به الدوائر الضيقة.
ثبتت القيود حول معصميه، قيود من جلد قاسٍ مخلوط بشيء معدني بارد، لم تكن لإهانة بل لضبط كائن غير معروف القوة، وسُحب بين صفين من المحاربات عبر ممر لا يُرى إلا لمن يُقاد إليه.
الغابة في عمقها لم تكن كما تخيلها، لم تكن فوضى أشجار، بل مدينة مخفية بين الجذوع، منصات خشبية مرتفعة، حبال تمتد من شجرة إلى أخرى، نار مشتعلة داخل تجاويف لا يطفئها المطر، وكل شيء يتحرك في إيقاع محسوب.
أُلقي به داخل قفص من قضبان سوداء سميكة، ليس ضيقًا بما يكفي للإذلال ولا واسعًا بما يكفي للحركة، وُضع القفص في ساحة دائرية تتوسط الغابة، الأرض هناك مضغوطة وكأن أقدامًا كثيرة وقفت فيها لسنوات،ثم ارتفعت الطبول
لم تكن طبولا صاخبة، بل عميقة، بطيئة، تضرب بإيقاع يشبه نبضًا جماعيًا، ومع كل ضربة كانت المشاعل تُرفع أعلى، فتشتعل الوجوه حوله بلهب برتقالي يكشف القوة لا الزينة، وجوه نساء لا يعرفن التردد، عيون ثابتة، أكتاف مستقيمة، ندوب لا يوارينها.
في منتصف الدائرة، على منصة من خشب داكن، جلست زعيمة العشيرة،
لم تكن كبيرة في السن كما قد يتخيل غريب، بل شابة، شعرها طويل مربوط بعقد محكمة، في عينيها زرقة باردة لا تتزحزح، جسدها يحمل أثر التدريب لا المظهر، وسكونها كان أخطر من صراخ ألف محارب.
وقفت حين وُضع القفص أمامها، لم تصعد إلى مستوى أعلى، لم تحتج إلى عرش، مجرد وقوفها جعل الحلقة كلها تضيق،
ضربت الطبول ثلاث مرات متتابعة، فسكتت الأصوات فورًا،
اقتربت خطوة، عينان بعينين، لم تنظر إليه كغريب فقط، بل كمخالفة، كاختراق لنظام لم يُكسر من قبل، لأنه الرجل الأول الذي يعبر حدود غابتهم حيًا.
لم يصرخ أحد، لم يُشهر سيف، لم تُعلن إهانة، بل ساد ذلك الجو الثقيل الذي يسبق الكلمة الأخيرة
النار اشتعلت أعلى، المطر في الخارج توقف عند حدود الساحة، والقبضات المتوترة حول الرماح لم ترتعش،
وقف يامان داخل القفص، ظهره مستقيم رغم القيود، ونظر إليها بثبات لا تحدٍ فيه ولا اعتذار.
وفي تلك اللحظة، قبل أن تُنطق أي كلمة، كان واضحًا أن هذه الليلة لن تكون مجرد محاكمة غريب، بل مواجهة بين تاريخين، بين غابة لم تسمح لرجل أن يحكمها، وذئب اختار أن يدخلها دون سيف.
المشاعل تترنّح مع نَفَس الريح القادمة من فم الجبل، والطبول تُدق بإيقاع بطيء يشبه نبضًا متحفظًا لا يريد أن يفلت من صدر الغابة.
كان القفص الحديدي قائمًا في قلب المجلس، ويامان داخله واقف، ساكنًا كجذع شجرة أصابه المطر ولم يُحنِه.
الزعيمة الشابة جلست على عرش منحوت من خشب أسود، خلفها رموز القبيلة محفورة كأنها تاريخ محفور في العظم، عيناها ثابتتان لا تفضحان ميلًا ولا رفضًا. حولها دائرة المحاربات، سيوفهن مغروسة في الأرض، وأرديتهن الجلدية تلتصق بأكتافهن من أثر المطر الصقيع،أول صوت خرج كان حادًا كحدّ النصل.
محاربة عريضة الكتفين تقدمت خطوة، وقالت إن الأرض لفظته قبل أن يعترف بذنبه،أشارت نحو الجبل البعيد، حيث فم الحمم يضيء السماء بلونٍ أحمر خافت، وقالت إن النار أعدل من البشر، تحرق ولا تجادل، وإن مصيره يجب أن يُلقى إلى الحمم البركانية ليعود رمادًا كما يعود كل غازٍ،لم يكن في نبرتها غضب، بل يقين قديم، كأنها تنفّذ قانونًا مكتوبًا قبل أن تُولد.
صوت آخر ارتفع، أكثر هدوءًا لكنه أشد قسوة،محاربة نحيلة ذات ضفائر طويلة اقترحت الشنق بين شجرتي السدر العتيقتين عند مدخل الغابة، ليبقى جسده معلّقًا علامة لا تُخطئها عين.
قالت إن الموت السريع رحمة لا يستحقها، وإن الاختناق البطيء يُذكّره بكل نَفَس أخذه من أرض ليست له،
ثم انحنت ثالثة، أصابعها تمسّ مقبض رمحها كما لو كانت تمسّ فكرة،اقترحت تقطيعه أربعة أجزاء، يُدفن كل جزء في جهة من جهات الغابة الأربع، ليصير جسده حارسًا صامتًا للحدود التي انتهكها،كان اقتراحها يُغذّي الطبول إيقاعًا أعلى، كأن الخشب تجاوب مع قسوة الفكرة.
لكن الهمس الذي تسرّب من الخلف لم يكن من حديد، بل من طين ورغبة في البقاء
محاربة أكبر سنًا، وشعرها الأبيض مربوط بخيط أحمر، رفعت يدها ببطء،قالت إن الغابة لا تنقصها الجثث، بل تنقصها الدماء الجديدة، أكدت أن النساء هنا ورثن الشجاعة، لكنهن ورثن أيضًا العزلة،وهذا أول رجل يعبر الحدود حيًّا، نظرت نحو القفص، لا بشهوة ولا برأفة، بل بحساب،قالت إن استخدامه لإعادة النسل ليس ضعفًا، بل استثمار في بقاء القبيلة،
ساد صمت قصير، ثقيل. حتى المطر بدا كأنه يخفّ وقعُه ليستمع.
تبادلت المحاربات نظرات متوترة، بعضهن قبِلن الفكرة كحاجة قاسية تفرضها الطبيعة، وأخريات شددن قبضاتهن على السيوف كأن الاقتراح إهانة مستترة لكبرياء السلالة التي لم تحتج يومًا إلى رجل كي تحكم أرضها.
ويامان داخل القفص لم يتحرك لم يدفع القضبان، لم يحتج، لم يرفع صوته. كان واقفًا فقط، عيناه تتجولان في دائرة الوجوه،لم يبدُ عليه خوف من الحمم، ولا اكتراث بحبل، ولا نفور من فكرة تحويله إلى أداة، كأنه يعرف أن المجلس، رغم صخبه، لم يصل بعد إلى جوهر المسألة،الطبول هدأت تدريجيًا
المشاعل تصاعد منها دخان أزرق، واختلط في الهواء برائحة المطر والرماد،والزعيمة ما زالت صامتة،لم تصدر حكمًا
لكن في عينيها كان شيء يتشكل… ليس رحمة، ولا قسوة
بل قرار ينتظر لحظة مناسبة كي يولد.
#ملك_بلا_مملكة
٤
حين أُغلق القفص على يامان، لم يرَ في الحديد سوى شكلٍ من أشكال الانتظار،كان واثقًا أنه استسلم بإرادته، وأنه هو من اختار ألّا يقاوم،كان يظن أنه هو من سمح للعشب أن يُرشق على أنفه، وهو من ترك ركبتيه تلينان لحظة، لا عجزًا، بل حسابًا وتقديرًا للموقف، هكذا أقنع نفسه، وهكذا بنى داخله روايةً متماسكة عن سيطرته الكاملة على ما حدث.
لكن غابة الإنكا لم تكن أرضًا عادية. لم تكن محروسة فقط بمحارباتها، بل بشيء أقدم منهن جميعًا؛ شيء يتنفّس تحت التربة، ويجري بين الجذور، ويصعد بخارًا من شقوق الصخور. كان سحرًا لا يُرى بالعين، لكنه يُحس كخيطٍ دقيق يلتف حول المعصم ويضيق دون أن يُلاحظ.
حين وقف يامان داخل القفص، قرر أن يختبر أبسط ما يملكه من قدراته، أغمض عينيه محاولًا أن يلتقط همسات الريح البعيدة، وأن يحصي خطوات الحراس خارج الدائرة، وأن يميّز نبض القلوب في مجلس المحاربات كما اعتاد أن يفعل في أراضٍ أخرى، لكنه لم يسمع سوى إيقاع الطبول المتكرر،كان السمع كأنه مغطّى بستار كثيف يحجب التفاصيل الدقيقة التي تميّز بها دائمًا.
فتح عينيه بهدوء، ثم جرّب أن يمدّ ظلّه، فالظل كان دومًا جزءًا من أدواته،كان يستطيع أن يجعله يطول ويتقدّم عليه، وأن يتسلّل بين الصخور أو يلتف حول خصومه قبل أن تتحرك قدماه، لكنه هذه المرة رأى ظلّه ثابتًا تحت القفص، قصيرًا ومنكمشًا، كأنه ظلّ رجل عادي لا أكثر. عندها تسلّل شيء بارد إلى أطراف أصابعه.
حاول بعدها أن يستدعي القوة الخام التي تسري في عروقه كلما أراد. تلك الحرارة التي تبدأ من صدره وتمتد إلى أطرافه، وتتحول إلى اندفاعة صافية من التركيز والقوة، ركّز ذهنه وأطلق الإرادة كما يفعل دائمًا، منتظرًا ومضة أو شرارة،لكن شيئًا لم يحدث،لم تكن القوة مفقودة تمامًا، بل كانت كأنها خلف جدار شفاف، قريبة ومحجوبة في آنٍ واحد.
تحرك داخل القفص ببطء، لا ليهرب، بل ليتحسس الهواء من حوله،كانت رائحة الأعشاب التي رُشقت على أنفه باقية، غير أن أثرها الجسدي زال منذ وقت،جسده استعاد توازنه، لكن قواه لم تعد،رفع بصره نحو قمم الأشجار العالية، فرأى بخياله المدرب خيوطًا باهتة من طاقة خضراء تتشابك بين الأغصان، أدرك أن تلك الخيوط لم تكن وهمًا، بل شبكة قديمة من سحر نسوي منسوج حول الغابة كقبة غير مرئية.
عندها بدأ الشك يتحول إلى يقين. لم يكن قد استسلم لأنه أراد، بل لأنه لم يكن يملك القدرة على المقاومة كما اعتاد، غابة الإنكا لم تكن تمنع الرجال من الدخول فحسب، بل كانت تُخضع أي قوة لا تنتمي إلى سحرها، لذلك لم تطارده المحاربات بجنون، ولم تقيده بالسلاسل، إذ كانت الغابة نفسها هي القيد الأكبر.
لم يغضب يامان، بل شعر بشيء مختلف، شيء أقرب إلى الاعتراف الهادئ، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وجد نفسه واقفًا في أرض لا تطيعه ولا تخضع لإرادته،كان شعورًا لم يعرفه منذ طفولته الأولى. ومع ذلك، لم يشعر بالضعف، بل باهتمام عميق، لأن الأرض التي تستطيع أن تحجب معظم قواه لا بد أن تخفي سرًا يستحق الفهم.
وهنا فقط أدرك الحقيقة كاملة، لم يكن استسلامه بطولة محسوبة ولا خطة محكمة كما ظن، بل كان خدعة نسجتها الغابة من حوله بهدوء، وأقنعته بأنه هو من اختار الطريق.
ساد الصمت في مجلس المشاعل حين وقفت الزعيمة،
لم تكن الأكبر سنًّا بينهن، بل كانت الأصغر تقريبًا، لكن حضورها كان يُغني عن السنوات،كانت تقف مستقيمة الظهر، قصيرة القامة نسبيًا، إلا أن ظلها على جدار الصخور بدا أطول من الجميع،شعرها الأسود الطويل مضفور بخيوط حمراء داكنة، وعيناها بلون العسل المحروق، ثابتتان لا ترتجفان.
حين تحدثت، لم ترفع صوتها، ومع ذلك، انخفضت الطبول وحدها،
قالت إن الرجل الذي دخل أرض الإنكا هو أول ذكر يعبر حدود الغابة منذ أجيال طويلة، وإن الغابة نفسها لم تقتله ولم ترفضه، بل تركته يُقاد إلى المجلس، وهذا في عرفهم علامة، وليست صدفة،
نظرت إلى يامان داخل القفص نظرة لم تكن عدائية، بل فاحصة. ثم أعلنت قرارها:
لن يُقتل الآن.
لن يُشنق.
ولن يُلقى في الحمم،عليه أن يحدد قدره بنفسه.
سيُفك قيده عند بزوغ الفجر، ويُمنح حق القتال،سيخوض نزالات متتالية ضد خمس من محاربات الإنكا، إن استطاع أن ينتصر على اثنتين منهن قبل أن يُهزم، فسيُمنح العفو ويُسمح له بمغادرة الغابة حيًا، تحت مراقبة سحرها،أما إن هُزم… فسيُعتبر ملكًا للغابة، ويُترك للمحاربات الخمس أن يستخدمنه بالطريقة التي يرغبن بها، وفق قوانين المجلس التي لا تُناقش،
لم تبتسم وهي تنطق بالشطر الأخير، ولم تحتج إلى توضيح
ارتفعت الطبول مرة أخرى، لكن بإيقاع أبطأ، أثقل، كقلبٍ يستعد لركضة طويلة،ثم تقدمت أولى المختارات.
كانت خمسًا، وقفن صفًا أمام المشاعل، يتقدمن خطوة واحدة في آنٍ واحد، كأن الأرض تحفظ ترتيب أقدامهن
الأولى كانت طويلة، ذات بشرة برونزية داكنة، وندبة تمتد من كتفها إلى عظم ترقوتها،عيناها سوداوان، بلا رمشٍ زائد، وحول معصمها أساور نحاسية سميكة. كانت تحمل رمحًا قصيرًا مزيّنًا بعظام مصقولة. حضورها أقرب إلى العاصفة المكبوتة.
الثانية أقصر قليلًا، لكن جسدها مشدود كقوس. شعرها الكستنائي القصير ينسدل حتى عنقها، وعلى وجهها نقاط طلاء أزرق تحيط بعينيها الواسعتين. لم تحمل سلاحًا ظاهرًا، بل وقفت ويداها فارغتان، بثقة من يعرف أن جسده سلاح كافٍ.
الثالثة كانت بيضاء البشرة نسبيًا، بعينين خضراوين صافيتين، وشعر أشقر داكن مربوط إلى الخلف،ارتدت جلدًا داكنًا خفيفًا يسمح بالحركة السريعة، وعلى فخذها خنجران من حجر بركاني أسود، يلمعان بحدة غير طبيعية.
الرابعة بدت الأكثر هدوءًا. شعرها طويل ومفرود، تتخلله ضفائر رفيعة تحمل خرزًا ملونًا. عضلات ذراعيها واضحة لكنها غير متضخمة، متناسقة كانت تمسك بقوس قصير مصنوع من خشب داكن، وعلى ظهرها جعبة سهام ريشها أسود بالكامل. عيناها لم تفارقا يامان لحظة.
أما الخامسة، فكانت الأصغر سنًا بعد الزعيمة، وربما الأقرب إليها ملامحها ناعمة بشكل لافت، لكنها تحمل قسوة متعمدة في نظرتها. على ذراعيها وشم دائري يشبه الشمس نصف المحروقة، وسيفها المنحني يتدلّى منخفضًا، كأنه جزء من ساقها لا يفارقها، لم تكن تبتسم، لكنها لم تبدُ غاضبة أيضًا؛ بل فضولية.
وقفن جميعًا في صمت، تتراقص ألسنة النار على وجوههن، فترسم ظلالًا حادة على عظام الخدود والفكوك في القفص، كان يامان يراقب.
شعر بالسحر الأخضر للغابة لا يزال يضغط على صدره، يحجب معظم قوته، لكنه لم يعد يلوم نفسه على الاستسلام الآن فقط فهم اللعبة،ليست معركة قوة مطلقة، بل اختبار بحدود مفروضة،رفعت الزعيمة يدها، فتوقفت الطبول
قالت إن الفجر هو الحكم.
ثم انطفأت بعض المشاعل، وبقيت الأخرى مشتعلة، تتراقص في ليل الغابة الكثيف.
#ملك_بلا_مملكة
٥
مع أول خيط رمادي للفجر، فُتح القفص دون ضجيج. لم تكن هناك قيود تُفك، لأن يامان لم يُقيد أصلًا بسلاسل؛ كانت الغابة نفسها هي القيد الخفي.
خرج بخطوات ثابتة إلى ساحة دائرية من ترابٍ رطب، تحيط بها أعمدة خشبية تتدلّى منها رموز منحوتة بعناية. كان الهواء باردًا، والندى يلمع فوق الأرض كطبقة رقيقة من الزجاج.
وقف يامان في المنتصف، وشعر بذلك الثقل غير المرئي لا يزال جاثمًا على صدره، لم تكن قوته غائبة بالكامل، لكنها كانت بطيئة الاستجابة، كأن هناك مسافة فاصلة بين إرادته والطاقة التي اعتاد أن تطيعه فورًا.
تقدّمت المحاربة الأولى، الطويلة ذات الندبة الممتدة من كتفها إلى ترقوتها، وهي تمسك رمحًا قصيرًا بيد واحدة. لم تندفع إليه كما يفعل المقاتلون عادة، بل بدأت تدور حوله بخطوات محسوبة. كانت تتحرك خطوة إلى الأمام ثم جانبًا، ثم تتوقف فجأة بلا سبب ظاهر، حاول يامان أن يلتقط نمط حركتها كما اعتاد أن يفعل مع خصومه، لكنه لم يجد إيقاعًا ثابتًا يُبنى عليه.
اندفعت فجأة، لا مباشرة نحوه، بل إلى جانبه، ثم انحرفت نصف انحرافة وغرست الرمح في الأرض عند قدمه، مجبرةً إياه على القفز لتجنب الاصطدام. قفز يامان فعلًا، لكنه أدرك في الهواء أن الضربة لم تكن موجهة لإصابته، بل لدفعه إلى حركة محسوبة مسبقًا،عند هبوطه، التف حبل جلدي منخفض حول كاحله، وتعثرت قدمه لحظة قصيرة كافية لإرباك توازنه.
استعاد وقفته بسرعة، وانتزع الرمح من يدها بقوة جسدية صافية، لوهلة قصيرة ظن أنه قلب الموازين، لكن ابتسامتها الهادئة أخبرته بعكس ذلك.
تركت الرمح طواعية، واستغلت اللحظة التي احتاجها ليستعيد ثباته، فسددت ركلة دقيقة إلى داخل ركبته أربكت مركز ثقله،في الحركة التالية كانت خلفه دون أن يلتقط صوت خطوتها، وضغطت بكوعها خلف عنقه وسحبت ساقه المقيّدة جزئيًا بالحبل، فسقط أرضًا.
ثبتت الرمح عند عنقه دون أن تغرسه، وضربت الأرض ثلاث مرات إعلانًا لانتهاء الجولة الأولى.
نهض يامان ببطء،لم يكن الألم ما أثقل صدره، بل الإرباك، لم يفهم أسلوبها، لم يستطع قراءة نيتها قبل الحركة، ولم يستطع استشعار انتقالها كما اعتاد، لأن سحر الغابة كان يعطل أدواته المعتادة في التحليل والاستشعار.
تقدّمت المحاربة الثانية، الأقصر قامة ذات الطلاء الأزرق حول عينيها، وقد وقفت أمامه بلا سلاح ظاهر. اقتربت منه أكثر مما يسمح به المنطق في مواجهة رجل يتمتع ببنيته القوية.
بدأ الاشتباك بسرعة؛ تفادى يامان أول ضربة وردّ بأخرى أصابت كتفها، لكنه لاحظ أن أثر ضربته بدا أضعف مما توقع، كأن الأرض امتصّت جزءًا من قوتها.
تحركت حوله بخطوات قصيرة سريعة، ومع كل خطوة شعر باهتزاز خفيف في التربة تحت قدميه،لم تكن الطبول تُدق، ومع ذلك بدا أن الأرض نفسها تضبط الإيقاع، حين تقدم خطوة للأمام، انزلقت قدمه في انخفاض طفيف لم يكن موجودًا قبل لحظة،لم تُحفر الحفرة بيد، بل كأن التربة لانت في موضع قدمه تحديدًا.
استغلت اختلال توازنه، فأمسكت معصمه والتفت حول ذراعه بحركة حلزونية أربكت مفصل كتفه، حاول أن يتحرر بقوة عضلاته، لكن كلما شد ازداد انزلاقه،وجهت ضربة مفتوحة إلى صدره أربكته، ثم كنسَت ساقه وهو غير مستقر بالكامل، سقط مرة أخرى، وفي لحظة كانت ركبتها تثبت معصمه وذراعه ملتوية بزاوية مؤلمة.
ضربت الأرض ثلاث مرات، معلنة نهاية الجولة الثانية
ارتفعت ضحكات خافتة من أطراف الساحة. لم تكن ضحكات صاخبة، بل نبرات ساخرة واثقة. قالت إحداهن إن قوته كبيرة لكن قدميه لا تعرفان أرضهم، وأضافت أخرى أن الغابة لا تحارب معه بل عليهم ،ابتسمت الأولى وهي تعيد ترتيب حبالها، وكأن النزال كان درسًا بسيطًا.
وقف يامان مرة أخرى، وهذه المرة شعر بصدمة حقيقية. لم تكن هزيمته هي ما أوجعه، بل عجزه عن فك الشفرة،لم يكن قتالهن فرديًا، بل شبكة مترابطة بين الجسد والأرض، كل حركة تصدر من محاربة تستكملها الغابة بنعومة خفية،أدرك أن مشكلته لم تعد مجرد قوة محجوبة، بل افتقاد لفهم النظام الذي يتحركن داخله.
حاول أن يستدعي طاقته، لكن الجدار الشفاف لا يزال قائمًا. عندها فقط تسلل إلى داخله سؤال لم يطرحه من قبل: هل عجزه سببه سحر الغابة وحده، أم أنه لم يتعلم يومًا كيف يقاتل دون الاعتماد على قوته الخاصة؟
كانت ضحكات الإنكا تتردد في خلفية الفجر، خفيفة لكنها واضحة، وللمرة الأولى منذ سنوات بعيدة، شعر يامان أن خصومه لا يرونه أسطورة… بل تحديًا يمكن تفكيكه.
بعد الجولة الثانية، لم يطلب يامان نزالًا ثالثًا
ظل واقفًا في منتصف الساحة، صدره يعلو ويهبط ببطء محسوب، وعيناه لا تنظران إلى المحاربات الخمس، بل إلى عرش الزعيمة.
تقدم خطوة واحدة فقط، علامة احترام لا خضوع،
قال بصوت هادئ إن القتال بلا فهم ليس شجاعة، وإنه يطلب مهلة، لم يطلب شفقة، ولم يشتكِ من سحر الغابة، بل قال إنه يريد وقتًا يتدرب فيه وحده داخل حدودهم، حتى يخوض النزالات كما ينبغي،ساد همس حاد بين الصفوف
إحدى المحاربات سخرت قائلة إن الذئب يطلب أن يتعلم المشي بعد أن انكسرت قدماه.
أخرى اعترضت بأن أرض الإنكا ليست ساحة تدريب للغرباء، وأن من يعجز يُحسم أمره، لا يُمنح فرصة ثانية.
ارتفعت الأصوات قليلًا، لكن الزعيمة الشابة رفعت يدها، فعاد الصمت بسرعة.
نظرت إلى يامان طويلًا، كأنها تقيس ليس قوته بل صموده تحت الإهانة، ثم قالت إن الغابة لم ترفضه، وإنها لن ترفض طلبه،ستمنحه يومين كاملين داخل حدود الغابة.
يومين يتدرب فيهما بمفرده، دون أن يُساعده أحد
لكن الشرط لن يكون بسيطًا.
إذا فاز بعد اليومين على اثنتين من المحاربات، فلن يكون ذلك كافيًا،عليه أيضًا أن يهزمها هي شخصيًا، إن انتصر عليها، نال حريته الكاملة وخرج حيًا كما وعدت، أما إن عجز عن هزيمتها، حتى لو تغلب على الأخريات، فلن يُمنح الحرية
لم تشرح السبب،ولم يعترض أحد
وافقت المحاربات على الشرط بصمت، لأن الزعيمة حين تدخل نفسها في المعادلة، يتحول الأمر من لعبة إلى اختبار مصيري.
أُطلق سراح يامان داخل الغابة، لكن تحت رقابة غير مرئية. لم يرافقه أحد، ومع ذلك شعر أن الجذور تنصت إلى خطواته
ابتعد عن الساحة، وسار نحو عمق الأشجار حيث الضوء أخف والهواء أثقل،كان يبحث عن الأعشاب.
لم يكن جاهلًا بعالم النبات،يعرف أوراق السلفان، وجذور الهربان، ورائحة الليرما الزرقاء التي تعيد الصفاء إلى الحواس، اعتقد أن بإمكانه إيجاد ما يخفف أثر السحر الأخضر الذي يحيط بالغابة،راح يتتبع الروائح الخفيفة بين الأشجار، ينحني أحيانًا ليفحص نبتة، ويترك أخرى، وجد أعشابًا تعيد النشاط الجسدي، وأخرى تهدئ التنفس، لكنه شعر أن ما يحجبه ليس تسممًا ولا وهنًا طبيعيًا،في منتصف اليوم الأول، لمح شيئًا غريبًا.
بين جذعين ملتفين، كان هناك حجر مسطح نصف مدفون في الأرض، تتسرب من تحته نسمة باردة غير منسجمة مع حرارة النهار. انحنى، وأزاح بعض الطين، فاكتشف حلقة حديدية صغيرة مخفية بعناية،رفع الحجر بصعوبة، فكشف فتحة ضيقة تقود إلى درج حجري ينحدر نحو الأسفل،لم تكن تلك فتحة طبيعية.
نزل ببطء، متحسسًا الجدران الرطبة، حتى وصل إلى قبو عميق محفور في الصخر، كان الضوء خافتًا، يأتي من شق صغير في الأعلى،وهناك، في زاوية القبو، رآها
فتاة صغيرة السن، لا تتجاوز الخامسة عشرة، بشعر أسود كثيف غير مرتب وعينين واسعتين بلون رمادي باهت،لم تكن مقيدة بالسلاسل، لكن الرموز المنقوشة على الجدران حولها أوضحت أن السجن سحري لا مادي
نظرت إليه بدهشة لم تخلُ من ابتسامة خفيفة
قالت إنها لم تتوقع أن يكون أول من يعثر عليها رجلًا
عرّفت نفسها بأنها عرافة صغيرة، وأن رؤاها أقلقت مجلس المحاربات. لم يقتلوها، لكنهم حبسوها هنا لأن نبوءاتها لا تناسب قوانين الغابة دائمًا.
اقترب يامان خطوة، متفحصًا الرموز المحيطة بها، شعر أن السحر هنا مختلف عن سحر الساحة؛ أقدم، أهدأ، وأشد عمقًا
قالت له إنها تعلم سبب ضعفه.
وإن الأعشاب التي يبحث عنها لن تعيد له قوته، لأن ما يقيّده ليس نباتًا ولا سمًا، بل ميثاق قديم بين الغابة والسماء
ثم رفعت رأسها نحوه وقالت بصوت خافت:
ساعدني على الخروج،وأخبرك كيف تقاتل الغابة بدل أن تقاتلك
لم يكن في صوتها رجاء طفولي، بل يقين محسوب.
تكملة الرواية من هناااااااا


تعليقات
إرسال تعليق